الأحد، أغسطس 03، 2008

كانت هذه هي العزلة

أصدقائي وصديقاتي الأعزاء ، نظرا لصعوبة الحصول علي نسخة من رواية " كانت هذه هي العزلة "للكاتب الاسباني خوان مياس ، فقد راق لي أن انشرها في مدونتي مسلسلة علي امل ان تروق لكم الفكرة والرواية ، التي نشرتها في دار الحضارة العربية عام 2006
(1)
كانت "إلينا" تزيل شعر قدمها في الحمام عندما دق الهاتف وأخبروها أن أمها قد ماتت. نظرت في الساعة بطريقة تلقائية وحاولت حفظ الميعاد في ذاكرتها. الساعة السادسة والنصف بعد الظهر. وبالرغم من أن ساعات اليوم بدأت تطول، إلا أن الليل كان يبدو أنه قد حلّ بسبب الغيوم التي تجمعت منذ الظهيرة وكونت سقفا فوق المدينة. إنها أحسن ساعة للخروج من هذه الدنيا – فكرت في ذلك – بينما أخذت الهاتف لتستمع لزوجها على الجانب الآخر. كان زوجها يحاول أن يكون فعالاً وحنوناً في الوقت نفسه. - سآتي لأصطحبك معي- قال- ونذهب سويا إلى المستشفى . أخوكِ هناك. - وأختي؟ – سالت – من يخبرها؟ - لقد أخبرت زوجها وسيأتيان هذه الليلة في طائرة العاشرة القادمة من برشلونة. لا تشغلي نفسك بهذه المسائل. جهزي نفسك وانتظريني حتى آتي. وضعت "إلينا" السماعة وجلست على الأريكة لتهضم الخبر. بدأت بعد ذلك في إزالة قشر ا لشمع بيدها اليمنى، هذا الشمع الذي تستخدمه في إزالة شعر جسدها. في أثناء ذلك كانت تتجول حوائط الصالون بعينيها دون أن تنتبه لشيء مما كانت تراه. عندما عادت إلى الحمام كان الشمع قد تجمد، بحيث أبعدت عن رأسها فكرة إزالة شعر قدمها اليسرى. قلعت الروب، ودخلت لتغتسل بالدش في موقف يوحي بالأسى، لكنها لم تصل لحد البكاء. الآن تتأكد من فكرتها القديمة عن موت أمها، عندما سيحدث سيكون إجراءاً روتينياً، ورقة تأتي لتقر بشيء قد حدث، ذلك لأن أمها قد ماتت منذ زمن بعيد في عينيها. ارتدت جوارب سوداء حتى لا يلاحظ أحد شعر قدمها اليسرى، وارتدت ملابس داخلية مثيرة حتى تكذِّب أمام نفسها الألم الذي يعبر عنه الفستان الأسود الذي أخرجته من قاع الدولاب. فضلت ألا تضع مكياجاً وألا ترسم عينيها، لكنها مشطت شعرها وجعلته مسترسلاً على ظهرها. كانت لا تريد أن يكون منظرها باعثاً للحزن، فقط كانت تريد أن تكون غير مهندمة لتظهر أنها أسرعت في الخروج عقب معرفتها الخبر. فكرت أن تضع أحمراً لشفتيها، ولكنها قررت في النهاية أنها كما هي تبدو جميلة، على الرغم من أن جمالها بدأ في الانهيار، فهي قد تخطت الثالثة والأربعين . ثلاثة وأربعون عاماً لم يستطيعوا أن يطفئوا بريق عينيها، ولا إشارة التحدي الكامنة فوق شفتيها. عوجت جيبتها، لتؤكد الإحساس بالخروج سريعاً. عادت إلى الصالون وجلست بالقرب من النافذة وأشعلت سيجارة حشيش، متأملة اهتزازات الضوء. كانت تسكن في شقة راقية في منطقة شمال مدريد، من خلالها كانت ترى منظرا حضرياً يبدو أ نه يتغير من حيث الشكل مع نغمية الشهور. الآن هي في شهر فبراير، المنظر معتم، بحيث نجد المباني بأضواء النوافذ المشتعلة تدعو إلى الاستجمام. فكرت في ابنتها "مرثيدس"، لكنها