الخميس، أغسطس 21، 2008

(7)
أكتب هذه الصفحات التي لا اعرف كيف اسميها ولا إلى أين تقودني وأنا في الثالثة و الأربعين من عمري ، أي قبل أن ابلغ بقليل نقطة المنتصف لما يمكن أن نعتبره حياه طويلة جدا. هناك أحداث شخصية كثيرة ، ذات تفاصيل معقده ، وضعتني في السنوات الأخيرة أمام إمكانية أن أتحكم في وجودي بشكل فعال . أجد نفسي علي بداية شئ لا اعرف تحديده ، لكن يمكن تلخيصه في أنني قد أمسكت بزمام حياتي . من المؤكد أنني إلى الآن لا اعرف كيف أفرض سلطتي عليها ، كما أنى لا اعرف إلى أي تجاه سأوجهها عندما أتعلم كيف أقودها . من المؤكد أيضا أن كل هذا يسبب لي الدوار الذي تتركز تأثيراته في أعضاء جسدي التي ظهرت عليها أعراضا مختلفة كانت قد توقفت عندما أقلعت فجأة عن الحشيش . لكن كل هذا ذات قيمة ضئيلة مقارنة بالفوائد التي لم أدركها إلى الآن باللمس ، مثل فوائد المغامرة التي نحن علي وشك الدخول فيها لا تدرك باللمس. اكتب السطور الأولى من حياتي وأنا جالسه فوق أريكة مريحة من الجلد ، تلك الأريكة التي قضت آمي فوقها معظم سنوات عمرها ، ومن ورائي ساعة حائط ، أيضا كانت ملكاً لها ، وهذه الساعة تقيس الزمن ، لكنه ليس الزمن الذي يحدد حياة الإنسان ، و إنما هو الزمن الذي ينظم مدة مغامرتي الداخلية: انسلاخي من شخصيتي . لقد اشتريت مجموعة كراسات صغيرة الحجم ، ووضعت بها دبابيس ، تشبه كثيراً كراسات أمي التي استخدمتها عند كتابة مذكراتها الغريبة والناقصة ، تلك المذكرات التي وقعت في يدي بعد موتها. أنا اقضي حياتي بسهولة ، ما بين قراءة مذكرات آمي وكتابة مذكراتي ، كما أقرأ أيضا تقاريرتمنحني السرور كلفت أحد المخبرين السريين بكتابتها لي . لقد تعاقدت مع أحد المخبرين الذي لا يعرف من أجل من يقوم بمهمته ، علي أن يتابع إنريكي زوجي . لكن سريعا ما انتابتني حالة ملل من مغامراته الجنسية ، وصفقاته المالية (بالحلال والحرام ) وبالتالي اتصلت هاتفيا بالوكالة - فقط نتحدث عن طريق الهاتف - وقلت له ألا يتابع إنريكي أكوستا وأن يركز مجهوداته في إلينا رينكون ، زوجته التي هي أنا . قليلا ما أخرج من البيت ، لكنني احب أن يصف لي أحد تصرفاتي و أنا في الشارع . وهكذا عندما أخرج في بعض الأيام لأتنزه ، أو لاشترى أشياء اتصل بالوكالة وآمرهم أن يتابعوني ، لكن هذا لا يحدث دائما . وفي اليوم التالي أذهب إلى صندوق البريد القريب من هنا وآخذ التقرير الذي يظهر ما فعلته بالتحديد ، وليس شئ آخر . و لأنني قد كلفت المخبر بأن يبدي آرائه الشخصية ومشاعره الداخلية ، فهو يقول أشياء عنى كنت لا أعرفها عن نفسي ، وهذا ، بالإضافة إلى انه يملأ فراغي ، فهو بعيد بنائي و يواصلني بنفسي ، يعيد لي صورة متكاملة مجسمة عن ذاتي ، وكل هذا جعلني أري أن جزءا كبيرا من قلق الماضي كان بسبب شعوري أنني ممزقة ، كل أهدافي متناثرة أو متجمعة في أماكن لا تخصني ربما لهذا السبب بجانب أسباب أخري ، عجزت عن تكوين علاقة مع ابنتي التي ما زالت تشعر أنني أم باردة ، غير قادرة علي الوصول إلى جذور مشاكلها ، وعاجزة عن حبي لها .