الأربعاء، أغسطس 27، 2008

كانت هذه هي العزلة

(12)
حسنا، أنا الآن في بروكسيل بصحبة إنريكي. لقد قررت أخيرا أن أسافر لأري إن كان تغيير الديكور الذي يتحكم في حياتي سيؤدي إلي تغيير إحساسي بأنني إنسانه أخرى أم لا. فكرت أيضا أن هذا الهروب قد يكون الفرصة الأخيرة التي أعطاها كل منا للآخر لننفرد بأنفسنا و لنتحدث عما حدث لنا في السنوات الأخيرة. ولكن سريعا ما اختفت أو ضعفت هذه الآمال في طريق السفر . شعرت وأنا داخل الطائرة أنني ورم ينتقل من مكان إلي أخر بدون أن يسبب لي هذا التغير أي انفعال. قضي إنريكي وقته في قراءة الجرائد والمجلات، بينما كنت أنظر أنا من نافذة الطائرة وأفكر في الورم الذي صنع بيته في رحم ابنتي والذي كان علي استعداد أن ينمو في مواجهة الحياة مع فقدان نفس الإرادة التي افتقدها أنا عندما كنت أنمو، ليس في مواجهة الموت وإنما في مواجهة إمكانية أن أتحول إلي أخرى فكرت ،فجأة، في الأورام التي كان يبدو أنها تحدد حياتي: ورم أمي والآن ورم ابنتي وأيضا ورم بطني حيث أن إحساسي بأن هناك جسدا في أمعائي يقاوم ليخرج مع فضلات الهضم، كان ينمو في الأيام الأخيرة.من ناحية أخري بدا لي أن كل الأ شياء ما هي إلا ديكورات. ذهبنا أمس إلى بروخاص ، تذكرت عنوان رواية لم أقرأها قبل ذلك "بروخاص الميتة"، لا اعرف أين سمعته، كان ذلك منذ سنوات بعيدة. لقد حفر ركناً في ذاكرتي وظل هكذا حتى تأتي فرصة كهذه ويطفو على السطح إنها مدينة ذات قنوات، مليئه بالضباب الذي يحاول أن يخبئ شيئاً وراء واجهته النظيفة. تخيلت أن كل هؤلاء الذين يتنزهون بشوارعها، وأنا منهم، كانوا قد ماتوا، لكنهم إلى الآن لم ينتبهوا لهذا الحدث. نقيم في هيلتون ، وهو ليس ببعيد عن حي للمهاجرين الذين رأيتهم هذا الصباح وأنا أركب التاكسي. جميعهم بلا استثناء، يعطوني الإحساس أنهم ميتون، بالرغم من انهم كانوا يتحركون مع جمود الحياة التي قد ودعوها. وعندما عُدنا إلى الفندق وبينما كان إنريكي يأخذ مفتاح الغرفة، رأيت امرأة تشبهني بشكل قد أفزعني، وكانت ترتدي فستاناً شبيهاً بفستان كنت ارتديه منذ سنوات، قلت ذلك لإنريكي، فقال إنها تخيلات، وأنه لا يرى أي شبه بيننا. إنه رجل فاقد الإحساس مثل الجثة. أشعر أنني مفتقدة لمخبري السري. ربما لو كان يراقبني في سفري هذا ويصفني بعد ذلك في أحد تقاريره ، لأصبحت قادرة على التخلي عن هذه النبرة الجنائزية وهذا الحزن الذي يسكن عيناي. لكنني توقعت أن تقريراً كهذا سيكون غاليا بشكل مبالغ فيه. لهذا لم آمره أن يراقبني. يريد إنريكي أن نذهب غدا إلى أنفرس ، لكنني لا أريد شيئاً غير البقاء في الفندق، ولو كان ممكنا داخل سريري. وبالمناسبة لقد بدأت ألاحظ أنه يشرب كثيراً، وأنني تعودت على أن أصطحبه في معظم الوقت. الساعة الآن الثانية عشرة والنصف . عدنا من العشاء بالخارج، إنريكي الآن داخل الحمام. يبدو أنه تخلى عن طقوسه. أشعر أنني فاقدة بعض الوعي، وأنني مصابة بالأرق، لقد شربنا زجاجتي خمر، عندما وصلت إلى الغرفة شربت كأس ويسكي. أخاف أن أضطجع على سريري بلا نوم. ماذا يحدث لي؟. الآن خرج
(13) خرج إنريكي ليتناول العشاء مع بعض الساسة الإسبان البارزين هنا، وبقيت وحدي . كان الجو ليلاً. سألني قبل أن يخرج، بلا اقتناع، إن كنت أرغب أن أصطحبه، لكنني فضلت البقاء بمفردي لبعض الوقت. قال لي قبل خروجه أنه سيحاول الحصول على بعض الحشيش. لعل الفكرة لم تقع مني موقعاً سيئا، ففي بعض الأحيان يغير الحشيش رؤيتنا للحياة وللواقع. إن أسوأ شيئا في الفترة الأخيرة هو أن الواقع الذي أريد أن أهرب منه بدا أمامي بارزاً وقوياً. انتقلنا هذا الصباح إلى مدينة أنفرس ولحسن الحظ قرر إنريكي استئجار سيارة. لقد كانت