الأربعاء، أغسطس 06، 2008

(3)
يوم الأحد. نهضت "إلينا" من سريرها برائحة فم كريهة و حموضة في المعدة، كان ذلك بسبب تناولها لكمية كبيرة من العسل في الليلة الماضية، حيث سبب لها الحشيش ضربات جوع مؤلمة. أعدت الحمام، دخلته بلا رغبة، وفكرت بكسل في إزالة شعر قدمها اليسرى، لكنها قد تواعدت مع أخويها "خوان" و"مرثيدس"، أن تقابلهما في بيت الأم، وتوقعت أنها لو انكبت على نظافتها الشخصية وقتاً طويلاً، ستتأخر في الوصول إليهما. ارتدت بنطلوناً جينز وبلوفر قديم ووضعت فوقه معطف زوجها المشمَّع، الذي كان يعجبها على وجه الخصوص. لم تمطر السماء، لكنها كانت ملبدة بالغيوم، وواجهات المباني كانت تحمل بقع رطوبة عالية. قادت سيارتها ببطء لتفتدي الحوادث، ودخلت الحي من الجزء الخلفي، لتري مرة أخري إتلاف الأرصفة التي كانت تشكل المنظر العام أثناء شبابها. عندما وصلت لشقة أمها، كان أخواها هناك في انتظارها ، كانت "مرثيدس" تبكي علي أريكة الصالون، وكان "خوان" يربت علي رأسها بشكل تلقائي. - ماذا حدث ؟ سألت "إلينا". - لقد أثر فيها الدخول للشقة – أجابها "خوان". كان البيت مظلماً، مثل النهار. كان وضع الأشياء والأثاثات يوحي بوجود الأم، أو بذكراها، كان يوجد فقط كوم من التراب في المناطق المختبئة من الأثاث، وفوق شاشة التلفزيون، وهو ما كان يوحي بهجران البيت. - رائحة بيت مغلق – قالت "إلينا" - رائحة بيت ميت – قالت أختها بتشنج. - ماتت أمنا في المستشفي. - لا فرق، رائحة بيت ميت – ألحت أختها. اقتربت "إلينا" من باب الشرفة وفتحته. لم تلحظ أن الجو داخل الشقة قد تحسن عند فتح الباب ، بالإضافة لذلك بدا لها أن الجو الجنائزي في الشوارع منبثق أصلاً من الموت الذي كان يتنفس داخل الشقة. بدأت السماء تمطر مرة أخري، لكن حبات المطر – المضمحلة والعكرة - كانت تتساقط فوق الأسقف، كما لو كانت قطع شاش مستعمله قبل ذلك لجسد محتضر. ذهبت إلينا إلى المطبخ، حيث وجدت طعاماً قد فسد، فأمسكت به بأطراف أصابعها باشمئزاز وألقته في كيس بلاستيك. عندما انتقلت أمها إلى المستشفي شخص ما فصل مفتاح الكهرباء العمومي، ومع ذلك لم يخطر على بال "إلينا" أن ترى إن كان هناك شئ في الثلاجة أم لا. فتحت أيضا نافذة المطبخ التي أدخلت تياراً بارداً جعلها ترتجف. عادت إلى الصالون. - كانت هناك أطعمه في الثلاجة – قالت. - لو لم أكن أقيم في برشلونة، لجئت في أي يوم لتنظيف البيت – أجابتها أختها بلهجة عتاب. تبادل كل من "خوان" و"إلينا" نظرات تضامن، لكنهما ظلا صامتين. كان الثلاثة جالسين أمام التليفزيون، يشكلون نصف دائرة في غرفة الأنتريه . تأملت إلينا أختها التي كانت تعطيها جانب وجهها الأيمن. كانت تشعر أنها ترى شيئا قديماً جداً. بعد ذلك وجهت نظرها إلى أسطح الأثاث، قاتم اللون، قديم الشكل، ذات الظلام الحزين،الذي يختبئ ورائه شيء مثير للارتياب. أحست بحركة داخل أمعاءها. لكن فكرة أن تستعمل حمام هذا البيت كانت تبدو لها مشمئزة. ذهبوا إلى البيت ليخلوه، ليقسموا الأشياء الموجودة به، لكنهم ظلوا جالسين، كما لو كانوا في انتظار قرار خارج عن إرادتهم. فجأة، شرع "خوان" في البكاء. اقتربت منه "مرثيدس" لتهبه السلوى أو لتضاعف من حزنه. تأملت "إلينا" هذا المنظر ببرود، واعتبرته شيئا تقليدياً، لذا لم تنضم إليهما، في نفس هذا الصالون وبأثاث وجو متشابهين، كان الثلاثة أطفالاً ثم مراهقين ثم شباباً. كانت "إلينا" الأخت الكبري و"خوان" الأصغر، لكن الآن يبدو أنهما في عمر واحد. النضج يمحي صبغات السن والموت يقضي علي النزاعات. فكرت، كنا أيضا نرضع من هذا الصدر الحنون، المدفون الآن تحت التراب. لم نتجرأ أن نعترف بفضله، أو ربما اعترفنا لو اعتبرنا أن الكراهية جزء من أجزاء الحب، وربما تكن أكثر الأجزاء فاعليه. خرجت إلى الممر وأطلت في غرفة نوم أمها. أضاءت النور لأن النافذة كانت مغلقة، وتأملت أحجام الأشياء، كما لو كانت في انتظار أن يوحي لها هذا التأمل فكرة ما، أو مفهوم أو حكم يلخص معنى الحياة، أو ربما يحدد تجاهها أو هدفها، بشرط أن تقودها إلى القبر، لكن تأملها ذهب سدى. فلم يحدث شئ إلا حركة في أمعائها جلبت لها الضيق. اقتربت من الدولاب القديم، ذات الثلاث ضلف، والذي كان يبدو مركز البيت. فتحت الضلفة الوسطي، كان لها ظلام خاص، مختلف عن ظلمات الحياة، وكان لها رائحة ثابتة لم تتغير علي مدار السنين. كانت مثل البئر الذي عانت مياهه من التعفن أو المرض. فكرت "إلينا" أنها لو ألقت حجراً داخل هذا الدولاب فلن تسمع صوته عندما يصل إلى العمق. كان يبدو ظلاماً عميقاً، لكن، عندما مدت يدها لتملس علي فستان من فساتين أمها، الذي كان يقطع الظلام، سمعت صوت شئ قد أنقلب. دققت النظر في الدولاب فوجدت زجاجة كونياك فارغة لنصفها. فكرت أن تخفيها حتى لا يراها أخواها، لكن سريعا ما لاحظت وجود زجاجات أخري كلها من النوع الرخيص، كما أنهما عاجلاً أو آجلاً سيرونها. وبالتالي تركتها "إلينا" في مكانها. وجدت فوق الكومودينو كتباً دينية، وسبحه فضية بها صورة حزينة للمسيح. فتحت درجه ، واكتشفت وجود مجموعة من الكراسات ذات الحجم الصغيرالمدبسة من اعلي. جلست على حافة السرير وفتحت الكراسة الأولى ، ولاحظت خط أمها وبدأت تقرأ الورقة الأولى. (( أكتب هذه الصفحات التي لا أعرف كيف أسميها ولا إلى أين تقودني قبل أن أتم الثالثة والأربعين بقليل. لقد شفيت من الالتهاب الرئوي الذي أصابني ولكن عواقبه ، علي ما اظن ، ما زالت موجودة. لم أقل شيئا لا للطبيب ولا لزوجي عن هذا الورم الصغير المزعج الموجود بجانب رئتي اليمنى، والذي لم تستطع الأدوية أن تقضي عليه. أخاف أن يكون جرثومة لشيء لم يزل مستتراً ولا يمكن محاربته. كل أملي