الأحد، أغسطس 24، 2008

كانت هذه هي العزلة

(9) ذهبت في اليوم التالي إلى المدافن . اتصلت بالمخبر ليتابعني . يمكنني أن أروي ما فعلت ، لكنني اعتقد انه يروي أفضل منى في تقريره، الذي يقول ما يلي: - ( تركت إلينا رينكون بيتها في الساعة الحادية عشر والنصف ، يوم 18 مارس . كان الجو شبه صيفي . لهذا كانت ترتدي فستانا خفيفا ذات ألوان سوداء ، مفتوح الرقبة . دخلت كافتيريا قريبة من بيتها ، جلست بجانب الحاجز الخشبي ، تناولت فنجان قهوة ودخنت سيجارة . لقد تحسن مظهرها العام ، واختفت بشكل ملحوظ الهالات السوداء حول عينيها (لاحظت ذلك بالرغم من أنها تستخدم نظارة الشمس أثناء سيرها ) تبدو مهندمة في ملابسها اكثر من ذي قبل ، الآن ترسم شفتيها ،وتمشط ضفيرتها باعتناء . ومع أن ضفائر النساء في مثل عمرها لا تقع مني موقعا حسنا ، إلا أن ضفائرها تبدو مثيرة للغز. حتى هذه اللحظات كنت انظر لهذه المرأة علي أنها هدف بسيط علي متابعته من اجل عملي ، فجأة بدأت تكتسب متابعتها موقفا شخصيا ، لن أحكي عنه شيئا . ركبت بعد ذلك تاكسي (بالرغم من أن لديها سيارة خاصة إلا أنها لا تستخدمها أبدا) وذهبت مباشرة إلى المدافن . سارت بلا استعجال ، بين طرق المقابر المشمسة وتوقفت في النهاية أمام قبرين . استطعت أن أتحرى بعد ذلك وعرفت أن هناك يرقدا جسدا أبويها . ظلت هناك لمدة عشرين دقيقة أو ربع ساعة ، بعد ذلك أدارت ظهرها وسارت حتى خرجت . كان من الصعوبة أن اختبئ ، حيث أن المكان غير مأهول وعادة لا نجد أي زحام هناك . أخذت تاكسي ، هبطت منه بالقرب من بيتها ، تنزهت في الشوارع تشاهد الفاترينات . في التقرير الأسبق ظننت أنها تتصرف علي أنها همزة وصل في صفقات زوجها المشبوهه ، لكنني الآن اعتقد أنها ببساطه امرأة تشعر با لعزلة والملل ، تخرج إلى الشارع لتهرب من اختناق المنزل ، لا يوجد شئ في سلوكها يشير إلى احتمال أخر ،بالرغم من أن تصرفاتها غريبة ، حيث أنها تخرج ولا تشتري شيئا ولا تقابل أحدا ولا تتجه إلى أي مكان محدد، باستثناء زيارتها القصيرة للمدافن . قبل أن تصعد إلى بيتها تناولت مشروبا في حانة ، ولم تفعل شيئا آخر .) كان التقرير موجزاً ، ذلك لأني بالفعل لم افعل شيئاً جديراً بالذكر . لقد تنزهت وقتاً طويلاً من اجله ، لأبرر له المبالغ التي أعطيها له وأيضا لأنه شيئ مريح أن تتحرك في الشارع وأنت تعرف أن هناك شخصاً يراقبك. أعتقد أنى لو فقدت الوعي في إحدى خروجاتي سيأتي إلى المخبر وسيتحمل مسئوليتي حتى أعود كما كنت . حاولت أن أراه وأعرف إن كان يطابق الصورة التي في خيالي ، لكنه يختبئ بمهارة . نظرت خلفي في المدافن مرتين أو ثلاث لكنى لم أر أحداً يراقبني . من ناحية أخري ، ولأنه قد عدل رأيه فيَ هذا التقرير اتصلت به هاتفياً . - تقريرك الأخير موجز جداً – اشتكيت له . - أنا أدرك ذلك – أجاب ـ لكن الموقف لا يستدعي أكثر من ذلك ، لقد فعلت بالضبط ما أمرتي بفعله . - نري انك منجذب لهذه المرأة ، تتحدث عنها بشكل آخر. جاءت لحظة صمت ، لكن رد فعله جاء في الحال: - جائز – قال – من السهل أن نتضامن مع امرأة كهذه ، خاصة لو فكرنا في طبقة زوجها . الحقيقة إنني لا اعتقد أن لها أي علاقة بصفقات زوجها إنريكي . أنا أعتقد أنها مهمشة في كل شيء ، فهي لا تري أحدا ولا حتى ابنتها . - لا تنخدع بالمظاهر – قلت – فهذه الشخصيات دائما تأتى بالمفاجآت . - هل سأتابعها مرة أخري ؟ ـ سأل بنبره من السهل أن نلاحظ فيها طلبه ـ - الآن لا . سأكون علي إتصال بك.