رحلة بروخاص التي قمنا بها أمس في غاية الإرهاق، لأننا انتقلنا في قطار. ضغط دمي الآن منخفض بسبب الحر والرطوبة. في منتصف الطريق، انحرف إنريكي عن الطريق العام حتى وصل إلى قرية مليئة بالأبقار. كان يبتسم بخبث كما لو كان سيفاجئني بشيء، وكان يقول "الآن سترين، الآن سترين" حسناً، وصلنا في النهاية إلى مركبة صناعية هائلة الحجم مليئة بغرف تبريد، كانت كالشقق الصغيرة. دخلت في مجموعة غرف وخرجت متجمدة من البرودة. كانت غرف التبريد مليئة بحيوانات كبيرة الحجم، أعتقد أنها أبقار، مقسمة إلى أجزاء أو مفتوحة البطن وقد خرجت أمعائها. بقية المركبة كانت تشغلها نساء مرتديات زياً أبيضاً، يجزئن بمهارة فائقة اللحم إلى قطع كبيرة ، كان اللحم يصل إليهن عبر الشريط المتحرك. كانت هناك امرأة تصطحبنا من مكان إلى آخر وكانت تتحدث مع إنريكي بالفرنسية، ومن آن لآخر كانت تبعث لي ابتسامة لأفهم من خلالها أنها تعيرني اهتماماً. بعد نصف ساعة تقريباً فقدت الوعي بسبب هبوط حاد في الضغط، وأيضاً بسبب شعوري أنني موجودة داخل كابوس ولا أستطيع أن أستيقظ منه. قبل أن أفقد وعيي بقليل، قال لي إنريكي، في ركن ما، وكان مبتسماً بكل رضا، أنه شريك في هذا العمل بنسبة 50%. - نحن شركاء في هذا العمل بنسبة 50%، ـ عدّل قوله في الحال ـ استطعت أن اشترك في هذه الصفقة بأموال طائلة عن طريق شخص وسيط. فكرة المتاجرة في اللحوم، اللحوم الميتة، بالرغم من أنها لأبقار، رسم أمامي صورة أن كل من كانوا هناك هم مجموعة من الموتى، الممزقين إلى جثث ولكن من نوع آخر، نوع أدنى من الأبقار في الرتبة، لأنهم بدلوا أجزائهم بالمال ليحصلوا في النهاية على موت وقور. أعتقد أنني من الآن فصاعداً سأرى المال البلجيكي على انه عملة قادمة عن طريق قانوني في بلد الموتى. حسناً، شعرت حينئذٍ أنني سابحة في عرقي، ونظرت إلى النسوة المرتديات الأردية البيضاء، والشالات البيضاء، والأحذية البيضاء، كُنّ يبدُنَّ ممرضات ميتات قمن بتزوير الجثث الممزقة، ووقعت مغشياً علي. من رحمة القدر أن السيارة كانت مكيفة، لأن الجو بالخارج غير صالح للتنفس. - يجب أن تذهبي إلى الطبيب – قال لي إنريكي ونحن في الطريق العمومي متوجهين إلى أنفرس. - إنه الضغط ، لكن كل أجهزتي على ما يرام. لم اسأله عن شيء متعلق بالصفقة، التي كان يحدثني عنها بكل أمل وأعرف أن إنريكي لا يعتذر عن هذه الأشياء لأنه يشعر دائماً أنني لا أقدر ما يفعل. وأنا بالفعل لا أقدر ما يفعل، ولا يثير اهتمامي، بالرغم من أنه بفضل ما يفعل نحيا حياة رغده. إن السبب الرئيسي في حبه لمرثيدس كل هذا الحب هو أنها معجبة به، ودائما تقول له أن ما يفعله شيئاً رائعا. في أنفرس كنا ننتقل من هنا إلى هناك، دون أن أرى شيئاً أمام عيناي، كما حدث بالأمس في بروخاص، حيث بدا لي أننا كنا نتحرك طوال الوقت داخل ديكور واحد. أتذكر جيدا الكاتدرائية التي دخلناها، لأنني شعرت بانتعاش وظللت ولمدة طويلة جالسة فوق مقعد. نظرت منذ قليل من النافذة لأتأمل الشارع ورأيت رجلاً غير مهندم يسير في اتجاه حي المهاجرين الذي مررنا به أمس . حاولت أن أتخيله وهو يدخل بيته، ممثلا منظراً عائلياً. بأي لغة سيتحدث؛ بالتركية، بالقشتالية أم بالفرنسية؟ هل له بالفعل بيت وهوية؟، أفكر أحياناً أن هوية الإنسان شيء غير ثابت، يمكن أن يسقط منه كما يسقط الشعر عندما نغتسل ويختفي في البالوعة ليسير في اتجاه لا نعرفه. لهذا، على سبيل المثال، لم أتجرأ على الخروج بمفردي من الفندق، مخافة ألا أجد عند عودتي غرفة باسمي، وألا يتذكرون أنني أقيم هنا. قد أكون في انتظار أن يعود زوجي، لكنه لن يعود ، لأنه في الحقيقة لا يوجد شئ اسمه زوجي ولا أحداً اعرفه يسمى إنريكي. حينئذً، ربما، اتصلت بمدريد، بابنتي، لكن أيضا قد لا يوجد شيء اسمه ابنتي ولا تشكل واحدة من علاقاتي ، لهذا ملأني الخوف أن أخرج، فربما لا يعرفونني عند عودتي، وأبقى بلا هوية.