كبحت رغبتها في الاتصال بها لأنها تخيلت أن زوجها قد قام بإبلاغها. عندما أطفأت السيجارة بدأت في إعداد خواطر لامعة ومأساوية تتناسب مع الفقدان الذي تعرضت له، لكن لم يخطر شيء على بالها. كان يبدو لها أن موت الأم، غير أنه حدث، هو فعل مرتبط بتسلسل الأيام ، ليس له مقدرة على بناء قطيعة أو تحقيق نصر على ما هو اعتيادي. بدأت تشعر بضربات الحشيش في مؤخرة رأسها وتخيَّلت المشاهد التي ستشترك فيها مجبرة خلال الساعات القادمة، عليها أن تكون بجانب الأموات، في هذا المكان الذي ستسكن فيه الأم والذي من خلاله سترى تغيرات الحياة بلا أي إحساس، بلا كره أو حب، بنظرة محايدة، مليئة باللامبالاة، بالرغم من أنها متحفزة بفضول يجعلها تهتم بالأشياء الميكانيكية التي تنتجها المشاعر. في هذه اللحظات وصل "إنريكي" زوجها، أخذها بين ذراعيه بشكل مدهش، محاولاً تخفيف ألمها الذي لم يصل بعد. ابتسمت "إلينا" بعاطفة. أنت تعرف إحساسي بموت أمي، قالت له. لا أصدق كل ما يقال، أجابها. كانت "إلينا" خائفة من ذهاب تأثير الحشيش عليها، لذا أشعلت سيجارة أخرى بحجة تقديمها "لإنريكي". سندخنها في السيارة، قال "إنريكي"وخرجا. كانت أمها مبتسمة لآخر لحظة في حياتها. كانت ترتدي كفنها الأبيض الذي يذكرنا بزي الراهبات، وبين ثناياه كان وجهها بارزاً، وكأن الموت جاء ليجمله. ظلت ثابتة كجثة ، لكن جبهتها المتغضنة كانت محتفظة بضغط التفكير. كانت إحدى عينيها مفتوحة برقة، تاركة على وجهها نفس الانفعال الذي يذكر إلينا بقدمها اليسرى ذات الشعر. هل الواقع متشابه؟ أم أن التشابه خيال ناتج عن تفكير الإنسان؟ هل كل ما يمكن تقسيمه إلى نصفين يؤدي إلى تكوين جزء ين منسجمين ومتشابهين؟ أين نصف حياتي إذن؟ قالت ذلك وهي تتأمل ابنتها التي تصافح الأقارب والأصدقاء باحترام يغلفه الحزن. هل تركت أمي فراغاً يشبه الذي أملأه الآن؟ هل يترك الموتى انعكاساً لذاتهم في هذا العالم المليء بالألم؟ أي إحساس يشبه الإحساس بالألم؟ الجمل الأخيرة سببت لها نوع من الرضا، لكن حالتها النفسية كانت تتجه عامة ناحية اللامبالاة. تخيل، كنت أزيل شعر قدمي، اعترفت بذلك لشخص ما تقرب إليها ليُقبِّلها. كان لقاؤها مع أخيها شيئا محفزاً ، حيث أن أحضانه كانت تقيد الأحاسيس التي يشعران بها. وفي المناسبات، مثل هذه المناسبة يبرزان ما يحتويان بعيدا عن رقابة الحياء. مع ذلك كانت أختها باردة وبعيدة كما كانت مع "إلينا "منذ طفولتها. أما ابنتها "مرثيدس"فإلى الآن لم تقترب منها، لكنها تبعث إليها نظرات مغلفة بالحقد، تحاول "إلينا" أن تتجاهلها. أمها وابنتها لهما نفس الاسم، وهنا كان يوجد تشابه ربما يرمز لأشياء أخرى ذات مضمون أكبر. كل منهما اعتاد أن يعبر بالنظرات وان يعاقب بالابتعاد. أنا مركز هذه العلاقة المتشابهة، أنا قلبها، أنا غذاؤها. كيف حالك يا أمي؟ قالت ابنتها بعد أن تقربت منها أخيرا وأعطتها قبلة. تخيلي كنت أزيل شعر قدمي عندما دق الهاتف، تركت كل شيء في المنتصف، فخذي وكل شيء. اعتقدت أن كلمة "فخذ" مستخدمة جيدا في هذا النص الجنائزي. اذهبي أنت لتستريحي لو أردتي، سأبقى أنا وزوجي هنا هذه الليلة ،قالت لها ابنتها. يجب عمل أشياء كثيرة، الأوراق وهذه الأشياء. كل شيء انتهى يا أمي، لا تشغلي بالك. هناك تشابه آخر، أنا مثل أختي، ليس عندي المقدرة على صنع أذى كل منهما ينسبه لي. أختي أيضا اسمها "مرثيدس" مثل أمي ومثل ابنتي. وأنا مثل من؟ مَنْ مِنْ هؤلاء الأشخاص أشبهه؟ أي من هذه الوجوه الحزينة يسمى "إلينا" وله قدم بشعر؟ هل أنا هوامش لشخصية أخرى أم أني فقط النصف غير المعتدل؟ ماذا يجب عليّ نحوهن؟ ماذا يجب علي تجاه أولئك النسوة اللاتي لم أكافئهن حتى الآن؟ واحدة منهن نغصت علي حياتي في شبابي والأخرى أصبحت شابة بعد أن بدأت أنا في الانحدار. كفى فكل شيء على حالته. أمي ماتت، ووضعت وراء هذا الزجاج الذي يحمي الموتى من الأحياء. الأقارب والأصدقاء يبدون حزناء، زوجي يمد يده ليصافح الجميع بكفاءة راقية، وأنا أنتقل من مكان إلى آخر بعينين مجففتين وجيبه معوجة وقدم يسرى مليئة بالشعر. يكفيني ارتداء ملابس داخلية. موت الآباء يغير منظورنا للحياة، قال لها شخص في أ ذنها عندما قبلها في خدها، وتقرَّب منها بشدة. أجابته "إلينا" بابتسامة طارئة، وابتعدت عن محيط هذا الاحتفال الجنائزي. في هذه الليلة نامت "إلينا" جيداً، وقد يفسر ذلك بأنها أدركت النوم بكل حواسها، ولم تجد عندما استيقظت أي علامة من علامات النوم التي اعتادتها. لم تفقد بعض الوعي عندما استيقظت، لكنها أحست بشيء غريب يدخل على حياتها الخاصة، شيء كان يجب أن يدخلها منذ اللحظات الأولى من هذا اليوم الذي وضع فيه جسد أمها في النعش. كان "إنريكي" زوجها في غرفة الحمام، تحت الدش الذي يصل صوته إلى غرفة النوم كما لو كان صدى لمطر بعيد. حاولت إنقاذ جزء من الليل، لكنها لم تجد شيئا سوى بصمة جسدها فوق السرير كدليل أوحد على أنها استمرت فوقه خلال الساعات السوداء. كانت ترتدي بيجامة زوجها، كانت واسعة عليها، لكنها كانت تحب ذلك لأنها تعطي لأعضائها حرية التحرك بداخلها. فهي في الواقع، ومنذ زمن بعيد، تستخدم ملابس الرجال للنوم. تقول أنها تشتريها لزوجها، لكنها في الحقيقة تشتريها لنفسها. نهضت، ولاحظت أنه يتملكها إحساس بالكمال، ناتج عن شيء غريب. ربما حدث لها أثناء الليل شيء لم تدركه يفسر الآن بأنه تفاؤل جسماني استعدادا ليوم الحداد. لم يكن "إنريكي" بالحمام عرفت الآن أن ما كانت تسمعه وهي في سريرها لم يكن صوت الدش وإنما هو مطر حقيقي كان ينزل على الجانب الآخر من الزجاج. المطر والموت. ذهبت إلى الصالون وأطلت من الشرفة. كانت درجة الحرارة مرتفعة وبدأ الجو في النقاء. أخذت نفساً عميقا وأحست أن الهواء الرطب قد توغل في أعماق رئتيها، ونتج عن ذلك المؤثر الكيميائي أن تقوي لديها إحساسها بالكمال الذي استيقظت به. - أعددت لكِ فنجان قهوة – قال لها "إنريكي" من خلفها. - إنه يوم سيئ للدفن – أجابته "إلينا". - ليس هناك يوم حسن لهذه الأشياء. قال هو. دخلا بعد ذلك في صمت معتاد في علاقتهما بينما كانا يتأملان