هو أن ينمو ببطء بحيث يتركني أري أولادي متزوجين وأستمتع قليلاً بأحفادي، إذا وهبني الله إياهم. علي أية حال، هناك شبح في هذه الوعكة الصحية، أريد أن أقول أنني أشعر أن المرض مثل الشبح الذي يجري متجولاً في جسدي وانه يستمتع بانتقاله من مكان إلى آخر و هذا الانتقال يتوقف على الساعة التي استيقظ فيها . فهذا الصباح، على سبيل المثال، استيقظت عند الفجر علي وخزة في رقبتي ، في الجزء الأيسر، تناولت بعض الأقراص التي احتفظ بها لالتهابات البلعوم، بعدها هاجمني النعاس. ومع ذلك، عندما استيقظت بعدها جاءتني نفس الوخزة لكن في رئتي اليمنى. يا لها من حياة)). سمعت "إلينا" صوتا قادماً من الصالون، فأغلقت الكراسة. كانت تشعر باختناق وانبهار، كما لو كانت قد شاهدت شيئاً فظيعاً أو أسطورياً، انه شئ هام لاتجاه مصيرها الشخصي. بعد أن تحققت انه لا أحد يقترب، أخذت الكراسات وأخفتها تحت البلوفر وألصقتها علي جسدها بحزام البنطلون. عادت بعد ذلك إلى الصالة، وتأكدت أن أخويها قد تحركا من مكانهما، فأخذت حقيبة يدها ووضعت فيها الكراسات. خرجت بعدها إلى الشرفة حيث أنها قد بدأت في تصبب العرق بشكل غير طبيعي، و ظلت هناك حتى شعرت بالبرد يرجف نصف جسدها الأعلى. دخلت مرة أخري إلى الشقة وساعدت أختها في طي البطاطين. بعدها دخلت الحمام وأغلقته بالمزلاج. فكرت أنها لو أفرغت أمعاءها ربما تشعر بتحسن، لكنها كانت عاجزة عن الجلوس في دورة المياه. فتحت الصيدلية الصغيرة الموضوعة فوق الحوض ورأتها مليئة بالأدوية، وخاصة الأقراص. لم يكن بغرفة الحمام نافذة، وبالتالي بدأت تعانى في الحال من الشعور بالاختناق، وهو الشيء الذي جعلها تعود إلى الممر. كان أخوها يفك السرير الذي كان ملكاً لأبويهم. - هل ستأخذ السرير؟ - سألت هي. - لن نتصرف بهذه الطريقة. أجابها "خوان" بنبرة مراوغة. تقابل الثلاثة بعد ذلك في الصالون مرة أخري، كانوا يتعاملون بفتور، كما لو كانوا سيقومون بمهمة شاقة. تحدثت "مرثيدس": - أعتقد أننا لو بقينا هكذا لن ننجز شيئاً – قالت – أقترح عليكم أن يأخذ كل منا ما يريده (وإذا أراد اثنان نفس الشيء فليتقارعا) ونتصل بعد ذلك بزبال ليأخذ ما تبقي. تكلمت "مرثيدس" بلهجة جافه وغير معقولة، لكنها هكذا دائما عندما تجري ذكر الأفكار البارعة .و مع ذلك أحست "إلينا" لأول مرة بدفعة تسوقها إلى البكاء، فتحركت عضلات وجهها ثلاث أو أربع مرات بعنف. أشد ما كان يثير في نفسها الألم هو أنها عندما كانت هناك – في هذا المكان الذي يحتوي شبابها – كانت تهتم فقط بمجيء زبال. - اتفقنا – قالت، تستطيعا أن تقتسما كل شئ بينكما أنا لا أريد شيئاً، وأفضل ألا أطأ هذا البيت مرة أخري. نظرت لها "مرثيدس" بكراهية ، لكنها لم تفعل أي إشارة لتوقفها. اصطحبها أخوها إلى الباب ومسح بيديه فوق وجهها قبل أن تخرج. في الشارع كان