حسناً، ناقشت إنريكي أثناء الغداء في موضوع حمل مرثيدس، وعاتبته على انه لم يقل لي. - أعتقد انه ليس من مسئوليتي أن أخبرك بهذا – أجاب. - ليست من مسئوليتك؟ مسئولية من إذن؟ - ابنتك، مرثيدس هي التي يجب عليها أن تعرفك، وإذا لم تفعل ذلك، فأنتِ وهي تعرفين لماذا. - فجأة – قلت – أصبح كل شيء منظم، واصبح كل واحد يعرف دوره في الرواية، ويعرف ما يجب أن يقول، ومتى يقوله، وأنا يا إنريكي أصبحت خارج القسمة. - كل منا في المكان الذي وضع نفسه فيه يا "إلينا". لاحظت في إجابته لهجة استفزازية، ربما لأنه استاء من عدم اهتمامي بمتاجرته في اللحوم، وربما لأنه كان يطمح أن يستغل الفرصة ليكون هذا أخر حوار بيننا. قررت ألا أعطيه هذه الفرصة، وبدَّلت الموضوع بموضوعات أخرى، وأظهرت له أن حمل مرثيدس لا يهمني في شيء. بقيت في الحمام لحظات، محاولة أن أطرد من أمعائي هذا النزيل الثقيل، وتذكرت ما قالته أمي في مذكراتها فيما يتعلق بغرف حمامات الفنادق. كانت محقة. إنه مكان رائع لعقد اتفاقية مع الجنون الخاص. له شكل متوتر ولامع، لكنه ضعيف، مثل توازن أمي العصبي، مثل توازني أنا العصبي. وبالمناسبة لقد أحضرت معي آخر كراسة من مذكرات أمي، بهدف أن أقرأ هنا نتيجتها النهائية. لكنني منذ أسبوع لم أقرأ شيئاً، واعتقد، ولا أعرف لماذا، أن أفضل مكان لإتمام هذه القراءة سيكون في بلد أجنبي. وبالتالي، بعد أن قلت هذه العبارة، بدأت أقرأ: (لقد اجتاحني المرض، فأنا ألازم الفراش منذ أيام كثيرة، وغداً سيحملونني إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية. لكنني على يقين أنني لن أعود إلى البيت مرة أخرى، لأن قرينتي قد زارتني اليوم. وعندما يحدث شيء غريب، عندما يتحطم توازن ضروري بهذه الصورة، فهذا يعني أننا سنموت. جاءتني "إلينا" قرينتي، وجلست على حافة السرير، وسألتني عن حالي. هي كانت تشعر أنها بخير، ولم تمكث وقتاً طويلاً. قلت لها أنني سعيدة بمعرفتها بعد كل هذه السنوات الطوال، وعاتبتها على شربها للكونياك بإفراط، لأن هذا يرهقني. أحب أن أقول شيئاً آخر، لكن ليست لدي رغبة، بالرغم من أنني يجب أن أضيف أنني اعتني وأحترم هذا الورم الذي اكتشفته في الفندق في دولة أجنبية منذ سنوات مضت. على أن أقول أن هذا الورم يتجاوب مع اهتمامي بنفسي، وتصرفي كمنظمة لسلوكياتي، فعندما أتصرف بشكل سيئ، أو عندما لا أهتم بالبيت ينمو أسرع من العادة. في الفترات التي أجد نفسي على ما يرام، متفقة مع ذاتي، يتوقف عن النمو. وهناك فترات أنسى فيها هذا الورم إطلاقاً. لهذا، ربما كنت أشعر أنني مسرورة عندما أنسى مشغولياتي. أخيراً، أشير إلى أنني بلغت الثامنة والستين من عمري، بالرغم من أني غير متأكدة من أنني كنت دائما ذاتي خلال حياتي الطويلة).
(14) بالأمس وصل إنريكي متأخراً، وكان شبه سكران. وجدني محبوسة داخل الحمام، كنت فريسة لنوبة من ضيق الصدر ناتجة عن قراءة الفقرة الأخيرة من مذكرات أمي. أحضر معه الحشيش، دخنَّا سويا، حاولت أن أقوي تأثير الحشيش بتناول كاس ويسكي. سألني إن كان قد حدث لي مكروهاً ؟ . أجبته أنني لا أشعر أنني بخير. لا يؤلمني شيء – أجبته – فالموضوع بكل بساطة أنك تتحدث مع امرأة تحيا في جحيم، وأنت إلى الآن لم تنتبه لذلك. - كلنا نحيا في جحيم يا إلينا، كلنا بلا استثناء، لكننا لا نعطي الفاتورة لأحد ليدفع لنا الثمن. هل تعرفين لماذا ؟ لأن كل منا يختار جحيمه الخاص، هذا الجحيم الذي يجد فيه الراحة أكثر من غيره. أعرف أنك تحتقرين حبي للمال، وأنك بعيدة كل البعد عن تجارتي، أقصد تجارتنا، لأنك أيضاً شريكتي فيها، لكن بفضل هذه التجارة أستطيع أن أنفق على نفسي وأن أختار الجحيم الذي أريده، لا أن أسير هنا وهناك لأشتكي للجميع مصائبي. إن ما يحدث لك هو أنك مازلتي تجهلين في أي جحيم ترغبين أن تعيشي. تحققي جيداً، أعطي لنفسك الوقت الكافي وعندما تعرفين، أخبريني. أعتقد أنني يمكنني أن أدفع لك ما تريدين لتحققي ذلك مهما كان غالياً، وفي أثناء ذلك، علينا أن نحقق لأنفسنا حياة هادئة، من فضلك. - هناك أشياء ليس لها علاقة بالمال – أجبته – لقد عايشنا هذه الأشياء في سنوات ماضية. - انظري يا إلينا، في هذه الفترة كنا متحمسين، لكن كان ينقصنا الأفكار، والآن لدي الأفكار، فأنا ملئ بالأفكار التي تتغذى بالمال والأشياء المتعلقة بالمال. ولن أتنازل عن هذه الأشياء لأنها سبب وجودي. كوني منتبهة، لأن الأفكار عندما تموت تحل محلها الخيالات ونحن نعرف جيدا أن الخيالات تمتد وتتسع. لم أرغب أن استمر في الحديث لأنني أدركت أن لكلٍ منا منطق يختلف عن الآخر، وأنا أحسده على هذا المنطق لأنه صلب مثل الحجارة. عندما فقدنا بعض الوعي، دخلنا إلى السرير ، مارسنا الحب بعاطفة غير مفهومة لكنني أدركت في لحظة ما أن هذه العاطفة ناتجة عن معرفتنا أنها المرة الأخيرة التي سنمارس فيها الحب. كما أدركت أيضا أنني ربما لا أعود إلى البيت، ليس لأنني سأموت كما حدث لأمي، عندما زارتها قرينتها، وإنما لأنني أتعجل عملية تحولي إلى إنسانه أخرى لأجد في النهاية جحيمي الخاص وأشعرت بالراحة. خرج إنريكي، وأنا أعددت حقيبة سفري لأعود إلى مدريد، لكن بدونه. (15) في استطاعة حل المشاكل ذات الطابع العملي أن تبرر كل الحياة، حتى الأشياء المكروهة. أنا الآن أقيم في فندق لفترة مؤقتة منذ عودتي من بروكسيل، وفي الوقت نفسه بحثت عن شقة صغيرة، وأخيراً وجدت واحدة تناسبني وسأنتقل إليها خلال الأيام القريبة القادمة. لقد تركت لإنريكي ورقة مكتوباً بها سبب هجري له، لكنه حتى هذه اللحظة لم يحاول البحث عني. لا أعرف إن كان هذا الموقف يريحني أم لا. على أي حال، فإن هذه الأيام التي أكرسها لحل مشاكلي العملية المتعلقة بحياتي القادمة جعلتني أتأمل كثيراً في ميولي البرجوازية ، و وجدت نفسي مجبرة على الاعتراف أن إنريكي كان محقاً في بعض الأشياء . لن أعيش في أي مكان و لن أتنازل عن وسائل ترفيهي القليلة التي تعودت عليها ، لكنني في الوقت نفسه غير مستعدة لأن يكون الثمن لاستمتاعي بهذه الوسائل هو فقداني لكينونتي و لاهتماماتي . و بالتالي ، عقدت اتفاقية بين دفعاتي البرجوازية و بين جنوني ، فأنزلت جنوني و رفعت هذه الدفعات لأحقق بذلك نقطة التوازن الضرورية في الجزء الأول من حياتي الجديدة . أول ما فعلت عند وصولي إلى مدريد هو اتصالي بمخبري السري ليكتب لي تقريراً يومياً عن نشاطاتي . أصبحت لا أستطيع أن استغني عن هذه التقارير ، حتى و لو كانت مبتذلة ، لأنها شاهد على وجودي ، و أيضا لان الشعور أن شخصاً ما يراني ، يهبني القوة لأتحرك من جانب إلى آخر في مهمة قاسية لبناء حياتي الخاصة. لن ننتهي ابدا من بناء أنفسنا . اشعر هذه الأيام أنني أواجه نفسي مثل متسلق الجبال الذي يواجه صخرة عليه أن يمحو منها كل ما ليس له أهمية . لقد أقلعت عن الحشيش بشكل نهائي ، بالرغم من انه من الحق أن أقول أن الحشيش هو الذي اقلع عني ذلك لان إرادتي لم تتدخل في عملية الإقلاع . بكل بساطة لقد ابتعد عني تذوق نكهة التدخين ، و بفضل هذا فقدت الدوار الذي كنت اشعر به عند الاستيقاظ في الصباح ، كما أن جفاف حلقي قد اختفى . الحقيقة أنني لا ارغب في الإقلاع عن الحشيش نهائياً ، لأنه يهبني أشياء كثيرة ، لكنني احب أن اعقد معه