المطر المتساقط بألفة فوق سقف من ا الخشب وواجهات البيوت. أشياء كانت تشكل المنظر الحضري الذي كان خاصاً بهما. بعد أن تناولت "إلينا" فنجان القهوة، دخلت الحمام، خلعت ملابسها لتغتسل ، لكنها لاحظت حينئذٍ شعر قدمها اليسرى، وبشكل غير مفهوم بدأت في البكاء على حوض الحمام. قامت بحركتين أو ثلاث بعضلات وجهها لترى إذا كانت قادرة على السيطرة على نفسها، لكن عينيها كانتا تزرفان بتلقائية دموعا فياضة. هاجمها وسواس لتترك نفسها في هذه الحالة الخاصة بإنتاج الدموع، لكنها قامت برد فعل عنيف لكي تنتصر على الحزن الذي يتناسب مع الآخرين. كل شيء أصبح مختلفاً عندما اغتسلت بالدش. الكمال الذي كانت تشعر به قبل ذلك هجرها، تاركاً في داخلها مكاناً خالياً بدأ يملأه في الحال إحساس آخر من الصعب أن نجد له مسمى .إحساس كان يدفعها بسرعة ما إلى الانسياق. تذكرت أباها الذي مات منذ سبع أو ثمان سنوات. وربما لأول مرة في حياتها تشعر أن كلمة "يتيمة" لها معنى فظيع. قررت أن تزيل شعر قدمها، لكن سريعا ما هاجمتها دفعة خرافية نصحتها ألا تفعل ذلك. حينئذِ فكرت أنه عليها أن تحدث ابنتها عبر الهاتف، في هذه المؤسسة التي تقوم بتجهيز الموتى ودفنهم، لتسألها كيف حال الجثة؟ هذه الفكرة جعلتها تبتسم ابتسامة قصيرة، لكنها منذ هذه اللحظة عرفت شيئاً كان يخصها قد حدث في اليوم السابق، بالرغم من أنها تجهل مضمون هذا الحدث وطريقة فعله التي قد تؤثر على وجودها. بعد ذلك فكرت أن زوجها لم يكن طيباً، كان عليه أن يعرض أن يبقى بجانب الجثة. في أثناء كل هذا كانت تمشط شعرها، كما لو كانت في انتظار قرار لتحديد المصير لم يأت بعد. أخيراً، قررت ألا تذهب إلى الدفن. من الممكن أن يقول لهم "إنريكي" أنني قد قضيت ليلة مرهقة، وفي ساعات الفجر كنت أعاني من القولون. يقول أنني كنت أرغب أن آت رغم كل شيء، لكنه منعني. عليه أن يشرح ذلك لكل الناس، بالرغم من أن لا أختي ولا ابنتي، المسميتان "بمرثيدس"، ستصدقان ذلك.
(2) بعد يوم الدفن مضت عدة أيام تميزت بالهدوء المنكسر. أمطرت السماء مطراً غير غزير، كما لو كان عادة تحدث تكنيكيا لكن بدون اقتناع. كان الماء يتساقط بسلاسة في حبات صغيرة فوق الأسقف والشوارع، وفوق العابرين الذين يستقبلونه بكل طاعة وخضوع. أما "إلينا" التي لم تزل شعر قدمها اليسرى إلى الآن، فكانت تتأمل المطر من نافذة الصالون أو من غرفة النوم، أيضا بهدوء منكسر. كان شهر فبراير على وشك الانتهاء بلا ضجيج. وفجأة، بدأ اسم الشهور يكتسب معنى جديد. أطلقت "إلينا" على مارس اسم أمل الشمس، والرغبة التي يبتعد الواقع عن إظهارها بهذه النبرات السوداء، التي كان يبدو أن الانتقام يختبئ خلفها. كان يبدو أن النيش، الموجود بالصالون والذي تحتفظ فيه بأواني المائدة، قد حصل بالرطوبة درجة وجودها العضوي غير المفسر. عندما لاحظته عن بُعد، كان يبدو أنه غيَّر درجة لونه القاتم، كما لو كان يعطي إشارات متجهة للأريكة. من ناحية أخرى، أيضا عن بعد، كان يعطي انطباعا أنه يعرق، كما لو كان بداخل