لا يهمني ، فأنا أيضا كنت اشعر أن أمي بعيده عنى ، ولكنني اكتشفت الآن أنني كنت قرينتها . إن الزمن الذي تحدده هذه الساعة و يهزني تك تاكها بينما أكتب هذه السطور ، يعيد إلى كل منا الأشياء التي تسلمناها خلال حياتنا ، ويجمع كل الأجزاء في المكان الذي خرجت منه عندما تهشمت الصورة إلى أجزاء . ذهبت أمس إلى الملحق التجاري (القصر الإنجليزي) ، واتصلت بالوكالة ليتابعوني ، واستقبلت اليوم هذا التقرير ، الذي يقول ما يلي:- (( خرجت إلينا رينكون من بيتها في الساعة الخامسة وعشرين دقيقة في اليوم المشار إليه لمتابعتها ، كانت ترتدي ملابس خريفية ، ولم ترتد جوارب ، وهو الشيء الذي لاحظته لأنني تعودت النظر إلى ساقيها ، لأنها بقت وقتا طويلا بدون أن تزيل شعرها ، حتى وصل شعر قدمها لطول جسيم ، خاصة ساقها اليسرى ، ولأسباب لا اعرفها . اعترف أنني فكرت أنها ربما تكون من أصول تركيه لأنني سمعت أن نساء هذا البلد يفضلن الاحتفاظ بشعر أبدانهن الذي وهبته الطبيعة لهن ، وحتى ولو خرج في أجزاء في الجسم نعتبرها نحن في العالم الغربي من خصائص الرجال . حسناً كنت أقول أنني لاحظت ساقيها ، وفي الوقت الذي تحققت فيه أنها لا ترتدي جوارب ، لاحظت أيضا أنها قد أزالت شعرها . وسارت بدون هدف محدد حتى شارع "خواكين كوستا" ، ومن هناك هبطت في تجاه شارع "كاستييانا" ، بدون أن تفعل خلال كل هذا الوقت شيئا ذات أهمية ، بالرغم من أننا نستطيع أن نلاحظ في تصرفاتها العامة شيئا غريبا ، تصرفاً ملتبسا ، كما لو كانت تتظاهر بإمكانية حدوث لقاء غير مرغوب فيه يخضعها إلي اهتزازات طفيفة في طريقه سيرها ، أو في اختيار الشوارع التي تؤدى بها إلي هدفها النهائي : مركز القصر الإنجليزي التجاري الواقع في شارع "كومبليخواثكا" . بالطبع ، هذا التقرير هو رأيي الشخصي ، لكنه حقيقة . وفي مركز القصر الإنجليزي أمكنني رؤيتها عن قرب ، لأن هذه المراكز المعدة لاتساع زحام كبير ، تسهل كثيرا مهمة المخبر السري حيث يستطيع أن يذوب بين الناس و أن يقترب من الشخص المراقب بدون إثارة أية شكوك . خلعت إلينا نظارة الشمس عندما دخلت في المحلات الكبرى ، وبالتالي ظهرت عيناها التي ، كما هو معروف ، مليئة بالإرادة والخوف والرغبة ، ولكن معظم الناس يعتبرونها عيونا ساهية . أود أن اعترف أنني قمت بعمل دراسة في طريقة النظر لخمسة مجرمين مشهورين ، و اكتشفت أن معظمهم يشترك في هذه النظرات غير الواضحة التي لا تناسب جريمتهم فأنا أتكلم عن الموضوع عن معرفة بالأسباب. لقد رأيت في نظرات إلينا رينكون عدم وضوح متميز كأنها علي وشك أن تقوم بتصرف مخالف لطبيعتها ، أو لطبيعة من يحيطون بها. من الواضح أن الهالات السوداء حول عينيها ، لسبب ما ، ربما لاستخدام مستحضر تجميل ، قد اختفت بشكل واضح ، لكن عينيها غير ثابتتين ، وهذا ما كان ينقصها قبل ذلك . فكرت أنها ربما تعانى من مرض سرقة الأشياء المعروضة للجمهور في هذه المحلات. حيث أن جنون السرقة ، (مثل