الجمعة، ديسمبر 05، 2008

هدوء القتلة ـ طارق امام

هدوء القتلة :
خيوط حريرية بين الخيال والواقع . يراهن الروائي طارق إمام في روايته الأخيرة " هدوء القتلة" ( التي صدرت طبعتها الثانية ) علي أن يصنع من حبات الرمل المتناثرة جبلاً متماسكاً ، تظل كل حبة فيه تسند الحبة الأخري حتي يتم التشييد فتتضح ملامحه . ففكرة روايته ، علي حداثتها ، لا تستطيح وحدها أن تنشيئ عالما روائيا رحب الأفق ، إلا أن التفاصيل الصغيرة والحكاوي القصيرة أقامت هذا العالم . يقوم العمل علي هذه المفارقة في الذات الإنسانية التي تكتب الشعر بيد وتقتل بالأخري ، ويبدأ هذا الصراع مع العنوان نفسه ، حيث أن الهدوء لا يعرف طريقه إلي قلب القاتل إلا إذا كان من هؤلاء الذين يقتلون علي عقيدة راسخة . إذن فقد بدأ السرد مبكراً ، ورحلة الغوص في النفس البشرية بدأت من العنوان ، الذي دعمه الغلاف الذي عكس روح العمل بصور قليلة : دمية صغيرة تعبر عن البراءة ، صورة جانبية لرجل باللون الأبيض والأسود ، والخلفية لرجل يرتدي جاكيت مفتوح لمنتصفه . وكلها صور تستطيع أن تراود القاريء أثناء قراءة النص ، للبطل نفسه . تبدأ " هدوء القتلة " بتسليط الضوء علي المكان ، مدينة القاهرة ، التي يصفها بأن أحدا لا يعرف حقيقتها سوي القتلة ، فهُم من يدركون مدي صغرها ، وسريعا ما ينتقل لتاريخ الدماء فيها . هذه المدينة يشاهدها البطل ، الأن ، من خلال شرفة في الطابق الثالث والعشرين . وهنا نلاحظ أن الرواية تبدأ بصوت البطل ، الذي يستمر في الحكاية علي طول العمل ليكون الراوي العالم بكل شيئ ، من أحداث وشخصيات وأبعاد نفسية ، ورؤي يعبر عنها فتكتسي بثوب المتأمل . وربما يصلح الفصل الأول كمقدمة لما تدور حوله الأحداث فيما بعد ، حيث لعب دور المرجعية بالنسبة للقاتل . ففي هذا الفصل يحكي لنا عن الناسك الحليق ، ويرسمه لنا بتفاصيله " حليقا بما يليق برجل رأي الله كثيرا في مناماته وعرف أقصر الطرق لتجنبه . في أذنه اليسري قرط معدني علي هيئة ثعبان مجنح يتدلي علي كتفه ، ومكان أذنه اليسري ... ثبت قماشة " . وانتقل لوصف المكان الذي عاش فيه ناسكه ، حيث " الفئران تتقافز في حجره ، تلتهم فتات الخبز الذي تبقي من طعامه ، وبيده المقدسة تعود أن يملس علي فرائها المنحولة ..." . وبالاضافة للفئران التي ترافقه ، نجد النمل والسحالي ، كما تدخل النسور لتنذر بموت قادم أو لتنبه بجثمان فاحت رائحته . ولعل أهم ما في حياة هذا الناسك هو هذا " المجلد الضخم : تاريخ غرامه السري " ، القادر علي إسالة دموعه أو بث القوة فيه من جديد ليستعيد هيئة الديكتاتور القديم الذي كانه . وهذا المجلد الضخم ، الذي لعب دور البطل المختبيء علي طول الرواية ، هو مخطوطه الدموي المقدس " الذي ظنه ذات يوم سريا " ، والذي تركه الناسك لنسله المنتشرين في أرجاء المدينة ، و هم من صاروا من بعده ، مثله ، " قتلة متوحدون ، " غارقون في منامات خطرة ، لايرون وجه الله سوي بعيون مغلقة " . وهنا يأتي صوت السارد ليؤكد أنه " واحد من هؤلاء " . ويعتبر هذا الفصل التأسيسي أقوي فصول الرواية من حيث الوصف ، كما أنه امتاز بقدرة عالية علي التحليق في عالم ساحر ، لم يلامس خلاله الأرض حتي نهايته . في الفصول التالية يهبط السارد من سمائه ليقترب أكثر من شخصياته ويسلط الضوء علي تفاصيلهم . " ليل " الاسكافي ، " جابر " ذو الساق الصناعية ، والعلاقة المتوترة بينهما ، التي يطل عليها السارد ـ البطل ، بعين المراقب . ويركز الضوء أكثر علي شخصية تشبهه ، حيث ليل " قرر كثيرا أن يقتل جابر " ، بيته " ليس سوي غرفة في قلب المقابر " له قدمان " واحدة غائصة في الحصي والأخري معزولة في فردة حذاء عالية الكعب " " ليل سفك دماء كثيرة قبل ذلك " ، ولأن الاول قاتل فهو يعرف جيدا كيف تكون يد القاتل الأصيل " إنها تشبه يد العازف ، أناملها مخنثة ، أطرافها ناحلة ووردية " ، ولأن البطل يعاني من انفصام في شخصيته يبدأ في مقارنة يده القاتلة بيده الشاعرة " رغم التشابه الرهيب بينهما إلا أن الثانية تبقي آمنة ، لأنها بينما تستحضر لحظات زائلة ، تكون الأولي بالتزامن منهمكة في اخلاص في تأكيد حيوات مبتورة " . وبداية من هنا ينتقل للحديث عن ذاته المتناقضة ، بواقعية خالصة . يبلغ الثلاثين عاما ، يده اليمني ، القاتلة ، تستريح في قفاز قطيفي داكن ، أما الأخري ، التي تكتب القصائد ، فهي عارية وملوثة بالأحبار ، موظف في الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء ، ولمزيد من الواقعية " عندما أموت... لن ادفن هنا . سيعودون بجثماني إلي بلدتي : مقبرتي الأصلية ....ربما يعيدونني إلي المصحة ، وأهرب كالعادة ... " ، هنا ، في هذه الجملة الأخيرة ، يكمن أحد مفاتيح النص التي أبرزها الكاتب فجأة ومر عليها سريعا ، وبهذا يتضح لنا البعد النفسي للبطل : اعتاد الهروب من المصحة ( النفسية) ويقوم بالقتل بناء علي عقيدة زائفة . ولعل هذه الجملة ، السريعة البسيطة ، قد أعطت للنص منطقية لكل ما يحدث ، وجعلته ممكن التصديق ، وربطت التحليق في السماء والانغماس في المقابر بخيط حريري ، خاصة أنها جاءت بعد وقوع حوادث قتل ، ومتزامنة مع قتل احد الأبطال ( ليل ) . يحكي لنا السارد أيضا تفاصيلا متعلقة بقتل شخصياته : جابر ، المصور ، سلمي ، بائعة الورد ، بائعة اللبن ، تكرار قتل سلمي وبنفس الطريقة ، ليل ... والحكاية التي تربطه بكل منهم . وخلف كل حكاية تبرز النظرة الفلسفية للأمور ، وأحاسيس الشاعر الرقيقة . تتميز الرواية بالحكايات المرتبطة بالمجمل ، والقدرة علي وصف أحاسيس مختلفة لأناس مختلفين ، مثل " سرب الرجال علي الكراسي المتحركة " " المانيكانات " ، وقصص البطل مع قاتليه ، وأخيرا مع هناء . كما انها تدور في عالم يتراوح بين الواقع والخيال ، لعبت فيه اللغة ، بالمفردات الخاصة للروائي ، دورا كبيرا لصب المتعة في ذهن القاريء . وربما تكون القصص القصيرة هي ابرز ما في الرواية ، حيث اعطتها بعدا فلسفيا وصبت علي الراوي نفسه قدسية خاصة ، تلائم المهمة التي يؤديها ، والمقدسة من وجهة نظره . ولم تكن الرواية في حاجة لشخصيات أخري ، ولا لتفاصيل أكثر للأحداث المروية ، لكنها كانت في حاجة لحكاوي مرتبطة بالشخصيات التي ساندت البطل ـ الراوي ، لتزداد متعة القاريء بخيال الراوي المحلّق ، وحكاويه ، التي بلا شك كانت ممتعة .

أحمد عبد اللطيف

الأحد، نوفمبر 30، 2008

قصة لماركيز لم تترجم من قبل

شيئ خطير جدا سيحدث في هذه القرية ملحوظة : حكي ما ركيز هذه القصة في احدي مؤتمرات الكُتاب أثناء الحديث عن الفرق بين القصة المحكية والقصة المكتوبة ، قائلا " لنري كيف تتغير القصة عند كتابتها " . تخيل أنك في قرية صغيرة ، تقطن بها سيدة عجوز ، لها من الأبناء اثنان ، أحدهما ولد في السابعة عشرة ، والأخري فتاة في الرابعة عشرة . عندما تقدم لهما الفطور ذات يوم ، يكون وجهها مكتسيا بعلامات القلق . يسألانها عما حدث . فتخبرهم أنها استيقظت وهي تشعر أن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية . يسخر الابنان من أمهما . يقولان إنه شعور سيدة عجوز ، أشياء وتمر . ويذهب الابن ليلعب البلياردو ، وفي اللحظة التي يوشك فيها علي ضرب الكرة يقول له اللاعب الآخر : ـ أراهنك ببيزو أنك لن تصيب . يضحك الجميع . ويضحك الابن . ويضرب الكرة فلا يصيب . يدفع البيزو ، ويسأله الجميع عما به ، فقد كانت لعبة في غاية السهولة . فيجيبهم : ـ أنتم محقون ، لكنني مشغول جدا بأمر أخبرتني به أمي هذا الصباح ، قالت إن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية . سخر منه الجميع . وعاد اللاعب الذي فاز عليه وربح البيزو إلي بيته ، حيث سيجد أمه أو حفيدته أو أية قريبة أخري . وسعيدا بالبيزو الذي ربحه يقول : ـ لقد ربحت هذا البيزو من داماسو بطريقة غاية في البساطة ، لأنه احمق . ـ لماذا تقول إنه أحمق ؟ . ـ لأنه لم يستطع أن يصيب بكرة سهلة قائلا إن هناك فكرة متسلطة تلاحقه ، حيث أن امه قالت له إنها استيقظت وهي تشعر أن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية . تجيبه أمه حينئذ : ـ لا تسخر من نبوءات العجائز فأحيانا تصيب . تسمعه القريبة ثم تذهب لشراء اللحم . تقول للجزار : ـ اعطني رطلا من اللحم . وفي اللحظة التي يقطع لها ما طلبته تضيف : ـ اجعلهم رطلين ، لأنهم يقولون إن شيئا خطيرا سيحدث ومن الأفضل أن نستعد له . يعطيها طلبها . وعندما تأتي سيدة أخري تشتري رطل لحم آخر ، يقول لها : ـ خذي رطلين ، لأن الناس يقولون إن شيئا خطيرا سيحدث ، ولذا يستعدون ويشترون ما يكفيهم من المؤن . حينئذ تجيبه العجوز : ـ لدي العديد من الأولاد ، ومن الأفضل أخذ أربعة أرطال . تأخذ طلبها وتسير . وحتي لا أطيل القصة ، سأقول إن الجزار قد باع كل اللحم في نصف ساعة ، وذبح بقرة اخري ، وباعها كلها ، وذاعت الاشاعة . وتأتي لحظة يكون فيها أهل القرية في انتظار حدوث شيئ . فتتوقف كل الأنشطة . وفجأة ، في الساعة الثانية ظهرا ، عندما يشتد الحر ، يقول أحدهم : ـ هل انتبهتم لهذا الطقس ؟ ـ نعم ، لكن طقس هذه القرية دوما حار. ـ ومع ذلك ـ يقول أحدهم ـ لم يكن حارا أبدا بهذه الدرجة في هذه الساعة . ـ لكن الثانية ظهرا هي أشد ساعات الحر . ـ نعم ، لكن لم يكن حارا مثل الآن . تصير القرية خالية ، والميدان خالي ، فيهبط عصفور ، وينطلق فجأة صوت : ـ هناك عصفور في الميدان . ويتجمع الناس ، يرتجفون خوفا ، ليروا العصفور . ـ لكن يا سادة ، عادة ما تهبط العصافير للميدان . ـ نعم ، لكن العصافير لم تهبط قط في هذه الساعة . ويصاب أهل القرية في لحظة بالضغط ، ويصيبهم اليأس ، ويتمزقون بين هجر القرية وعدم توافر الشجاعة لفعل ذلك . يقول احدهم : ـ أنا رجل وسأرحل . يضع أولادة وأثاثه وحيواناته في عربة ، ويعبر بالشارع الرئيسي للقرية المسكينة التي تتفرج عليه ، حتي يقولون : ـ إن كان هذا تجرأ وفعلها فنحن أولي بها . ويبدأ الرحيل حرفيا من القرية . يحمل أهلها أشياءهم وحيواناتهم وكل شيء . ويقول أحد الأواخر الذين يهربون من القرية : ـ حتي لا تقع النكبة علي ما تبقي من بيتنا ـ ويحرق بيته ويفعل الآخرون مثله . ويهربون في ذعر هائل وحقيقي ، كما لو كان هروبا في حرب . وفي الوسط تسير السيدة العجوز صاحبة النبوءة ، صارخة : ـ ألم أقل إن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية ، وقالوا إنني مجنونة .