في المستقبل علاقة مختلفة ،اقل قهراً . سأحاول أن أدخن لأشعر أنني على ما يرام وليس العكس ، و سنرى . الجو هذه الأيام مرتفع الحرارة . والناس تسير كما لو كانت سعيدة باقتراب الإجازة. أنا اسعد منهم لأنني لن اخذ أجازه هذا العام ، و آمل فقط أن يترك الناس مدريد لأعيش بمفردي و لأقتحم المستقبل . والمستقبل هو نوع من الورم الذي بدأ في النمو في جزء ما في جسدي ،و سأغذيه كما لو كان ابني. أشعر بالشفقة على نفسي لأنني مازلت حيه . بدأ الفندق يهبني الخوف. أخرج قليلا، مخافة ألا يعرفونني عند عودتي ، و ألا توجد غرفة باسمي ، أو يتحدثون بلغة لا أفهمها . من رحمة القدر أن الشقة التي استأجرتها أوشكوا علي الانتهاء من ترتيبها ، وسيمكنني الانتقال إليها قريباً لأعيش فيها. (16) أجد رائحة فمي كريهة هذه الأيام ، كما أنني لا أتذوق الطعام. علي أي حال ، فإن حالتي قد تحسنت . صعدت بالأمس لأسبح في حمام السباحة التابع للفندق ، لاحظت أن عضلات جسدي تتجاوب مع تحركات المياه ، وكان هذا بمثابة استعادة بعد قديم من أبعاد جسدي التي قد نسيتها . وعندما عدت ألي غرفتي كنت مرهقة الجسد ، وهو الشيء الذي بعث السرور في نفسي ، فمنذ سنوات وأنا لا أعرف هذا النوع من الإرهاق . ربما علي أن أقلل من الشرب ، لكنني أقضي ساعات طويلة داخل هذه الغرفة ، وأحيانا احتاج إلى أن اسكر بعض الشيء . ألاحظ أن شكلي لم يتغير ، ربما أصبحت أكثر نحافة ، لأن الحشيش يجعلني آكل بطريقة غير منتظمة ، لكنني عامة ما زلت أحتفظ بنفس الخصر الذي كنت عليه منذ خمسة عشر عاما ، وقد كنت سعيدة الحظ في ذلك ، فأنا اعرف أن نساءً أخريات أقل منى في التدخين ، لكن معدتهن أكثر اتساعاّ . وهذا بالتحديد ما أشار إليه المخبر السري في تقريره عني في اليوم السابق :- ((….. لقد تحسنت إلينا رينكون قليلاً منذ هجرت منزلها العائلي وربما – يرجع هذا إلي أنها شعرت بالهدوء و اعتنت بنفسها . الشيء المدهش هو أنها اقتربت من الرابعة والأربعين وإلي الآن تحتفظ بقوامها )) دائماً يتضمن تقريره عبارات من هذا النوع ، مرتبطة بمظهري الفسيولوجى . كان يقول عن وجهي منذ قليل أن به تجاعيد متناسقة كما لو كانت موزعه لتعبر عن ذكاء فني . بدأت أعتني بنفسي أكثر من ذي قبل ، منذ أن أقلعت عن الحشيش ، وربما أيضا لأن حالات الغيبوبة أصبحت لا تصيبني إلا نادراً . كل ما أفعله الآن هو عبارة عن مشروع بعيد ، أشياء بديهية طبقاً لها سأكون في طريق اكتشافي لوسيلة مختلفة لأعقد علاقة مع جسدي الخاص ومع كل أجزاءه . لقد رأيت في مذكرات آمي أنها كانت فقط قادرة علي التحدث مع أحشاءها ، لكنني أحب أكثر أن أتحدث مع جلدي ومع عضلاتي المرسومة تحته. توجد حديقة أمام الفندق ، ومن غرفتي أري فتاتين تجريان في صباح أيام معينه . هن أكثر شباباً منى بالطبع ، لكنني أجد فيهن جزءا من نفسي ، ربما خامداً وربما ميتاً منذ سنوات طوال مضت. أعتقد أنني تحسنت بدنياً. وأنني أستطيع أن أطرد هذا الجسد الغريب المقيم في أمعائي . إن مجرد تخيل هذا ، ينتابني الدوار لأنني لو وجدت نفسي هكذا علي ما يرام ، فلن يكون لدي أي عذر لأتجنب مواجهة نفسي ، مواجهة رغباتي . إن وضع العاطفة في الجسد ، في أمراضه ووعكاته ، له مميزات كثيرة ، لكن في الوقت نفسه ينتج كميات هائلة من المعاناة. طلبت من أخي أن يحضر لي من الشقة أريكة أمي وساعتها، بالإضافة لأدوات الزينة الشخصية . أفضل أن يحضر هو كل هذا لأنني لا أحب أن أتحدث مع إنريكي ولا أن أدخل البيت في الوقت الحالي. لم أتصل بابنتي إلي الآن . أعتقد أنني سأؤخر هذا اللقاء لأنني لا أشعر بالقوة التي تساعدني علي مواجهتها مرة أخري ، ربما أقابلها في هذا المكان الذي سيصير بيتي الجديد .