الخشب تحدث عملية كيميائية نتيجتها ستكون طرد روح الفكاهة. كان هذا الإحساس يبتعد ويختفي عندما كانت "إلينا" تقترب إلى الأثاث وتلمسه. على أية حال، شرعت في فتح أبواب هذا الأثاث بكل نفور. ذات يوم استقبلت مكالمة هاتفية من أختها "مرثيدس"، كان يبدو أنها ترغب في الانتهاء من الوصول لاتفاق بخصوص تقسيم الإرث. أشارت لها "إلينا" أنه من المناسب أن تتحدث مع "خوان"، أخو كلٍ منهما. فأخبرتها "مرثيدس" أنها قد اتصلت به واتفقت معه على بعض الأشياء الأساسية. - إذا لم يكن لدى أي منا رغبة في امتلاك بيت أمنا – علينا أن نبيعه – قالت أختها. - اتفقنا – أجابتها "إلينا". - ألاحظ أنك في حالة غريبه، هل حدث لك شيء؟ - عادت لي هذه الآلام مرة أخرى. أنا مُتعَبة. قالت لها أختها بعض النصائح، ووعدتها بالحضور إلى مدريد في نهاية الأسبوع القادم، ليدخلوا جميعاً بيت الأم ويفرغوه قبل عرضه للبيع. كانت تتحدث عن تقسيم الأثاث والأشياء الموجودة بالبيت، هذا البيت الذي كان في يوم من الأيام بيتهم جميعاً. كانت نبرة صوتها تُشعِر "إلينا" بأنها عملية سلب. في هذه الليلة كان القولون يؤلمها، وفي اليوم التالي نهضت منهكة. ذهب زوجها إلى العمل. تناولت إفطارها، دخنت سيجارة حشيش، عادت لتنام مرة أخرى. كان السرير بارداً، فقررت ألا تخلع الروب. لم تستطع أن تصالح النعاس بالرغم من إرهاقها وتأثيرات الحشيش التي تُرخي الجسد، وكان أرقها ناتج عن مجيء مجموعة صور متعاقبة في خيالها لم تستطع السيطرة عليها. كانت مجموعة صور خالية من التفكير أو التأمل، لكنها كانت تحتوي على شيء قادر على استثارة غم زائد امتدت تأثيراته لتتمركز في البطن. اعتقدت أنها لو تقيأت ستتحسن حالتها، لكنها عجزت عن النهوض حيث أنها شعرت بالدوار وملأها الخوف من أن تسقط على الأرض. وأخيراً عندما وصل تعبها إلى حدٍ لا يمكن احتماله استوت في مجلسها،و وضعت قدميها على الأرض. حينئذٍ لاحظت اختناقها وبدأت في تصبب العرق في نفس الوقت الذي شعرت فيه بإنهاك أعضائها. بعد لحظات فقدت خوفها، وسريعاً ما فقدت وعيها لتقع بجانبها على السرير تاركة أقدامها خارجة، قريبة من الأرض. قبل أن يحدث ذلك شعرت لمدة ثانية أو ثانيتين بسعادة مطلقة، وبدا لها أن الهاتف يرن، لكن هذا لم يهمها، وسريعا ما دخلت في عالم النسيان. استيقظت بعد ذلك بنصف ساعة ، شعرت بقشعريرة برد، لكنها متعافية من الإغماء السابق. تدثرت ببطانية وملاءة، وأشعلت سيجارة لترى إن كانت قادرة على احتمالها أم لا. وتحققت من ذلك برضى جعلها سعيدة بعض الشيء. كان العرق قد تبخر، وفكرت بلذة في اخذ حمام ساخن. كان ألم بطنها مستمراً في مكانه لكنه ضعف بشكل ملحوظ. القولون – قالت – لم ينته بعد من تنظيف أمعائي. نهضت في ساعة الظهيرة، ورتبت البيت قبل أي شيء. اعتاد زوجها أن يتناول غداءه بالخارج، والخادمة لا تأتي إلا مرتين في الأسبوع. كان يومها فارغاً، لذلك قررت أن تخرج لتستنشق الهواء، لأنها إلى الآن ما زالت تشعر باحتياجها له. مع ذلك فقدت رغبتها في أخذ حمام، وأثناء