أوباما

لا شيء

الاثنين، نوفمبر 17، 2008

عندما يكتب أوباما

أحلام أبي : قصة عِرْق وإرث . باراك أوباما قررتُ في سنة 1983 أن اكون منسقاً جماهيرياً ، لكنني كنت أفتقر في هذه الفترة لمعلومات تخص هذا النشاط ، ولم أكن اعرف أحداً يعيش منه ، وعندما كان زملاء الدراسة يسألونني عمّ المقصود بالمنسق الجماهيري ، لم يكن باستطاعتي أن أجيبهم . لكنني كنت لا أتوقف ، في تلك الاماكن ، عن الحديث عن الحاجة للتغيير . تغيير في البيت الأبيض ، حيث كان ريجان وحاشيته لا زالوا يلعبون لعباتهم القذرة . تغيير في الكونجرس الفاسد والمقهور . تغيير في وجه الدولة ، الغارقة في الهوس والغرور. تغيير قد لا يأتي من قمة الهرم ، كما اعتقدت ، وإنما يأتي من تعبئة أهل السفح . هذا ما كان ينبغي أن أفعل ، أن أنسق بين الزنوج في القاعدة من اجل التغيير . كان أصدقائي ، الزنوج منهم والبيض ، يمدحون بشدة أفكاري المثالية ، قبل أن أتوجه لمكتب البريد وارسل طلباتهم لاستكمال دراستهم الجامعية . ولم يكن بوسعي أن ألومهم علي نظرات الريب . أما الآن ، بعد كل هذه السنين ، فأستطيع أن أشيد منطقا لقراري وأعلن أن نيتي في أن أكون منسقا جماهيريا كانت جزءا من تاريخ طويل بدأ مع أبي وجدي من قبله ، مع أمي وأبيها ، مع ذكرياتي في اندونيسيا مع الشحاذين والمزارعين ، مع اخضاع لولو للسلطة ، ومواصلة راي وفرانك وماركوس وريجينا ، مع اقامتي في نيويورك ، مع موت أبي . وأعلم أن الإختيارات التي اتخذتها لم تكن كلها نابعة من محض إرادتي ، كما كان ينبغي أن تكون ، وأعلم ان هذا يعني السير الحزين في طريق الحرية . لكن هذا الإعتراف جاء متأخرا . ففي تلك الفترة ، عندما كنت علي وشك إنهاء دراستي الجامعية ، كنت أتحرك بدفعات ، كما السمكة تسبح بلا بصيرة ضد تيار شديد لتصل في النهاية لمبتغاها . وفي قاعات الدراسة والبحث كنت اخفي هذه الدفعات تحت شعارات ونظريات كنت قد اكتشفتها في الكتب ، معتقدا ، بشكل خاطيء ، أن الشعارات تعني شيئا وأنها بشكل ما تصيغ هذا الذي أعتقد فيه . لكن ليلا ، عندما كنت ارقد علي سريري ، كنت اترك الشعارات جانبا ، لتسبح مع الريح ، بينما تترك مكانها لخيالات رومانسية قادمة من ماض لم أعرفه أبدا . كانت الصور التي تراودني حينها تتمثل في حركة من أجل الحقوق المدنية ، تنتمي في أغلبها لمسلسل قديم بالأبيض والأسود ، وكان يظهر في كل عام في شهر فبراير خلال " شهر تاريخ الزنوج " ، وهي نفس الصور التي كانت أمي ترينيها عندما كنت طفلا . صورة لطالبين في الكلية ، لهما شعر قصير وصدر مستقيم ، يطلبان غدائهما في مطعم وجبات سريعة في طرف الضاحية النائية . صورة لأعضاء SNCC امام سقيفة في مكان راكد لنهر المسيسيبي يحاولون اقناع عائلة من المزارعين ليسجلوا أسمائهم ليدلوا بأصواتهم الانتخابية . وصورة ثالثة لسجن بولاية ممتليء علي آخره بأطفال بأياد مغلولة ، يغنون من أجل الحرية . تحولت هذه الصور لتمائم بالنسبة لي ، تدعم روحي ، وتخلق قناة تسير فيها مشاعري بشكل لم تستطع الكلمات أبدا أن تفعله . كانت الصور تقول لي ( برغم ان هذه الفكرة ربما جاءتني فيما بعد ، أو هي تفسير ينقصه الدقة ) " إن هذا ليس فقط صراعا شخصيا ، وإن الطوائف لا يصح ان تكون قربانا يقدم لهذا البلد ، علي الأقل بالنسبة لطائفة الزنوج " . كان علي الطوائف أن تشكل ملامحها ، أن تكافح بروحها ، أن تعتني بنفسها كما تعتني بحدائقها . كانت تكيف نفسها علي حجم أحلام الرجال ، وفي الحركة المؤيدة للحقوق المدنية كانت هذه الأحلام شديدة الطموح . ومع الوقت ، رايت الطائفة الأفروأمريكية ، في جلساتنا ومظاهراتنا وأغانينا المنطلقة من السجون ، يشتد عودها وتكتسب معني أكبر من المكان الذي ولدت فيه والبيت الذي نشأت بين أركانه . وبفضل التخطيط والتضحية استطاع الواحد منا أن يكتسب حق أن يكون أحد أعضائها . ولأنني استطعت أن أنتسب لها ( حيث كانت الطائفة المنظمة التي اود الانتماء لها تحت الإنشاء ، وكانت تقوم علي أمل أن تجمع أكبر عدد من الأمريكيين ، من البيض والزنوج وقمحي اللون ، ليكون باستطاعة كل منهم الدفاع عن نفسه ) اعتقدت ان هذه الطائفة تستطيع مع مرور الوقت قبول حياتي الخاصة المنفردة . كانت هذه هي فكرتي عن المنسق الجماهيري : وعد بالخلاص . وهكذا ، خلال الشهور التالية وحتي حصلت علي اجازتي العليا ، كتبت خطابات لكل منطمات الحقوق المدنية التي كنت أعرفها ، ولكل زنجي له أفكار تقدمية ، ولكل منتخب في هذا البلد ليلعب دورا جماهيريا ، ولكل جمعيات حقوق الجار وحقوق المستأجر . ورغم أن أحدا لم يجيبني ، لم أفقد حماسي . قررت حينئذ أنه في خلال عام سأبحث عن عمل مناسب لأدفع مصروفاتي الدراسية ، وقد أدخر القليل . سأحتاج للمال فيما بعد ، هكذا كنت أقول لنفسي . المنسقون لم يكونوا يعيشون من عملهم ، وكان فقرهم دليلا علي كمالهم . وبعد صبر قد طال ، تعاقدت مع مؤسسة تعمل في التعاون الدولي لأعمل لديها كمساعد أبحاث ، أو كجاسوس كما تري سطور الأعداء . وفي كل صباح كنت أصل إلي مكتبي بمركز Maniatan ، أجلس أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بي ، مُركّزاً في المعلومات التي ترسلها وكالة رويترز ، وكانت رسائل لامعة ذات لون أخضر زمردي ، تحتوي علي أخبار العالم أجمع . في هذا المكان ، كنت أنا الرجل الزنجي الوحيد ، حسب ما رأيت ، وهو أمر غير مريح ، لكنه كان فخر لي أمام السكرتيرات ، و هن سيدات زنجيات كن يعاملنني كابن لهن ، ويخبرنني أنه لم يعبر بخيالهن ذات يوم أن يدير هذا المكان رجل زنجي . أحيانا ، أثناء تناول الغداء ، كنت أحكي لهن عن أفكاري حول المنسق الجماهيري ، وبينما يبتسمن كنّ يقولن لي " هذا عمل حسن يا باراك " ، لكن نظراتهن كانت توشي باحباطاتهن بشكل فاضح . ومن بين العاملين كان إيكي ، رجل أمن الممر ، زنجي ثرثار ، يقول لي وحده ، وبكل وضوح ، إنني مخطيء ، ويسألني : هل العمل كمنسق جماهيري عمل سياسي ؟ لماذا تريد أن تورط نفسك في أمر كهذا ؟ . حاولت أن أشرح له وجهات نظري السياسية ، التي تكمن في تعبئة الفقراء وإعادة توزيع الثروات بين الطوائف ، لكن إيكي كان يقوم بإيماءة ريبة ، ويقول : ـ يا سيد أوباما ، أتمني ألا يضايقك لو أسديت لك نصيحة ، ولست مضطرا أن تأخذ بها ، لكنني سأسديها لك علي أي حال :" انس أمر المنظمة هذه وافعل شيئا يدر عليك دخلا ، والأمر لا علاقة له بالطمع ، أتفهمني ؟ ، وإنما اكسب ما يكفيك . أقول لك ذلك لأنني أري فيك كل المؤهلات المناسبة ، فشاب مثلك له صوت جميل ، أتفهمني ؟ ، يدتستطيع أن تكون من هؤلاء الذين يقرأون الأخبار في التليفزيون ، أو اعمل بالبيع ... لدي ابن أخت من نفس عمرك تقريبا ، ويكسب من المال الكثير ، هذا هو ما تحتاج إليه . أتري ؟ هؤلاء الذين يركضون من هنا لهناك ، يتقافزون ويتراقصون ، لا يمكن أن تساعد هؤلاء الذين لم يحققوا أبدا شيئا لأنفسهم ، وبالاضافة لذلك لن يشكروا لك المعروف . إن الذين يريدون أن يتقدموا للأمام سيجدون الطريق بأنفسهم ليفعلوا ذلك . وبالمناسبة ، كم عمرك ؟ ـ اثنان عشرون . ـ انظر ، لا تضع شبابك هدرا ، يا سيد أوباما ، فذات يوم ستستيقظ وستجد نفسك عجوزا ، مثلي ، دون أن تحقق شيئا من أحلامك . لم أعر اهتماما لما قاله إيكي حينذاك ، وفكرت أنه يشبه أجدادي كثيرا . ومع ذلك ، مرت الشهور وأنا ساكن في مكاني ، وكنت اشعر أن فكرة ان أصير منسقا جماهيريا تتبخر . وحينئذ عرضت علي المؤسسة أن أشغل منصب كاتب مقالات إقتصادية ، فصار لي مكتبي الخاص وطاقم سكرتاريتي الخاص ، وحساب في البنك . أحيانا ، عندما كنت أخرج لألتقي برجال مال يابانيين أو وسطاء ألمان ، تعودت النظر لصورتي في مرآة باب الأسانسير ، فكنت أري نفسي ببدلة وكرافتة وبحقيبة يد ، وفي لحظة كنت اتخيل نفسي احد رجال الصناعة ، أصدر أوامر ، أنهي صفقات ، وسريعا ما أتذكر ماذا قلت لنفسي عما احب أن أكون ، فأشعر انني مذنب لعدم اقدامي علي اتخاذ القرار . ذات يوم ، عندما كنت جالساً امام جهاز الكمبيوتر الخاص بي أكتب مقالة عن مستقبل أنواع الفائدة ، حدث لي أمر مفاجيء : هاتفتني أوما . لم أتعرف أبدا في حياتي علي هذه الأخت غير الشقيقة ، فقط كنا نتكاتب بشكل متقطع . كنت أعرف أنها قد تركت كينيا لتدرس في ألمانيا ، وفي خطاباتنا كنا نتبادل امكانية أن اذهب لزيارتها أو ربما تستطيع هي أن تأتي للولايات المتحدة ، وأخبرتني أنها ستأتي في رحلة مع بعض الأصدقاء . وسألتني إن كانت تستطيع أن تأتي لتراني في نيويورك . ـ بالطبع ـ أجبتها ـ ويمكنك أن تبقي معي ، فأنا مشتاق لرؤياك . ضحكتْ ، وضحكتُ أنا أيضا ، ثم ساد الصمت بيننا ، فلم نكن نسمع سوي صوت الارسال ورتابة أنفاسنا . ـ حسنا ـ قالت هي ـ لا أستطيع أن أبقي طويلا علي الهاتف ، فالاتصال غال جدا ، وهذه هي بيانات رحلتي الجوية . بعدها أنهينا المكالمة ، وشعرت أن الاتصال بيننا علاجا يجب أن نأخذه بجرعة صغيرة . وقضيت الأسابيع القليلة التالية أعد الأشياء بأقصي سرعة ، ملاءات جديدة للكنبة ـ السرير ، أطباق اضافية وفوط ، ليفة للحمام . وقبل مجيئها بيومين هاتفتني أوما من جديد ، وكان صوتها منكسرا ، وقالت بشبه همهمة : ـ لن أستطيع زيارتك ، لقد مات أخ لنا ، اسمه ديفيد ، في حادثة موتوسيكل ، وهذا كل ما أعرفه . وشرعت في البكاء قائلة : ـ أوه يا باراك ، لماذا يحدث لنا كل هذا ؟ حاولت أن اسليها قدر استطاعتي ، وسألتها كيف لي أن أساعدها ، وسألتها إن كانت هناك فرصة أخري للقاء ، وفي النهاية هدأ صوتها وقالت إنها يجب أن تحجز تذكرة للعودة للبيت . ـ حسنا يا باراك ، سنلتقي . مع السلامة . عندما أنهت المكالمة خرجتُ من مكتبي وقلت لسكرتيرتي إنني سأقضي اليوم خارج المكتب . وتجولت في شوارع مانهاتن عدة ساعات ، وصوت اوما يطن في أذني . في قارة أخري امرأة تبكي . في طريق مغبر وحزين وقعت حادثة فاصطدم طفل بالأرض الصلبة ، ومازالت العجلات تواصل دورانها حتي تكل وتتوقف . من كانوا هؤلاء الناس ؟ من هؤلاء الغرباء عني الذين تسير دماؤهم في دمي ؟ كنت أسأل نفسي ؟. كيف أستطيع أن ألملم جراح هذه المرأة المفتوح ؟ ، أي أحلام مجنونة وهمجية راودت هذا الصبي ؟ ، من أنا ؟ وكيف لا أزرف دمعة واحدة علي فقدان أخ لي ؟ أحيانا أسأل نفسي ، كيف غيرت حياتي هذه االمرأة التي تسمي أوما بمكالمة تليفونية ؟ . ليس الاتصال في حد ذاته ( رغم أنه الخطوة الأولي ) ولا خبر موت ديفيد ( فلم أكن أعرف هذا الصبي وهذا أمر جلي ) وإنما اقصد المكالمة التي فيها حدث كل شيئ ، أحداث متتابعة ، آمال مشيدة ، احباطات تالية ، إن هذه المكالمة جاءت في الوقت الذي فيه كان يجب أن أقرر وضع فكرة المنسق الجماهيري علي أرض الواقع ، لتصير هي مركز حياتي ، بعد أن كانت مجرد فكرة في عقلي ، وصراع مشوش في قلبي . ربما لم أكن ذا أهمية في هذا الوقت . لكنني كنت ملزما أن أكون منسقا جماهيريا ، فجاء صوت أوما ببساطة ليذكرني أن بداخلي جراحا في حاجة للتداوي ، وأنني لا أستطيع أن أتداوي بمفردي . لو لم يمت ديفيد في هذا الوقت ، لو جاءت أوما لنيويورك كما اتفقنا في البداية ، وعرفت منها حينئذ ما عرفته بعد ذلك عن كينيا ، عن أبينا ... حسنا ، ربما خف الضغط المتراكم في داخلي ، واكتسبت فكرة مختلفة عن الطائفة ، ولسارت طموحاتي في شارع ضيق ، ولقبلت بالطبع نصيحة صديقي ايكي ولتفرغت كلية لجمع المال ، فللمكاسب جاذبية تتولد من المسئولية . لا أعرف . فكل ما أعرفه أنه بعد عدة شهور قليلة من مكالمة أوما ، قدمتُ استقالتي من المؤسسة وبدأتُ أبحث بجد عن عمل كمنسق جماهيري . ومن جديد ذهبت خطاباتي إلي الفراغ ، فلم أتلق ردودا . وبعد شهر تقريبا ، جاءتني مكالمة هاتفية لمقابلة مدير احدي المنظمات الكبري المتخصصة في الحقوق المدنية للمدينة . كان المدير زنجيا طويلا وجذابا ، يرتدي قميصا ابيض منقط ، وكرافتة من الكشمير ، وحمالة حمراء . وكان مكتبه مزينا بالكراسي الإيطالية والتماثيل الافريقية ، كما كان به بار في الجدار المشيد بالطوب المرئي . ومن خلال نافذة كبيرة كان ضوء الشمس يتساقط علي تمثال نصفي لمارتن لوثر كينج . نظر في سيرتي الذاتية وقال بعدها : ـ رائع ، خاصة لأن خبرتك في مجال التعاون ، وهذا هو المفتاح الحقيقي للعمل في منظمة للحقوق المدنية اليوم ، فالاعتراضات والهمهمات لا تجدي في شيئ . والوصول إلي أهدافنا يوجب أن نشيد جسورا بين المؤسسات والحكومة والأحياء المهمشة في المدينة . أطبق الرجل يديه الكبيرتين وأراني تقريرا شهريا مطبوعا علي ورق مصقول ، مفتوحا علي الصفحة التي تحتوي علي أسماء أعضاء مجلس الإدارة ، عضو زنجي وعشرة اعضاء بيض . ـ أتري ؟ ـ قال المدير ـ جمعيات حكومية وأهلية . مفتاح المستقبل هنا ، حيث يدخل شباب مثلك في اللعبة ، شباب متعلمون وواثقون من أنفسهم . يشعرون بالراحة في صالة اجتماعات ، دون ان يفعلوا شيئا أكثر من ذلك ، في الاسبوع الماضي تحديدا كنت اناقش هذه المشكلة مع سكرتير HUD ، أثناء تناول العشاء في البيت لأبيض ، كم هو رجل رائع جاك ، لابد أنه سيتحمس لمعرفة شاب مثلك ، لا يجب أن أقول إنني عضو في الحزب الديمقراطي ، لكن يجب أن نتعلم أن نعمل مع ذوي السلطة ، أيا كانوا . وهناك قدم لي عملا مرتبطا بمنظمة تقيم الندوات حول المخدرات والتخلف والاسكان . " تسهيل الحوار " ، هكذا كان يسميها . فرفضت عرضه الكريم لأنني كنت قد قررت سلفا أنني سأعمل في عمل يسمح لي بالاحتكاك بالشارع . وقضيت ثلاثة أشهر أعمل في مكتب رالف نادر في هارلم ، محاولا أن أقنع طلاب الأقليات العرقية بالكوليدج سيتي بأهمية التغيير ، بعدها قضيت اسبوعا أوزع أوراق الانتخابات لمرشح في بروكلين ( خسر المرشح ولم يدفع لي أجري حتي الآن ). بعد ستة اشهر أصبحت مفلسا وعاطلا ، لا آكل سوي الشوربة المعلبة ، وفي بحثي عن حل ذهبت لجامعة كولومبيا لاستمع لمحاضرة كويم توري ، واسمه الحقيقي ستوكيلي كارميشيل ، وهو ناشط معروف ب BLACK POWER و SNCC ، وعند دخولي القاعة وجدت سيدتين احداهما زنجية والاخري أسيوية كانتا تبيعان كتبا عن الأدب الماركسي وتتناقشان فيما بينهما حول المكانة التي كان يشغلها تروتسكي في التاريخ ، وبالداخل كان توري يقدم برنامجا لاقامة علاقات اقتصادية بين أفريقيا وهارلم كحائط صد ضد الرأسمالية الامبريالية للبيض . وبمجرد أن أنهي محاضرته سألته شابة نحيفة ، ترتدي نظارة ، إن كان هذا البرنامج عمليا مع الوضع في الاعتبار وضع الاقتصاديات الافريقية والاحتياجات الضرورية التي يواجهها زنوج أمريكا . فقاطعها توري قبل أن تتم عبارتها : ـ ما لا يجعله عمليا هو غسيل المخ الذي أجروه لك يا أختي . كانت عينا توري تلمعان بينما كان يتكلم . كانت عينا رجل مجنون أو رجل مستنير . ظلت الفتاة واقفة علي قدميها عدة دقائق ، بينما كان يلومها علي موقفها البورجوازي . بعدها بدأ الجمهور في الانصراف . وخارج القاعة كانت السيدتان الماركسيتان تصرخان فيها بكل ما في رئتيهما من قوة : ـ خنزيرة ، تابعة لستانلي . ـ عاهرة اصلاحية . كان يبدو كابوسا . سرت إلي برودواي بلا قبلة ، بينما كنت أتخيل نفسي بجانب LINCOLIN MEMORIAL ، متأملا صالة خالية ، بها بقايا قمامة يحركها الهواء . كانت الحركة قد ماتت منذ سنوات ، وتمزقت لألف قطعة . وكانت كل الطرق المؤدية للتغيير أكثر من مغلقة ، وكل الاستراتيجيات كانت منهكة . وجاءت الهزائم تلاحق حتي الحركات التي كانت تحمل أفضل النوايا ، فتبتعد خلف صراعات مستمرة . إنه ببساطة جنون تام . وانتبهت في الحال أنني كنت أكلم نفسي في وسط الشارع . بينما كان العابرون يتجنبون السير بجواري ، وبين الحشود ظننت أنني تعرفت علي اثنين من زملائي من كولومبيا ، بمعطفيهما الملقيان وراء كتفيهما ، فشاهدتهما يحاولان الهروب من أمام ناظري .

ترجمة أحمد عبد اللطيف .

منشور باخبار الأدب

الخميس، سبتمبر 18، 2008

لقاء اذاعي

غدا ، السبت ، 20 سبتمبر ، في الثانية عشرة مساءا ،علي اذاعة fm ، موجة 91,5 ، ساكون ضيفا في برنامج " بين لغتين " لمناقشة رواية " كانت هذه هي العزلة " للكاتب الاسباني خوان مياس ، لعرض الرواية وتسليط الضوء علي طرق سرد المؤلف واسلوبه واتجاهه الروائي وأهميته في العالم الاسباني .