يبدو أن هذا المخبر علي درجة ما من الشاعرية ، التي لا يتوقعها أحد في هذه المهنة . تأملت في العزلة التي نسبها لي ، وهذا جعلني أفكر في حياتي بجديه ، إنها بالفعل حياه خاليه من أي علاقة . زوجي وبقية الناس الذين أعرفهم يعتمدون علي سلسلة من الأشياء التي تؤكد لهم باستمرار وجودهم ، تلك الأشياء تحتوى علي علاقة تشابه . ما هي الأشياء التي امتلكها وتؤكد وجودي في الماضي ، ووجودي الآن ، لو كنت حقا شيئا موجوداً . أمتلك هذه المذكرات ، والحشيش الذي أحاول الإقلاع عنه ، وربما أمتلك أيضا الساعة و الأريكة . وهل يوجد شئ آخر . امتلك أيضا آمي التي ، بعد موتها ، شغلت حيزا في جسدي في نقطة معينة من جهازي الهضمي . أستطيع أن أتحدث أيضا ، بالرغم من انه يضحكني ، عن قرينتي التي ربما تسمي أيضا إلينا وقد تكون ابنة قرينة أمي . أمي أيضا كان لها علاقات كثيرة : مع الكحول ، المذكرات، مع ورمها . كيف كانت تتصرف مع ورمها في ليالي السهد ؟ بأي طريقة كانت ترتبط به ؟ افتح الآن واحدة من مذكراتها واقرأ كالعادة بالصدفة.:- " من بين ثمرات الحياة المُرّه لا يعد الموت أسوأ ثمرة ، إن أسوأ شئ هو أن تعيش الواحدة منا بعيده عن نفسها ، كما أعيش أنا منذ سنوات ، منذ أن انتقلت إلي هذه المدينة غير الموجودة ، ومع ذلك يسمونها مدريد. مدريد غير موجودة. إنها حلم ناجم عن مرض ، ناجم عن بعض الأدوية التي نتعاطاها لتقضي علي مرض . كل الذين يقيمون في مدريد غير موجودين . وهذا لا يمنعنا أن نسير ، أن نشتري فواكه،أن نفتح دفتر توفير . بالأمس نزلت في منطقة لوبث دى أويوس وتجولت في شارع مارثينادو ، كان الشارع منكمش الجلد كما لو كان يعانى من مرض الحساسية . أنا أعاني من الحساسية في منطقتين من جسدي ، لكنهما لا يضايقاني ، لهذا فقد عقدت معهما اتفاقية ، والآن أشعر براحه . لكن لم تبتعد عنى رائحة الفم الكريهة وفقدان الشهية وفقدان تذوق الطعام ، لأن طعمه في فمي مر . وبسبب هذه الأشياء الموجودة في جسدي بدأت أهمل البيت كثيراً وهذا شئ يشغلني . منذ خمسة عشر يوما لا أنظف قيشاني الحمام ، وأحيانا أفكر أن نمو ورمى يتوقف علي حالة البيت . لو كان البيت قذراً، ينمو ورمى ، لكن عندما أنظفه ، يبدو أن حجمه يصغر . قرأت في موسوعة(العادات الفاضلة) أن المرأه عندما تبدأ تهمل بيتها ، تنتهي متجولة في الشوارع باحثه عن رجال لا تعرفهم ليأخذونها داخل فندق خفي وقذر . لهذا ، أحببت أن ازرع في بناتي ، خاصة إلينا ، الاهتمام بالبيت ، لكنني أعتقد أنني فشلت . أتذكر أن إلينا قد قصت لي حلماً عندما كانت صغيرة . رأت في المنام أنها كانت علي شاطئ وأنها حفرت حفره في الرمال ووجدت عمله . كانت تعلم أنها وجدتها داخل حلم، لكنها علمت أيضا أن العملة حقيقية وأنها متينة، وفكرت أنها لو ضغطت عليها بشدة بيدها اليمني ستجدها عندما تستيقظ . لم تجدها بالطبع . حينئذ ، وفي نفس هذا الصباح، نزلنا إلي الشاطئ وأخفيت عملة في الرمال وقلت لها : لماذا لا تحفرين هناك فربما تجدين العملة التي رأيتها في المنام . حفرت ، وجدتها ، ظلت مندهشة . يالها من حياة . الآن