الهواية المبالغ فيها لبعض ألعاب الحظ مثل القمار ) يشكل مرضا واسع الانتشار بين النساء من طبقتها . لذلك فقد تقربت إليها اكثر من اللازم ، لكني لم أرها تدخل شيئا في حقيبة يدها. دخلت بعد ذلك إلي محلات نسائية وتاهت من نظري ثلاث مرات ، حيث استعملت البروفات ورايتها بقطع ملابس مختلفة . من ناحية أخري كان علي أن أكون بعيداً لأنه ليس من المألوف وجود رجال في هذه المناطق ذات المساحات الشاسعة . لو كانت إلينا رينكون تشك ( وهى المسألة التي اعرفها) في أنها خاضعة للمراقبة ، كان يكفيها أن تلاحظ وجودي في مكانين متميزين لتعرف مهنتي كمخبر. يجب علي إذن أن ابقي خارج نطاق رؤيتها بقدر الإمكان . ومع ذلك فمن المستحيل أن تسرق أيا من هذه الملابس ، لأنها بالإضافة إلى أنها ممغنطة (حيث أن هناك أجهزة إنذار ) عادة ما تسيطر عليها بائعات ، واقفات عند مدخل البروفات بشكل استراتيجي . في نهاية المطاف خرجت إلينا رينكون من الملحق التجاري بدون أن تشتري أية سلعة ، وإذا أضفنا سلوكها العام الذي أشرنا إليه سابقا ، لهذا التصرف ، لأحاطها بشكل كبير شبهه أنها فاقدة الاتجاه الذي تسير فيه في الوقت الحالي . وصلت في تفكيري أن زيارتها للمحلات الكبرى ربما يرتبط بعمل علاقة سريه مرتبطة بالجزء الخفي من صفقات زوجها ، هذه العلاقة التي ، أيا كانت الأسباب ، لم تتمكن من إقامتها في اليوم الذي تابعتها فيه . وعلينا ألا نستبعد احتماليه أن تكون الغاية من تحركاتها يرتبط باستقبال أو تسليم مخدرات أو نقود قادمة من بيع المخدرات . وليس غريبا أن تستخدم صفقات من هذا النوع الذي يديره إنريكي لغسيل الأموال التي يحصل عليها من صفقاته المالية الخفية . والتحقيق في هذه الأطراف ، إذا رأى عميلي أنها ضرورية، ستتطلب نوعا من المتابعة اقل تشتتا من التي قمنا بها حتى هذه اللحظة ، وربما هذا النوع من التحري المتكامل ، بسبب تعقيده ، سيستوجب رفع التعريفة اكثر من التي اتفقنا عليها للمراقبة فقط . و أخيرا فإن متابعة إلينا انتهت في الثامنة والربع ، وهى الساعة التي عادت فيها إلى بيتها سيرا علي الأقدام وفي طريق العودة لم تفعل شيئا جديرا بالوصف ، إلا عملية البحث المشار إليها التي من الممكن أن تفسر شكوكها في أنها خاضعة للمراقبة . وهو الشيء الذي جعلني اشدد في الإجراءات الاحتياطية وأن أحول هذه المهمة من عمل بسيط وروتيني إلى عمل ملئ بالصعوبات الصغيرة المتعددة . (8) بالرغم من نيتي الصادقة في كتابة مذكراتي ، إلا أنني لم اكتب شيئا منذ عدة أيام ، وهذا يشعرني أنني غير موجودة . هل كان يحدث لأمي نفس الشيء ؟ منذ أن بدأت فكرة المذكرات وأنا اشعر أنها قد إقتحمتني مثل الفكرة المتسلطة . أعلم أن مذكرات من هذا النوع هي نوع من الخريطة المجملة التي تحكي أكثر المناظر بروزا في حياة الإنسان الخاصة و مع ذلك فإن مذكراتي هي حياتي نفسها في تخيلي . قرأت ذات مرة شيئا يتعلق بأناس يخلطون بين الأرض والصورة (الخريطة) ، ربما هذا هو ما يحدث لي ، وربما لهذا اشعر أنني لم أكن موجودة في الأيام الماضية. لكن الواقع لم يكن هكذا . لقد عشت في جحيم أريد أن أخرج منه ، لكن هناك جزء من نفسي لا أستطيع السيطرة عليه ، يتشبث به . بعد السطور الأولى من هذه المذكرات ، المغلفة بالتفاؤل ، والتي عبرت فيها عن الإحساس الغريب والمريح لامتلاكي زمام حياتي بلغت توازنا طارئا تهشم بعد ذلك إلى أجزاء منذ ستة أو سبعة أيام . خرج إنريكي ليتناول العشاء خارج البيت ، وبقيت أنا مستيقظة أشاهد فيلما في التلفاز . وخلال وقت الراحة و لأن الفيلم كان يعجبني جداً ، ارتكبت خطأ فادحاً: قمت بلف سيجارة حشيش لاستمتع أكثر بهذا الفيلم. في البداية سار كل شئ علي ما يرام ، استمتعت بالإحساس بالتكامل العقلي الذي ينتج عن تناول الحشيش بعد الإقلاع عنه ، لكن ، بعد فترة زمنية قليلة ، و ربما بسبب جلستي ، بدأت أشعر بضيق في التنفس أرجعت سببه إلى تجمع الأدخنة في منطقة الحجاب الحاجز ، لذا غيرت جلستي بدون أن يخف الضغط الذي سريعا ما تقوي بإحساس بالاختناق بسبب البقاء بلا هواء . خرجت إلى الشرفة ،أخذت نفساً عميقاً بفم مفتوح ، لكن الجو كان مليئاً بالرطوبة التي أعاقت حركة الهواء في الشعب الهوائية . كنت أتنفس كما لو كانت رئتاي قد فسدتا ، وهذه هي لحظاتي الأخيرة . وبدون أن أبالي أنني قد دخنت سيجارة حشيش ، لجأت إلى الأقراص المهدئة لأهدأ ، وبعد قليل توقعت أن هذا الضغط له حل واحد هو الإغماء . ومن حسن حظي استطعت الوصول لغرفة النوم. وهناك سقطت فوق السرير عدة لحظات قبل أن افقد وعيي . استيقظت بعد ساعتين ، غارقة في عرقي ، وبألم في أمعائي . إلى الآن لم يصل إنريكي ، وكان التلفاز ، الذي ما زال مشتعلا ، يعرض فيلما له رواية تقليدية. ذهبت إلى غرفة الحمام ، لكنى لم استطع التقيؤ . تذكرت حينئذ أن أمي كانت تشير في مذكراتها إلى هذا الموقف، وأنها حاولت أن تطرد ما ببطنها ولم تستطع ، وأطلقت علي هذه الحالة القولون المغلق، واستنتجت أن هذا هو ما يحدث لي . اكتفت أمي بأن تطلق اسماً علي الألم لكي يهدأ قليلاً، وبهذه الطريقة استطعت الوصول إلى الصالون لأطفئ التلفاز وأغلق باب الشرفة. بعد ذلك خلعت ملابسي و دخلت في السرير يصحبني إحساس بالعزلة التي لا تحتمل، فكرت في ابنتي مرثيدس ، وفي زوجي إنريكي ، كما لو كانا جزءين من حياتي قد انفصلا نهائيا عنها . كان يبدو أن حياتي مشوهة وغير نافعة . أعتقد أنني طيلة العشرين عاما الأخيرة كنت أحمي نفسي من العواطف بدون أن يخطر ببالي أن كل وسيلة للدفاع كانت تعنى تشوها . كان الحزن يطرق جزءا ما في جسدي ، ومع ذلك عجزت عن البكاء . حينئذ أشعلت النور وأخذت واحدة من كراسات أمي ووجدت فقرة أثارت مشاعري علي وجه الخصوص ، كانت تبدو مكتوبة من اجلي ، من اجل هذه الليلة بالتحديد ، لأنها كانت تقول ما يلي : (( كثيرا ما يكتبون عن الجسد البشري بدون أن نعرف شيئا عن أصوله والياته . هناك من يحتارون في تعريفه هل هو قارة أم جزيرة ؟. إن الجسد أقدم من أن نتمكن من مقارنته بقارة مكسورة استطاعت أن تنجو من عصر الجليد والزلازل والانفجارات الداخلية التي أعجزتها عن كل شئ ما عدا القيام بوظائفها الميكانيكية التي تكرر نفسها بلا حماس . أنظر إلى جسدي الشخصي. العاري فوق سريري، ماذا أري ؟