الأربعاء، أغسطس 27، 2008

كانت هذه هي العزلة

(12)
حسنا، أنا الآن في بروكسيل بصحبة إنريكي. لقد قررت أخيرا أن أسافر لأري إن كان تغيير الديكور الذي يتحكم في حياتي سيؤدي إلي تغيير إحساسي بأنني إنسانه أخرى أم لا. فكرت أيضا أن هذا الهروب قد يكون الفرصة الأخيرة التي أعطاها كل منا للآخر لننفرد بأنفسنا و لنتحدث عما حدث لنا في السنوات الأخيرة. ولكن سريعا ما اختفت أو ضعفت هذه الآمال في طريق السفر . شعرت وأنا داخل الطائرة أنني ورم ينتقل من مكان إلي أخر بدون أن يسبب لي هذا التغير أي انفعال. قضي إنريكي وقته في قراءة الجرائد والمجلات، بينما كنت أنظر أنا من نافذة الطائرة وأفكر في الورم الذي صنع بيته في رحم ابنتي والذي كان علي استعداد أن ينمو في مواجهة الحياة مع فقدان نفس الإرادة التي افتقدها أنا عندما كنت أنمو، ليس في مواجهة الموت وإنما في مواجهة إمكانية أن أتحول إلي أخرى فكرت ،فجأة، في الأورام التي كان يبدو أنها تحدد حياتي: ورم أمي والآن ورم ابنتي وأيضا ورم بطني حيث أن إحساسي بأن هناك جسدا في أمعائي يقاوم ليخرج مع فضلات الهضم، كان ينمو في الأيام الأخيرة.من ناحية أخري بدا لي أن كل الأ شياء ما هي إلا ديكورات. ذهبنا أمس إلى بروخاص ، تذكرت عنوان رواية لم أقرأها قبل ذلك "بروخاص الميتة"، لا اعرف أين سمعته، كان ذلك منذ سنوات بعيدة. لقد حفر ركناً في ذاكرتي وظل هكذا حتى تأتي فرصة كهذه ويطفو على السطح إنها مدينة ذات قنوات، مليئه بالضباب الذي يحاول أن يخبئ شيئاً وراء واجهته النظيفة. تخيلت أن كل هؤلاء الذين يتنزهون بشوارعها، وأنا منهم، كانوا قد ماتوا، لكنهم إلى الآن لم ينتبهوا لهذا الحدث. نقيم في هيلتون ، وهو ليس ببعيد عن حي للمهاجرين الذين رأيتهم هذا الصباح وأنا أركب التاكسي. جميعهم بلا استثناء، يعطوني الإحساس أنهم ميتون، بالرغم من انهم كانوا يتحركون مع جمود الحياة التي قد ودعوها. وعندما عُدنا إلى الفندق وبينما كان إنريكي يأخذ مفتاح الغرفة، رأيت امرأة تشبهني بشكل قد أفزعني، وكانت ترتدي فستاناً شبيهاً بفستان كنت ارتديه منذ سنوات، قلت ذلك لإنريكي، فقال إنها تخيلات، وأنه لا يرى أي شبه بيننا. إنه رجل فاقد الإحساس مثل الجثة. أشعر أنني مفتقدة لمخبري السري. ربما لو كان يراقبني في سفري هذا ويصفني بعد ذلك في أحد تقاريره ، لأصبحت قادرة على التخلي عن هذه النبرة الجنائزية وهذا الحزن الذي يسكن عيناي. لكنني توقعت أن تقريراً كهذا سيكون غاليا بشكل مبالغ فيه. لهذا لم آمره أن يراقبني. يريد إنريكي أن نذهب غدا إلى أنفرس ، لكنني لا أريد شيئاً غير البقاء في الفندق، ولو كان ممكنا داخل سريري. وبالمناسبة لقد بدأت ألاحظ أنه يشرب كثيراً، وأنني تعودت على أن أصطحبه في معظم الوقت. الساعة الآن الثانية عشرة والنصف . عدنا من العشاء بالخارج، إنريكي الآن داخل الحمام. يبدو أنه تخلى عن طقوسه. أشعر أنني فاقدة بعض الوعي، وأنني مصابة بالأرق، لقد شربنا زجاجتي خمر، عندما وصلت إلى الغرفة شربت كأس ويسكي. أخاف أن أضطجع على سريري بلا نوم. ماذا يحدث لي؟. الآن خرج
(13) خرج إنريكي ليتناول العشاء مع بعض الساسة الإسبان البارزين هنا، وبقيت وحدي . كان الجو ليلاً. سألني قبل أن يخرج، بلا اقتناع، إن كنت أرغب أن أصطحبه، لكنني فضلت البقاء بمفردي لبعض الوقت. قال لي قبل خروجه أنه سيحاول الحصول على بعض الحشيش. لعل الفكرة لم تقع مني موقعاً سيئا، ففي بعض الأحيان يغير الحشيش رؤيتنا للحياة وللواقع. إن أسوأ شيئا في الفترة الأخيرة هو أن الواقع الذي أريد أن أهرب منه بدا أمامي بارزاً وقوياً. انتقلنا هذا الصباح إلى مدينة أنفرس ولحسن الحظ قرر إنريكي استئجار سيارة. لقد كانت رحلة بروخاص التي قمنا بها أمس في غاية الإرهاق، لأننا انتقلنا في قطار. ضغط دمي الآن منخفض بسبب الحر والرطوبة. في منتصف الطريق، انحرف إنريكي عن الطريق العام حتى وصل إلى قرية مليئة بالأبقار. كان يبتسم بخبث كما لو كان سيفاجئني بشيء، وكان يقول "الآن سترين، الآن سترين" حسناً، وصلنا في النهاية إلى مركبة صناعية هائلة الحجم مليئة بغرف تبريد، كانت كالشقق الصغيرة. دخلت في مجموعة غرف وخرجت متجمدة من البرودة. كانت غرف التبريد مليئة بحيوانات كبيرة الحجم، أعتقد أنها أبقار، مقسمة إلى أجزاء أو مفتوحة البطن وقد خرجت أمعائها. بقية المركبة كانت تشغلها نساء مرتديات زياً أبيضاً، يجزئن بمهارة فائقة اللحم إلى قطع كبيرة ، كان اللحم يصل إليهن عبر الشريط المتحرك. كانت هناك امرأة تصطحبنا من مكان إلى آخر وكانت تتحدث مع إنريكي بالفرنسية، ومن آن لآخر كانت تبعث لي ابتسامة لأفهم من خلالها أنها تعيرني اهتماماً. بعد نصف ساعة تقريباً فقدت الوعي بسبب هبوط حاد في الضغط، وأيضاً بسبب شعوري أنني موجودة داخل كابوس ولا أستطيع أن أستيقظ منه. قبل أن أفقد وعيي بقليل، قال لي إنريكي، في ركن ما، وكان مبتسماً بكل رضا، أنه شريك في هذا العمل بنسبة 50%. - نحن شركاء في هذا العمل بنسبة 50%، ـ عدّل قوله في الحال ـ استطعت أن اشترك في هذه الصفقة بأموال طائلة عن طريق شخص وسيط. فكرة المتاجرة في اللحوم، اللحوم الميتة، بالرغم من أنها لأبقار، رسم أمامي صورة أن كل من كانوا هناك هم مجموعة من الموتى، الممزقين إلى جثث ولكن من نوع آخر، نوع أدنى من الأبقار في الرتبة، لأنهم بدلوا أجزائهم بالمال ليحصلوا في النهاية على موت وقور. أعتقد أنني من الآن فصاعداً سأرى المال البلجيكي على انه عملة قادمة عن طريق قانوني في بلد الموتى. حسناً، شعرت حينئذٍ أنني سابحة في عرقي، ونظرت إلى النسوة المرتديات الأردية البيضاء، والشالات البيضاء، والأحذية البيضاء، كُنّ يبدُنَّ ممرضات ميتات قمن بتزوير الجثث الممزقة، ووقعت مغشياً علي. من رحمة القدر أن السيارة كانت مكيفة، لأن الجو بالخارج غير صالح للتنفس. - يجب أن تذهبي إلى الطبيب – قال لي إنريكي ونحن في الطريق العمومي متوجهين إلى أنفرس. - إنه الضغط ، لكن كل أجهزتي على ما يرام. لم اسأله عن شيء متعلق بالصفقة، التي كان يحدثني عنها بكل أمل وأعرف أن إنريكي لا يعتذر عن هذه الأشياء لأنه يشعر دائماً أنني لا أقدر ما يفعل. وأنا بالفعل لا أقدر ما يفعل، ولا يثير اهتمامي، بالرغم من أنه بفضل ما يفعل نحيا حياة رغده. إن السبب الرئيسي في حبه لمرثيدس كل هذا الحب هو أنها معجبة به، ودائما تقول له أن ما يفعله شيئاً رائعا. في أنفرس كنا ننتقل من هنا إلى هناك، دون أن أرى شيئاً أمام عيناي، كما حدث بالأمس في بروخاص، حيث بدا لي أننا كنا نتحرك طوال الوقت داخل ديكور واحد. أتذكر جيدا الكاتدرائية التي دخلناها، لأنني شعرت بانتعاش وظللت ولمدة طويلة جالسة فوق مقعد. نظرت منذ قليل من النافذة لأتأمل الشارع ورأيت رجلاً غير مهندم يسير في اتجاه حي المهاجرين الذي مررنا به أمس . حاولت أن أتخيله وهو يدخل بيته، ممثلا منظراً عائلياً. بأي لغة سيتحدث؛ بالتركية، بالقشتالية أم بالفرنسية؟ هل له بالفعل بيت وهوية؟، أفكر أحياناً أن هوية الإنسان شيء غير ثابت، يمكن أن يسقط منه كما يسقط الشعر عندما نغتسل ويختفي في البالوعة ليسير في اتجاه لا نعرفه. لهذا، على سبيل المثال، لم أتجرأ على الخروج بمفردي من الفندق، مخافة ألا أجد عند عودتي غرفة باسمي، وألا يتذكرون أنني أقيم هنا. قد أكون في انتظار أن يعود زوجي، لكنه لن يعود ، لأنه في الحقيقة لا يوجد شئ اسمه زوجي ولا أحداً اعرفه يسمى إنريكي. حينئذً، ربما، اتصلت بمدريد، بابنتي، لكن أيضا قد لا يوجد شيء اسمه ابنتي ولا تشكل واحدة من علاقاتي ، لهذا ملأني الخوف أن أخرج، فربما لا يعرفونني عند عودتي، وأبقى بلا هوية.حسناً، ناقشت إنريكي أثناء الغداء في موضوع حمل مرثيدس، وعاتبته على انه لم يقل لي. - أعتقد انه ليس من مسئوليتي أن أخبرك بهذا – أجاب. - ليست من مسئوليتك؟ مسئولية من إذن؟ - ابنتك، مرثيدس هي التي يجب عليها أن تعرفك، وإذا لم تفعل ذلك، فأنتِ وهي تعرفين لماذا. - فجأة – قلت – أصبح كل شيء منظم، واصبح كل واحد يعرف دوره في الرواية، ويعرف ما يجب أن يقول، ومتى يقوله، وأنا يا إنريكي أصبحت خارج القسمة. - كل منا في المكان الذي وضع نفسه فيه يا "إلينا". لاحظت في إجابته لهجة استفزازية، ربما لأنه استاء من عدم اهتمامي بمتاجرته في اللحوم، وربما لأنه كان يطمح أن يستغل الفرصة ليكون هذا أخر حوار بيننا. قررت ألا أعطيه هذه الفرصة، وبدَّلت الموضوع بموضوعات أخرى، وأظهرت له أن حمل مرثيدس لا يهمني في شيء. بقيت في الحمام لحظات، محاولة أن أطرد من أمعائي هذا النزيل الثقيل، وتذكرت ما قالته أمي في مذكراتها فيما يتعلق بغرف حمامات الفنادق. كانت محقة. إنه مكان رائع لعقد اتفاقية مع الجنون الخاص. له شكل متوتر ولامع، لكنه ضعيف، مثل توازن أمي العصبي، مثل توازني أنا العصبي. وبالمناسبة لقد أحضرت معي آخر كراسة من مذكرات أمي، بهدف أن أقرأ هنا نتيجتها النهائية. لكنني منذ أسبوع لم أقرأ شيئاً، واعتقد، ولا أعرف لماذا، أن أفضل مكان لإتمام هذه القراءة سيكون في بلد أجنبي. وبالتالي، بعد أن قلت هذه العبارة، بدأت أقرأ: (لقد اجتاحني المرض، فأنا ألازم الفراش منذ أيام كثيرة، وغداً سيحملونني إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية. لكنني على يقين أنني لن أعود إلى البيت مرة أخرى، لأن قرينتي قد زارتني اليوم. وعندما يحدث شيء غريب، عندما يتحطم توازن ضروري بهذه الصورة، فهذا يعني أننا سنموت. جاءتني "إلينا" قرينتي، وجلست على حافة السرير، وسألتني عن حالي. هي كانت تشعر أنها بخير، ولم تمكث وقتاً طويلاً. قلت لها أنني سعيدة بمعرفتها بعد كل هذه السنوات الطوال، وعاتبتها على شربها للكونياك بإفراط، لأن هذا يرهقني. أحب أن أقول شيئاً آخر، لكن ليست لدي رغبة، بالرغم من أنني يجب أن أضيف أنني اعتني وأحترم هذا الورم الذي اكتشفته في الفندق في دولة أجنبية منذ سنوات مضت. على أن أقول أن هذا الورم يتجاوب مع اهتمامي بنفسي، وتصرفي كمنظمة لسلوكياتي، فعندما أتصرف بشكل سيئ، أو عندما لا أهتم بالبيت ينمو أسرع من العادة. في الفترات التي أجد نفسي على ما يرام، متفقة مع ذاتي، يتوقف عن النمو. وهناك فترات أنسى فيها هذا الورم إطلاقاً. لهذا، ربما كنت أشعر أنني مسرورة عندما أنسى مشغولياتي. أخيراً، أشير إلى أنني بلغت الثامنة والستين من عمري، بالرغم من أني غير متأكدة من أنني كنت دائما ذاتي خلال حياتي الطويلة).
(14) بالأمس وصل إنريكي متأخراً، وكان شبه سكران. وجدني محبوسة داخل الحمام، كنت فريسة لنوبة من ضيق الصدر ناتجة عن قراءة الفقرة الأخيرة من مذكرات أمي. أحضر معه الحشيش، دخنَّا سويا، حاولت أن أقوي تأثير الحشيش بتناول كاس ويسكي. سألني إن كان قد حدث لي مكروهاً ؟ . أجبته أنني لا أشعر أنني بخير. لا يؤلمني شيء – أجبته – فالموضوع بكل بساطة أنك تتحدث مع امرأة تحيا في جحيم، وأنت إلى الآن لم تنتبه لذلك. - كلنا نحيا في جحيم يا إلينا، كلنا بلا استثناء، لكننا لا نعطي الفاتورة لأحد ليدفع لنا الثمن. هل تعرفين لماذا ؟ لأن كل منا يختار جحيمه الخاص، هذا الجحيم الذي يجد فيه الراحة أكثر من غيره. أعرف أنك تحتقرين حبي للمال، وأنك بعيدة كل البعد عن تجارتي، أقصد تجارتنا، لأنك أيضاً شريكتي فيها، لكن بفضل هذه التجارة أستطيع أن أنفق على نفسي وأن أختار الجحيم الذي أريده، لا أن أسير هنا وهناك لأشتكي للجميع مصائبي. إن ما يحدث لك هو أنك مازلتي تجهلين في أي جحيم ترغبين أن تعيشي. تحققي جيداً، أعطي لنفسك الوقت الكافي وعندما تعرفين، أخبريني. أعتقد أنني يمكنني أن أدفع لك ما تريدين لتحققي ذلك مهما كان غالياً، وفي أثناء ذلك، علينا أن نحقق لأنفسنا حياة هادئة، من فضلك. - هناك أشياء ليس لها علاقة بالمال – أجبته – لقد عايشنا هذه الأشياء في سنوات ماضية. - انظري يا إلينا، في هذه الفترة كنا متحمسين، لكن كان ينقصنا الأفكار، والآن لدي الأفكار، فأنا ملئ بالأفكار التي تتغذى بالمال والأشياء المتعلقة بالمال. ولن أتنازل عن هذه الأشياء لأنها سبب وجودي. كوني منتبهة، لأن الأفكار عندما تموت تحل محلها الخيالات ونحن نعرف جيدا أن الخيالات تمتد وتتسع. لم أرغب أن استمر في الحديث لأنني أدركت أن لكلٍ منا منطق يختلف عن الآخر، وأنا أحسده على هذا المنطق لأنه صلب مثل الحجارة. عندما فقدنا بعض الوعي، دخلنا إلى السرير ، مارسنا الحب بعاطفة غير مفهومة لكنني أدركت في لحظة ما أن هذه العاطفة ناتجة عن معرفتنا أنها المرة الأخيرة التي سنمارس فيها الحب. كما أدركت أيضا أنني ربما لا أعود إلى البيت، ليس لأنني سأموت كما حدث لأمي، عندما زارتها قرينتها، وإنما لأنني أتعجل عملية تحولي إلى إنسانه أخرى لأجد في النهاية جحيمي الخاص وأشعرت بالراحة. خرج إنريكي، وأنا أعددت حقيبة سفري لأعود إلى مدريد، لكن بدونه. (15) في استطاعة حل المشاكل ذات الطابع العملي أن تبرر كل الحياة، حتى الأشياء المكروهة. أنا الآن أقيم في فندق لفترة مؤقتة منذ عودتي من بروكسيل، وفي الوقت نفسه بحثت عن شقة صغيرة، وأخيراً وجدت واحدة تناسبني وسأنتقل إليها خلال الأيام القريبة القادمة. لقد تركت لإنريكي ورقة مكتوباً بها سبب هجري له، لكنه حتى هذه اللحظة لم يحاول البحث عني. لا أعرف إن كان هذا الموقف يريحني أم لا. على أي حال، فإن هذه الأيام التي أكرسها لحل مشاكلي العملية المتعلقة بحياتي القادمة جعلتني أتأمل كثيراً في ميولي البرجوازية ، و وجدت نفسي مجبرة على الاعتراف أن إنريكي كان محقاً في بعض الأشياء . لن أعيش في أي مكان و لن أتنازل عن وسائل ترفيهي القليلة التي تعودت عليها ، لكنني في الوقت نفسه غير مستعدة لأن يكون الثمن لاستمتاعي بهذه الوسائل هو فقداني لكينونتي و لاهتماماتي . و بالتالي ، عقدت اتفاقية بين دفعاتي البرجوازية و بين جنوني ، فأنزلت جنوني و رفعت هذه الدفعات لأحقق بذلك نقطة التوازن الضرورية في الجزء الأول من حياتي الجديدة . أول ما فعلت عند وصولي إلى مدريد هو اتصالي بمخبري السري ليكتب لي تقريراً يومياً عن نشاطاتي . أصبحت لا أستطيع أن استغني عن هذه التقارير ، حتى و لو كانت مبتذلة ، لأنها شاهد على وجودي ، و أيضا لان الشعور أن شخصاً ما يراني ، يهبني القوة لأتحرك من جانب إلى آخر في مهمة قاسية لبناء حياتي الخاصة. لن ننتهي ابدا من بناء أنفسنا . اشعر هذه الأيام أنني أواجه نفسي مثل متسلق الجبال الذي يواجه صخرة عليه أن يمحو منها كل ما ليس له أهمية . لقد أقلعت عن الحشيش بشكل نهائي ، بالرغم من انه من الحق أن أقول أن الحشيش هو الذي اقلع عني ذلك لان إرادتي لم تتدخل في عملية الإقلاع . بكل بساطة لقد ابتعد عني تذوق نكهة التدخين ، و بفضل هذا فقدت الدوار الذي كنت اشعر به عند الاستيقاظ في الصباح ، كما أن جفاف حلقي قد اختفى . الحقيقة أنني لا ارغب في الإقلاع عن الحشيش نهائياً ، لأنه يهبني أشياء كثيرة ، لكنني احب أن اعقد معه في المستقبل علاقة مختلفة ،اقل قهراً . سأحاول أن أدخن لأشعر أنني على ما يرام وليس العكس ، و سنرى . الجو هذه الأيام مرتفع الحرارة . والناس تسير كما لو كانت سعيدة باقتراب الإجازة. أنا اسعد منهم لأنني لن اخذ أجازه هذا العام ، و آمل فقط أن يترك الناس مدريد لأعيش بمفردي و لأقتحم المستقبل . والمستقبل هو نوع من الورم الذي بدأ في النمو في جزء ما في جسدي ،و سأغذيه كما لو كان ابني. أشعر بالشفقة على نفسي لأنني مازلت حيه . بدأ الفندق يهبني الخوف. أخرج قليلا، مخافة ألا يعرفونني عند عودتي ، و ألا توجد غرفة باسمي ، أو يتحدثون بلغة لا أفهمها . من رحمة القدر أن الشقة التي استأجرتها أوشكوا علي الانتهاء من ترتيبها ، وسيمكنني الانتقال إليها قريباً لأعيش فيها. (16) أجد رائحة فمي كريهة