على "إلينا" أن تبذل جهداً كبيراً لتتذكر أين ركنت السيارة. في النهاية وجدتها وركبتها سريعاً كما لو كانت في حاجة إلى أن تجلس لتخفف من هذا الضيق الذي انتابها. كان شعرها مبللاً بسبب سحب المطر التي تغلف المدينة، وكانت تبدو مخنوقة بعض الشيء بالرغم من أن درجة الحرارة لم تكن مرتفعة. أسندت يدها علي عجلة القيادة، وأخذت ثلاثة أنفاس عميقة لتقضي علي حالة الضيق. بعد ذلك، بدون أن تدير السيارة، أخرجت واحدة من الكراسات من حقيبتها، وفتحت صفحة بالصدفة، وقرأت: - ((بعض الناس يفتحون عيونهم قبل أن يستيقظوا، كما لو كان الخوف يصطحبهم عند الاستيقاظ.. أنا لا، أولاً أفكر من أنا، أعرف نفسي كأن أحد يقول لي عن هويتي، بعد ذلك أرفع جفوني لا أعرف بطريقه محددة ماذا تري عيناي. عندما استيقظت اليوم لم أشعر بأي عرض من أعراض الألم بل علي العكس أحسست بقوة جسمانية غير مفهومة تسيطر علي. ظلت عيناي مغلقتين وقتاً طويلاً، تلاحظ أحشائي التي بدت أنها خرجت عن صمتها الذي كانت عليه. اعتقدت أنه ربما لا أكون أنا، وخشيت أن أرفع جفناي لئلا أري دولاباً آخر مختلف أمام السرير، لكنني في النهاية أعلم أن الإنسان هو دائماً نفسه، وبالتالي استويت في مجلسي وشعرت بألم في جانبي الأيمن، وبقيت طول اليوم بهذا الألم الغريب الذي لا أعرف من أي عضو يأتي. أصيب زوجي بنزلة برد ونقل لنا العدوى جميعاً…)). أغلقت "إلينا" الكراسة وتأملت الشارع. كان المشاة يسيرون محترسين من المطر رافعين المظلة ، بالرغم من أنهم لم يفتحوها. تنهدت سريعاً كما لو كانت تستعيد قوتها البدنية. وجهت يدها اليمنى لمفتاح التشغيل، لكنها سحبتها في الحال. أخذت الكراسة مرة أخري وفتحت الصفحة الأخيرة وقرأت:- ((إن الجسم البشري في الواقع مثل الحي في المدينة، له مركزه التجاري وشوارعه العمومية ومحيطه الغريب الذي ينمو أو يموت. أنا لست من هنا، لست من هذه المدينة المسماة مدريد، عاصمة أسبانيا. لقد أسقطتني أقدار الحياة في هذا المكان، ورويداً رويداً نسيت من أين كنت. كنت من مكان يطل علي البحر. مكان تدفئه الشمس التي لا أريد أن اجري ذكرها، لأن مع مرور الوقت، لم أعرف متى بالتحديد، لم أعد من هناك. الحكاية هي أنني جئت إلى هذا الحي المحطم الذي يشبه جسدي، المصاب بنفس مرضي، حيث أنني، عندما أتجول فيه، أرى ألمه ينتقل كل يوم من مكان إلى آخر. أظافر قدماي هي محيط هذا الحي الذي يخصني ، ولهذا فهي مكسورة ومشوهة، وكعبي هو أيضا منطقة ضعيفة في هذا الحي المكون منى، وبداخله تحيا كائنات قد هربت من حرب ما، من دمار ما، من جوع ما. وذراعاي هما البيوت الآيلة للسقوط، وعيناي هما الأضواء الشاردة، عيناي من غاز ورقبتي تبدو كالحارة التي تربط منطقتين صحراويتين ببعضهما. شعري هو الجزء الثابت في هذا الجسد، لكن علي أن أصبغه لأخفي ما حل به من دمار. وفي