(17) اليوم أحضر لي ساعي البريد رسالة من إنريكي . اعتقد أنها عبارة عن نص مشتت الأفكار ، حزين ، كما لو كان غير قادر على الدخول فى تفاصيل ، وكان يقول ما يلي :- (( عزيزتي إلينا : فضلت أن اكتب لك رسالة على أن تصل بك هاتفيا ، حتى لا تفسري موقفي هذا على أنه رغبة في التدخل في قراراتك ، بالرغم من أن هذه القرارات تخصني أنا أيضا مباشرة . أعرف أنك مقيمة في هذا الفندق عن طريق أخيك ، وعن طريقة أيضا اعرف انك بخير . أظن أن ما تفعلينه ليس له أي علاقة بي ، بنا، أيا كانت الأسباب ،فأنت التي قررت أن تديرين دفة حياتك ، أو تمزقيها . ولقد فعلتي ذلك بدون أن تستندي إلى أحد . أنا لا ألومك . بالنسبة لي – إن كنت أمثل لكِ أي أهمية – أريد أن أؤكد لك، بعيدا عن رأيي في موقفك هذا ، أنني مستعد أن أساعدك بكل ما هو ممكن . ومع ذلك، فأنا أحب أن أعرفك أنني غير مستعد للمعانة ،وأنني لن أعود أبدا لأمنحك الفرصة لتفعلي معي ما فعلتيه في رحلة بروكسيل ،وكنت مجبرا أن أحتملك. أرجوك ، لأنك قررتي تختفي بهذه الطريقة ،ألا تتصلين بي أبدا ،إلا إذا كان لديك خبرا سعيدا .أنا من حقي أن تحترمين شكل حياتي الذي اخترته لنفسي ، شكل حياتي الذي لا يسع التراجيديا ولا آلام الأمعاء ولا صداع الرأس ، والأكثر من ذلك أنه لا يسع الأسئلة العظيمة المتعلقة بالوجود ،أو القلق من عدم معرفتنا إلي أين نذهب ومن أين جئنا.أنا لا أفهم شيئا بخصوص هذه القضايا التي لم تعد تهمني منذ زمن طويل، من قبل أن أتخطي حاجز النضج بكثير.لا تفهمي من ذلك أنني لا أحبك، بالرغم من أني أستطيع الاستغناء عنك كلية. كما أستغني عن أشياء أخرى، أشياء نحبها بنفس التلقائية ونفقد معها شعر رأسنا ونكتسب تجاعيد وجهنا الأولى.بالنسبة لمرثيدس ،ابنتنا،لقد حكيت لها عن انفصالنا، بدون أن أدخل في تفاصيل ، و هي لم تعلق . ربما عليك أن تتحدثي معها .أعترف لك أنه قد أسعدتني فكرة أن أكون جداً، أن أكون جداً شاباً، إن الإنسان منا عليه أن يضع عواطفه في مكان ما ،وأنا قد وضعت جزءا من عواطفي في هذا الطفل الذي سيدخل في حياتنا بعد عدة أشهر .في المستقبل ،بعد أن تستقرين وتصيرين أكثر هدوءا، نستطيع أن نتناقش، لو أردتي، في المشاكل المتعلقة بهذا الانفصال الذي لم أكن سببه ولم أطلبه .)) لم أستوعب الجملة الأخيرة،جملة الوداع ، لأنها رنت في أذني،مثل جمل الرسائل التجارية الرسمية .كانت رسالة إنريكي باردة للغاية بالرغم من أن موقفي لا يستحق شيئا أخر.في لحظة ما جاءني وسواس لأرد عليها ، لكنني إتخذت قرارا ألا أتكلم إطلاقا مع من لا يفهمني ، لأنه ليس مفيد.
(18) ربما كانت علاقتي بالحشيش هي البديل لعلاقتي بأمي. لقد أشرت في مكان سابق أنها وهبتني كل ما هو جميل وكل ما هو قبيح في الوقت نفسه ،وبدون أي فواصل . كأنها تعرض لي شيئين لأختار منهما ما يناسبني. لقد حدث لي شيئا مشابه بذلك مع الحشيش ،فمن خلاله أدركت الواقع بشكل مختلف ،وساعدني علي الهروب من السجن الذي تقع فيه النساء عادة، وكان موجها إلي بشكل خاص . لقد ساعدني الحشيش أن أري الفخ ،كما قال إنريكي ،الذي تختبئ تحته الأشياء ، لكنه وهبني أيضا نوع من الخلل اللانهائي الذي يؤدي إلي طريق تدمير الذات ،وهو شئ لا يمكن إدراكه بمفهومي الجديد للحياة. أقول هذه الجملة الأخيرة بنوبة خوف ،لأنني أعلم أن توازني غير مستقر ، وأن بداخله أشياء لا أسيطر عليها جيدا، هذه الأشياء التي ما زالت توسوس لي لأعود إلي موقفي السابق. اليوم يوم الأحد ، وكل الأشياء والأشخاص أعلنوا مجيء يوم العيد . دائما كان يخيفني نهار أيام الآحاد ، لأنه يبدو لي فترة فاصلة في حياتي الخاصة. نوع من إيقاف الأشياء الرتيبة التي اعتدنا أن نفعلها . ليس لدي الآن أشياء رتيبة . لقد فقدت كل علاقاتي ، ويبدو لي الآن أن نهار يوم الأحد وقت جيد للراحة. سأتناول غدائي في الفندق ،وربما أتجول بعد ذلك لأعطي لمخبري فرصة للعمل .كثيرا ما يشرد خيالي معه ، مع صورته، وأعترف أن الإعجاب الذي يضمره لي والذي يستشف بحياء في تقاريره، يمنحني نصيبا من الدوار، يذكرني بالدوار الذي كنت أشعر به في شبابي. سأشاهد التلفاز بعد ذلك ، وأحاول ألا أشرب أكثر من كأسين ويسكي. اعتقد أن الشقة ستكون جاهزة خلال الأسبوع القادم لقد انتهوا من الدهان ومن عمل الأشياء التي طلبتها منهم في المطبخ والحمام .سأخرج غدا لشراء الستائر.