هذه الأيام ، كما أنني لا أتذوق الطعام. علي أي حال ، فإن حالتي قد تحسنت . صعدت بالأمس لأسبح في حمام السباحة التابع للفندق ، لاحظت أن عضلات جسدي تتجاوب مع تحركات المياه ، وكان هذا بمثابة استعادة بعد قديم من أبعاد جسدي التي قد نسيتها . وعندما عدت ألي غرفتي كنت مرهقة الجسد ، وهو الشيء الذي بعث السرور في نفسي ، فمنذ سنوات وأنا لا أعرف هذا النوع من الإرهاق . ربما علي أن أقلل من الشرب ، لكنني أقضي ساعات طويلة داخل هذه الغرفة ، وأحيانا احتاج إلى أن اسكر بعض الشيء . ألاحظ أن شكلي لم يتغير ، ربما أصبحت أكثر نحافة ، لأن الحشيش يجعلني آكل بطريقة غير منتظمة ، لكنني عامة ما زلت أحتفظ بنفس الخصر الذي كنت عليه منذ خمسة عشر عاما ، وقد كنت سعيدة الحظ في ذلك ، فأنا اعرف أن نساءً أخريات أقل منى في التدخين ، لكن معدتهن أكثر اتساعاّ . وهذا بالتحديد ما أشار إليه المخبر السري في تقريره عني في اليوم السابق :- ((….. لقد تحسنت إلينا رينكون قليلاً منذ هجرت منزلها العائلي وربما – يرجع هذا إلي أنها شعرت بالهدوء و اعتنت بنفسها . الشيء المدهش هو أنها اقتربت من الرابعة والأربعين وإلي الآن تحتفظ بقوامها )) دائماً يتضمن تقريره عبارات من هذا النوع ، مرتبطة بمظهري الفسيولوجى . كان يقول عن وجهي منذ قليل أن به تجاعيد متناسقة كما لو كانت موزعه لتعبر عن ذكاء فني . بدأت أعتني بنفسي أكثر من ذي قبل ، منذ أن أقلعت عن الحشيش ، وربما أيضا لأن حالات الغيبوبة أصبحت لا تصيبني إلا نادراً . كل ما أفعله الآن هو عبارة عن مشروع بعيد ، أشياء بديهية طبقاً لها سأكون في طريق اكتشافي لوسيلة مختلفة لأعقد علاقة مع جسدي الخاص ومع كل أجزاءه . لقد رأيت في مذكرات آمي أنها كانت فقط قادرة علي التحدث مع أحشاءها ، لكنني أحب أكثر أن أتحدث مع جلدي ومع عضلاتي المرسومة تحته. توجد حديقة أمام الفندق ، ومن غرفتي أري فتاتين تجريان في صباح أيام معينه . هن أكثر شباباً منى بالطبع ، لكنني أجد فيهن جزءا من نفسي ، ربما خامداً وربما ميتاً منذ سنوات طوال مضت. أعتقد أنني تحسنت بدنياً. وأنني أستطيع أن أطرد هذا الجسد الغريب المقيم في أمعائي . إن مجرد تخيل هذا ، ينتابني الدوار لأنني لو وجدت نفسي هكذا علي ما يرام ، فلن يكون لدي أي عذر لأتجنب مواجهة نفسي ، مواجهة رغباتي . إن وضع العاطفة في الجسد ، في أمراضه ووعكاته ، له مميزات كثيرة ، لكن في الوقت نفسه ينتج كميات هائلة من المعاناة. طلبت من أخي أن يحضر لي من الشقة أريكة أمي وساعتها، بالإضافة لأدوات الزينة الشخصية . أفضل أن يحضر هو كل هذا لأنني لا أحب أن أتحدث مع إنريكي ولا أن أدخل البيت في الوقت الحالي. لم أتصل بابنتي إلي الآن . أعتقد أنني سأؤخر هذا اللقاء لأنني لا أشعر بالقوة التي تساعدني علي مواجهتها مرة أخري ، ربما أقابلها في هذا المكان الذي سيصير بيتي الجديد .
(17) اليوم أحضر لي ساعي البريد رسالة من إنريكي . اعتقد أنها عبارة عن نص مشتت الأفكار ، حزين ، كما لو كان غير قادر على الدخول فى تفاصيل ، وكان يقول ما يلي :- (( عزيزتي إلينا : فضلت أن اكتب لك رسالة على أن تصل بك هاتفيا ، حتى لا تفسري موقفي هذا على أنه رغبة في التدخل في قراراتك ، بالرغم من أن هذه القرارات تخصني أنا أيضا مباشرة . أعرف أنك مقيمة في هذا الفندق عن طريق أخيك ، وعن طريقة أيضا اعرف انك بخير . أظن أن ما تفعلينه ليس له أي علاقة بي ، بنا، أيا كانت الأسباب ،فأنت التي قررت أن تديرين دفة حياتك ، أو تمزقيها . ولقد فعلتي ذلك بدون أن تستندي إلى أحد . أنا لا ألومك . بالنسبة لي – إن كنت أمثل لكِ أي أهمية – أريد أن أؤكد لك، بعيدا عن رأيي في موقفك هذا ، أنني مستعد أن أساعدك بكل ما هو ممكن . ومع ذلك، فأنا أحب أن أعرفك أنني غير مستعد للمعانة ،وأنني لن أعود أبدا لأمنحك الفرصة لتفعلي معي ما فعلتيه في رحلة بروكسيل ،وكنت مجبرا أن أحتملك. أرجوك ، لأنك قررتي تختفي بهذه الطريقة ،ألا تتصلين بي أبدا ،إلا إذا كان لديك خبرا سعيدا .أنا من حقي أن تحترمين شكل حياتي الذي اخترته لنفسي ، شكل حياتي الذي لا يسع التراجيديا ولا آلام الأمعاء ولا صداع الرأس ، والأكثر من ذلك أنه لا يسع الأسئلة العظيمة المتعلقة بالوجود ،أو القلق من عدم معرفتنا إلي أين نذهب ومن أين جئنا.أنا لا أفهم شيئا بخصوص هذه القضايا التي لم تعد تهمني منذ زمن طويل، من قبل أن أتخطي حاجز النضج بكثير.لا تفهمي من ذلك أنني لا أحبك، بالرغم من أني أستطيع الاستغناء عنك كلية. كما أستغني عن أشياء أخرى، أشياء نحبها بنفس التلقائية ونفقد معها شعر رأسنا ونكتسب تجاعيد وجهنا الأولى.بالنسبة لمرثيدس ،ابنتنا،لقد حكيت لها عن انفصالنا، بدون أن أدخل في تفاصيل ، و هي لم تعلق . ربما عليك أن تتحدثي معها .أعترف لك أنه قد أسعدتني فكرة أن أكون جداً، أن أكون جداً شاباً، إن الإنسان منا عليه أن يضع عواطفه في مكان ما ،وأنا قد وضعت جزءا من عواطفي في هذا الطفل الذي سيدخل في حياتنا بعد عدة أشهر .في المستقبل ،بعد أن تستقرين وتصيرين أكثر هدوءا، نستطيع أن نتناقش، لو أردتي، في المشاكل المتعلقة بهذا الانفصال الذي لم أكن سببه ولم أطلبه .)) لم أستوعب الجملة الأخيرة،جملة الوداع ، لأنها رنت في أذني،مثل جمل الرسائل التجارية الرسمية .كانت رسالة إنريكي باردة للغاية بالرغم من أن موقفي لا يستحق شيئا أخر.في لحظة ما جاءني وسواس لأرد عليها ، لكنني إتخذت قرارا ألا أتكلم إطلاقا مع من لا يفهمني ، لأنه ليس مفيد.
(18) ربما كانت علاقتي بالحشيش هي البديل لعلاقتي بأمي. لقد أشرت في مكان سابق أنها وهبتني كل ما هو جميل وكل ما هو قبيح في الوقت نفسه ،وبدون أي فواصل . كأنها تعرض لي شيئين لأختار منهما ما يناسبني. لقد حدث لي شيئا مشابه بذلك مع الحشيش ،فمن خلاله أدركت الواقع بشكل مختلف ،وساعدني علي الهروب من السجن الذي تقع فيه النساء عادة، وكان موجها إلي بشكل خاص . لقد ساعدني الحشيش أن أري الفخ ،كما قال إنريكي ،الذي تختبئ تحته الأشياء ، لكنه وهبني أيضا نوع من الخلل اللانهائي الذي يؤدي إلي طريق تدمير الذات ،وهو شئ لا يمكن إدراكه بمفهومي الجديد للحياة. أقول هذه الجملة الأخيرة بنوبة خوف ،لأنني أعلم أن توازني غير مستقر ، وأن بداخله أشياء لا أسيطر عليها جيدا، هذه الأشياء التي ما زالت توسوس لي لأعود إلي موقفي السابق. اليوم يوم الأحد ، وكل الأشياء والأشخاص أعلنوا مجيء يوم العيد . دائما كان يخيفني نهار أيام الآحاد ، لأنه يبدو لي فترة فاصلة في حياتي الخاصة. نوع من إيقاف الأشياء الرتيبة التي اعتدنا أن نفعلها . ليس لدي الآن أشياء رتيبة . لقد فقدت كل علاقاتي ، ويبدو لي الآن أن نهار يوم الأحد وقت جيد للراحة. سأتناول غدائي في الفندق ،وربما أتجول بعد ذلك لأعطي لمخبري فرصة للعمل .كثيرا ما يشرد خيالي معه ، مع صورته، وأعترف أن الإعجاب الذي يضمره لي والذي يستشف بحياء في تقاريره، يمنحني نصيبا من الدوار، يذكرني بالدوار الذي كنت أشعر به في شبابي. سأشاهد التلفاز بعد ذلك ، وأحاول ألا أشرب أكثر من كأسين ويسكي. اعتقد أن الشقة ستكون جاهزة خلال الأسبوع القادم لقد انتهوا من الدهان ومن عمل الأشياء التي طلبتها منهم في المطبخ والحمام .سأخرج غدا لشراء الستائر.
(19)
أخيرا خرجت بالأمس لشراء الأشياء المتبقية لتجهيز الشقة.كانت الحرارة مرتفعة ، لذا ارتديت فانلة وجيبه واسعة وخفيفة ، كنت قد اشتريتها هذه الأيام . كانت ملابسي في مجموعها ملابس فتاه مراهقة ، لكنها كانت تلائمني وتجعلني أكثر رقة. ربما علي أن أصلح شعري ، أو أبدل تسريحتي .منذ عشرون أو خمس وعشرون عاما وأنا أحمل هذه الضفيرة، سيكلفني كثيرا أن أحيا بدونها ، لكنني أعتقد أنني لو قمت بقصها سأكون أكثر شبابا. ذهبت إلي المنطقة التجارية بوسط البلد ، شاهدت المحلات ، اشتريت الكماليات الصغيرة التي تجعلني أشعر أنني محمية داخل شقتي. تناولت غذائي في إحدى الكافيتريات، وبينما كنت أتناول قهوتي بدأت أسمع أغنية لفريق بيتلز ، كنت قد سمعتها منذ عدة أشهر في إحدى الحانات عند ما كنت آكل هناك . كان الموقف متشابه ، لكنني كنت مختلفة. فأنا الآن امرأة قد أمسكت بزمام حياتها بالرغم من أني لا أعرف كيف أتحكم فيه بشكل جيد،بينما في الماضي كنت امرأة تتوقف حركاتها علي دفعات خارجة عن إرادتها كما لو كنت إنسانا آليا ، أو أله تتنفس وتقودها أيدي خفية لا يمكن رؤيتها. عندما خرجت مرة أخرى للشارع ، حاولوا سرقتي بقوة السلاح. كنت متجهة لشارع سيرانو ،فجأة خرج شاب في العشرين من عمره مدخل عمارة مظلم ، وضع المطواة في أعلي بطني ، وعندما كنت علي وشك أن أسلم له حقيبة يدي ظهر رجل بدين ، كأنه قادم من السماء ، وقف بين اللص وبيني . أتذكر أني جريت مهرولة، وكنت حزينة لأنني لم أستطع أن أدقق النظر في ملامح منقذي ، لأنه لم يكن إلا مخبري السري . بعثت هذا الصباح غلام الخدمة في الفندق ليحضر لي التقرير ، وكان يقول ما يلي: " خرجت إلينا رينكون في الساعة الحادية عشر صباحا من الفندق الذي تقيم فيه لفترة مؤقتة ، سارت علي مهلها حتى المنطقة التجارية بوسط البلد وهناك قامت بشراء عدة أشياء من بعض المحلات . كانت ترتدي ملابس خفيفة ومتواضعة: فانلة وجيبه ، وهي بلا شك ملابس لنساء أصغر منها كثيرا في السن ومع ذلك ، كانت الجيبة ، الجيبة علي وجه الخصوص ، لائقة جدا علي جسدها. نوعية الأشياء التي اشترتها تبرز نيتها في الانتقال في أقرب وقت ممكن إلى شقتها التي استأجرتها في شارع ماريا مولينير في سلسة بلاثا دى كتالونيا الجبلية 0 وهى قريبة نسبيا من بيت الزوجية . أحيانا ترك المدينة يسبب الحزن اكثر من ترك الزوج . تناولت غدائها ببطء ، كأنها في غيبوبة ، فى إحدى الكافيتريات بشارع بلاثكيث ،وعندما خرجت من هناك كانت على وشك أن يسرقها شاب كان يبحث عن مال ليتعاطى نوعا من المخدرات . وقفت بينها وبين الشاب ، خرجت هي مهرولة ، واستقبلت أنا ضربة فى أعلى الحجاب الحاجز قبل أن استعد للمناوشة ، فأعطيته لكمة هوت به على الأرض وظل يتدحرج .لم يزد وزنة اكثر من خمسين كيلو جرام، لهذا شعرت بالندم لأنني قد ضربته بعنف . نهاية الأمر أنني فقدت إلينا رينكون من أمام نظري ، وبالتالي ذهبت إلى إحدى دور الإسعاف ليعالجون لي جرحى . في اغلب الظن ، أن إلينا لم تتمكن من رؤية وجهي لأنني وقفت أمامها بظهري ، ولم يكن هناك وقتا لنتناول النظر قبل أن تشرع فى الهروب .أغلق التقرير عند هذه النقطة لأنه لا يوجد شئ ملموس لأضيفه ، كما أنني لست في حالة جيدة ، فلأساعد نفسي ليندمل جرحى." بعد أن قرأت التقرير ، اتصلت هاتفيا بالوكالة لأسمع صوته وسار الحوار بشكل لم أكن أنتظره ، لكنه أعجبني كثيرا . - إن مهمتك – قلت له بصوت حاد بعد أن عرفته بنفسي - لا تكمن في حماية إلينا رينكون، و إنما في مراقبتها حيث ذهبت وإخبارنا بعد ذلك بكل تحركاتها . - معذرة يا سيدتي – أجابني بنبرة محترمة – أنا اعرف ما هي مهمتي عندما أرى شخصا يعتدي على آخر ، وربما لو عاد نفس الحدث مرة أخرى لفعلت ما فعلته ، حتى لو كانت العواقب اوخم مما حدث لي. - التقرير قصير جدا كما لو كنت تحاول أن تخفي عنا بعض تحركات السيدة المراقبة . لقد بدأنا نشعر أنك معجب بهذه المرأة بشكل زائد عن الحد ، وربما نستغني عن خدماتك . - أحقا ما تقولين؟ – أجاب الصوت – اسمحي لي أن أعتذر عن هذه المهمة البغيضة . لا يجب أن اقبل أبدا مراقبه من هذا النوع . - لماذا تقول هذا ؟ – سألت بنبرة فاتنة مخافة أن يضع السماعة . - أولا ، يا سيدتي ، لأنه لا يجب أن أعمل مع عميل مجهول ، ثانيا ، لأنني يجب ن أعرف الغاية الموجه إليها هذا البحث،ثالثا ، لأننا في هذه الحالة نعتدي على امرأة مجردة من الأسلحة ، ونلصق بها ميل مرضي بهذه اللعبة ، وهو ميل يبتعد عنها . فإذا كانت المشكلة هي أنها مدانة لكم فى نادى القمار ، عليكم أن تأخذوا أموالكم من زوجها ، فهو رجل ثرى . اتركوا إلينا رينكون فى سلام ، فيكفيها ما عانت وما احتملت من زوجها إنريكي . - انك تعشقها – قلت – وهذا لا يسمح لك أن تكون موضوعيا . عليك ألا تنخدع . - لقد طلبتم مني ألا أكون موضوعيا ، من ناحية أخرى فإن هذه المحادثة غير مجدية . بلغي استقالتي لرئيسك ، واخبريه أنني سأستمر في مراقبة إلينا رينكون ، لكن هذه المرة من اجل حمايتها منكم . لا اعرف لماذا تخفون أنفسكم ، دائما الأشياء السرية ما هي إلا أشياء غير مشروعة . المسوا شعر هذه المرأة ، وستجدون أنفسكم في مواجهتي أنا شخصيا. قال هذا ووضع السماعة ،وتركني في حالة ذهول لم اخرج منها إلى الآن . هل سأدخل في قصة حب ؟، لا اعرف ، لكن الشيء المؤكد هو أن المخبر اصبح يقوم بدوره كعلاقة لا يمكن الاستغناء عنها فى الوقت الحالي . فجأة ، قفزت إلى ذهني فكرة ، فربما تحرى هذا الرجل عنى وعرف من أنا و بالتالي فان موقفه هذا يهدف جذبي إليه. بعد غد سأنتقل إلى مسكني الجديد. (20) قصرت شعري و هو الآن قصيرا جدا كفتاة شابة رايتها فى إحدى المجلات . ابلله كل يوم عندما اغتسل ، وسريعا ما يجف . فكرت انه كان يجب أن افعل ذلك قبل أن انتقل لبيتي الجديد ليتكامل تحولي . أنا الآن إنسانه أخرى . هذه هي أول ليلة أنام فيها فى بيتي الجديد. حلمت كثيرا، لكنها كانت أحلام غريبة، من الصعب أن أصفها، لأنها مفتقدة للترابط الذي تستوجبه الأشياء التي نحكيها. عندما كنت أدخن الحشيش، كنت لا احلم، كما لو كان المخدر يحل محل الأحلام أو الكوابيس بمعنى أدق. أنتظر عدة أيام، بعدها سأعود لتدخين الحشيش، لكن بطريقة أخرى، عندما سأحتاج إلى نكهته. أتحرك داخل الشقة كما لو كنت مسجونة بداخلها منذ سنوات. أشعر بحوائطها، بغرفة حمامها، بأثاثها، كما لو كانوا امتداداً لذاتي لا كأعدائي. أنا بخير، أشعر بصحتي النفسية، وبرغبتي العارمة في معرفة كيف ستكون حياتي في السنوات القادمة؟ كنت سأصير امرأة عجوز؟ وبماذا سأسمي ما يخصني؟ اتصلت هاتفيا بابنتي بهدف أن أدعوها على تناول الغداء معي لكنها اعتذرت، قالت أنها ستسافر غدا لقضاء الإجازة وأنها تجهز كل شيء. كانت لا تريد رؤيتي، وأنا شعرت أنني معفية من هذا اللقاء، لأنني ليس لدي شيء لأقوله لها. في خلال الأشهر القادمة سينمو كل من ورمي وورمها بشكل متوازٍ. لكن ورمي، الذي سأُلد من خلاله، ينمو في تجاه الرغبة في حياة جديدة ، مختلفة ، بينما ورمها ينمو في تجاه التكرار الميكانيكي الذي رأته يحدث أمامها مع أخريات. لم تنتبه مرثيدس إلى الآن إلى أنها امرأة، وأن هذا الوضع يفرض عليها أمرا يجب مواجهته عاجلا أو آجلا . فإذا أردنا أن نحيا علينا أن نستمر في العناء . لقد وضعت أريكة أمي بجانب نافذة الشرفة الصغيرة التي تطل على شارع ماريا مولينير، وهو شارع ضيق لكنه هادئ أنا الآن جالسة فوق الأريكة، وأكتب هذه السطور التي ربما تكون السطور الأخيرة في حياتي السابقة التي ختمتها في بروكسيل، في اليوم التالي لمقابلتي لقرينتي. إن تك تاك ساعة الحائط شيء لطيف، مثل دوار الفراغ الذي أفتتح به مستقبلي. ما زالت الحياة أمامنا، علينا ألا نتعجل. في هذه اللحظات أشعر أن الأشياء الغريبة التي كانت تتحرك في أمعائي قد اختفت، ألاحظ غيابها كما ألاحظ غياب ضفيرتي كلما انحنيت برأسي للأمام. أجد أمامي رجلين واقفين في الشارع، أمام شرفتي، يشكلان جزءاً من هذا المجتمع، من هذه الآلة التي يمثلها جيدا زوجي إنريكي. إنهما يعيشان داخل كابوس ويشعران أنهما صانعيه. وعندما يستيقظان من هذا الحلم سأقودهما إلى حياة لها فائدة. فجأة تجمعت الشمس أمام عيني بشكل حجب عني الرؤية ،من نافذة الشرفة يدخل ضوء خاطف للبصر، أبيض مثل غرف حمام الفندق، وفي وسط هذا الضوء، سريعا ما سيتجسد شكل مظلم وجميل مثل شكل الشيطان لكنه رقيق وحلو مثل الأشياء الإلهيه. انتهت