النهاية، هناك زبال يسكن جسدي، لا أريد أن أتحدث عنه، لكن وكما يوجد في الأحياء المهدمة، نجد أن القذارة تقترب إلى المركز وتقابل قشر البرتقال في أي مكان لتتغذى عليه. بالنسبة لجسدي، لا يستطيع أن يسير مع القذارة التي تملأه، والمجلس المحلي لا يفعل شيئاً لإصلاحه بعد فساده)). أغلقت "إلينا" الكراسة بعنف، واحتفظت بها في حقيبة يدها. الكحول والأقراص، قالت. بعد ذلك، كما لو كانت قد اتخذت قراراً هاماً، أدارت السيارة، وهربت من هذا الحي من أقل جوانبه قذارة. وصلت إلى بيتها في حالة استثارة غير محببة إليها. استراحت في الصالون دون أن تقلع المعطف. أمسكت الكراسات. كانوا خمس، مع ذلك كانوا مرقمين من واحد إلى ست. وجدت أن الكراسة رقم ثلاثة غير موجودة. أخافها ذلك. وضايقها فكرة أن يجدها آي من أخويها. أخذت رقم أربعة وقرأت الصفحات الأولى. ((مزقت الكراسة الثالثة لأنني كنت أتحدث فيها كثيراً عن الأولاد . عن أولادنا لا نعرف ماذا نقول لأنهم طيبون وأشرار في الوقت نفسه، وتحققت أن الواحدة منا تحب أولادها فقط عندما تنتابها فكرة أنهم مخلوقون منها، وبالإضافة لذلك فإن الأولاد هم جزء منفصل من أجسادنا، وبالرغم من أننا قد تعودنا عليه، يبدو شيئا غريباً جداً، أحيانا يبدون كما لو كانوا قادمين من حي آخر ، بالرغم من أنهم قادمون من هذا الحي. لقد تألمت كثيراً عند ولادتي لأطفالي الثلاثة، واستمرت عواقب الولادة مدة طويلة. لديي كتاب لدكتور يوغسلافي يتحدث فيه عن الأمراض بالترتيب الأبجدي وكيفية علاجها. لهذا أعرف أن رحمي قد تدلي بسبب نوع من ارتخاء الأربطة، وهذا جعله يتساقط فوق المهبل ساحباً المثانة عند سقوطه. ولهذا السبب عندما أسعل أو أضحك بشدة تهرب منى بعض نقط البول بطريقة لا إرادية. ولهذا أيضاً أشعر مع هذا الإحساس بأن شيئاً بداخلي قد غير مكانه. وطبقا لكتاب الدكتور اليوغسلافي فإن هذا المرض يسمي تدلي رحمي. إن اصعب ولادة واجهتها في حياتي هي ولادة "إلينا"، التي تضايقني الآن كثيراً. يقول زوجي أننا نتجادل كثيراً لأن لنا نفس الشخصية والطباع. ولكنى أرى أن هذه المذكرات، أو أيا كان اسمها، ليست للحديث عن الأولاد. أنا أحب أولادي وأرعاهم. ولكن كموضوع للحديث فالكلام عن البنكرياس أفضل. أغلقت "إلينا" الكراسة، كانت تبدو مندهشة وحائرة، كما لو كانت إلى الآن لم تقرر هل اكتشفت كنزاً أم انه شئ تافه. علي أية حال، فإن هذه المذكرات تحتوى علي شئ عميق مرتبط بوجودها، بوجود "إلينا" شخصياً، كما لو كان وراء خط أمها أو كلماتها التي تحتفظ بها في أحشاءها تحذيراً مختبئاً. تستطيع "إلينا" وحدها أن تدركه، فربما كان يشير إلى مستقبلها. أكلت "إلينا" سلطة فواكه، على أمل أن يساعدها هذا النظام علي تنظيف أمعاءها، حيث كان يبدو وجود شئ راسخ، ينتقل من مكان إلى آخر تبعاً لهواه، لكن لا يمكن