ارتدائها للملابس أحست أنها قذرة. لفت سيجارة حشيش قبل أن تخرج، فربما تحتاج أن تدخنها أثناء وجودها في الشارع. انتهى المطر، لكن الضباب ما زال موجودا. كان يوماً معتماً ونقياً، وكانت لديها رغبة في أن تستنشق هواءًا رطباً. سارت مصادفة في تجاه شارع "فرانثيسكو سيلبيلا"، و تأكدت أن قدميها تسيران بقوة نسبية. توقفت بدون أي حماس أمام فاترينة محلين أو ثلاث وبدأت فجأة تشعر بالجوع. فكرت في أن تتناول واحدة من أطعمتها المفضلة، ولاحظت أن معدتها على استعداد كبير لذلك. فكرة أن تأكل بعثت في نفسها السرور. دخلت كافيتريا لها واجهه أنيقة ، جلست فوق مقعد بلا مسند، طلبت طبقاً مشكلاً وزجاجة بيرة. كانت تشعر بالعطش، وقد سببت لها الرشفة الأولى المليئة بالرغوة – قشعريرة لذيذة. أمام مقعدها كانت توجد مرآة، أشارت لها أنها خرجت من البيت دون أن ترسم عينيها، وأن شعرها أشعث . كل هذا بالإضافة لشعر قدمها اليسرى والخروج بدون اغتسال، شكل أمام عينيها صورة جسد قذر، لكن هذه التفاصيل وهذه الصورة جعلتها تبتسم لأنه لا أحد في هذا المكان يعلم هذه التفاصيل، بالإضافة إلى أنها أنيقة في ملبسها، بحيث يبدو مستحيلاً أن يشك أحد في حالة نظافتها. كان هذا بمثابة سر بينها وبين مرآتها. كانت الكافيتريا مجهزة بموسيقى، وبدأت تبث إحدى أغانيها، واحدة من أغنيات "بيتلز"، قامت "إلينا" بترجمتها داخل نفسها. تخيَّل نفسك داخل زورق، داخل نهر محاط بأشجار اليوسفي وسماء من المربى. شخص ما يناديك، ترد عليه ببطء. زهور من السلوفان الأصفر والأخضر يطلون فوق رأسك .. تاكسيات من ورق الجرائد تظهر على الشاطئ، تنتظرك لتحملك معها. جعلتها هذه الأغنية في حالة نشوة، وأعاد لها فنجان القهوة جزء من الكمال الجسدي الذي قد نسيته. لكن، عندما خرجت إلى الشارع، ورأت المشاة، ونظرت لإشارات المرور وحركته المتثاقلة، شعرت مرة أخرى انه الواقع المحكوم عليه بالإعدام. أشعلت سيجارة الحشيش، ونزلت في شارع "ماريا دي مولينا" متجهة إلى شارع "كاستييانا". تركزت تأثيرات الحشيش في جبهتها، تخيلت أن جبهتها من الزجاج، تستطيع من خلاله رؤية عجين دماغها ذات الألوان الخضراء والصفراء، ألوان تطور بعد ذلك وبطريقة غير محسوسة، إلى البني والأسود. كررت في ذهنها مقطع من الأغنية (تخيل أنك في قطار، في محطة مع بوابين من العجين، ترتدي ربطة عنق من الزجاج، شخص ما يظهر في نافذة التذاكر). لكن الكمال الذي كانت تشعر به سابقا تركها الآن وحل محله ضيق كان يتسع ليتركز في أعضاء جسدها الداخلية، وخاصة المعدة. بدأت تشعر بشيء من الدوار، أرجعت سببه إلى سوء الهضم. فكرت أنها لو استطاعت أن تتقيأ وتفرغ أمعائها ستستعيد إحساسها السابق، لكنها لم تكن ترى حولها أي كافيتريا. دخلت في شارع جانبي، ثم في حضانة أطفال ، وجدت بابها مفتوحاً. تقاطعت خطواتها مع بعض البالغين الذين اعتقدوا أنها أماً لأحد الأطفال، فلم يقولوا لها شيئا، بالرغم من أنهم نظروا لها باستغراب. وأخيراً، عندما شعرت أنها على وشك التقيؤ، دفعت باب الدخول