الأحد، أغسطس 24، 2008

كانت هذه هي العزلة

(9) ذهبت في اليوم التالي إلى المدافن . اتصلت بالمخبر ليتابعني . يمكنني أن أروي ما فعلت ، لكنني اعتقد انه يروي أفضل منى في تقريره، الذي يقول ما يلي: - ( تركت إلينا رينكون بيتها في الساعة الحادية عشر والنصف ، يوم 18 مارس . كان الجو شبه صيفي . لهذا كانت ترتدي فستانا خفيفا ذات ألوان سوداء ، مفتوح الرقبة . دخلت كافتيريا قريبة من بيتها ، جلست بجانب الحاجز الخشبي ، تناولت فنجان قهوة ودخنت سيجارة . لقد تحسن مظهرها العام ، واختفت بشكل ملحوظ الهالات السوداء حول عينيها (لاحظت ذلك بالرغم من أنها تستخدم نظارة الشمس أثناء سيرها ) تبدو مهندمة في ملابسها اكثر من ذي قبل ، الآن ترسم شفتيها ،وتمشط ضفيرتها باعتناء . ومع أن ضفائر النساء في مثل عمرها لا تقع مني موقعا حسنا ، إلا أن ضفائرها تبدو مثيرة للغز. حتى هذه اللحظات كنت انظر لهذه المرأة علي أنها هدف بسيط علي متابعته من اجل عملي ، فجأة بدأت تكتسب متابعتها موقفا شخصيا ، لن أحكي عنه شيئا . ركبت بعد ذلك تاكسي (بالرغم من أن لديها سيارة خاصة إلا أنها لا تستخدمها أبدا) وذهبت مباشرة إلى المدافن . سارت بلا استعجال ، بين طرق المقابر المشمسة وتوقفت في النهاية أمام قبرين . استطعت أن أتحرى بعد ذلك وعرفت أن هناك يرقدا جسدا أبويها . ظلت هناك لمدة عشرين دقيقة أو ربع ساعة ، بعد ذلك أدارت ظهرها وسارت حتى خرجت . كان من الصعوبة أن اختبئ ، حيث أن المكان غير مأهول وعادة لا نجد أي زحام هناك . أخذت تاكسي ، هبطت منه بالقرب من بيتها ، تنزهت في الشوارع تشاهد الفاترينات . في التقرير الأسبق ظننت أنها تتصرف علي أنها همزة وصل في صفقات زوجها المشبوهه ، لكنني الآن اعتقد أنها ببساطه امرأة تشعر با لعزلة والملل ، تخرج إلى الشارع لتهرب من اختناق المنزل ، لا يوجد شئ في سلوكها يشير إلى احتمال أخر ،بالرغم من أن تصرفاتها غريبة ، حيث أنها تخرج ولا تشتري شيئا ولا تقابل أحدا ولا تتجه إلى أي مكان محدد، باستثناء زيارتها القصيرة للمدافن . قبل أن تصعد إلى بيتها تناولت مشروبا في حانة ، ولم تفعل شيئا آخر .) كان التقرير موجزاً ، ذلك لأني بالفعل لم افعل شيئاً جديراً بالذكر . لقد تنزهت وقتاً طويلاً من اجله ، لأبرر له المبالغ التي أعطيها له وأيضا لأنه شيئ مريح أن تتحرك في الشارع وأنت تعرف أن هناك شخصاً يراقبك. أعتقد أنى لو فقدت الوعي في إحدى خروجاتي سيأتي إلى المخبر وسيتحمل مسئوليتي حتى أعود كما كنت . حاولت أن أراه وأعرف إن كان يطابق الصورة التي في خيالي ، لكنه يختبئ بمهارة . نظرت خلفي في المدافن مرتين أو ثلاث لكنى لم أر أحداً يراقبني . من ناحية أخري ، ولأنه قد عدل رأيه فيَ هذا التقرير اتصلت به هاتفياً . - تقريرك الأخير موجز جداً – اشتكيت له . - أنا أدرك ذلك – أجاب ـ لكن الموقف لا يستدعي أكثر من ذلك ، لقد فعلت بالضبط ما أمرتي بفعله . - نري انك منجذب لهذه المرأة ، تتحدث عنها بشكل آخر. جاءت لحظة صمت ، لكن رد فعله جاء في الحال: - جائز – قال – من السهل أن نتضامن مع امرأة كهذه ، خاصة لو فكرنا في طبقة زوجها . الحقيقة إنني لا اعتقد أن لها أي علاقة بصفقات زوجها إنريكي . أنا أعتقد أنها مهمشة في كل شيء ، فهي لا تري أحدا ولا حتى ابنتها . - لا تنخدع بالمظاهر – قلت – فهذه الشخصيات دائما تأتى بالمفاجآت . - هل سأتابعها مرة أخري ؟ ـ سأل بنبره من السهل أن نلاحظ فيها طلبه ـ - الآن لا . سأكون علي إتصال بك.
يبدو أن هذا المخبر علي درجة ما من الشاعرية ، التي لا يتوقعها أحد في هذه المهنة . تأملت في العزلة التي نسبها لي ، وهذا جعلني أفكر في حياتي بجديه ، إنها بالفعل حياه خاليه من أي علاقة . زوجي وبقية الناس الذين أعرفهم يعتمدون علي سلسلة من الأشياء التي تؤكد لهم باستمرار وجودهم ، تلك الأشياء تحتوى علي علاقة تشابه . ما هي الأشياء التي امتلكها وتؤكد وجودي في الماضي ، ووجودي الآن ، لو كنت حقا شيئا موجوداً . أمتلك هذه المذكرات ، والحشيش الذي أحاول الإقلاع عنه ، وربما أمتلك أيضا الساعة و الأريكة . وهل يوجد شئ آخر . امتلك أيضا آمي التي ، بعد موتها ، شغلت حيزا في جسدي في نقطة معينة من جهازي الهضمي . أستطيع أن أتحدث أيضا ، بالرغم من انه يضحكني ، عن قرينتي التي ربما تسمي أيضا إلينا وقد تكون ابنة قرينة أمي . أمي أيضا كان لها علاقات كثيرة : مع الكحول ، المذكرات، مع ورمها . كيف كانت تتصرف مع ورمها في ليالي السهد ؟ بأي طريقة كانت ترتبط به ؟ افتح الآن واحدة من مذكراتها واقرأ كالعادة بالصدفة.:- " من بين ثمرات الحياة المُرّه لا يعد الموت أسوأ ثمرة ، إن أسوأ شئ هو أن تعيش الواحدة منا بعيده عن نفسها ، كما أعيش أنا منذ سنوات ، منذ أن انتقلت إلي هذه المدينة غير الموجودة ، ومع ذلك يسمونها مدريد. مدريد غير موجودة. إنها حلم ناجم عن مرض ، ناجم عن بعض الأدوية التي نتعاطاها لتقضي علي مرض . كل الذين يقيمون في مدريد غير موجودين . وهذا لا يمنعنا أن نسير ، أن نشتري فواكه،أن نفتح دفتر توفير . بالأمس نزلت في منطقة لوبث دى أويوس وتجولت في شارع مارثينادو ، كان الشارع منكمش الجلد كما لو كان يعانى من مرض الحساسية . أنا أعاني من الحساسية في منطقتين من جسدي ، لكنهما لا يضايقاني ، لهذا فقد عقدت معهما اتفاقية ، والآن أشعر براحه . لكن لم تبتعد عنى رائحة الفم الكريهة وفقدان الشهية وفقدان تذوق الطعام ، لأن طعمه في فمي مر . وبسبب هذه الأشياء الموجودة في جسدي بدأت أهمل البيت كثيراً وهذا شئ يشغلني . منذ خمسة عشر يوما لا أنظف قيشاني الحمام ، وأحيانا أفكر أن نمو ورمى يتوقف علي حالة البيت . لو كان البيت قذراً، ينمو ورمى ، لكن عندما أنظفه ، يبدو أن حجمه يصغر . قرأت في موسوعة(العادات الفاضلة) أن المرأه عندما تبدأ تهمل بيتها ، تنتهي متجولة في الشوارع باحثه عن رجال لا تعرفهم ليأخذونها داخل فندق خفي وقذر . لهذا ، أحببت أن ازرع في بناتي ، خاصة إلينا ، الاهتمام بالبيت ، لكنني أعتقد أنني فشلت . أتذكر أن إلينا قد قصت لي حلماً عندما كانت صغيرة . رأت في المنام أنها كانت علي شاطئ وأنها حفرت حفره في الرمال ووجدت عمله . كانت تعلم أنها وجدتها داخل حلم، لكنها علمت أيضا أن العملة حقيقية وأنها متينة، وفكرت أنها لو ضغطت عليها بشدة بيدها اليمني ستجدها عندما تستيقظ . لم تجدها بالطبع . حينئذ ، وفي نفس هذا الصباح، نزلنا إلي الشاطئ وأخفيت عملة في الرمال وقلت لها : لماذا لا تحفرين هناك فربما تجدين العملة التي رأيتها في المنام . حفرت ، وجدتها ، ظلت مندهشة . يالها من حياة . الآن سأذهب لأنظف قيشاني الحمام لأني بعد ذلك سأشعر بالكسل .) بعد أن قرأت هذا الحدث ، نهضت من فوق أريكة آمي وذهبت إلي الشرفة . ولأنني أعيش في شقة مرتفعة ، رأيت المدينة كمن يتأمل جسداً يحيط به . هذه المدينة هي جسد يمكن رؤيته ، لكن الرؤية ليست بالضرورة مختصة بكل ما هو واقعي . فربما تكون هذه المدينة غير موجودة ولا نحن أيضاً موجودين مثل هذا الكنز الذي وجدته في الشاطئ . إلى الآن لا أعرف هل الإلهام يجعلني حزينة ، أم انه يثيرني ، لو كان مؤكداً أن هذا الاكتشاف أكذوبة ، فليس أقل تأكيداً أن أماً حققت حلماً بهذه الصورة هي أم ملزمة بأن تبحث عن مصير مختلف لنفسها. كل يوم ، عندما أرتب غرفة نومي ، أري في البيت الواقع أمامي امرأة تطل من النافذة لتنظف بعنف حافتها . يبدو لي شيئا غير مفهوم ، لكنها تقوم بهذا الحدث العبثي كل يوم وفي نفس الساعة ، كما لو كان داخله تكمن الحياة . من المحتمل أن تكون محقة ، لأنها ربما تعتقد أنها لو مالت إلي الكسل ، ستنزل إلى الشارع لتبحث عن رجال لا تعرفهم . لقد عانيت أنا أيضا من وساوس من هذا النوع ، لكنني أقلعت عنها ، بالرغم من توصيات أمي . وعندما أقلعت عنها بقيت بلا هوية ، لأن كل شعائر النظافة كانت تفرض علي احتمالية أنني أنا ذاتي . لكن أمي لم تنقل لي هذا فقط ، لأنها في الوقت نفسه حققت حلم طفولتي ، وزودتني بقرينه تتعارك لنتفق مع ما يسمونه واقع ، أو لتخلق واقعاً خاصاً وتنعزل بحياتها ، مثلي . بمعنى آخر ،لقد رسمت لي أمي الممرات الضيقة والغرف الفقيرة التي يجب أن تسير فيها حياتي، لكنها في الوقت نفسه خلقت لي عالماً خاصاً لكي أستطيع أن أتحمل هذا السجن أو لأفجره إلى آلاف الأجزاء . وهبتني كل ما هو جميل وكل ما هو قبيح في الوقت نفسه وأدمجتهما بشكل غير منظم ، لكنها تركت لي أريكتها وساعتها : تركت لي الأريكة لأجلس فوقها وأفك هذا الالتباس و تركت لي الساعة لتقيس إيقاع الإنسلاخ . الساعة الآن الحادية عشر ، تناولت فنجان قهوة ، لكنه أرهقني ، أشعر بغثيان . سأدخل إلى المطبخ الآن . (10) أقلعت عن تدخين الحشيش منذ عدة أيام ، وبدأ الواقع يعرض نغمات نادرة الوجود . اكتسبت أثاثات البيت ، التي تنمو عادة بشكل بارز ، درجة من التجسيد المضطرب بعض الشيء . أريد أن أقول إنني أرتبط بهذه الأثاثات وببقية الأشياء الموجودة بالبيت كما لو كنت إنسان دخيل علي هذا المكان . قبل ذلك ، لأتحصل علي الإحساس بالاستغراب ، كنت أحتاج إلى الحشيش ، لكن منذ أقلعت عنه تعدل بالتدريج شئ ما بداخلي .أتأمل الصالون ، أعرف شيئين فقط كممتلكات خاصة بي : الأريكة و الساعة ، كما لو كان القدر قد وضعهما أمامي لفترة مؤقتة ، كما لو كان هذا البيت هو نقطة الانتظار التي يجب أن أستمر فيها بينما أعد نفسي لأشغل مكاني النهائي . أجد نفسي في بعض الأيام أتحرك داخل الدواليب والأثاثات بفضول متطفل. من ناحية أخري ، ومنذ أقلعت عن التدخين ، زادت أحلامي . أحلم كثيراً وبغزارة نادرة ، لكنها تقع منى موقعاً حسناً . يبدو أن الأحلام التي أستطيع تذكرها تملأ فراغاً لا يمكن رؤيته يسكن فيه جزء من نفسي ، حتى عندما تستحوذ علي عنصر مؤلم . هذه الغرابة أيضا تلحق إنريكي زوجي ، الذي أتأمله كمضيف ودود ، رغم أنه بعيد . وبالتالي يملؤني الشعور أنني أسكن في بيت ليس بيتي ومع رجل ليس زوجي . إن مجرد قولي هذا ، وكتابتي له ، يمنحني إحساسا بالضيق ، لأنه بمثابة موافقة منى علي ألا أنتسب لأحد ولا لشئ ، كما أن لا شئ ينتسب لي ، ما عدا الساعة و الأريكة . كل هذا يجعلني أتحول إلى شبح ، ربما شبح أمي الذي يصمد في وجه هجران هذا العالم متشبثاً من خلالي بالأشياء المادية التي ارتبطت بها في حياتها . قد تكون هذه هي العزلة التي طالما تحدثنا عنها وقرأنا فيها بدون أن نعرف بالبداهة ما هي أبعادها الأخلاقية . حسناً ، إذن كانت هذه هي العزلة : أن تجدي نفسك في العالم فجأة ، كما لو كنت قد جئتي حديثاً من كوكب آخر بدون أن تعرفي لماذا طردوك منه ، وتركوك تحضرين معك شيئين (في حالتي الأريكة والساعة) ويجب أن تحمليهما علي عاتقك ، كاللعنة ، حتى تجدي مكاناً تستعيدين فيه حياتك بناءً علي هذين الشيئين وعلي الذكرى غير الواضحة عن العالم الذي جئتي منه . العزلة هي انقطاع غير مرئي لكنه فعال ، كما لو كانوا قد اخذوا منك السمع والبصر وكل شئ ، وتركوك خاليه من كل الأحاسيس الخارجية ، من كل العلاقات ، فقط وهبوك الإحساس باللمس والذاكرة ، وفرضوا عليك أن تعيدي بناء عالمك ، العالم الذي تسكنين فيه ويسكن فيك . هل يوجد في هذا أسلوب أدبي ؟ هل يوجد فيه شيء مسلي ؟ لماذا كنا نعجب بهذا كثيرا؟ في هذه اللحظات شربت كثيراً من الويسكي بهدف أن أعكر كل أحاسيسي ، حيث إنني ، عندما قرأت السطور الأخيرة المتعلقة بالعزلة مرة أخري، ملأني الخوف ، وربما شئ من الشفقة علي نفسي . علينا أن نتخيل أن شخصاً ما لا يستطيع أن يري نفسه من الذي يحيط به. ويهرب من نفسه باستمرار مثل من يجري ليبتعد عن ظله . رأيت أخي منذ يومين أو ثلاث . اتصلت به لأتحقق أنه ما زال علي قيد الحياة ، وأنه قادر علي معرفتي ، مانحه لنفسي بذلك مكاناً في حكاية الارتباط والاهتمامات التي تربط البشر ببعضهم. كان حياً وعرفني . اتفقنا أن نتقابل بعد العصر وأن نأكل وجبة خفيفة في شرفة كافتيريا قريبة من بيتي. أخبرت المخبر ليتابعني . تناولت فنجان قهوة ، وطلب خوان فنجان شاي بالليمون . كان يتأملني بقلق وربما بخوف ، كما لو كان قد حدث لي شيئا ، أو ربما شعر بمسئوليته تجاه حياتي . - هل أنت بخير ؟ – سألني في الحال - ليست هذه هي المشكلة – أجبته ، محاولة أن أكون صادقة وربما لأطمئنه – المسألة ليست أنني لست بخير و إنما هي أنني أشعر أنني غريبة ، لو نظرت لي من الخارج واضعاً في اعتبارك فقط الشكل الخارجي ، ستجد نفسك مجبراً أن تقول أن كل الأشياء تسير علي وجه معقول ، لكنني لا أشعر أنني مرتبطة بهذه الأشياء المعقولة. كل منا ، أنا و إنريكي بعيدا عن الآخر منذ زمن طويل ، وبالنسبة لابنتي ، ماذا سأقول لك ، أعتقد أنني أم باردة ، والآن أنا أدفع الفاتورة . في الماضي كانت لي مصالح مهنية وسياسية ، تخليت عنها بالتدريج . وأخيرا فإن لكل منا عالمه الخاص الذي يرتبط به ، وعالمي أنا يبدو أنه قد تهدم بلا ضوضاء ، وبالتالي ، وبدون أن أنتبه ، لم أستطع أن أعول عليه بشيء. أعتقد أنني وضعت خوان في موقف محرج. فأخذ موقفاَ سلبياً بشكل مفرط، كما لو أراد أن يبرز لي أن قصتي لا تخصه ، وأنه فقط كان مستعداً للتحدث عنها بنفس الشفقة التي يتحدث بها عن الزمن ، لكنه لم يستطع أن يحتفظ بهذه الحيادية طوال الوقت. - أنا – قال- لم أفهمك أبداً يا إلينا ، لا أنت ولا زوجك ، ومع ذلك أتذكر أنني في وقت ما اعتقدت أنكما زوجان مثاليان. كنتما تمثلان أحلي ما يكون في هذه الحياة . كان ذلك منذ سنوات بعيدة عندما كنت انتقدكما لتدخلكما في قضايا سياسية لكن ، انظري ، أنا لا أفهمك حقيقة . لقد وهبتك الحياة كل ما اردتي ، في شبابك الثورة ، وفى نضجك المال ، مما تشتكين إذن؟ اندهشت من عدوانية أخي ، فالواحدة منا لا تعرف إطلاقا ماذا تمثل بالنسبة للآخرين أو بأي طريقة غير مبرره يمكن أن تفقد أو تربح عاطفة ما . علي أي حال ، كان يبدو أنه يؤكد لي إحساسي بالبعد عن العالم ، بعزلتي . تأخرت في الرد عليه ، ثم قلت : - هذه ليست شكوى يا خوان ، لكن كل الأشياء أصبحت لا تجذ بنى ، بدون أن أفرض أي إرادة منى في هذا . أنا أشعر أنني وحيدة ، واعتقدت أنني من الممكن أن أحكي لك ، لا تخف ، أنا لا أطلب منك شيئاً . - أنا لا أعرف ما معنى الشعور بالعزلة ولا أعرف كيف تصبح الأشياء لا تجذبك .ذلك لأني لم أصل إلى مستواك الاقتصادي ، ولم تمنحني الحياة هذا الكم من وقت الفراغ الذي تعيشين فيه ، أنا أعتقد أنك تفكرين في نفسك بشكل زائد عن اللازم . لو التفت إلى ما يحدث حولك ، لن يكون لديك وقتاُ لتشعري بكل هذه الأشياء . قلتي قبل ذلك أنك أم باردة ، لماذا لا تصححين هذا الوضع ؟ ، أنت بالكاد تقابلين مرثيدس ، والآن هي تحتاجك أكثر مما كانت صغيرة . سألت :_
ـ لماذا ؟ نظر لي خوان بوجه يكسوه الغضب ، كما لو كان سيشرح لي أشياء معروفة ، وقال : - بهذه الطريقة ستكونين أخر من يعلم . ابنتك حامل . تأخرت بعض اللحظات لأدرك معنى هذه العبارة ، لكن عندما أدركته شرعت في البكاء بلا عنف ، كما لو كان حدثاً ميكانيكياً تقتضيه حركة العين . أنا لا اعرف معنى هذا الانفعال لكنني أستطيع أن أقول انه من اكثر الانفعالات في حياتي. من حسن حظي كنت ارتدي نظارة شمس و اعتقد أنني استطعت أن اخفي دموعي. من المؤكد أنني تذكرت أن مخبري يراقبني من مكان ما ، وفكرت أنني لا أحب أن يراني باكية. - أشكرك لأنك قلت لي – قلت في النهاية. بقينا فترة نتحدث في مسائل محايدة ، وأصبح خوان ودوداً معي . لم يعتذر لي ، لكن طريقته في الكلام كانت تحمل نبرة اعتذار ، وفي لحظة محددة سألته:- - أتعتقد أنني أشبه أمي ؟ - من حيث الشكل نعم بالطبع ، أنت شبيهتها خاصة عندما تلمين شعرك مثل اليوم . لكن من حيث الطبع أعتقد أنك لا تشبهيها إطلاقا ، أمك كانت محافظة و تناقشتما كثيراً بسبب ذلك . - اعتقد أن أمنا كانت تميل إلى تحفظها بالأشياء والطقوس والعادات لأنها كانت تشعر بالعزلة ، لأنها كانت تحتاج لهذه العلاقات المستقرة لكيلا يصيبها الجنون - انظري يا إلينا ، أنا رجل من الطبقة المتوسطة وليس لدي أي مداخل للتأملات العميقة . أمنا كانت لها شخصيتها التي تحيا بها ، كما تحيين أنت بشخصيتك وأنا بشخصيتي ، وعاشت حياتها مثل كل النساء في وقتها ، ومثلها عاشت اثنتا مليون امرأة وأكثر . عاد خوان إلى عصبيته ، وبالتالي وجه الحوار إلى قضايا غير ملموسة ، وبعد ذلك بقليل ودع كل منا الآخر . ضغط علي كتفي وأعطاني قبلة حنون ، في إشارة تبدو أنها دعوة لأن أثبت ولا أنهار . فكرت في العودة إلى البيت ، لكن فكرة أن ابنتي حامل لم تتركني . ملاني الخوف أن أصبح وحيدة بين حوائط الصالون الأربعة وأن تصيبني نوبة بكاء لا يمكن كبحه ، بالإضافة لذلك فقد تذكرت أن مخبري يراقبني ، فقررت أن أعطيه بعض الوقت لأؤكد شكوكه . كنت أحاول أن أفكر في أي شئ بعيدا عن عائلتي لأنني بدأت اشعر بكراهية لا حد لها تجاه إنريكي لأنه لم يخبرني أن ابنتنا حامل . ومع ذلك ، عندما أطللت برأسي علي صالة القمار ، وتحققت من كمية العزلة المتراكمة في كل واحد من اللاعبين واللاعبات، خرجت مهرولة من هناك ، لأنها بدت لي مرآة من المستحيل أن أحتمل رؤية نفسي فيها . وصلت إلى البيت في حالة اضطراب لا أرغبها وبألم مسهب في بطني . واحتد إحساسي بأن هناك شيئا في أمعائي يقاوم ليخرج ، ليكون مطروداً . ذهبت إلى الحمام بلا نتيجة . جلست علي أريكة أمي وفكرت في ابنتي ، ابنتي الحامل . الجنين الذي كان في بطني ، وبين ذراعاي ، تستعد الآن لتواصل السلسلة ، بالرغم من أني لا أعرف إلى أين ولا إلى ماذا ، هذه هي الحياة، فكرت، هذه كانت الحياة، ليست اكثر من ذلك : أن نولد ونلد ونموت ، وأحيانا ننمو . وبين فترة وأخرى يوجد مكان فارغ ، وقت ميت ، رعب ما ، لا نتذكره . بدأ إحساسي بالغضب ، من إنريكي و مرثيدس لأنهما لم يخبراني، في الانحدار ، بل اختفي عندما فكرت من هذا المنظور . في الحقيقة كان يبدو لي شيئا تعيسا أن أفكر في صور الآخرين الذين أتموها بأنفسهم أكثر من تفكيري في صورتي الشخصية ، وبالتالي عندما وصل إنريكي لم أقل له شيئا ، وكنت لطيفة معه، أصبح الموضوع لا يؤثر في ، كما لو كنت إنسانه أخري ، رغم أنني ، ولسبب ما ، تمسكت بمظهري كأم لابنتي . تلقيت اليوم تقرير المخبر السري ، وغفرت له بعض الأخطاء الواردة فيه ، مثل قوله أنني طلبت ويسكي وليس قهوة ، وفي النهاية ، يقول ما يلي: ((هناك شيئ سيئ في حياة إلينا رينكون يجعلها منهكة ، ورأيي هذا يرتكز علي أن مظهرها العام دائم التغير . فبعض الأيام نجدها علي ما يرام ، والبعض الأخر في حالة سيئة . كما لو كانت تعانى من مرض مستقر ، كنتيجة لأيام الراحة . كان وجهها اليوم عابساً ، لا أقول أنها لم تكن جذابة ، علي العكس ، أن هذا الاضطراب في ملامح وجهها يمنحها هالة من الغموض . كان شعرها ملموما ، و بدت أكثر شباباً . خرجت من بيتها في الساعة السابعة مساءً ، وظلت تتنزه حتى وصلت إلى كافتيريا لها شرفة تطل على الشارع . جلست في إحدى موائدها ، كأنها في انتظار مجيء أحد ، وبالفعل ، بعد قليل وصل هذا الشخص ، وهو رجل في الخامسة والثلاثين من عمره ، عند وصوله تصافحا وتبادلا القبلات ، وجلس بجانبها . قدموا لها ويسكي ، وقدموا له شرابا ساخنا . كان علي أن أشاهد المنظر من بعيد ، لأن الكافتيريا لم تكن مزدحمة ، وافضل ألا أدخل في نطاق رؤية إلينا رينكون لأسباب قد ذكرتها قبل ذلك . علي أي حال ، لقد التقطت صورة فورية أرفقها بالتقرير ، فربما تفيد عميلي. كان الاثنان بعيدين قليلاً ، لكن وجهيهما واضحان بفضل وضع الإضاءة . حقيقة ، أنا لا اعلم من هو هذا الشخص ، لكنني أستطيع أن أؤكد انه أساء معاملة إلينا رينكون بالألفاظ ، لأنها في إحدى لحظات اللقاء لم تستطع كبح دموعها . انتابني إحساس بأنها تشعر بالرعب ، كما لو كانت خاضعة للابتزاز بالتهديد . ربما كان الأمر هكذا ، ربما كان يأخذ منها معلومات عن زوجها في مقابل السكوت عن أشياء تخجلها . أقول هذا لأن الشخص الذي كان يجالسها شبيه بضباط الشرطة . كان يرتدي ملابس مثل ضباط الشرطة ، كان يتكلم مثلهم . ينظر إلى إلينا بنفس نظراتهم . ظلا سويا لمدة ساعة وربع . ثم أعطاها قبلة الوداع . لكنها ليست قبلة ضابط شرطة ، لكن أحيانا لا يخرج كل شيء كما يرغب الإنسان . فكرت أن السوء الذي تعانى منه هذه المرأة ربما يكون الهواجس ، لأن في طريقة سيرها ، وحركة ذراعيها محاولة للتخلص من شيء مقلق . ربما لهذا السبب توجهت لصالة القمار لتنشغل عن هواجسها . وربما هوايتها للعب قد ساقتها للديون الزائدة التي إلى الآن لا تستطيع سدادها، ربما لهذا خرجت مهرولة من الصالة قبل أن تجلس فوق أي منضدة ، بعد أن بذلت جهدا من إرادتها النبيلة لكيلا تخضع للعب . عادت بعد ذلك إلى بيتها ، سيرا علي الأقدام . كانت تبدو مشغولة وقد تخطت لحظات السكينة لتدخل في حاله استثارة عصبية . هذه الأشياء ندركها نحن المخبرون من طريقة السير ، بالرغم من أنها تمر علي كل الناس ولا تلفت انتباههم . عندما دخلت مدخل عمارتها كان الليل قد حل، كانت الساعة حوالي التاسعة. احب أن اعرف إن كنتم تريدون في المستقبل أن أراقبها فقط أم أقوم بتسجيل حواراتها مثل الحوار السابق. وبالطبع التعريفة ستختلف )) أعتقد أن هذا التقرير هو أكثر التقارير التي أعجبتني ، عندي إحساس أن هذا الرجل سيكرس حياته لي لو وجدني في ظروف صعبة . كانت الصورة الفورية المرافقة للتقرير رائعة . لأن خوان ، حقيقة ، يبدو مثل ضباط الشرطة ، يحاول أن يسحب منى معلومات . لا يوجد شيء يستطيع أن يبرز هويتنا كأخوة ، ولا حتى كشخصين تربطهما أي عاطفة . يا للحياة . (11) ذهبت أمس لزيارة ابنتي ،كنت ساذجة عندما اعتقدت أنني قادرة علي البقاء بعيده عنها أثناء حملها، فمنذ أخبرني أخي وأنا أري الفكرة تنمو أمام عيني كأنها وسواس، لدرجة أنني أصبحت عاجزة عن التفكير في شئ أخر. كنت أسأل نفسي من حين لآخر : لماذا لم تخبرني هي؟ وكنت أرد علي نفسي بأنها حاله نفسية، فأنا أحيانا يملأني الحزن، وأحيانا أخري أكون عنيفة، و في بعض اللحظات أفكر في عائلتي كما لو كانت لا تخصني في شئ. لكنها تخصني بالطبع، نعم تخصني، وهذا الحدث قد يكون الحدث الأخير المرتبط بقصة حياتي، لأنني علي وشك أن أتحول إلي إنسانه أخري. لا أعرف، أشعر بطريقة ما بأن هناك ارتباك في مشاعري، هذا الارتباك يتضمن قليلا من كل شئ، قلق، خوف، كراهية، دوار. كما يتضمن فضول ونقطة من التفاؤل غير المبرر والمرتبط بمستقبلي. فمن ناحية يبدو واضحا أنني لا أنتسب إلي مجموعة العواطف المنقطعة والمتصلة التي تشكل النسيج العائلي و من ناحية أخرى اشعر أن هذا النسيج هو المكان الوحيد الذي ما زالت الحياة، حياتي، قادرة على البقاء فيه. إن كون ابنتي ستصير أما وأنني لا أشترك في هذا الحدث يضعني خارج العالم، في مكان لا نسمع فيه رنين الصرخات ولا تلين الدموع فيه شيئا من صخوره. أعتقد أنه لو تحقق تحولي سأصير أنا وابنتي مرتبطتين بخيط غير مرئي، بخيط عضوي متناسق الأجزاء، وبناء عليه ربما نبدأ في حياكة نسيج جديد وستشغل كل واحدة منا مع مرور الزمن مكانا محددا. حسنا لقد خرجت إلي الشارع لأفعل شيئا محددا، وبعد قليل وجدت نفسي أطوف حول بيتها عرفت حينئذ إنني لم أخرج إلا لرؤيتها، وعندما أصبحت قريبة من بيتها فكرت في أن أتصل بها تليفونيا لأخبرها بزيارتي، لكنني خشيت أن تحاول التهرب مني بأي عذر، وبالتالي قررت الصعود مباشرة. هي التي فتحت لي الباب، وسريعا ما لاحظت أن وجودي غير مرغوبا فيه. لم يوجد معها أحد بالبيت، فزوجها في عمله وخادمتها تركتها. لاحظت بطنها في الخفاء، لكن إلي الآن لم يكن الحمل قد ظهر عليها. كانت ابنتي جميلة، هي دائما أجمل مني، بالرغم من تركيبة أكتافها الرياضية التي تخفيها جيدا بنوع الملابس التي ترتديها. كان التلفاز مفتوحا، ولم تشأ أن تقلل من حدة صوته ليمكننا التحدث. في الحقيقة، عندما رأيتها جالسة علي هذه الأريكة أمام التلفاز، محاطة بأثاثات تمتلكها وتسبب نوعا من الحياة البعيدة عن اهتماماتي، شعرت بضربة من الضيق تنتابني. بدا لي أن كل هذه الأشياء قد رأيتها قبل ذلك في مكان آخر، ربما في نفسي، وان هذه الأشياء لا تؤدي إلي شئ ، لا تؤدي إلي شئ . شعرت أنني مرهقة لأنني علي قيد الحياة ، لأنني مجبرة علي رؤية تقدم الأجيال، مجبرة علي حضور تعاقب السنين والفصول والأيام . وفجأة أصبحت حزينة وشرعت في البكاء . حاولت مرثيدس أن تهبني السلوى ، لكنها لم تتخل كلية عن نبرة النفور. - لماذا لم تخبريني؟ سألتها في النهاية. - لا أعرف – أجابت – قليلا ما أراك ولم أجد مناسبة لأخبرك فيها. تنبهت أن في يدي الآن سلاحا قيما لألقي الذنب عليها محققة بذلك نوعا من الانتصار الأخلاقي عليها وعلي أبيها، لكنني لم أحب أن أفعل ذلك، لأنني شعرت أن في هذا المشهد الذي نمثل فيه، عنصر التكرار، عنصر النسخ، وهو عنصر يبعث الضيق مثل تقدم الأجيال وتعاقب الأيام. أمكننا أن نتحدث قليلا وتواعدنا أن نتقابل خلال أسبوع أو أسبوعيين عندما تصفى نفس كل منا . أعتقد أنني سأتصل بها خلال هذه الأيام، وسأدعوها إلي تناول الغداء في مكان محايد لأري إن كانت قادرة علي طلب مساعدتي، أو طلب نصيحة . يسعدني كثيرا أن أشعر بفائدتي في مناسبة مثل هذه. علي أن أحدد هذه الليلة إن كنت سأسافر كما أقترح علي إنريكي منذ عدة أيام أم لا.