: سطحاً مضاداً ينحدر في تجاه بطني ، وبالأسفل وبين ساقي يوجد شعر كثيف يختبئ تحته ثقب مغارة يؤدي إلى المتعة أحيانا ، و أحيانا إلى الألم ودائماً إلى اليأس، وقريبا من نظري أجد منطقة صحراوية من مناطق هذه القارة ، نسميها الصدر . صدري مسكون بورم سرطاني ، يسحب واحدة من حلمتي إلى الداخل . إلى الآن لم اقل هذا السر لأحد . وإذا نقبنا ، وإذا فتحنا هذا الجسد وتوغلنا بالداخل ، سنجد أعضاءً أيضا قديمة ولكل منها تخصصها ، ويكفي أن يفسد عضو واحد لتهلك بقية الأعضاء . ملك من هذه القارة ؟ من الذي يسكنها ؟ يسكنها الألم والوهم والخوف ، كما تسكنها الأحشاء التي تجعلها معقدة ومنفردة .)) بعد أن قرأت هذه الفقرة ، وضعت الكراسة في درج الكومودينو وأشعلت سيجارة استمتعت بنكهتها. وكان هذا جسدي الذي يشبه جسد أمي ، كما يشبه وجهي وجهها . تراجعت تقلصات أمعائي وذهبت لاسترخى حتى استغرق في النوم . لم أسمع إنريكي حينما وصل . في اليوم التالي انفتح القولون المغلق و تقيأت بلا أدنى مجهود. منذ عدة شهور وأمعائي تتعامل بهذه الطريقة : إما تمسك وإما تنفجر لكنها عندما تنفجر يبدو أنها تركت شيئا بداخلي . لقد وصلت في تفكيري إلى أن بجسدي ورم أو جرح- شئ غريب في أمعائي في نهاية الأمر- هو الذي يعطيني الإحساس غير المريح بأن هناك عنصراً غريباً يتحرك بداخلي . أعتقد أن زوجي إنريكي بدأ ينظر لي بشكل آخر ، كما لو كان قد تنبه للتحول الحميم الذي أعاني منه وأجهل في أي اتجاه يسير . لا أعتقد أنه مشغول بي لأن له حياته الخاصة المليئة بكل شئ والتي ربما لا تسمح له بأن يهتم بهذه الأحداث ذات الطابع الأسري . لا أقصد بذلك أنه لا يشعر بي ، إطلاقا ، لكنني أعتقد أن عواطفه معلقة في أماكن أخري (عمله – عشيقاته ، ابنتنا ) وليس لديه فراغاً في قلبه ليسعني . وأنا مثله ، وهذه حقيقة ، لقد انشغلت عنه كثيراً في السنوات الأخيرة ، و هذا أدى إلى تشكيل علاقة غريبة بيننا ، لا تبعث فينا الضيق ، لكنها لا فائدة منها كسند في اللحظة الحاسمة من حياتنا . أعتقد أنه كان ينتظر بأمل أن تحمل ابنتنا مرثيدس ، بالرغم من أننا لم نتحدث في ذلك . منذ أن بدأ الجو في الاعتدال ، تعودت علي الاستيقاظ مبكراً، و أحيانا نتناول إفطارنا سويا . من الطبيعي ألا نتحدث ، أو نتحدث في مسائل عملية ، لكنه أحيانا يحاول أن يدخل في موضوعات متعددة ليري إن كنت أحتفظ بأسرار في طيات نفسي أم لا . في اليوم التالي اقترح علي أن نسافر ، لكنني لم أعطه جواباً مريحا . كلما اقترب الصيف ، يزداد عصبية ، لأنه يجد نفسه ملزما بالتخطيط لأشياء لا يهتم بها عادة . أعتقد أنه يحب الذهاب إلى المصيف مع مرثيدس وزوجها ، لهذا فإن وجودي معهم يشكل لهم مشكلة خلال هذه المدة. - باقي أكثر من شهرين علي الصيف - قلت له. - أخاف ألا يمكنني أن آخذ أجازه ولا حتى أسبوعا- أجاب - لذلك أقترح أن نسافر الآن. - لا تشغل نفسك – أجبت – فأنا ليس لديي رغبة في الخروج هذا العام. - علي أي حال ، فإن السفر الذي أشير لك عليه سنقوم به لأسباب متعلقة بالعمل ، لو جئتي معي نستطيع أن نستجم سوياً. - لا أعرف – قلت - إلى أين ؟ - إلى بروكسيل ، يجب أن أحل عدة مشاكل في العمل ، لكن سيبقى أمامنا وقتاً لنقوم برحلات ، نستطيع أن نذهب إلى بروخاس و أمبريس و هولندا. الجو الآن جميل بالرغم من وجود رطوبة . - لا أعرف ، دعني أفكر . سألته بعد ذلك عما يجب عليه أن يفعله هناك ، لكنني لم استطع أن افهمه . كان عبارة عن تسليم واستلام توكيلات تجارية . الأمور ، عامة ، كانت غير واضحة ، وبالتالي لم استطع أن أسيطر على عدوانيتي وقلت له : - من القليل الذي اقرأه في الجرائد و اسمعه منك يبدو لي أن الفساد يشكل جزءاً من النظام. لم يتأثر بكلامي . بلّ قطعة خبز في القهوة . كسرها بأسنانه ، مضغها ببطء ثم قال: - إن ما تسمينه فساداً يشكل جزءاً من كل الأنظمة ، كل الأنظمة ، بالإضافة لذلك ، فبغير الفساد لن تسير الأنظمة : إن الشيء المهم هو أن نعرف في أي جزء من النظام يوجد فساد ، وإن نسيطر عليه حتى لا ينمو أكثر مما تحتمل كل مؤسسة . لكن ، هناك جهات مسؤولة محددة يعد الفساد فيها مرغوبا فيه ، وليس سيئا ، والتفكير عكس ذلك ، في احسن الأحوال ، يسمي سذاجة . لم اندهش من تأكيداته لأنني فكرت في جسدي الخاص الذي هو في غاية الأمر ونهايته نظاماً ، وكان علي أن اعترف أن بفضل فساد الأغذية ، هذا الفساد الذي يقع في الجهاز الهضمي ، يمكننا أن نتحرك وأن ننمو بالرغم من أننا نموت بعد ذلك . فكرت بعد ذلك في المرض ، خاصة مرض أمي الذي احتفظت به علي أنه سرخلال سنوات طوال، وعاشت به مع أبي الذي كان صحيحا . هذا الفساد ، الكامن في صدرها ، ربما حررها من مرض آخر أكثر انفجاراً. قرأت في مكان ما أن الجسد المريض يعادل المجتمع الفاسد (متفقة مع إنريكي) يقي بقية الأعضاء من الهجمات الطفيلية واسعة الانتشار . لا أعرف . منذ أيام ركبت سياره أجره . قال لي السائق أنه قد فقد الذاكرة ، لكنه لم ينس الشوارع . لم ينس عائلته و إنما نسي نفسه . - أعرف – قال لي - أنني كنت طفلا ، مثل كل الناس ، ومراهقا وشابا ، لكنني لا أتذكر كيف كنت ، ولا أتذكر كيف كنت أفكر حينئذ في الحياة . - وكيف تفكر الآن؟ - مشكلتي الآن ليست أنني لا أتذكر ، و إنما أنني لم يصبح لي رأيا . وأنا أعيش فترة عصيبة في حياتي . وأنتم ، اقصد الزبائن ، تساعدونني كثيراً ، لأن التحدث معكم يحررني من الأشياء التي تعبر برأسي . منذ خمسة عشر يوما وأنا أشعر بتحسن ، قبل ذلك كنت أركن السيارة في أي مكان وأشرع في البكاء من اليأس . دائما كانت ربطة عنقي معوجة وكنت أشعر بضيق في التنفس . كما لو كنت فاقداً لإحدى رئتاي . في الصحة أعطوني بعض الأقراص المنومة لأنام ، لكنني علي الأقل أتنفس بشكل مختلف.

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...