سأذهب لأنظف قيشاني الحمام لأني بعد ذلك سأشعر بالكسل .) بعد أن قرأت هذا الحدث ، نهضت من فوق أريكة آمي وذهبت إلي الشرفة . ولأنني أعيش في شقة مرتفعة ، رأيت المدينة كمن يتأمل جسداً يحيط به . هذه المدينة هي جسد يمكن رؤيته ، لكن الرؤية ليست بالضرورة مختصة بكل ما هو واقعي . فربما تكون هذه المدينة غير موجودة ولا نحن أيضاً موجودين مثل هذا الكنز الذي وجدته في الشاطئ . إلى الآن لا أعرف هل الإلهام يجعلني حزينة ، أم انه يثيرني ، لو كان مؤكداً أن هذا الاكتشاف أكذوبة ، فليس أقل تأكيداً أن أماً حققت حلماً بهذه الصورة هي أم ملزمة بأن تبحث عن مصير مختلف لنفسها. كل يوم ، عندما أرتب غرفة نومي ، أري في البيت الواقع أمامي امرأة تطل من النافذة لتنظف بعنف حافتها . يبدو لي شيئا غير مفهوم ، لكنها تقوم بهذا الحدث العبثي كل يوم وفي نفس الساعة ، كما لو كان داخله تكمن الحياة . من المحتمل أن تكون محقة ، لأنها ربما تعتقد أنها لو مالت إلي الكسل ، ستنزل إلى الشارع لتبحث عن رجال لا تعرفهم . لقد عانيت أنا أيضا من وساوس من هذا النوع ، لكنني أقلعت عنها ، بالرغم من توصيات أمي . وعندما أقلعت عنها بقيت بلا هوية ، لأن كل شعائر النظافة كانت تفرض علي احتمالية أنني أنا ذاتي . لكن أمي لم تنقل لي هذا فقط ، لأنها في الوقت نفسه حققت حلم طفولتي ، وزودتني بقرينه تتعارك لنتفق مع ما يسمونه واقع ، أو لتخلق واقعاً خاصاً وتنعزل بحياتها ، مثلي . بمعنى آخر ،لقد رسمت لي أمي الممرات الضيقة والغرف الفقيرة التي يجب أن تسير فيها حياتي، لكنها في الوقت نفسه خلقت لي عالماً خاصاً لكي أستطيع أن أتحمل هذا السجن أو لأفجره إلى آلاف الأجزاء . وهبتني كل ما هو جميل وكل ما هو قبيح في الوقت نفسه وأدمجتهما بشكل غير منظم ، لكنها تركت لي أريكتها وساعتها : تركت لي الأريكة لأجلس فوقها وأفك هذا الالتباس و تركت لي الساعة لتقيس إيقاع الإنسلاخ . الساعة الآن الحادية عشر ، تناولت فنجان قهوة ، لكنه أرهقني ، أشعر بغثيان . سأدخل إلى المطبخ الآن . (10) أقلعت عن تدخين الحشيش منذ عدة أيام ، وبدأ الواقع يعرض نغمات نادرة الوجود . اكتسبت أثاثات البيت ، التي تنمو عادة بشكل بارز ، درجة من التجسيد المضطرب بعض الشيء . أريد أن أقول إنني أرتبط بهذه الأثاثات وببقية الأشياء الموجودة بالبيت كما لو كنت إنسان دخيل علي هذا المكان . قبل ذلك ، لأتحصل علي الإحساس بالاستغراب ، كنت أحتاج إلى الحشيش ، لكن منذ أقلعت عنه تعدل بالتدريج شئ ما بداخلي .أتأمل الصالون ، أعرف شيئين فقط كممتلكات خاصة بي : الأريكة و الساعة ، كما لو كان القدر قد وضعهما أمامي لفترة مؤقتة ، كما لو كان هذا البيت هو نقطة الانتظار التي يجب أن أستمر فيها بينما أعد نفسي لأشغل مكاني النهائي . أجد نفسي في بعض الأيام أتحرك داخل الدواليب والأثاثات بفضول متطفل. من ناحية أخري ، ومنذ أقلعت عن التدخين ، زادت أحلامي . أحلم كثيراً وبغزارة نادرة ، لكنها تقع منى موقعاً حسناً . يبدو أن الأحلام التي أستطيع تذكرها تملأ فراغاً لا يمكن رؤيته يسكن فيه جزء من نفسي ، حتى عندما تستحوذ علي عنصر مؤلم . هذه الغرابة أيضا تلحق إنريكي زوجي ، الذي أتأمله كمضيف ودود ، رغم أنه بعيد . وبالتالي يملؤني الشعور أنني أسكن في بيت ليس بيتي ومع رجل ليس زوجي . إن مجرد قولي هذا ، وكتابتي له ، يمنحني إحساسا بالضيق ، لأنه بمثابة موافقة منى علي ألا أنتسب لأحد ولا لشئ ، كما أن لا شئ ينتسب لي ، ما عدا الساعة و الأريكة . كل هذا يجعلني أتحول إلى شبح ، ربما شبح أمي الذي يصمد في وجه هجران هذا العالم متشبثاً من خلالي بالأشياء المادية التي ارتبطت بها في حياتها . قد تكون هذه هي العزلة التي طالما تحدثنا عنها وقرأنا فيها بدون أن نعرف بالبداهة ما هي أبعادها الأخلاقية . حسناً ، إذن كانت هذه هي العزلة : أن تجدي نفسك في العالم فجأة ، كما لو كنت قد جئتي حديثاً من كوكب آخر بدون أن تعرفي لماذا طردوك منه ، وتركوك تحضرين معك شيئين (في حالتي الأريكة والساعة) ويجب أن تحمليهما علي عاتقك ، كاللعنة ، حتى تجدي مكاناً تستعيدين فيه حياتك بناءً علي هذين الشيئين وعلي الذكرى غير الواضحة عن العالم الذي جئتي منه . العزلة هي انقطاع غير مرئي لكنه فعال ، كما لو كانوا قد اخذوا منك السمع والبصر وكل شئ ، وتركوك خاليه من كل الأحاسيس الخارجية ، من كل العلاقات ، فقط وهبوك الإحساس باللمس والذاكرة ، وفرضوا عليك أن تعيدي بناء عالمك ، العالم الذي تسكنين فيه ويسكن فيك . هل يوجد في هذا أسلوب أدبي ؟ هل يوجد فيه شيء مسلي ؟ لماذا كنا نعجب بهذا كثيرا؟ في هذه اللحظات شربت كثيراً من الويسكي بهدف أن أعكر كل أحاسيسي ، حيث إنني ، عندما قرأت السطور الأخيرة المتعلقة بالعزلة مرة أخري، ملأني الخوف ، وربما شئ من الشفقة علي نفسي . علينا أن نتخيل أن شخصاً ما لا يستطيع أن يري نفسه من الذي يحيط به. ويهرب من نفسه باستمرار مثل من يجري ليبتعد عن ظله . رأيت أخي منذ يومين أو ثلاث . اتصلت به لأتحقق أنه ما زال علي قيد الحياة ، وأنه قادر علي معرفتي ، مانحه لنفسي بذلك مكاناً في حكاية الارتباط والاهتمامات التي تربط البشر ببعضهم. كان حياً وعرفني . اتفقنا أن نتقابل بعد العصر وأن نأكل وجبة خفيفة في شرفة كافتيريا قريبة من بيتي. أخبرت المخبر ليتابعني . تناولت فنجان قهوة ، وطلب خوان فنجان شاي بالليمون . كان يتأملني بقلق وربما بخوف ، كما لو كان قد حدث لي شيئا ، أو ربما شعر بمسئوليته تجاه حياتي . - هل أنت بخير ؟ – سألني في الحال - ليست هذه هي المشكلة – أجبته ، محاولة أن أكون صادقة وربما لأطمئنه – المسألة ليست أنني لست بخير و إنما هي أنني أشعر أنني غريبة ، لو نظرت لي من الخارج واضعاً في اعتبارك فقط الشكل الخارجي ، ستجد نفسك مجبراً أن تقول أن كل الأشياء تسير علي وجه معقول ، لكنني لا أشعر أنني مرتبطة بهذه الأشياء المعقولة. كل منا ، أنا و إنريكي بعيدا عن الآخر منذ زمن طويل ، وبالنسبة لابنتي ، ماذا سأقول لك ، أعتقد أنني أم باردة ، والآن أنا أدفع الفاتورة . في الماضي كانت لي مصالح مهنية وسياسية ، تخليت عنها بالتدريج . وأخيرا فإن لكل منا عالمه الخاص الذي يرتبط به ، وعالمي