الخميس، أغسطس 21، 2008

(7)
أكتب هذه الصفحات التي لا اعرف كيف اسميها ولا إلى أين تقودني وأنا في الثالثة و الأربعين من عمري ، أي قبل أن ابلغ بقليل نقطة المنتصف لما يمكن أن نعتبره حياه طويلة جدا. هناك أحداث شخصية كثيرة ، ذات تفاصيل معقده ، وضعتني في السنوات الأخيرة أمام إمكانية أن أتحكم في وجودي بشكل فعال . أجد نفسي علي بداية شئ لا اعرف تحديده ، لكن يمكن تلخيصه في أنني قد أمسكت بزمام حياتي . من المؤكد أنني إلى الآن لا اعرف كيف أفرض سلطتي عليها ، كما أنى لا اعرف إلى أي تجاه سأوجهها عندما أتعلم كيف أقودها . من المؤكد أيضا أن كل هذا يسبب لي الدوار الذي تتركز تأثيراته في أعضاء جسدي التي ظهرت عليها أعراضا مختلفة كانت قد توقفت عندما أقلعت فجأة عن الحشيش . لكن كل هذا ذات قيمة ضئيلة مقارنة بالفوائد التي لم أدركها إلى الآن باللمس ، مثل فوائد المغامرة التي نحن علي وشك الدخول فيها لا تدرك باللمس. اكتب السطور الأولى من حياتي وأنا جالسه فوق أريكة مريحة من الجلد ، تلك الأريكة التي قضت آمي فوقها معظم سنوات عمرها ، ومن ورائي ساعة حائط ، أيضا كانت ملكاً لها ، وهذه الساعة تقيس الزمن ، لكنه ليس الزمن الذي يحدد حياة الإنسان ، و إنما هو الزمن الذي ينظم مدة مغامرتي الداخلية: انسلاخي من شخصيتي . لقد اشتريت مجموعة كراسات صغيرة الحجم ، ووضعت بها دبابيس ، تشبه كثيراً كراسات أمي التي استخدمتها عند كتابة مذكراتها الغريبة والناقصة ، تلك المذكرات التي وقعت في يدي بعد موتها. أنا اقضي حياتي بسهولة ، ما بين قراءة مذكرات آمي وكتابة مذكراتي ، كما أقرأ أيضا تقاريرتمنحني السرور كلفت أحد المخبرين السريين بكتابتها لي . لقد تعاقدت مع أحد المخبرين الذي لا يعرف من أجل من يقوم بمهمته ، علي أن يتابع إنريكي زوجي . لكن سريعا ما انتابتني حالة ملل من مغامراته الجنسية ، وصفقاته المالية (بالحلال والحرام ) وبالتالي اتصلت هاتفيا بالوكالة - فقط نتحدث عن طريق الهاتف - وقلت له ألا يتابع إنريكي أكوستا وأن يركز مجهوداته في إلينا رينكون ، زوجته التي هي أنا . قليلا ما أخرج من البيت ، لكنني احب أن يصف لي أحد تصرفاتي و أنا في الشارع . وهكذا عندما أخرج في بعض الأيام لأتنزه ، أو لاشترى أشياء اتصل بالوكالة وآمرهم أن يتابعوني ، لكن هذا لا يحدث دائما . وفي اليوم التالي أذهب إلى صندوق البريد القريب من هنا وآخذ التقرير الذي يظهر ما فعلته بالتحديد ، وليس شئ آخر . و لأنني قد كلفت المخبر بأن يبدي آرائه الشخصية ومشاعره الداخلية ، فهو يقول أشياء عنى كنت لا أعرفها عن نفسي ، وهذا ، بالإضافة إلى انه يملأ فراغي ، فهو بعيد بنائي و يواصلني بنفسي ، يعيد لي صورة متكاملة مجسمة عن ذاتي ، وكل هذا جعلني أري أن جزءا كبيرا من قلق الماضي كان بسبب شعوري أنني ممزقة ، كل أهدافي متناثرة أو متجمعة في أماكن لا تخصني ربما لهذا السبب بجانب أسباب أخري ، عجزت عن تكوين علاقة مع ابنتي التي ما زالت تشعر أنني أم باردة ، غير قادرة علي الوصول إلى جذور مشاكلها ، وعاجزة عن حبي لها .لا يهمني ، فأنا أيضا كنت اشعر أن أمي بعيده عنى ، ولكنني اكتشفت الآن أنني كنت قرينتها . إن الزمن الذي تحدده هذه الساعة و يهزني تك تاكها بينما أكتب هذه السطور ، يعيد إلى كل منا الأشياء التي تسلمناها خلال حياتنا ، ويجمع كل الأجزاء في المكان الذي خرجت منه عندما تهشمت الصورة إلى أجزاء . ذهبت أمس إلى الملحق التجاري (القصر الإنجليزي) ، واتصلت بالوكالة ليتابعوني ، واستقبلت اليوم هذا التقرير ، الذي يقول ما يلي:- (( خرجت إلينا رينكون من بيتها في الساعة الخامسة وعشرين دقيقة في اليوم المشار إليه لمتابعتها ، كانت ترتدي ملابس خريفية ، ولم ترتد جوارب ، وهو الشيء الذي لاحظته لأنني تعودت النظر إلى ساقيها ، لأنها بقت وقتا طويلا بدون أن تزيل شعرها ، حتى وصل شعر قدمها لطول جسيم ، خاصة ساقها اليسرى ، ولأسباب لا اعرفها . اعترف أنني فكرت أنها ربما تكون من أصول تركيه لأنني سمعت أن نساء هذا البلد يفضلن الاحتفاظ بشعر أبدانهن الذي وهبته الطبيعة لهن ، وحتى ولو خرج في أجزاء في الجسم نعتبرها نحن في العالم الغربي من خصائص الرجال . حسناً كنت أقول أنني لاحظت ساقيها ، وفي الوقت الذي تحققت فيه أنها لا ترتدي جوارب ، لاحظت أيضا أنها قد أزالت شعرها . وسارت بدون هدف محدد حتى شارع "خواكين كوستا" ، ومن هناك هبطت في تجاه شارع "كاستييانا" ، بدون أن تفعل خلال كل هذا الوقت شيئا ذات أهمية ، بالرغم من أننا نستطيع أن نلاحظ في تصرفاتها العامة شيئا غريبا ، تصرفاً ملتبسا ، كما لو كانت تتظاهر بإمكانية حدوث لقاء غير مرغوب فيه يخضعها إلي اهتزازات طفيفة في طريقه سيرها ، أو في اختيار الشوارع التي تؤدى بها إلي هدفها النهائي : مركز القصر الإنجليزي التجاري الواقع في شارع "كومبليخواثكا" . بالطبع ، هذا التقرير هو رأيي الشخصي ، لكنه حقيقة . وفي مركز القصر الإنجليزي أمكنني رؤيتها عن قرب ، لأن هذه المراكز المعدة لاتساع زحام كبير ، تسهل كثيرا مهمة المخبر السري حيث يستطيع أن يذوب بين الناس و أن يقترب من الشخص المراقب بدون إثارة أية شكوك . خلعت إلينا نظارة الشمس عندما دخلت في المحلات الكبرى ، وبالتالي ظهرت عيناها التي ، كما هو معروف ، مليئة بالإرادة والخوف والرغبة ، ولكن معظم الناس يعتبرونها عيونا ساهية . أود أن اعترف أنني قمت بعمل دراسة في طريقة النظر لخمسة مجرمين مشهورين ، و اكتشفت أن معظمهم يشترك في هذه النظرات غير الواضحة التي لا تناسب جريمتهم فأنا أتكلم عن الموضوع عن معرفة بالأسباب. لقد رأيت في نظرات إلينا رينكون عدم وضوح متميز كأنها علي وشك أن تقوم بتصرف مخالف لطبيعتها ، أو لطبيعة من يحيطون بها. من الواضح أن الهالات السوداء حول عينيها ، لسبب ما ، ربما لاستخدام مستحضر تجميل ، قد اختفت بشكل واضح ، لكن عينيها غير ثابتتين ، وهذا ما كان ينقصها قبل ذلك . فكرت أنها ربما تعانى من مرض سرقة الأشياء المعروضة للجمهور في هذه المحلات. حيث أن جنون السرقة ، (مثل الهواية المبالغ فيها لبعض ألعاب الحظ مثل القمار ) يشكل مرضا واسع الانتشار بين النساء من طبقتها . لذلك فقد تقربت إليها اكثر من اللازم ، لكني لم أرها تدخل شيئا في حقيبة يدها. دخلت بعد ذلك إلي محلات نسائية وتاهت من نظري ثلاث مرات ، حيث استعملت البروفات ورايتها بقطع ملابس مختلفة . من ناحية أخري كان علي أن أكون بعيداً لأنه ليس من المألوف وجود رجال في هذه المناطق ذات المساحات الشاسعة . لو كانت إلينا رينكون تشك ( وهى المسألة التي اعرفها) في أنها خاضعة للمراقبة ، كان يكفيها أن تلاحظ وجودي في مكانين متميزين لتعرف مهنتي كمخبر. يجب علي إذن أن ابقي خارج نطاق رؤيتها بقدر الإمكان . ومع ذلك فمن المستحيل أن تسرق أيا من هذه الملابس ، لأنها بالإضافة إلى أنها ممغنطة (حيث أن هناك أجهزة إنذار ) عادة ما تسيطر عليها بائعات ، واقفات عند مدخل البروفات بشكل استراتيجي . في نهاية المطاف خرجت إلينا رينكون من الملحق التجاري بدون أن تشتري أية سلعة ، وإذا أضفنا سلوكها العام الذي أشرنا إليه سابقا ، لهذا التصرف ، لأحاطها بشكل كبير شبهه أنها فاقدة الاتجاه الذي تسير فيه في الوقت الحالي . وصلت في تفكيري أن زيارتها للمحلات الكبرى ربما يرتبط بعمل علاقة سريه مرتبطة بالجزء الخفي من صفقات زوجها ، هذه العلاقة التي ، أيا كانت الأسباب ، لم تتمكن من إقامتها في اليوم الذي تابعتها فيه . وعلينا ألا نستبعد احتماليه أن تكون الغاية من تحركاتها يرتبط باستقبال أو تسليم مخدرات أو نقود قادمة من بيع المخدرات . وليس غريبا أن تستخدم صفقات من هذا النوع الذي يديره إنريكي لغسيل الأموال التي يحصل عليها من صفقاته المالية الخفية . والتحقيق في هذه الأطراف ، إذا رأى عميلي أنها ضرورية، ستتطلب نوعا من المتابعة اقل تشتتا من التي قمنا بها حتى هذه اللحظة ، وربما هذا النوع من التحري المتكامل ، بسبب تعقيده ، سيستوجب رفع التعريفة اكثر من التي اتفقنا عليها للمراقبة فقط . و أخيرا فإن متابعة إلينا انتهت في الثامنة والربع ، وهى الساعة التي عادت فيها إلى بيتها سيرا علي الأقدام وفي طريق العودة لم تفعل شيئا جديرا بالوصف ، إلا عملية البحث المشار إليها التي من الممكن أن تفسر شكوكها في أنها خاضعة للمراقبة . وهو الشيء الذي جعلني اشدد في الإجراءات الاحتياطية وأن أحول هذه المهمة من عمل بسيط وروتيني إلى عمل ملئ بالصعوبات الصغيرة المتعددة . (8) بالرغم من نيتي الصادقة في كتابة مذكراتي ، إلا أنني لم اكتب شيئا منذ عدة أيام ، وهذا يشعرني أنني غير موجودة . هل كان يحدث لأمي نفس الشيء ؟ منذ أن بدأت فكرة المذكرات وأنا اشعر أنها قد إقتحمتني مثل الفكرة المتسلطة . أعلم أن مذكرات من هذا النوع هي نوع من الخريطة المجملة التي تحكي أكثر المناظر بروزا في حياة الإنسان الخاصة و مع ذلك فإن مذكراتي هي حياتي نفسها في تخيلي . قرأت ذات مرة شيئا يتعلق بأناس يخلطون بين الأرض والصورة (الخريطة) ، ربما هذا هو ما يحدث لي ، وربما لهذا اشعر أنني لم أكن موجودة في الأيام الماضية. لكن الواقع لم يكن هكذا . لقد عشت في جحيم أريد أن أخرج منه ، لكن هناك جزء من نفسي لا أستطيع السيطرة عليه ، يتشبث به . بعد السطور الأولى من هذه المذكرات ، المغلفة بالتفاؤل ، والتي عبرت فيها عن الإحساس الغريب والمريح لامتلاكي زمام حياتي بلغت توازنا طارئا تهشم بعد ذلك إلى أجزاء منذ ستة أو سبعة أيام . خرج إنريكي ليتناول العشاء خارج البيت ، وبقيت أنا مستيقظة أشاهد فيلما في التلفاز . وخلال وقت الراحة و لأن الفيلم كان يعجبني جداً ، ارتكبت خطأ فادحاً: قمت بلف سيجارة حشيش لاستمتع أكثر بهذا الفيلم. في البداية سار كل شئ علي ما يرام ، استمتعت بالإحساس بالتكامل العقلي الذي ينتج عن تناول الحشيش بعد الإقلاع عنه ، لكن ، بعد فترة زمنية قليلة ، و ربما بسبب جلستي ، بدأت أشعر بضيق في التنفس أرجعت سببه إلى تجمع الأدخنة في منطقة الحجاب الحاجز ، لذا غيرت جلستي بدون أن يخف الضغط الذي سريعا ما تقوي بإحساس بالاختناق بسبب البقاء بلا هواء . خرجت إلى الشرفة ،أخذت نفساً عميقاً بفم مفتوح ، لكن الجو كان مليئاً بالرطوبة التي أعاقت حركة الهواء في الشعب الهوائية . كنت أتنفس كما لو كانت رئتاي قد فسدتا ، وهذه هي لحظاتي الأخيرة . وبدون أن أبالي أنني قد دخنت سيجارة حشيش ، لجأت إلى الأقراص المهدئة لأهدأ ، وبعد قليل توقعت أن هذا الضغط له حل واحد هو الإغماء . ومن حسن حظي استطعت الوصول لغرفة النوم. وهناك سقطت فوق السرير عدة لحظات قبل أن افقد وعيي . استيقظت بعد ساعتين ، غارقة في عرقي ، وبألم في أمعائي . إلى الآن لم يصل إنريكي ، وكان التلفاز ، الذي ما زال مشتعلا ، يعرض فيلما له رواية تقليدية. ذهبت إلى غرفة الحمام ، لكنى لم استطع التقيؤ . تذكرت حينئذ أن أمي كانت تشير في مذكراتها إلى هذا الموقف، وأنها حاولت أن تطرد ما ببطنها ولم تستطع ، وأطلقت علي هذه الحالة القولون المغلق، واستنتجت أن هذا هو ما يحدث لي . اكتفت أمي بأن تطلق اسماً علي الألم لكي يهدأ قليلاً، وبهذه الطريقة استطعت الوصول إلى الصالون لأطفئ التلفاز وأغلق باب الشرفة. بعد ذلك خلعت ملابسي و دخلت في السرير يصحبني إحساس بالعزلة التي لا تحتمل، فكرت في ابنتي مرثيدس ، وفي زوجي إنريكي ، كما لو كانا جزءين من حياتي قد انفصلا نهائيا عنها . كان يبدو أن حياتي مشوهة وغير نافعة . أعتقد أنني طيلة العشرين عاما الأخيرة كنت أحمي نفسي من العواطف بدون أن يخطر ببالي أن كل وسيلة للدفاع كانت تعنى تشوها . كان الحزن يطرق جزءا ما في جسدي ، ومع ذلك عجزت عن البكاء . حينئذ أشعلت النور وأخذت واحدة من كراسات أمي ووجدت فقرة أثارت مشاعري علي وجه الخصوص ، كانت تبدو مكتوبة من اجلي ، من اجل هذه الليلة بالتحديد ، لأنها كانت تقول ما يلي : (( كثيرا ما يكتبون عن الجسد البشري بدون أن نعرف شيئا عن أصوله والياته . هناك من يحتارون في تعريفه هل هو قارة أم جزيرة ؟. إن الجسد أقدم من أن نتمكن من مقارنته بقارة مكسورة استطاعت أن تنجو من عصر الجليد والزلازل والانفجارات الداخلية التي أعجزتها عن كل شئ ما عدا القيام بوظائفها الميكانيكية التي تكرر نفسها بلا حماس . أنظر إلى جسدي الشخصي. العاري فوق سريري، ماذا أري ؟: سطحاً مضاداً ينحدر في تجاه بطني ، وبالأسفل وبين ساقي يوجد شعر كثيف يختبئ تحته ثقب مغارة يؤدي إلى المتعة أحيانا ، و أحيانا إلى الألم ودائماً إلى اليأس، وقريبا من نظري أجد منطقة صحراوية من مناطق هذه القارة ، نسميها الصدر . صدري مسكون بورم سرطاني ، يسحب واحدة من حلمتي إلى الداخل . إلى الآن لم اقل هذا السر لأحد . وإذا نقبنا ، وإذا فتحنا هذا الجسد وتوغلنا بالداخل ، سنجد أعضاءً أيضا قديمة ولكل منها تخصصها ، ويكفي أن يفسد عضو واحد لتهلك بقية الأعضاء . ملك من هذه القارة ؟ من الذي يسكنها ؟ يسكنها الألم والوهم والخوف ، كما تسكنها الأحشاء التي تجعلها معقدة ومنفردة .)) بعد أن قرأت هذه الفقرة ، وضعت الكراسة في درج الكومودينو وأشعلت سيجارة استمتعت بنكهتها. وكان هذا جسدي الذي يشبه جسد أمي ، كما يشبه وجهي وجهها . تراجعت تقلصات أمعائي وذهبت لاسترخى حتى استغرق في النوم . لم أسمع إنريكي حينما وصل . في اليوم التالي انفتح القولون المغلق و تقيأت بلا أدنى مجهود. منذ عدة شهور وأمعائي تتعامل بهذه الطريقة : إما تمسك وإما تنفجر لكنها عندما تنفجر يبدو أنها تركت شيئا بداخلي . لقد وصلت في تفكيري إلى أن بجسدي ورم أو جرح- شئ غريب في أمعائي في نهاية الأمر- هو الذي يعطيني الإحساس غير المريح بأن هناك عنصراً غريباً يتحرك بداخلي . أعتقد أن زوجي إنريكي بدأ ينظر لي بشكل آخر ، كما لو كان قد تنبه للتحول الحميم الذي أعاني منه وأجهل في أي اتجاه يسير . لا أعتقد أنه مشغول بي لأن له حياته الخاصة المليئة بكل شئ والتي ربما لا تسمح له بأن يهتم بهذه الأحداث ذات الطابع الأسري . لا أقصد بذلك أنه لا يشعر بي ، إطلاقا ، لكنني أعتقد أن عواطفه معلقة في أماكن أخري (عمله – عشيقاته ، ابنتنا ) وليس لديه فراغاً في قلبه ليسعني . وأنا مثله ، وهذه حقيقة ، لقد انشغلت عنه كثيراً في السنوات الأخيرة ، و هذا أدى إلى تشكيل علاقة غريبة بيننا ، لا تبعث فينا الضيق ، لكنها لا فائدة منها كسند في اللحظة الحاسمة من حياتنا . أعتقد أنه كان ينتظر بأمل أن تحمل ابنتنا مرثيدس ، بالرغم من أننا لم نتحدث في ذلك . منذ أن بدأ الجو في الاعتدال ، تعودت علي الاستيقاظ مبكراً، و أحيانا نتناول إفطارنا سويا . من الطبيعي ألا نتحدث ، أو نتحدث في مسائل عملية ، لكنه أحيانا يحاول أن يدخل في موضوعات متعددة ليري إن كنت أحتفظ بأسرار في طيات نفسي أم لا . في اليوم التالي اقترح علي أن نسافر ، لكنني لم أعطه جواباً مريحا . كلما اقترب الصيف ، يزداد عصبية ، لأنه يجد نفسه ملزما بالتخطيط لأشياء لا يهتم بها عادة . أعتقد أنه يحب الذهاب إلى المصيف مع مرثيدس وزوجها ، لهذا فإن وجودي معهم يشكل لهم مشكلة خلال هذه المدة. - باقي أكثر من شهرين علي الصيف - قلت له. - أخاف ألا يمكنني أن آخذ أجازه ولا حتى أسبوعا- أجاب - لذلك أقترح أن نسافر الآن. - لا تشغل نفسك – أجبت – فأنا ليس لديي رغبة في الخروج هذا العام. - علي أي حال ، فإن السفر الذي أشير لك عليه سنقوم به لأسباب متعلقة بالعمل ، لو جئتي معي نستطيع أن نستجم سوياً. - لا أعرف – قلت - إلى أين ؟ - إلى بروكسيل ، يجب أن أحل عدة مشاكل في العمل ، لكن سيبقى أمامنا وقتاً لنقوم برحلات ، نستطيع أن نذهب إلى بروخاس و أمبريس و هولندا. الجو الآن جميل بالرغم من وجود رطوبة . - لا أعرف ، دعني أفكر . سألته بعد ذلك عما يجب عليه أن يفعله هناك ، لكنني لم استطع أن افهمه . كان عبارة عن تسليم واستلام توكيلات تجارية . الأمور ، عامة ، كانت غير واضحة ، وبالتالي لم استطع أن أسيطر على عدوانيتي وقلت له : - من القليل الذي اقرأه في الجرائد و اسمعه منك يبدو لي أن الفساد يشكل جزءاً من النظام. لم يتأثر بكلامي . بلّ قطعة خبز في القهوة . كسرها بأسنانه ، مضغها ببطء ثم قال: - إن ما تسمينه فساداً يشكل جزءاً من كل الأنظمة ، كل الأنظمة ، بالإضافة لذلك ، فبغير الفساد لن تسير الأنظمة : إن الشيء المهم هو أن نعرف في أي جزء من النظام يوجد فساد ، وإن نسيطر عليه حتى لا ينمو أكثر مما تحتمل كل مؤسسة . لكن ، هناك جهات مسؤولة محددة يعد الفساد فيها مرغوبا فيه ، وليس سيئا ، والتفكير عكس ذلك ، في احسن الأحوال ، يسمي سذاجة . لم اندهش من تأكيداته لأنني فكرت في جسدي الخاص الذي هو في غاية الأمر ونهايته نظاماً ، وكان علي أن اعترف أن بفضل فساد الأغذية ، هذا الفساد الذي يقع في الجهاز الهضمي ، يمكننا أن نتحرك وأن ننمو بالرغم من أننا نموت بعد ذلك . فكرت بعد ذلك في المرض ، خاصة مرض أمي الذي احتفظت به علي أنه سرخلال سنوات طوال، وعاشت به مع أبي الذي كان صحيحا . هذا الفساد ، الكامن في صدرها ، ربما حررها من مرض آخر أكثر انفجاراً. قرأت في مكان ما أن الجسد المريض يعادل المجتمع الفاسد (متفقة مع إنريكي) يقي بقية الأعضاء من الهجمات الطفيلية واسعة الانتشار . لا أعرف . منذ أيام ركبت سياره أجره . قال لي السائق أنه قد فقد الذاكرة ، لكنه لم ينس الشوارع . لم ينس عائلته و إنما نسي نفسه . - أعرف – قال لي - أنني كنت طفلا ، مثل كل الناس ، ومراهقا وشابا ، لكنني لا أتذكر كيف كنت ، ولا أتذكر كيف كنت أفكر حينئذ في الحياة . - وكيف تفكر الآن؟ - مشكلتي الآن ليست أنني لا أتذكر ، و إنما أنني لم يصبح لي رأيا . وأنا أعيش فترة عصيبة في حياتي . وأنتم ، اقصد الزبائن ، تساعدونني كثيراً ، لأن التحدث معكم يحررني من الأشياء التي تعبر برأسي . منذ خمسة عشر يوما وأنا أشعر بتحسن ، قبل ذلك كنت أركن السيارة في أي مكان وأشرع في البكاء من اليأس . دائما كانت ربطة عنقي معوجة وكنت أشعر بضيق في التنفس . كما لو كنت فاقداً لإحدى رئتاي . في الصحة أعطوني بعض الأقراص المنومة لأنام ، لكنني علي الأقل أتنفس بشكل مختلف.