(19)
أخيرا خرجت بالأمس لشراء الأشياء المتبقية لتجهيز الشقة.كانت الحرارة مرتفعة ، لذا ارتديت فانلة وجيبه واسعة وخفيفة ، كنت قد اشتريتها هذه الأيام . كانت ملابسي في مجموعها ملابس فتاه مراهقة ، لكنها كانت تلائمني وتجعلني أكثر رقة. ربما علي أن أصلح شعري ، أو أبدل تسريحتي .منذ عشرون أو خمس وعشرون عاما وأنا أحمل هذه الضفيرة، سيكلفني كثيرا أن أحيا بدونها ، لكنني أعتقد أنني لو قمت بقصها سأكون أكثر شبابا. ذهبت إلي المنطقة التجارية بوسط البلد ، شاهدت المحلات ، اشتريت الكماليات الصغيرة التي تجعلني أشعر أنني محمية داخل شقتي. تناولت غذائي في إحدى الكافيتريات، وبينما كنت أتناول قهوتي بدأت أسمع أغنية لفريق بيتلز ، كنت قد سمعتها منذ عدة أشهر في إحدى الحانات عند ما كنت آكل هناك . كان الموقف متشابه ، لكنني كنت مختلفة. فأنا الآن امرأة قد أمسكت بزمام حياتها بالرغم من أني لا أعرف كيف أتحكم فيه بشكل جيد،بينما في الماضي كنت امرأة تتوقف حركاتها علي دفعات خارجة عن إرادتها كما لو كنت إنسانا آليا ، أو أله تتنفس وتقودها أيدي خفية لا يمكن رؤيتها. عندما خرجت مرة أخرى للشارع ، حاولوا سرقتي بقوة السلاح. كنت متجهة لشارع سيرانو ،فجأة خرج شاب في العشرين من عمره مدخل عمارة مظلم ، وضع المطواة في أعلي بطني ، وعندما كنت علي وشك أن أسلم له حقيبة يدي ظهر رجل بدين ، كأنه قادم من السماء ، وقف بين اللص وبيني . أتذكر أني جريت مهرولة، وكنت حزينة لأنني لم أستطع أن أدقق النظر في ملامح منقذي ، لأنه لم يكن إلا مخبري السري . بعثت هذا الصباح غلام الخدمة في الفندق ليحضر لي التقرير ، وكان يقول ما يلي: " خرجت إلينا رينكون في الساعة الحادية عشر صباحا من الفندق الذي تقيم فيه لفترة مؤقتة ، سارت علي مهلها حتى المنطقة التجارية بوسط البلد وهناك قامت بشراء عدة أشياء من بعض المحلات . كانت ترتدي ملابس خفيفة ومتواضعة: فانلة وجيبه ، وهي بلا شك ملابس لنساء أصغر منها كثيرا في السن ومع ذلك ، كانت الجيبة ، الجيبة علي وجه الخصوص ، لائقة جدا علي جسدها. نوعية الأشياء التي اشترتها تبرز نيتها في الانتقال في أقرب وقت ممكن إلى شقتها التي استأجرتها في شارع ماريا مولينير في سلسة بلاثا دى كتالونيا الجبلية 0 وهى قريبة نسبيا من بيت الزوجية . أحيانا ترك المدينة يسبب الحزن اكثر من ترك الزوج . تناولت غدائها ببطء ، كأنها في غيبوبة ، فى إحدى الكافيتريات بشارع بلاثكيث ،وعندما خرجت من هناك كانت على وشك أن يسرقها شاب كان يبحث عن مال ليتعاطى نوعا من المخدرات . وقفت بينها وبين الشاب ، خرجت هي مهرولة ، واستقبلت أنا ضربة فى أعلى الحجاب الحاجز قبل أن استعد للمناوشة ، فأعطيته لكمة هوت به على الأرض وظل يتدحرج .لم يزد وزنة اكثر من خمسين كيلو جرام، لهذا شعرت بالندم لأنني قد ضربته بعنف . نهاية الأمر أنني فقدت إلينا رينكون من أمام نظري ، وبالتالي ذهبت إلى إحدى دور الإسعاف ليعالجون لي جرحى . في اغلب الظن ، أن إلينا لم تتمكن من رؤية وجهي لأنني وقفت أمامها بظهري ، ولم يكن هناك وقتا لنتناول النظر قبل أن تشرع فى الهروب .أغلق التقرير عند هذه النقطة لأنه لا يوجد شئ ملموس لأضيفه ، كما أنني لست في حالة جيدة ، فلأساعد نفسي ليندمل جرحى." بعد أن قرأت التقرير ، اتصلت هاتفيا بالوكالة لأسمع صوته وسار الحوار بشكل لم أكن أنتظره ، لكنه أعجبني كثيرا . - إن مهمتك – قلت له بصوت حاد بعد أن عرفته بنفسي - لا تكمن في حماية إلينا رينكون، و إنما في مراقبتها حيث ذهبت وإخبارنا بعد ذلك بكل تحركاتها . - معذرة يا سيدتي – أجابني بنبرة محترمة – أنا اعرف ما هي مهمتي عندما أرى شخصا يعتدي على آخر ، وربما لو عاد نفس الحدث مرة أخرى لفعلت ما فعلته ، حتى لو كانت العواقب اوخم مما حدث لي. - التقرير قصير جدا كما لو كنت تحاول أن تخفي عنا بعض تحركات السيدة المراقبة . لقد بدأنا نشعر أنك معجب بهذه المرأة بشكل زائد عن الحد ، وربما نستغني عن خدماتك . - أحقا ما تقولين؟ – أجاب الصوت – اسمحي لي أن أعتذر عن هذه المهمة البغيضة . لا يجب أن اقبل أبدا مراقبه من هذا النوع . - لماذا تقول هذا ؟ – سألت بنبرة فاتنة مخافة أن يضع السماعة . - أولا ، يا سيدتي ، لأنه لا يجب أن أعمل مع عميل مجهول ، ثانيا ، لأنني يجب ن أعرف الغاية الموجه إليها هذا البحث،ثالثا ، لأننا في هذه الحالة نعتدي على امرأة مجردة من الأسلحة ، ونلصق بها ميل مرضي بهذه اللعبة ، وهو ميل يبتعد عنها . فإذا كانت المشكلة هي أنها مدانة لكم فى نادى القمار ، عليكم أن تأخذوا أموالكم من زوجها ، فهو رجل ثرى . اتركوا إلينا رينكون فى سلام ، فيكفيها ما عانت وما احتملت من زوجها إنريكي . - انك تعشقها – قلت – وهذا لا يسمح لك أن تكون موضوعيا . عليك ألا تنخدع . - لقد طلبتم مني ألا أكون موضوعيا ، من ناحية أخرى فإن هذه المحادثة غير مجدية . بلغي استقالتي لرئيسك ، واخبريه أنني سأستمر في مراقبة إلينا رينكون ، لكن هذه المرة من اجل حمايتها منكم . لا اعرف لماذا تخفون أنفسكم ، دائما الأشياء السرية ما هي إلا أشياء غير مشروعة . المسوا شعر هذه المرأة ، وستجدون أنفسكم في مواجهتي أنا شخصيا. قال هذا ووضع السماعة ،وتركني في حالة ذهول لم اخرج منها إلى الآن . هل سأدخل في قصة حب ؟، لا اعرف ، لكن الشيء المؤكد هو أن المخبر اصبح يقوم بدوره كعلاقة لا يمكن الاستغناء عنها فى الوقت الحالي . فجأة ، قفزت إلى ذهني فكرة ، فربما تحرى هذا الرجل عنى وعرف من أنا و بالتالي فان موقفه هذا يهدف جذبي إليه. بعد غد سأنتقل إلى مسكني الجديد. (20) قصرت شعري و هو الآن قصيرا جدا كفتاة شابة رايتها فى إحدى المجلات . ابلله كل يوم عندما اغتسل ، وسريعا ما يجف . فكرت انه كان يجب أن افعل ذلك قبل أن انتقل لبيتي الجديد ليتكامل تحولي . أنا الآن إنسانه أخرى . هذه هي أول ليلة أنام فيها فى بيتي الجديد. حلمت كثيرا، لكنها كانت أحلام غريبة، من الصعب أن أصفها، لأنها مفتقدة للترابط الذي تستوجبه الأشياء التي نحكيها. عندما كنت أدخن الحشيش، كنت لا احلم، كما لو كان المخدر يحل محل الأحلام أو الكوابيس بمعنى أدق. أنتظر عدة أيام، بعدها سأعود لتدخين الحشيش، لكن بطريقة أخرى، عندما سأحتاج إلى نكهته. أتحرك داخل الشقة كما لو كنت مسجونة بداخلها منذ سنوات. أشعر بحوائطها، بغرفة حمامها، بأثاثها، كما لو كانوا امتداداً لذاتي لا كأعدائي. أنا بخير، أشعر بصحتي النفسية، وبرغبتي العارمة في معرفة كيف ستكون حياتي في السنوات القادمة؟ كنت سأصير امرأة عجوز؟ وبماذا سأسمي ما يخصني؟ اتصلت هاتفيا بابنتي بهدف أن أدعوها على تناول الغداء معي لكنها اعتذرت، قالت أنها ستسافر غدا لقضاء الإجازة وأنها تجهز كل شيء. كانت لا تريد رؤيتي، وأنا شعرت أنني معفية من هذا اللقاء، لأنني ليس لدي شيء لأقوله لها. في خلال الأشهر القادمة سينمو كل من ورمي وورمها بشكل متوازٍ. لكن ورمي، الذي سأُلد من خلاله، ينمو في تجاه الرغبة في حياة جديدة ، مختلفة ، بينما ورمها ينمو في تجاه التكرار الميكانيكي الذي رأته يحدث أمامها مع أخريات. لم تنتبه مرثيدس إلى الآن إلى أنها امرأة، وأن هذا الوضع يفرض عليها أمرا يجب مواجهته عاجلا أو آجلا . فإذا أردنا أن نحيا علينا أن نستمر في العناء . لقد وضعت أريكة أمي بجانب نافذة الشرفة الصغيرة التي تطل على شارع ماريا مولينير، وهو شارع ضيق لكنه هادئ أنا الآن جالسة فوق الأريكة، وأكتب هذه السطور التي ربما تكون السطور الأخيرة في حياتي السابقة التي ختمتها في بروكسيل، في اليوم التالي لمقابلتي لقرينتي. إن تك تاك ساعة الحائط شيء لطيف، مثل دوار الفراغ الذي أفتتح به مستقبلي. ما زالت الحياة أمامنا، علينا ألا نتعجل. في هذه اللحظات أشعر أن الأشياء الغريبة التي كانت تتحرك في أمعائي قد اختفت، ألاحظ غيابها كما ألاحظ غياب ضفيرتي كلما انحنيت برأسي للأمام. أجد أمامي رجلين واقفين في الشارع، أمام شرفتي، يشكلان جزءاً من هذا المجتمع، من هذه الآلة التي يمثلها جيدا زوجي إنريكي. إنهما يعيشان داخل كابوس ويشعران أنهما صانعيه. وعندما يستيقظان من هذا الحلم سأقودهما إلى حياة لها فائدة. فجأة تجمعت الشمس أمام عيني بشكل حجب عني الرؤية ،من نافذة الشرفة يدخل ضوء خاطف للبصر، أبيض مثل غرف حمام الفندق، وفي وسط هذا الضوء، سريعا ما سيتجسد شكل مظلم وجميل مثل شكل الشيطان لكنه رقيق وحلو مثل الأشياء الإلهيه. انتهت

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...