أنا يبدو أنه قد تهدم بلا ضوضاء ، وبالتالي ، وبدون أن أنتبه ، لم أستطع أن أعول عليه بشيء. أعتقد أنني وضعت خوان في موقف محرج. فأخذ موقفاَ سلبياً بشكل مفرط، كما لو أراد أن يبرز لي أن قصتي لا تخصه ، وأنه فقط كان مستعداً للتحدث عنها بنفس الشفقة التي يتحدث بها عن الزمن ، لكنه لم يستطع أن يحتفظ بهذه الحيادية طوال الوقت. - أنا – قال- لم أفهمك أبداً يا إلينا ، لا أنت ولا زوجك ، ومع ذلك أتذكر أنني في وقت ما اعتقدت أنكما زوجان مثاليان. كنتما تمثلان أحلي ما يكون في هذه الحياة . كان ذلك منذ سنوات بعيدة عندما كنت انتقدكما لتدخلكما في قضايا سياسية لكن ، انظري ، أنا لا أفهمك حقيقة . لقد وهبتك الحياة كل ما اردتي ، في شبابك الثورة ، وفى نضجك المال ، مما تشتكين إذن؟ اندهشت من عدوانية أخي ، فالواحدة منا لا تعرف إطلاقا ماذا تمثل بالنسبة للآخرين أو بأي طريقة غير مبرره يمكن أن تفقد أو تربح عاطفة ما . علي أي حال ، كان يبدو أنه يؤكد لي إحساسي بالبعد عن العالم ، بعزلتي . تأخرت في الرد عليه ، ثم قلت : - هذه ليست شكوى يا خوان ، لكن كل الأشياء أصبحت لا تجذ بنى ، بدون أن أفرض أي إرادة منى في هذا . أنا أشعر أنني وحيدة ، واعتقدت أنني من الممكن أن أحكي لك ، لا تخف ، أنا لا أطلب منك شيئاً . - أنا لا أعرف ما معنى الشعور بالعزلة ولا أعرف كيف تصبح الأشياء لا تجذبك .ذلك لأني لم أصل إلى مستواك الاقتصادي ، ولم تمنحني الحياة هذا الكم من وقت الفراغ الذي تعيشين فيه ، أنا أعتقد أنك تفكرين في نفسك بشكل زائد عن اللازم . لو التفت إلى ما يحدث حولك ، لن يكون لديك وقتاُ لتشعري بكل هذه الأشياء . قلتي قبل ذلك أنك أم باردة ، لماذا لا تصححين هذا الوضع ؟ ، أنت بالكاد تقابلين مرثيدس ، والآن هي تحتاجك أكثر مما كانت صغيرة . سألت :_
ـ لماذا ؟ نظر لي خوان بوجه يكسوه الغضب ، كما لو كان سيشرح لي أشياء معروفة ، وقال : - بهذه الطريقة ستكونين أخر من يعلم . ابنتك حامل . تأخرت بعض اللحظات لأدرك معنى هذه العبارة ، لكن عندما أدركته شرعت في البكاء بلا عنف ، كما لو كان حدثاً ميكانيكياً تقتضيه حركة العين . أنا لا اعرف معنى هذا الانفعال لكنني أستطيع أن أقول انه من اكثر الانفعالات في حياتي. من حسن حظي كنت ارتدي نظارة شمس و اعتقد أنني استطعت أن اخفي دموعي. من المؤكد أنني تذكرت أن مخبري يراقبني من مكان ما ، وفكرت أنني لا أحب أن يراني باكية. - أشكرك لأنك قلت لي – قلت في النهاية. بقينا فترة نتحدث في مسائل محايدة ، وأصبح خوان ودوداً معي . لم يعتذر لي ، لكن طريقته في الكلام كانت تحمل نبرة اعتذار ، وفي لحظة محددة سألته:- - أتعتقد أنني أشبه أمي ؟ - من حيث الشكل نعم بالطبع ، أنت شبيهتها خاصة عندما تلمين شعرك مثل اليوم . لكن من حيث الطبع أعتقد أنك لا تشبهيها إطلاقا ، أمك كانت محافظة و تناقشتما كثيراً بسبب ذلك . - اعتقد أن أمنا كانت تميل إلى تحفظها بالأشياء والطقوس والعادات لأنها كانت تشعر بالعزلة ، لأنها كانت تحتاج لهذه العلاقات المستقرة لكيلا يصيبها الجنون - انظري يا إلينا ، أنا رجل من الطبقة المتوسطة وليس لدي أي مداخل للتأملات العميقة . أمنا كانت لها شخصيتها التي تحيا بها ، كما تحيين أنت بشخصيتك وأنا بشخصيتي ، وعاشت حياتها مثل كل النساء في وقتها ، ومثلها عاشت اثنتا مليون امرأة وأكثر . عاد خوان إلى عصبيته ، وبالتالي وجه الحوار إلى قضايا غير ملموسة ، وبعد ذلك بقليل ودع كل منا الآخر . ضغط علي كتفي وأعطاني قبلة حنون ، في إشارة تبدو أنها دعوة لأن أثبت ولا أنهار . فكرت في العودة إلى البيت ، لكن فكرة أن ابنتي حامل لم تتركني . ملاني الخوف أن أصبح وحيدة بين حوائط الصالون الأربعة وأن تصيبني نوبة بكاء لا يمكن كبحه ، بالإضافة لذلك فقد تذكرت أن مخبري يراقبني ، فقررت أن أعطيه بعض الوقت لأؤكد شكوكه . كنت أحاول أن أفكر في أي شئ بعيدا عن عائلتي لأنني بدأت اشعر بكراهية لا حد لها تجاه إنريكي لأنه لم يخبرني أن ابنتنا حامل . ومع ذلك ، عندما أطللت برأسي علي صالة القمار ، وتحققت من كمية العزلة المتراكمة في كل واحد من اللاعبين واللاعبات، خرجت مهرولة من هناك ، لأنها بدت لي مرآة من المستحيل أن أحتمل رؤية نفسي فيها . وصلت إلى البيت في حالة اضطراب لا أرغبها وبألم مسهب في بطني . واحتد إحساسي بأن هناك شيئا في أمعائي يقاوم ليخرج ، ليكون مطروداً . ذهبت إلى الحمام بلا نتيجة . جلست علي أريكة أمي وفكرت في ابنتي ، ابنتي الحامل . الجنين الذي كان في بطني ، وبين ذراعاي ، تستعد الآن لتواصل السلسلة ، بالرغم من أني لا أعرف إلى أين ولا إلى ماذا ، هذه هي الحياة، فكرت، هذه كانت الحياة، ليست اكثر من ذلك : أن نولد ونلد ونموت ، وأحيانا ننمو . وبين فترة وأخرى يوجد مكان فارغ ، وقت ميت ، رعب ما ، لا نتذكره . بدأ إحساسي بالغضب ، من إنريكي و مرثيدس لأنهما لم يخبراني، في الانحدار ، بل اختفي عندما فكرت من هذا المنظور . في الحقيقة كان يبدو لي شيئا تعيسا أن أفكر في صور الآخرين الذين أتموها بأنفسهم أكثر من تفكيري في صورتي الشخصية ، وبالتالي عندما وصل إنريكي لم أقل له شيئا ، وكنت لطيفة معه، أصبح الموضوع لا يؤثر في ، كما لو كنت إنسانه أخري ، رغم أنني ، ولسبب ما ، تمسكت بمظهري كأم لابنتي . تلقيت اليوم تقرير المخبر السري ، وغفرت له بعض الأخطاء الواردة فيه ، مثل قوله أنني طلبت ويسكي وليس قهوة ، وفي النهاية ، يقول ما يلي: ((هناك شيئ سيئ في حياة إلينا رينكون يجعلها منهكة ، ورأيي هذا يرتكز علي أن مظهرها العام دائم التغير . فبعض الأيام نجدها علي ما يرام ، والبعض الأخر في حالة سيئة . كما لو كانت تعانى من مرض مستقر ، كنتيجة لأيام الراحة . كان وجهها اليوم عابساً ، لا أقول أنها لم تكن جذابة ، علي العكس ، أن هذا الاضطراب في ملامح وجهها يمنحها هالة من الغموض . كان شعرها ملموما ، و بدت أكثر شباباً . خرجت من بيتها في الساعة السابعة مساءً ، وظلت تتنزه حتى وصلت إلى كافتيريا لها شرفة تطل على الشارع . جلست في إحدى موائدها ، كأنها في انتظار مجيء أحد ، وبالفعل ، بعد قليل وصل هذا الشخص ، وهو رجل في الخامسة والثلاثين من عمره ، عند وصوله تصافحا وتبادلا