السبت، أغسطس 16، 2008

كانت هذه هي العزلة ـ خوان مياس

أولا : أنا باعتذر عن غيابي لظروف العمل ثانيا : أنا باعتذر لكل من أرسل لي تعليقا لم أستطع نشره رغم أنه أثلج صدري ، لكن لعدم انتباهي رفضت جميع التعليقات بلا قصد .
(5) خلال أيام الربيع التالية، بلغت "إلينا" درجة عالية من التعمق في التأمل أثر نشاطها. كان من المعتاد أن تسود الغيوم وقت الظهيرة وأن تمطر السماء بغزارة لكن بلا استمرار، وأثناء الصباح كانت الشمس تملأ جميع الأركان. كانت "إلينا" تشعر أنها في أحسن حالاتها، بالرغم من أنها كانت تعلم أنه توازن غير مستقر. ضعُفت الأعراض التي كانت تظهر عليها، بدون أن تختفي، وضغط هذه القوى غير المعروفة على أمعاءها كان يتحرك تحت تأثير الحشيش. كان هناك، بشكل عام، تشويش وهمي يتجول في جسدها، كما لو كان مرضا يبحث عن مكان ليجلس فيه ويستقر. ذهبت إلى الطبيب عدة مرات، ولكنها كانت تذهب بلا يقين، ولم تقم بالتحاليل التي أوصوها بعملها. أحياناً كانت تتذكر ما حدث لها في دار الحضانة، و تعتقد أنها في هذه اللحظات قد وصلت إلى شيء بلا رجعة، لكن معرفتها بمقدرتها على التوقف عند الحد المناسب كان يهبها الثقة التي كانت تبدو لها أحياناً ذات مبرر وأحياناً أخرى لا مبرر لها. قررت أن تستغني عن الخادمة، لأنها تقضي وقتاً طويلاً بالبيت، كما أنها تشعر أنها شاهد غير مريح وأن وجودها في البيت يضايقها، ويخيل إليها أن الخادمة عندما تتحرك في البيت تشبه المرض عندما يتحرك في الجسد. هي لم تسبب "لإلينا" أي أذى، لكنها تشعرها أنها تتوغل في كل عضو من أعضاءها، في كل غرفة من الغرف التي تدخلها، كما لو كانت آلاماً تختبئ لفترة محدودة تحت تأثير الدواء، لكن وجودها – بالرغم من كونه مختبئ – له مقدرة على الانتشار. لقد ساءت أحوال البيت بعد طرد الخادمة بشكل ملحوظ، لكن "إنريكي" لم يقل شيئاً، بالرغم من أنه بدأ ينظر بتوجس إلى القمصان التي تكويها له زوجته بعجله. بعد أيام قليلة من التقرير الأول، اتصلت "إلينا" اتصالاً هاتفياً بالوكالة السرية. نفس الشخص رفع السماعة، وعقدت معه حواراً محفزاً:- - لقد بدا لنا تقريركم جيداً ، بالرغم من أنه وصفي بشكل مفرط - قالت "إلينا". - ماذا تريدين أن تقولي ؟ - سأل الصوت. - كان يتكلم كثيراً عن تحركات الهدف، لكنه لم يتدخل لتقييم تصرفاته. فمثلاً، عندما يقول التقرير أن الهدف كان يقرأ كتاباً، كنا نريد أن نعرف أي كتاب يقرأ. نحن نهتم بالأشياء المتعلقة بالشخصية، وليس فقط بالتحركات. لقد أصاب التقرير عندما تجرأ وقال أن الخلاف بين الزناة كان خلافاً عاطفياً، أتفهمني؟ - في الأساس، إن عملنا لا يتضمن إصدار أحكام، ومع ذلك فلو واصلنا في مهمتنا سأتحدث مع المتحري السري اكثر وضوحاً – أجابها الصوت بعدم ثقة. - لا نريده اكثر وضوحاً، كل ما نريده هو أن يكون أكثر جراءة، وحتى ولو تضمن تناقضاً مع ما يحكيه. إن المخبر السري ليس فقط صوت، بل هو جسد وتعايش ومشاعر متعلقة بكل ما يراه، أتفهمني؟ - نستطيع أن نحقق ذلك. أضاف الصوت بنبرة ثقة لها رنين الغرور. لقد كلفته "إلينا" بتقرير كلي عن "إنريكي"، وأخذته بعد أيام من صندوق البريد، وقرأته على سريرها بمتعة في وقت القيلولة وكان يقول ما يلي:- "الهدف الذي نتحرى عنه هو رجل في السادسة والأربعين من عمره في نفس عمر المتحري، ومع ذلك فهو يبدو في الواحدة والأربعين، على عكس المتحري الذي يبدو في التاسعة والأربعين. اسمه "إنريكي أكوستا كامبوس"، عضو مجلس إدارة مؤسسة استشارية غيرت اسمها ثلاث مرات في الخمس سنوات الأخيرة بدون أن تغير مقرها. كل شئ يشير إلى أنها مؤسسة وهمية، مرتبطة بدوائر محددة في السلطة السياسية، تختفي بعد تنفيذ عمليات اقتصادية لها ثقل كبير، ثم تظهر مرة أخرى بعد ذلك بقليل بشكل جديد. في العام الأخير نفذت عمليتين مهمتين، واحدة مع وزارة الصناعة والثانية مع وزارة الصحة والبيئة. وفي كل من الحالتين، كانت عبارة عن دراسة للسوق، أو أي شئ شبيه بذلك، ولكن المتحري في هذه المهمة لم يستطيع أن يتعمق أكثر من ذلك. فإذا احتاج عميلنا معلومات أكثر عن هذه المؤسسة التي تسمى الآن (أسواق جديدة. إس. إيه) فعليه بالتعاقد مع وكالة متخصصة في هذا المجال، ذلك لأننا نقول أن هذه المؤسسة لها أفرع كثيرة و متعددة – بعضها شركات دعاية متعددة الجنسيات – ومن الصعب أن نتعامل معها ومن خلال هذه المؤسسة تتداول النقود بشكل سري حتى تختفي، ونحن لا نعلم أين؟ ولا بأي كمية؟، و "إنريكي أكوستا" يحيا حياه رغده، بلا تباه ويقضي معظم وقته العملي في الشارع، حيث يقوم بالتعامل مع الوزارات المختلفة. قد يكون له مصالح اقتصادية في فنزويلا والمكسيك، حيث كان يسافر باستمرار في الشهور الأخيرة، وغالباً ما يكون لديه غداء عمل، ودائماً ما يحدث ذلك في مطاعم راقية اعتادها أصحاب المؤسسات والسياسيون. و"إنريكي أكوستا" رجل متزوج من "إلينا رينكون"، امرأة في الثالثة والأربعين من عمرها، وتبدو في مثل سنها، وهي امرأة نحيفة، وعادة ما نلاحظها غائرة العينين، وهي قليلة العلاقات. تقضي معظم وقتها بالبيت، بالرغم من أنها كانت تعمل في وقت سابق بشركة دعاية صغيرة، بقسمها الإبداعي. لكن هذه الشركة اختفت، وربما كانت فرعاً من فروع المؤسسة التي يديرها زوجها. على أية حال فإن "إلينا" قد تركت عملها قبل إغلاق هذه الشركة بسبب الإفلاس، أو ربما بسبب الموظفين، لم يبدو لنا أن الأمر هاماً لدرجة التحري فيه الآن، ولأننا لا نعلم الغاية من هذا التحري، قد نرتكب خطأ في تقييم ما هو هام وما هو غير ذلك. وكل من الزوجين له حساب بنكي منفرد، بالرغم من أن "إلينا" ليس لها دخل ثابت، إلا من مشتقات تجارة البضائع التي تباع في طرود للمؤسسات المختلفة، وفي اغلب الظن "إنريكي" نفسه هو الذي يتنازل عنها. وحديثاً دخل إلى "إلينا" دخل لا نعرف كميته، جاء من بيع شقة أمها المتوفاة حديثاً. والعلاقة الزوجية التي تربطهما تبدو، في الظاهر حره أو مستقلة وبالفعل فإن "إنريكي" له حياه عاطفية غير مستقيمة، بالرغم من أنه في الآونة الأخيرة قد حقق درجة من الاستقرار مع سكرتيرته. وهو مدمن للحشيش، وربما للكوكايين أيضاً، لكنه يقاوم هذه الآفة بالحضور الاعتيادي لصالة الجيمانيزيوم القريبة من مكتبه، حيث يمارس التمارين الرياضية. وثمرة زواجهما ابنه في الثانية والعشرين من عمرها، تسمى "مرثيدس"، ومتزوجه منذ عامين، وتقيم في "مدريد". وعلاقتها بأمها ليست على ما يرام، لكنها مرتبطة جداً بابيها وتذهب إليه باستمرار، ودائماً يعطيها مالاً بشكل شبه اعتيادي، وبعيداً عن المساعدات المالية، فإن علاقتهما تبدو حميدة. وبهذه المناسبة فإن الكتاب الذي كان يقرأه "إنريكي" عندما كان في "إليكانتي" عنوانه (التحول)". احتفظت "إلينا" بالتقرير في درج الكومودينو، بجانب مذكرات الأم، حاولت بعد ذلك أن تنام بلا جدوى. لقد استطاع الأفق الجديد الذي فتحته هذه التقارير أن يستثيرها، ويملأ فراغاً كان يسكنها. تقلبت عدة مرات على السرير، وفي النهاية استوت في مجلسها، وأخذت الكراسة الأخيرة من مذكرات الأم – كانت رقم ستة – فكرت أن تقرر النهاية، لكنها قررت ألا تفعل ذلك، كما لو كان وقت النهاية لم يحن، كما لو كانت قد وجدت نفسها منغمسة في سلسلة من الأحداث ذات الدلالة والتي يجب فيها أن تحتفظ بهدوئها وأن تعتني بوضع كل شئ في لحظته حتى لا ينتج اختلال في الترتيب التسلسلي. وضعت الكراسة في الدرج وأشعلت سيجارة، تذوقتها ببطء. ولاحظت لعبة الأضواء التي تلعبها النافذة في السقف. كانت تفكر بلا شك، ولكن رأسها بالإضافة إلي إنتاج الأفكار، كانت تجهز الطريق الذي ستسير فيه هذه الأفكار في المستقبل القريب. في الساعة السادسة بعد الظهر خطرت على رأسها فكرة أن تتصل هاتفياً بالوكالة السرية، ولكن قبل أن تفعل ذلك، دخنت سيجارة حشيش، لأنها أحبت أن تظهر على طول الحوار بصورة المرأة التي تتحدث ولا يكبحها شئ. ولسبب ما تأخرت تأثيرات الحشيش في الظهور. وبالتالي تناولت كأس ويسكي لتعيد الحركة لدورتها الدموية. بعد أن أخذت الرشفة الأولى شعرت بكمال جسدي ملئ بالشعور بالقدرة الكلية، جلست بالقرب من تليفون الصالون، وعلى يمينها الكأس وطفاية السجائر، وأمامها ساعة أمها وأريكتها، و ما زالت تركز فيهما. خلاء الأريكة الواضح جعلها تشعر بالفقدان المثير للصدمة ، بالرغم من أنه فقدان وقتي . كانت الأريكة تحتاج بالفعل إلى رباط يربطها بالساعة ، فقد ساءت علاقتهما بعد غياب الأم ، فالثلاثة كانوا يشكلون وحدة لا يمكن فصلها ، وحدة غامضة من نفس نوع الوحدة التي تشكل الثالوث المقدس . هذا اللغز الذي لم تؤمن به أمها . رفع مدير الوكالة السماعة كالعادة ، فذكرته "إلينا" بنفسها ، و سلمت عليه ، و دخلت في صميم الموضوع مباشرة :- - التقرير الأخير – قالت – كان مليئاً بالإطناب الذي لا نحتاجه ، و لكنه قام بتصحيح بعض الأشياء . كان المدير على الجانب الآخر يتنهد بضيق ، و أدركت "إلينا" أنه كان منهكاً . - من الصعب – أجابها الصوت أخيراً – إصدار تقرير نجهل أهدافه . فلا يتساوى ، على سبيل المثال – عمل تقرير اقتصادي مالي لشخص أو لمؤسسة ، بتقرير زنا يُعد إجراءاً قانونياً لإتمام الطلاق . نحن المخبرون نحتاج لمعرفة الأسباب باختصار لتكون تقاريرنا موجزة وفعالة تدخل في صميم الموضوع بإيجاز . لهذا فقد يساعدنا كثيراً إجراء لقاء شخصي مع العميل . - قلت لك أن هذا مستحيل – أجابته "إلينا" بنبره حازمة ، لكنها جذابة – و مع ذلك سأوضح لك بعض الأشياء التي قد تساعدكم في حالة رغبتكم في إتمام هذه المهمة . تسرع الصوت أكد لها رغبته في إتمام المهمة . فابتسمت "إلينا" ونظرت اتجاه أريكة أمها ، وفي أغلب الظن أنها فكرت أنها قد اتصلت بوكالة بها مخبر واحد فقط ، وهو أيضا المدير، وأنه الآن علي الجانب الآخر من التليفون مستعداً لعمل أي شئ في سبيل ألا يفقد العميل الوهمي الذي بدأ يمنحه دخلاً ثابتاً. - هناك بعض التفاصيل في التقرير قد أعجبتني جداً – قالت إلينا – مثل إبراز المخبر لعمره الشخصي . لكن لم يعجبني استخدامه لصيغة الجمع نحن " نحن اعتقدنا ، نحن فكرنا " التي توحي لي انه قديس ، وليس إنسانا من لحم ودم . عليه أن يستخدم صيغة (أنا) في المستقبل ، ,أن يحكي الأشياء كما يحكيها لصديق ، لا لمجلس إدارة ، أتفهم ما أريد أن أقوله. - نعم يا سيدتي – أجابها الصوت بنبرة كراهية واضحة . قررت "إلينا" أن تخفف من الضغط عليه : - أرجو ألا تسئ فهمي . أضافت – التقارير رائعة مكتوبة بشكل رائع لكن ينقصها الصوت الشخصي للراوي ،ينقصها صوت الإنسان الذي يري ويسمع ويبدي رأيه . - هل أعجبتك التقارير حقا؟- سأل الصوت وهو في حاجه إلى تقدير لمجهوده. - رائعة كما قلت لك ، بها نقاء في اختيار الألفاظ ، لكنها تعتبر محتوى للأحداث بشكل مفرط ، كما لو كان المخبر الذي يروي قد وقع في بوتقة الصيغ والجمل المصنوعة ولا يستطيع أن يتخلى عنها . فمثلاً في التقرير الأخير نري صورة المرأة "إلينا رينكون" (أعتقد أن هذا اسمهان هذاأن أن ) ما زال لديها الكثير لتكتمل ملامحها . لقد أصاب المخبر عندما وصفها بأنها غائرة العينين ، لكننا لا نعرف هل هذا سمه أساسية في وجهها ، أم انه نتيجة نظرة لامرأة معذبة. أيضا لا نعرف هلي هي أنيقة ، هل هي سعيدة أم أنها تشعر بالعزلة. - لكن هذه الأشياء – حاول الصوت أن يبرر موقفه - تنتسب للمشاعر الداخلية ، يجب أن تدركي ذلك . - أدرك أنت ما أقول – أجابته "إلينا" و أخذت رشفه ويسكي بصعوبة ـ هذا هو ما أريده ، المشاعر الداخلية ، تقارير تصف بقوة المشاعر الداخلية . في هذه اللحظة بدأت ساعة الحائط تشير للساعة السابعة . وجهت "إلينا" سماعة التليفون ناحية الحائط الذي تعلق فيه الساعة ، وعندما انتهت الدقات تحدثت مرة أخري :- _ أسمعت ؟ - الدقات ؟ سأل الصوت. - نعم الدقات . أنها دقات ساعة حائط جميلة ومميزة ، معلقه في صالون القصر الذي أحدثك منه ، وأنا متكئة علي الأريكة ، أريكة من الجلد . الساعة والأريكة والصالون ملكاً للشخص الذي نعمل أنا وأنت من أجله ، كل منا في مكانه ، وكل منا له وظيفته الخاصة . أستطيع أن أؤكد لك أن عميلنا ، رئيسي في العمل ، رجل كريم بشكل كبير ، عندما نعطيه ما يطلبه ، وما يطلبه منك هو الأشياء الداخلية ، المشاعر ؟ اتفقنا؟ _ اتفقنا _ أجاب الصوت بشكل حازم ، وبدا أنه قد فهم ، واخذ علي عاتقه تحقيق العرض بنفس راضية . - هناك شئ آخر – أضافت "إلينا" – لا تضيع وقتك في البحث عن أعمال "إنريكي أكوستا" التعيسة . نحن نعرف وضعه بشكل متكامل . أكتب لنا تقريراً بعيداً عن الإطناب ، لكنه شيق ، عن ماضيه ، بالإضافة لتوضيح كيف وصل إلى مكانته الحالية .إفهمني جيداً ، لا تصف أكثر من اللازم ، أكتب ما هو مهم . عندما وضعت السماعة ، شعرت بالرضا يفيض من جسدها ويخرج من جلدها . ولأول مرة منذ زمن طويل لا تشعر بالتأثير المدمر الناتج عن اختلاط الحشيش والويسكي في جسدها . أشعلت سيجاره ،وذهبت لتجلس فوق أريكة أمها ، تراودها فكرة البدء في قراءة رواية ، لكن كانت هناك درجة من الاستثارة تستحوذ عليها وتمنعها من التركيز في القراءة . تركت الكتاب وركزت في الإنصات إلى تك تاك الساعة . كانت الحياة قد فقدت هذا الجو الجنائزي الذي سبق وتلي أيام وفاة أمها . ومن خلال نافذة الشرفة الكبيرة كان الضوء النظيف ، الأزرق ، يتوغل في الغرفة ويشير إلى وجود البحر . فجأة شعرت "إلينا" أنها هي والساعة والأريكة يشكلون دائرة ،و أدركت بشكل غامض أن خوفها في الأيام الماضية لم يكن لتنبئها بإمكانية أن تجد أمها جالسة علي الأريكة ، و أنما لتنبئها بأنها ستنسلخ من شخصيتها الحقيقية لترتدي شخصية أمها ، وأنها في هذه اللحظات كانت تتصرف على أنها هي الاتحاد والصلة ، لأنها كانت منجذبة لهذه العناصر المشتركة . هذا الشعور لم يؤثر علي أحشائها في الحال ، ربما لأنه جاء في لحظة عالية من لحظات اندماج الحشيش مع الويسكي ، واندماجهما معاً يخلق هذه اللحظات . ولكنها أدركت أن هذا الشعور له مظهر شرير . كل ما كان يشغلها حينئذ هو التفكير في قرينتها ، وسعدت عندما شعرت أنها وهبتها لحظات ممتعة ، بلا شك ، خلال حوارها مع المخبر السري وصل زوجها إلى البيت في الساعة التاسعة ، ودخنا سيجارة حشيش سوياً في المطبخ قبل تناول العشاء. كان من المعتاد ألا يتحدثا ، لكن صمتهما لم يكن به أي توتر أو شد ، أو كانت هذه الأشياء موجودة ثم اختفت منذ زمن طويل . - هل رأيت "مرثيدس" ؟ . سألت "إلينا" - لماذا ؟ أجابها "إنريكي" - اعلم أنكما تتقابلان باستمرار من وراء ظهري وهذا لا يهمني . - نحن لا نتقابل من وراء ظهرك – قال "إنريكي" بإشارة إرهاق – يبدو أنك تتحدثين عن عشيقة لا عن ابنه. فبيننا علاقة وثيقة ، لم تستطعي أنت أن تعقديها معها. - وهل هذا ذنبي ؟ - لا القي الذنب علي أحد ، فقط أقول ما يحدث . - ما رأي "مرثيدس" فيّ ؟ - عليك أن تسأليها هي ، لكنني أعتقد أنك كنت دائما واقفه علي مسافة بعيده من علاقتكما كنت أماً باردة ، وهو الشيء الذي أبعد كلاً منكما عن الأخرى . فأنت مثلاً تعرفين أنها كانت تعشق أمك ، لأنها كانت جدة طيبة ، ومع ذلك لم تحضري الدفن . - كنت أشعر أنني مرهقة _ أجابته "إلينا" بحركة قاسيه . لم يضف "إنريكي" شيئاً . وجاءت من الصالون دقات الساعة المتقطعة لتقطع الصمت المتوتر للدقائق الأخيرة . حاولت "إلينا" أن تغير نبرتها. - بالمناسبة – قالت - من أيام و أنا أبحث عن كتاب (المسخ) "لكافكا"، في المكتبة لكنه اختفي . - معي في المكتب ، لقد انتهيت من قراءته ، لكنني دائما أنسي إحضاره معي كل يوم . - كيف قرأته مرة أخري في وقتنا هذا ـ ابتسم "إنريكي" قبل أن يرد. - فكرت منذ فترة قريبه أنني دائما كنت أقرأه من جانب الضحية ، فقررت أن أقرأه من الجانب الآخر ، محاولاً أن أضع وجهة نظر أباء الحشرة ورئيسها وأخيها أمام عيني. - وماذا ؟ - حسناً، كان مرتبطاً بشيء آخر اكثر تعقيداً. في الأيام الماضية كان لدينا مشروعا لبناء حي هيكلي لوزارة الإسكان ، وعندما ذهبت إلى هناك رأيت ظروف الحياة ، وتذكرت صراع الطبقات ، وكل هذه الأشياء . في هذه الليلة ، وبعد أن دخنت سيجارة حشيش ، أدركت أننا ، في زمن ماضي دائما كنا نتكلم عن صراع الطبقات من وجهة نظر الخاسرين. ومع ذلك ، كنت أنا شخصياً أتربح من هذا الصراع في السنوات الأخيرة . لكني ما زلت أتحدث كما لو كنت أحيا داخل حي هيكلي ، حينئذ قررت أن أغير من نفسي. وضعت إلينا طبق السلطة فوق المائدة ، نظرت لإنريكي كما لو كانت تحاول أن تتعرف عليه من جديد ، كما لو كانت تبحث في وجهه عن صورة ضائعة ، و أخيرا قالت : - أنت وقح ، وهذا هو كل شئ . (6) بدأت "إلينا" في الأيام التالية تفقد خوفها من الأريكة. كانت تتناول قهوة الصباح وهي جالسة عليها ، تحت تك تاك ودقات الساعة التي كانت تقيس الإيقاع الخاضع لقانون زمني تنمو تحته سلسلة مظلمة من دلالات الاستمرار غير المتوقع والموضوعية الطارئة. كانت هناك حبكة ترتبط بوجودها وتبدو أنها تنظم نفسها من وراء ظهرها. ليس من وراء ظهرها بالمعني المفهوم، وإنما في اكثر جوانب حياتها إظلاما. قرأت إلينا وهي جالسة علي الأريكة التقرير الثالث الذي بعثة المخبر السري، وكان يقول:- ((نستطيع أن نلخص إنريكي أكوستا في ثلاثة سطور ونستطيع أن نكتبها في مائة صفحة، وهذا يتوقف على المكان الذي سنحكي منه الحكاية، كما يتوقف على من سيدفعون لنا وعلى القيمة الرمزية التي نخصصها لهم . والمخبر في هذه المهمة يميل لان يضع تحرياته في اكثر الأماكن صمتا في حياة الهدف، الأماكن الخرساء، هكذا تقال ، وذلك لميول شخصية وبسبب نوع من المهام نقوم به إلى الآن. ففي هذه الأماكن الصماء تصل التصرفات والأصوات بوضوح لا ريب فيه ، وهذا الوضوح يسمح بكتابة تقارير موضوعية خالية من أي لبس نتج عن أي تأثير. أقول هذا لأن الطلب المحير الذي طلبه منى العميل، وهو و صف مشاعري الداخلية، وبالتالي مدى تأثير هذا الهدف علىّ شخصيا، وضعني أمام رغباتي الشخصية كانسان مثقف. ربما يبدو لفظ مثقف مبالغا فيه لهذا النوع من الثقافة الذي حصله أبناء عملنا هذا، لكنني بالفعل مثقف، ولن اكذب في سبيل موضوعية لن تحاسبوني عليها. أنا خبير جنائي فاشل، لكنني خبير جنائي في نهاية الأمر. لقد قمت بعدة دراسات متعلقة بهذا المجال، ولى بعض الكتابات التي ربما تحظى بشرف النشر في يوم ما، فقد حقق آخرون، اقل منى جدارة، هذا الشرف. وبالرغم من هذا التناقض المؤلم المتعلق بالمهنة، إلا انه يبدو شيئا لا يمكن تجنبه، لان على أن اكسب رزقي وان أضيء جزءا من حياتي. وقد وضعني العميل أمام رجل، إنريكي أكوستا، نقيضي في أشياء كثيرة، صورتي السلبية. ويمكنني أن أقول أن الهدف ينتسب إلى عائلة من الطبقة الوسطى التي حققت مستوى اقتصادي في الستينيات. وانه درس في كلية الحقوق، وهناك تعرف على من أصبحت زوجته اليوم، إلينا رينكون. وانه اشترك بشكل إيجابي في الحركات الطلابية في هذه الفترة، واصبح قائدا لأحد الأحزاب اليسارية، التي اختفت الآن، أو ابتلعتها الأحزاب التي تشغل السلطة في الوقت الحالي، أو على الأقل تشغل هيكلها. يمكنني أن أواصل تقريري بهذه النبرة، وأن اذكر المعلومات والأسماء والتواريخ، وان اكتب سيرة ذاتية مترابطة أو غير مترابطة، لكنها متضمنة شهادات أو مواقف محددة، وصفية ونقدية، وربما تشكل جسد هذا التقرير وتهبه الضمان. أستطيع أن أقول إننا ربما كنا زملاء، لأننا في سن واحدة. مع أنني أبدو اكبر سنا، وإننا قد درسنا الحقوق في كلية واحدة وسنوات واحدة، بالرغم من إني اعترف أنني قد تخرجت في دراستي، حيث وصلت للثانوية في عمر متأخر، وكان على أن أوزع وقتي ما بين ا لدراسة والعمل الذي لم يترك لي وقتاً لتكون لي علاقات شخصية. لكنني أرى أن كل هذا ليس من الضروري ذكره، إذا ألح عميلي في أن اصف مشاعري الداخلية. في رأيي، وهذا هو ما يريده من سيدفعون لي، إن هذا الهدف، وهو حاليا يمتلك شاليه لأنه يكره النباتات، قد خدع الثورة وهى في قمتها، وبعد ذلك، مثل آخرون غيره بدا يهيئ نفسه رويدا رويد ليشبع رغباته المالية والجنسية. وبدون أي قطيعة للحياة السياسية، بدأ يتسلق بشكل غير محسوس وببطء لأصحاب السلطة، واليوم وجد نفسه على القمة بكل راحة. اعرف هذا النوع جيدا، انه ألقى بنا على الأرض وداس علينا في الطريق ويجب أن اعترف. انه كان ينقصنا الذكاء الحاد، كنا في حاجة لهذه الوساوس الضرورية لننتبه في الوقت المناسب لما سوف يحدث. أن الاعتقال بالنسبة لهم كان شعارا، كان شيئا مثل جروح الحرب، لكن بالنسبة لي كان يجب على أن اترك المجال، وان أتخلى عن استعدادي الطبيعي للعمل كخبير جنائي. قالوا انهم أصحاب الثورة، وبعد ذلك اصبحوا يشغلون مكاتب السلطة، ومجالس الإدارة والعناوين الرئيسية التي جعلت الناس ينسون أصولهم، كما نسيتها أنا. وهم الآن كما كانوا قبل ذلك، مجموعة من السادة، لكنهم يحتفظون بفترة فاصلة أدمنوا فيها الحشيش أو الكوكايين، أو اعتادوا نوعا من الموسيقى لا أفهمه، أنا وأمثالي، لأنهم اعتقدوا انهم بذلك سيكونون مختلفين عنا. ولعدالة القدر، أصيب بعض منهم بالسرطان أو الإيدز، وتكدسوا في العيادات الدولية المشهورة، ليعتنوا بموتهم، كما كانوا يتكدسون قبل ذلك ليجملوا من صورهم. انهم مجموعة تيوس، أبناء عاهرات، و إنريكي أكوستا على رأسهم، لأنه كبيرهم، لأنه عدوى. هذه هي مشاعري الداخلية وما عدا ذلك حكايات. اتفقنا. وبالنسبة "لإلينا رينكون" زوجته فلها قصة مشابهة بقصته لكنها امرأة بالطبع وبالمناسبة فإن الهالات السوداء حول عينيها هي بلا شك نتيجة لإدمان المخدرات بالرغم من أننا نغامر لو قلنا أي مخدر تدمن أو كيف تتعاطاه، وهي قليلة الخروج وعندما تخرج لا تعرف في أي اتجاه تسير ودائما ما ترتدي نظارة شمس لتخفي اتساع حدقة عينيها غير الطبيعي . منذ وقت قريب طردت خادمتها التي عقد معها المخبر علاقة بدون أن يحصل على أي معلومة دقيقة منها لأنها امرأة منحدرة ثقافيا ضعيفة الموهبة في الملاحظة. و"إلينا رينكون" خليط من ربة منزل معاصرة وامرأة متحررة لا تحتمل أعباء عمل اعتيادي، وطريقة لبسها ليست خارقة للعادة، وأيضا ليست بسيطة. وعادة ترتدى ملابس غالية، بالرغم من أنها تبدو أرخص من ثمنها، عموما، هي لا تطمح أن تظهر اكثر شبابا)). استحوذت الدهشة على "إلينا" بعض الوقت، كما لو انفجرت بين يديها قنبلة صممتها بنفسها لشخص آخر. وظلت خلال وقت غير معدود متأملة ضوء النافذة الكبيرة ، تحرك ساقها اليمنى التي تضعها فوق ساقها اليسرى بحركة تشبه حركة رقاص الساعة، الذي يخرج التك تاك، المعلق خلف رأسها. كان الليل قد حل واكتسب السحاب القليل اللون البرتقالي، وتفتق في كرات صغيره تشبه القطن التالف، كل هذا كان يوحي بان الحياة قد أصيبت بمرض. كانت في نفس هذا الوضع عندما جاء إنريكي، لكن، قبل أن يدخل الصالون، كان لديها وقتا كافيا لتخفى التقرير وتعيد ملامح وجهها إلى طبيعته. لف زوجها سيجارة حشيش وقدمها لها، لكن "إلينا" رفضت. - لماذا؟ - سأل إنريكي. - بدأت تتعبني في الفترة الأخيرة - هل عادت لك آلام القولون؟ - ليست آلام القولون بالتحديد – أجابته "إلينا" – انه ألم عام، فعندما أدخن افقد السيطرة على الصور. - أي صور؟ - صور حياتي، ماضيي وحاضري ومستقبلي، وأنا عجوز، إذا أمكنني أن أتحدث كما لو كنت شابة. - أنت تقضين وقتا طويلا في البيت . ابتسم إنريكي. - دائما تخيفك هذه الحوارات، أليس كذلك؟ كان إنريكي قد اضطجع على الأريكة، واضعا يده اليسرى خلف رأسه وبيده اليمنى سيجارة حشيش، ينظر إلى "إلينا"، التي ما زالت جالسة على أريكة أمها. ابتسم إنريكي، كان يبدو في عنفوان شبابه في هذا اليوم. - لا ليس كذلك، - قال - في حياتي كلها لا تخيفني إلا أشياء قليلة. أنا مشغول بك، بأسلوب حياتك، بهجرك لأصدقائك، بعزلتك، بهذه العادة الغريبة التي تجعلك تعودين مرات كثيرة إلى نفس الأشياء. إلى أشياء… - نظر إلى الساعة بوجه مستاء. عندي اليوم عشاء عمل هام، على أن أغير ملابسي. - لقد كويت لك قميصك الوردي. - شكرا، وأنا احب أن ارتديه. نهض إنريكي، طفا السيجارة، دخل غرفة النوم. سارت خلفة "إلينا"، جلست على حافة السرير تتأمله، وأخيرا قالت:- - ماذا يهبك الحشيش بعد كل هذه السنين. - اقل مما كان يهبني قبل ذلك، لكنني ما زلت أجد فيه فائدة. ضعي في اعتبارك أنني لم أدخن أبدا مثلك. هل تتذكرين العام الذي ذهبنا فيه إلى المغرب؟ ظللتي ثلاثة أيام رافعة رأسك للسماء وللشيطان ولكل ملكوت الكون. دائما تميلين لنسيان تجاربك سريعا. - لكن ماذا يهبك؟ - يهبني المنظور للحياة، يجعلني أرى الأشياء بلا مشاعر، يجعلني أدرك الفخ. - أي فخ؟ - الفخ الذي يكمن وراء كل الأشياء. بفضل الحشيش مازلنا أنا وأنت نواصل حياتنا سويا، جنبا إلى جنب. من لم يجربوا الحشيش اعتقدوا انهم باستطاعتهم ابتداء علاقة مميزة، وكما ترين، فقد تساقطوا اثنان اثنان في إعادة نفس الأشياء. أن الحشيش مازال يساعدني لأمارس الحب. - لكننا لا نمارس الحب. - أنا أتكلم بوجه عام. - أنا لا افهم ما تقوله عن الفخ؟ انتهى إنريكي من عقد ربطة عنقه، وذهب ليجلس على السرير بجانب "إلينا"، تاركا مذهب الثقة السابق، وهذا جعله يبدو عجوزا، بدا انه فكر عدة لحظات، وبعد ذلك قال:- - لا اعرف إلى الآن كيف اشرح لك ذلك. وليس لدي أي رغبة في أن ابذل جهدا لأفعله، لأنني اكتفى بفهمه بالحدس، بجانب الذكاء، أو بجانب الأمعاء المكلفة بفهم هذه الأشياء. لكن هناك فخ رئيسي أنا وأنت نخضع له، وحشد من الفخاخ الأخرى التابعة نستطيع أن نتجنبها أو نقع فيها. أنا شخصيا قررت أن أتجنب الفخاخ التابعة. هل تتذكرين عندما مات أبي؟ كنت قد ذهبت لرؤيته قبل ذلك بأيام، وكان حينئذ يخلط كل الأشياء ببعضها. ربما كان لا يعرف من أنا ولا من أين جئت لكن جاءت لحظة بدا فيها انه عرفني. واعترف لي بشيء غير كل حياتي، لكنى لن أقوله لأنني اكره هذه العبارات ذات الطابع الشفاف، لكنها كانت مثل السم أو الإلهام الذي تحرك بداخلي على طول كل هذه السنوات، وساعدني الحشيش على إدراكها، بالرغم من انه لم يعلمني كيف اشرحها. - بماذا اعترف لك؟ - قال لي أنة قد مارس العادة السرية في اليوم السابق، وليفعل ذلك لجأ إلى استوحاء نفس الخيال الذي استخدمه في المرة الأولى التي فعلها. التزم الصمت لعدة لحظات ثم أضاف "في الحقيقة لقد استخدمت دائما نفس الخيال ، بعاهرات مختلفات". أفهمتي؟ كم مرة يمارس الإنسان هذه العادة السرية على طول حياته؟ ألف مرة؟ مئات من الآلاف؟ مليون؟ لا اعرف. لكنني اعرف أن في كل مرة يفعلها يعتقد انه يكرر تجربة وحيدة، مختلفة، عندما تكون الحقيقة هي أن نظل مرتبطين بنفس الفكرة المتسلطة منذ البداية. أنا لا اعرف ماذا يعنى كل هذا، لكنني اعرف انه ادخل إلى حياتي عنصرا من المعرفة لم يكن موجودا قبل ذلك، وساعدني على أن ابلغ نوعا من الاتفاق مع ذاتي، مع تناقضاتي، مع رغباتي. - أنا لا أفهمك. قالت "إلينا" كما لو كانت لم تنصت له. - أقوله لك بطريقة أخرى. هذا الاعتراف جعلني اشعر فجأة أني كبير، وبكل معاني الكلمة، الوحيد القادر على أن يكون كبيرا. عندما خرج إنريكي من البيت، ظلت "إلينا" على الأريكة وبدأت في البكاء، بالرغم من أنها لم تشعر باستحواذ أي ألم أخلاقي أو جسدي عليها يبرر هذا البكاء، لكنه كان نوعا من الراحة. كما لو كانت أعضاءها قد قررت خفض أسلحة الدفاع والسماح لكبريائها بالانكماش، بالسقوط في تجاه تجميع القوة. فكرت أن الدموع ربما تقوم بالوظيفة التي كان يقوم بها الإغماء في الأيام والأشهر السابقة، حيث كانت تفيق منه مليئة بالقوة. عندما انتهت من البكاء تذكرت العشاء كالعادة، لكن لم يكن لديها شهية لتناوله. فكرت حينئذ أن لديها رغبة في لف سيجارة حشيش والاضطجاع على الأريكة لمشاهدة التلفاز حتى يعود زوجها، لكنها ضمت هذه الرغبة إلى شرب كونياك وتناول أقراص أمها، وان تقرأ تقرير المخبر السري. قررت ألا تفعل ذلك. في الحقيقة لم يكن هذا قرارها الشخصي، كان يبدو انه قادم من إرادة غريبة عنها، بالرغم من أنها مرتبطة بها بروابط لا يمكن رؤيتها. فكرت بضربة ساخرة انه ربما كانت إرادة قرينتها، التي قررت في الآونة الأخيرة أن تعتني بها، تعتني بنفسها. من المؤكد أن تأثيرات الحشيش التي كانت تعشقها بالأمس، لا ترغب فيها اليوم، وقد حدث هذا الإحساس بطريقة بسيطة وبلا مبرر، مثل بقية الأشياء الموجودة في الحياة. قررت أن تذهب إلى السرير وان تقرأ حتى تجذب الكلمات النعاس. وبعد أن اضطجعت، جاءتها ذكرى قديمة، أيضا بلا مبرر. تذكرت جوريجوريو صامصا، هذا الشخص الذي أحبته بصدق في زمن قد مضى. وفكرت أنها في السنوات الأخيرة قد تحولت إلى حشرة غريبة، لكنها على عكس حشرة كافكا. بدأت تستعيد ذكرياتها القديمة قبل موتها، قبل أن يقتلها الآخرون. استثارها هذا التفكير، لأنها عرفت بالحدس أنها لو استطاعت أن ترجع عن هذا التحول ستصير الأشياء مختلفة، لأنها ستسحب من نفسها قوة خارقة، وحكمة ربما تواجه بها الخوف من ميكانيكية العالم أو هؤلاء الذين يديرون هذه الميكانيكية لمصالحهم الشخصية، وبالطبع ضدها. كانت ستمد يدها لتلتقط رواية فوق الأباجورة منذ شهور، لكن جاءتها دفعه، ليست دفعة خوف بل رغبة في المعرفة، ساقتها لتفتح درج الكومودينو وتأخذ واحدة من كراسات أمها. وكالعادة، بحثت بالصدفة عما كان يبدو بداية حدث وقرأت. (( ذهبت إلى بلد أجنبي مرة واحدة فقط في حياتي، وكنت سعيدة الحظ حيث نزلت في أحد الفنادق، وذلك عندما اصطحبني زوجي إلى مدينة بورديو الفرنسية، حيث بعثته المؤسسة التي يعمل بها ليشرف على بعض الأعمال المتعلقة بتخصصه. مكثت هناك لمدة يومين فقط ، ولم اخرج من الفندق خلالها، لأنه كان جذابا، كما أنني كنت لا اعرف كيف أتحرك في المدينة. خرج زوجي في الليلة الأولى ليقوم ببعض الارتباطات الاجتماعية التي لم اكن مدعوة بالاشتراك فيها. أتذكر أنني في هذه الليلة كنت ارتدى قميص نومي الخاص الذي كنت قد حملته معي وكنت في انتظار زوجي. في أثناء ذلك كنت أتأمل خصائص الغرفة، واقلب صفحات كتاب في اللغة الفرنسية، قد وضعته لي إحدى بناتي في الحقيبة لأتعلم بعض عبارات هذه اللغة. كان قميص نومي غاية في الإثارة، لأنني كنت أفكر أن التواجد في دولة أجنبية معناه أن اشعر أنني إنسانة أخرى، وإننا نستطيع أن نتصرف كما لو كنا آخرين، كما لو كنا قد تعودنا على السفر إلى أماكن مختلفة من العالم الرحب، وان نغوص في الحياة الخليعة التي يحياها هؤلاء الناس الذين يتحركون كثيرا وبكل تلقائية. وفى لحظة محددة ذهبت إلى غرفة الحمام لأرى جسدي في المرآة، فمرآة الحمام كانت كبيرة جدا وليس بها أي عيوب. كما أن الحمام كان مضيئا بأنوار بيضاء ومتعددة، بيضاء جدا ولامعة مثل بقية الأدوات الصحية (حوض الغسيل، حوض الاستنجاء، حوض الحمام، صحن المرحاض)، التي تبدو أنها أثاثات من احسن ما يكون اكثر منها أدوات صحية. وبالرغم من أن ما كنت سأفعله كان يبدو لي إثما، ألا أنني بدأت في فعله. وقفت أمام المرآة، وضعت اللمسات الأخيرة لشعري، غسلت أسناني، وبعد ذلك أنزلت حمالة قميص النوم، وتأملت نهداي، اكثر الأماكن جاذبية في جسدي. لم يكونا كما كانا في أيام شبابي ، لكن كانا لا ينقصهما الجاذبية. ورفعت يداي إليهما من الداخل لأرفعهما قليلا لأعلى، فلاحظت حينئذ وجود ورم غريب في الجانب الأيمن. اعتقدت أنني بدأت أعرق من الخوف، وكنت على وشك أن يغشى على عندما جلست على صحن المرحاض، حيث رفعت حمالة القميص وبدأت انظر لرسومات القيشاني الموجودة على الحائط . فكرت حينئذ انه ربما كان إحساسا كاذبا ، لكنى لم اتجرأ لأتحقق من ذلك. بعد ذلك فكرت في نوع الورم، في حجمه (كان مثل البرتقالة الصغيرة أو ثمرة اليوسفي) وجاءتني فكرة وهبتني بعض السلوى، هي انه ربما كان موجودا منذ سنوات كثيرة لكنه كان ينمو ببطء شديد، لهذا لم انتبه إليه، حيث أنني قبل ذهابي للخارج، لم اتجرأ أبدا على لمس نهدى بهذه الطريقة. وبالتالي يمكنني أن أعيش سنوات طويلة، على ألا أعود للمس نهدي ولا للسفر إلى الخارج لكيلا أنتبه له، وربما أنساه، وقد أبلغ من الكبر عتياً قبل أن ينمو هذا الورم بشكل زائد عن اللازم. وعندما تحقق الهدوء لذاتي، وقفت أمام المرآة مرة أخرى، بدون أن المس نهداي، تأملتهما بدقة، وتحققت أن حلمة ثديي اليمنى منجذبة قليلاً إلى الداخل، كما لو كانت هناك قوة داخلية تجذبها ناحيتها. يا إلهي، يا للخوف الذي ملأني. كم يسع الجسد البشري خوفاً لا حد له، خاصة جسد المرأة، لأن أجساد الرجال مخلوقة بشكل آخر، بتعقيدات اقل منا، لهذا فهم يسافرون، ويرتكبون كل الأشياء المحرمة دون أن يحدث لهم شئ. وبقيت داخل غرفة الحمام وقتاً طويلاً دون أن يغشى علي، بالرغم من أنني كنت أسهل ما يكون لأفقد وعيي، خاصة منذ شربت "إلينا"، قرينتي، الكحول وتناولت الأقراص. انتابني في هذه اللحظات تفكير غريب، ربما يكون تفكير قرينتي التي تمكث في هذه اللحظة في فندق آخر مقابل لفندقي، وترتعش أيضاً من الخوف مثلي. فكرت أن داخل غرف حمامات الفنادق يكون من السهل نسبياً عقد اتفاقية مع الجنون. فكل شئ يلمع، وكل شئ نظيف ومزود بمنحنيات طفيفة تجعل الجنون ينزحلق من فوق أسطح الأشياء دون أن يتعرض لأي أذى. وبالإضافة لذلك، فان داخل غرف حمامات الفنادق الغالية (أما البنسيونات فهي شئ آخر، حيث أن الذهاب إلى بنسيون يشبه العودة إلى البيت)، لا أشعر بالبرد، بالرغم من أنني أكون عارية وقتاً طويلاً. عندما عاد زوجي كنت قد أنهيت هذه الاتفاقية، التي كما أقول كانت شيئاً متعلقاً بقرينتي بالطبع، بالرغم من أنها قد قدمتها لي بحسن نية، واضطجعت على سريري بعينين مفتوحتين. في البداية تظاهرت أنني نائمة - لكن بعد أن ألح استسلمت ومارسنا الحب كما لم نمارسه قبل ذلك طيلة حياتنا، بشكل أفضل بكثير من المرات الأولى التي مارسناه فيها عندما كنا شباباً، لكننا كنا لا نعرف ذلك. لهذا كان يخيفني أن تسافر إحدى بناتي إلى دولة أجنبية، وأن تنزل في فنادق، خاصة ابنتي "إلينا"، لأن زوجها قد أدخلها في أشياء سياسية هي لا تفهم فيها شيئاً)). أغلقت "إلينا" الكراسة ووضعتها في درج المنضدة بجانب بقية المذكرات وتقارير المخبر السري. كان جسدها يعرق بشكل غير طبيعي، ويقشعر من الخوف، أو من العزلة. انكمشت في سريرها على قدر ما استطاعت، وتغطت بملاءة السرير، وكررت: ماما، ماما، كما لو كانت طفلة صغيرة عانت من كابوس وانتهى. وبعد أن انتهت الرعشة تذكرت مرة أخرى قصة الشاطئ والعملة وربطتهما بصدفة وجود مذكرات أمها في أعماق غرفة نوم أمها، بالرغم من أنه كان كنزاً بالمقلوب، كان نقيض الكنز، لكنه كان يتوقف على استغلالها، بحيث تبدل الأشياء الواضحة بأشياء مظلمة، والمظلمة بواضحة، كما يحدث في التصوير الفوتوغرافي الذي يعيد لنا في النهاية الصورة الحقيقية لواقع قد مضى، قد مات، لكنه قادر على التصرف في حياتنا، خاصة حياتي . استنتجت ذلك. بعد ذلك شردت بخيالها مع إمكانية أن تسير إلى الحمام، وأن تكرر أمام المرآة نفس حركات أمها لترى إذا كانت قادرة على أن تتحمل عبء هذا الرعب الذي تركه لها القدر كميراث جامد يدير شئونه وينتقل حتى لا تقع عناصره أبداً في طي النسيان، لنتذكر من حين لآخر، كنوع من التواضع، أن غرفة حمامها - المضيئة والمليئة بأثاث مثل غرفة حمام أي فندق راق - قد تفوقت على غرف الحمام الأخرى، المقشرة الطلاء والمحطمة مثل حمامات البنسيونات، ذات الأدوات الصحية التي لا فائدة منها غير استخدامها فقط.

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...