طرده من جسدها. بعدها دخنت سيجارة حشيش ونامت. قبل أن تستغرق في النوم راودها حلم: كانت تتنزه على ضفاف أحد الشواطئ ، فجأة توجهت إليها امرأة دون أن تنتبه لوجودها، وعبرت متسربة من خلال جسدها كما تعبر الملائكة من الحواجز. استمرت المرأة في السير وعبرت صخرة. بعد ذلك اضطجعت على الرمال، كمن يحفر قبرا للشمس، ورويداً رويداً، اختفت، امتصتها أرض الشاطئ كما تمتص مياه البحر. كانت "إلينا" تقترب من مكان الأحداث، لكن في هذه اللحظة عانت أمعاءها من اضطرابات، وشعرت أنها علي وشك الإغماء. حينئذ، حركت قدمها اليمني من فوق السرير ووضعتها علي الأرض، هكذا سمعت أن السكارى يفعلون ذلك حتى لا يفقدون وعيهم. لمس قدمها للأرض الباردة خفف عنها ضيقها، وبعد قليل نامت. في الساعة السادسة والنصف أيقظها جرس الباب. نهضت فاقدة بعض الوعي، ارتدت الروب، عبرت الصالة متخلية عن الملحقات المظلمة التي تركها النوم على وجهها وعلى بقية جسدها. كان أخوها واقفاً على الباب، غارقاً في عرقه، لكنه كان سعيدا. قال:- - انظري ماذا أحضرت لك. بجانبه كانت توجد أريكة قديمة لكنها صلبة، مغطاة بالجلد. وبيده ساعة حائط مثل تابوت الطفل. - لقد أرهقني كثيراً أن اصعد بهما من السيارة إلى هنا لكن لا يمكن أن تبقين بلا شئ. - أضاف. كانت أريكة أمها، وهى عبارة عن شئ ذات قيمة نادرة ومستعملة. في وقت ما كانت المكان المفضل إلى "إلينا"، حيث كانت تتنازع مع أمها لتجلس عليها وتشاهد التلفزيون أو لتقرأ. أما الساعة ، فهي ملك للعائلة منذ زمن بعيد، وقيمتها تكمن في أنها تعمل بالرغم من قدمها. - قلت لكما أنني لا أريد شيئاً - أجابته "إلينا" بإشارة شكر تكذب تأكيده قام أخوها بتعليق الساعة في المكان المناسب من الصالون، وبعد ذلك نقل أثاثاً آخر ووضع الأريكة تحت الساعة ليكون بينهما علاقة تشابه، مثل تلك العلاقة التي كانت موجودة في بيت الأم. - وأين زوجك؟ – سألها "خوان" بينما كان يتأمل المنظر بعد هذا التعديل. - عنده اتفاقية بيع أو شئ كهذا، ولن يعود قبل الغد. - هل كل شئ علي ما يرام؟ – سأل "خوان". - سأعد لك فنجان قهوة – أجابته "إلينا". ظل أخوها بصحبتها بعض الوقت، لكن محاولات كل منهما في مشاركة الآخر باءت بالفشل. كما لو كانا قد انتسبا في وقت ما إلى وطن واحد، لكن الحياة قد فرقت بينهما، وأجبرت كلاً منهما على اكتساب علامات وتقاليد ومواقف غريبة جعلتهما يتغيران إلى أناس آخرين، لكنهما ظلا يتذكران علاقتهما القديمة، لكن هذه الذكرى ليست لها فائدة أخري سوى أن تغذي الإدراك بالفقدان وتأكيد استحالة أن يعودا مرة أخري إلى وطنهما الأم ، حيث يمتلكان الإشارات القادرة علي إثارة عالمهم الخاص وإحياء ذكراه، حيث الأرض المشتركة التي فيها قد يكون التغيير ممكنا إلى الآن.

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...