القبلات ، وجلس بجانبها . قدموا لها ويسكي ، وقدموا له شرابا ساخنا . كان علي أن أشاهد المنظر من بعيد ، لأن الكافتيريا لم تكن مزدحمة ، وافضل ألا أدخل في نطاق رؤية إلينا رينكون لأسباب قد ذكرتها قبل ذلك . علي أي حال ، لقد التقطت صورة فورية أرفقها بالتقرير ، فربما تفيد عميلي. كان الاثنان بعيدين قليلاً ، لكن وجهيهما واضحان بفضل وضع الإضاءة . حقيقة ، أنا لا اعلم من هو هذا الشخص ، لكنني أستطيع أن أؤكد انه أساء معاملة إلينا رينكون بالألفاظ ، لأنها في إحدى لحظات اللقاء لم تستطع كبح دموعها . انتابني إحساس بأنها تشعر بالرعب ، كما لو كانت خاضعة للابتزاز بالتهديد . ربما كان الأمر هكذا ، ربما كان يأخذ منها معلومات عن زوجها في مقابل السكوت عن أشياء تخجلها . أقول هذا لأن الشخص الذي كان يجالسها شبيه بضباط الشرطة . كان يرتدي ملابس مثل ضباط الشرطة ، كان يتكلم مثلهم . ينظر إلى إلينا بنفس نظراتهم . ظلا سويا لمدة ساعة وربع . ثم أعطاها قبلة الوداع . لكنها ليست قبلة ضابط شرطة ، لكن أحيانا لا يخرج كل شيء كما يرغب الإنسان . فكرت أن السوء الذي تعانى منه هذه المرأة ربما يكون الهواجس ، لأن في طريقة سيرها ، وحركة ذراعيها محاولة للتخلص من شيء مقلق . ربما لهذا السبب توجهت لصالة القمار لتنشغل عن هواجسها . وربما هوايتها للعب قد ساقتها للديون الزائدة التي إلى الآن لا تستطيع سدادها، ربما لهذا خرجت مهرولة من الصالة قبل أن تجلس فوق أي منضدة ، بعد أن بذلت جهدا من إرادتها النبيلة لكيلا تخضع للعب . عادت بعد ذلك إلى بيتها ، سيرا علي الأقدام . كانت تبدو مشغولة وقد تخطت لحظات السكينة لتدخل في حاله استثارة عصبية . هذه الأشياء ندركها نحن المخبرون من طريقة السير ، بالرغم من أنها تمر علي كل الناس ولا تلفت انتباههم . عندما دخلت مدخل عمارتها كان الليل قد حل، كانت الساعة حوالي التاسعة. احب أن اعرف إن كنتم تريدون في المستقبل أن أراقبها فقط أم أقوم بتسجيل حواراتها مثل الحوار السابق. وبالطبع التعريفة ستختلف )) أعتقد أن هذا التقرير هو أكثر التقارير التي أعجبتني ، عندي إحساس أن هذا الرجل سيكرس حياته لي لو وجدني في ظروف صعبة . كانت الصورة الفورية المرافقة للتقرير رائعة . لأن خوان ، حقيقة ، يبدو مثل ضباط الشرطة ، يحاول أن يسحب منى معلومات . لا يوجد شيء يستطيع أن يبرز هويتنا كأخوة ، ولا حتى كشخصين تربطهما أي عاطفة . يا للحياة . (11) ذهبت أمس لزيارة ابنتي ،كنت ساذجة عندما اعتقدت أنني قادرة علي البقاء بعيده عنها أثناء حملها، فمنذ أخبرني أخي وأنا أري الفكرة تنمو أمام عيني كأنها وسواس، لدرجة أنني أصبحت عاجزة عن التفكير في شئ أخر. كنت أسأل نفسي من حين لآخر : لماذا لم تخبرني هي؟ وكنت أرد علي نفسي بأنها حاله نفسية، فأنا أحيانا يملأني الحزن، وأحيانا أخري أكون عنيفة، و في بعض اللحظات أفكر في عائلتي كما لو كانت لا تخصني في شئ. لكنها تخصني بالطبع، نعم تخصني، وهذا الحدث قد يكون الحدث الأخير المرتبط بقصة حياتي، لأنني علي وشك أن أتحول إلي إنسانه أخري. لا أعرف، أشعر بطريقة ما بأن هناك ارتباك في مشاعري، هذا الارتباك يتضمن قليلا من كل شئ، قلق، خوف، كراهية، دوار. كما يتضمن فضول ونقطة من التفاؤل غير المبرر والمرتبط بمستقبلي. فمن ناحية يبدو واضحا أنني لا أنتسب إلي مجموعة العواطف المنقطعة والمتصلة التي تشكل النسيج العائلي و من ناحية أخرى اشعر أن هذا النسيج هو المكان الوحيد الذي ما زالت الحياة، حياتي، قادرة على البقاء فيه. إن كون ابنتي ستصير أما وأنني لا أشترك في هذا الحدث يضعني خارج العالم، في مكان لا نسمع فيه رنين الصرخات ولا تلين الدموع فيه شيئا من صخوره. أعتقد أنه لو تحقق تحولي سأصير أنا وابنتي مرتبطتين بخيط غير مرئي، بخيط عضوي متناسق الأجزاء، وبناء عليه ربما نبدأ في حياكة نسيج جديد وستشغل كل واحدة منا مع مرور الزمن مكانا محددا. حسنا لقد خرجت إلي الشارع لأفعل شيئا محددا، وبعد قليل وجدت نفسي أطوف حول بيتها عرفت حينئذ إنني لم أخرج إلا لرؤيتها، وعندما أصبحت قريبة من بيتها فكرت في أن أتصل بها تليفونيا لأخبرها بزيارتي، لكنني خشيت أن تحاول التهرب مني بأي عذر، وبالتالي قررت الصعود مباشرة. هي التي فتحت لي الباب، وسريعا ما لاحظت أن وجودي غير مرغوبا فيه. لم يوجد معها أحد بالبيت، فزوجها في عمله وخادمتها تركتها. لاحظت بطنها في الخفاء، لكن إلي الآن لم يكن الحمل قد ظهر عليها. كانت ابنتي جميلة، هي دائما أجمل مني، بالرغم من تركيبة أكتافها الرياضية التي تخفيها جيدا بنوع الملابس التي ترتديها. كان التلفاز مفتوحا، ولم تشأ أن تقلل من حدة صوته ليمكننا التحدث. في الحقيقة، عندما رأيتها جالسة علي هذه الأريكة أمام التلفاز، محاطة بأثاثات تمتلكها وتسبب نوعا من الحياة البعيدة عن اهتماماتي، شعرت بضربة من الضيق تنتابني. بدا لي أن كل هذه الأشياء قد رأيتها قبل ذلك في مكان آخر، ربما في نفسي، وان هذه الأشياء لا تؤدي إلي شئ ، لا تؤدي إلي شئ . شعرت أنني مرهقة لأنني علي قيد الحياة ، لأنني مجبرة علي رؤية تقدم الأجيال، مجبرة علي حضور تعاقب السنين والفصول والأيام . وفجأة أصبحت حزينة وشرعت في البكاء . حاولت مرثيدس أن تهبني السلوى ، لكنها لم تتخل كلية عن نبرة النفور. - لماذا لم تخبريني؟ سألتها في النهاية. - لا أعرف – أجابت – قليلا ما أراك ولم أجد مناسبة لأخبرك فيها. تنبهت أن في يدي الآن سلاحا قيما لألقي الذنب عليها محققة بذلك نوعا من الانتصار الأخلاقي عليها وعلي أبيها، لكنني لم أحب أن أفعل ذلك، لأنني شعرت أن في هذا المشهد الذي نمثل فيه، عنصر التكرار، عنصر النسخ، وهو عنصر يبعث الضيق مثل تقدم الأجيال وتعاقب الأيام. أمكننا أن نتحدث قليلا وتواعدنا أن نتقابل خلال أسبوع أو أسبوعيين عندما تصفى نفس كل منا . أعتقد أنني سأتصل بها خلال هذه الأيام، وسأدعوها إلي تناول الغداء في مكان محايد لأري إن كانت قادرة علي طلب مساعدتي، أو طلب نصيحة . يسعدني كثيرا أن أشعر بفائدتي في مناسبة مثل هذه. علي أن أحدد هذه الليلة إن كنت سأسافر كما أقترح علي إنريكي منذ عدة أيام أم لا.

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...