للحمامات ودخلت سريعاً في إحداها. جلست "إلينا" وأسندت خلفية رأسها على الحائط، وعانت من هبوط في ضغط الدم بدون أن تتقيأ. وعندما أحست أنها استعادة نشاطها، أمكنها إنزال الجيبه واللباس التحتي والجوارب الطويلة، لقد حققت ما أريد، فكرت، كل شيء انتهى لقد حققت ما أريد . لكن كان يبدو أن الأمعاء غير مستعدة للعمل، بحيث أن ضيق صدرها لم يهبط مباشرة، بالرغم من جهود "إلينا" لطرده من جسدها. فكرت أن تتقيأ، لكنها أدركت أنها ستفقد الوعي لو غيَّرت من وضعها. وفي أثناء ذلك، دارت في ذهنها سلسلة من الصور الموضوعة بجانب بعضها. القدم المشعرة، الشوارع الرطبة، إشارات المرور المكسورة، رجل من الصلصال، نهر من المربى، مراكب من الكراملة ، جثة أمها الملفوفة في سيلوفان أصفر وأخضر. اكتسبت سرعة الصور في الحال إيقاعاً زائداً، احتملته "إلينا" بعينين مفتوحتين وأظافر مغروزة في فخذها، أحست بموجة من الحر، شبيهة بهذه الموجات التي تأتي عادة عند الإغماء، صعدت من بطنها إلى وجهها، وتحولت إلى عرق فائض. عندما كانت على وشك أن تفقد الوعي، هبطت السرعة. فتحت "إلينا" فمها لتأخذ أكبر قدر ممكن من الهواء، وكانت تقول لنفسها: لقد انتهى كل شيء، لقد تخطاني، هذا هو الجنون وقد تخطاني. في أثناء ذلك سمعت صرخات طفوليه بالخارج واستنتجت أن الأطفال قد خرجوا من الفصل، وبالفعل بدءوا يطرقون باب حمامها في الحال. دفعت قدميها بكل ما هو ممكن، وتنفست بعمق، بينما كانت تحاول أن تحدد هل ما حدث لها شيء مرعب أم شيء مضحك؟ لم يكن لديها الوقت لتقرر، لأن الجنون، المرتبط بسرعة الصور، عاد إلى رأسها مرة أخرى. كتمت أنفاسها وركزت كل طاقتها في منطقة البطن، حيث بدا لها أنه مكان الألم. لكنها لم تنل شيئا. وعندما فتحت عينيها، رأت رأس طفلة تطل عليها من المكان الخالي بين الأرض والباب. تبادلا النظر لعدة ثواني، بعدها انسحبت الطفلة. بعد ذلك سمعت صوتاً صارخاً: هناك سيدة بيضاء بالداخل. حينئذ نهضت، فتحت الباب، حاولت الخروج، لكن الجوارب الطويلة الملفوفة على كعبيها جعلتها تفقد اتزانها.وبينما كانت تقع، قبل ثواني من فقدان الوعي، كانت سعيدة جداً لشعورها أنها ستترك في أيدي الآخرين مسئولية تشغيل جسدها. استيقظت في الحال، غارقة في عرقها. كان الجنون قد تخطاها وانسحب، وضيق صدرها قد اختفى، أو تحلل في العرق المتصبب فوق جبهتها. قدمت نفسها، اعتذرت ، أكدت أنها مشكلة عسر هضم لا تعرف من أين جاءت. - لأنك أنيقة في ملابسك – قالوا لها – إذا لم تكوني كذلك كنا سنبلغ الشرطة، وكانت ستحدث أشياء كثيرة. أعطوها تفاحة، وطلبوا لها بالهاتف سياره أجره ، وصلت في خلال خمس دقائق .كانت تمطر مرة أخرى بالخارج، أو كانت الرطوبة تشعرها بوجود المطر. كانت "إلينا" تشعر أنها رشيقة بل ومتفائلة، وكانت هذه هي عادتها بعد أن تفيق من الإغماء، على أية حال، عند وصولها للبيت نامت، وظلت نائمة حتى عاد "إنريكي" زوجها، من العمل. - هل تعانين من شيء؟ سأل. - نفس الآلام تعود مرة أخرى. - لماذا لا تذهبي للطبيب؟ ألح "إنريكي" بإشارة توحي بالصبر. - لقد ذهبت إلى كل الأطباء، وقالوا لي أني لست مريضة بشيء. أجابته "إلينا" بنبرة غاضبة. قرر "إنريكي" ألا يلح عليها واكتفى بان يعرفها أنه سيقضي أجازه نهاية الأسبوع بالخارج لإنهاء أعماله. - ومنذ متى تعملون في إجازة نهاية الأسبوع؟ - إنها اتفاقيات على بيع، وهذه الأشياء تتم عادة في أيام الإجازات. بدأت "إلينا" تشك في أشياء أخرى. وفجأة احتوتها فكرة أن "إنريكي" يخونها، فشعرت بالغضب، لكنها لم تقل شيئاً. قضت معظم ساعات الليل مستيقظة، وخطرت ببالها خطة ساعدتها على النهوض من السرير في اليوم التالي. وبما أنه كان يوم جمعة، كان عليها أن تتصرف بسرعة. بحيث أنها بعد أن تناولت إفطارها، ذهبت إلى أقرب مكتب بريد وأخذت رقم صندوقه. عادت بعد ذلك إلى البيت، وبعد أن أعطت للخادمة بعض التعليمات، أخذت دليل التليفونات وأغلقت عليها الغرفة. بحثت عن وكالة استخبارات سرية، وبعد أن راجعت ذهنياً السيناريو الذي قد أعدته ليلة أمس، اتصلت:- - صباح الخير – قالت – أريد أن أتحدث مع المدير. - أنا المدير – أجابها رجل من الجانب الآخر. كانت "إلينا" على وشك أن تضع السماعة، لأن كلمة "أنا المدير" لم تعجبها، بالإضافة لذلك، فالسماعة قد رُفِعت سريعا، ورد هو، وليست السكرتيرة، الشيء الذي جعلها تخاف أن تكون وكالة قليلة الإمكانيات. في النهاية قررت أن تواصل المكالمة. - أريد أن أكلفك بمهمة حساسة وغريبة. - ولماذا غريبة؟ – سأل الصوت من الجانب الآخر. - لأنك لا يجب أن تعرف من هو الشخص الذي يكلفك بالمهمة، أنا سكرتيرة العميل، وهو رجل معروف في الدوائر المالية والسياسية، يرغب أن يكون اسمه بعيداً عن الموضوع. شرحت له "إلينا" نوع المهمة، وأعطته بيانات زوجها، وأضافت إلى أن عليه أن يقدم تقريراً مفصلاً عن نشاط هذا الهدف خلال إجازة نهاية الأسبوع القادمة. وبدا أن مدير الوكالة يكتب ملحوظات عن كل شيء، لكنه ألح أنه من الضروري أن يعرف العميل. كانت "إلينا" حازمة. - قلت لك أن هذا غير ممكن. ستكون وسيلة الاتصال بيننا هي صندوق البريد الذي أشرت لك عليه. عليك أن تبعث التقارير عليه، وبالنسبة للأتعاب سأضعها لك في رقم حسابك في البنك الذي تأمرني به. - عليك أن تدفعي عربونا أولاً. - سأضع لك غداً في حسابك ما تراه مناسباً. كان هذا التأمين الاقتصادي كفيلا بأن يقصي شكوك مدير الوكالة، فوعدها بإرسال التقرير يوم الاثنين. وعندما وضعت "إلينا" السماعة، شعرت أنها قد أدخلت في حياتها عنصرا ذا حافز مهم، وساعدها هذا على أن تضع في المنطقة الخاليه من ذاكرتها حدث اليوم السابق. على أية حال، قررت أن تقلع عن تدخين الحشيش خارج المنزل. نامت في هذه الليلة جيداً، واستيقظت عند الفجر وجسدها مستريح بما فيه الكفاية. وفي الساعة الثانية عشر صباحا، عندما خرجت لتضع المبلغ المطلوب للوكالة، لم تكن تشعر بأي ضيق إلا من مشتقات الغازات المتراكمة بشكل زائد، على ارتفاع اثني عشر متراً من حولها.

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...