السبت، أغسطس 16، 2008

كانت هذه هي العزلة ـ خوان مياس

أولا : أنا باعتذر عن غيابي لظروف العمل ثانيا : أنا باعتذر لكل من أرسل لي تعليقا لم أستطع نشره رغم أنه أثلج صدري ، لكن لعدم انتباهي رفضت جميع التعليقات بلا قصد .
(5) خلال أيام الربيع التالية، بلغت "إلينا" درجة عالية من التعمق في التأمل أثر نشاطها. كان من المعتاد أن تسود الغيوم وقت الظهيرة وأن تمطر السماء بغزارة لكن بلا استمرار، وأثناء الصباح كانت الشمس تملأ جميع الأركان. كانت "إلينا" تشعر أنها في أحسن حالاتها، بالرغم من أنها كانت تعلم أنه توازن غير مستقر. ضعُفت الأعراض التي كانت تظهر عليها، بدون أن تختفي، وضغط هذه القوى غير المعروفة على أمعاءها كان يتحرك تحت تأثير الحشيش. كان هناك، بشكل عام، تشويش وهمي يتجول في جسدها، كما لو كان مرضا يبحث عن مكان ليجلس فيه ويستقر. ذهبت إلى الطبيب عدة مرات، ولكنها كانت تذهب بلا يقين، ولم تقم بالتحاليل التي أوصوها بعملها. أحياناً كانت تتذكر ما حدث لها في دار الحضانة، و تعتقد أنها في هذه اللحظات قد وصلت إلى شيء بلا رجعة، لكن معرفتها بمقدرتها على التوقف عند الحد المناسب كان يهبها الثقة التي كانت تبدو لها أحياناً ذات مبرر وأحياناً أخرى لا مبرر لها. قررت أن تستغني عن الخادمة، لأنها تقضي وقتاً طويلاً بالبيت، كما أنها تشعر أنها شاهد غير مريح وأن وجودها في البيت يضايقها، ويخيل إليها أن الخادمة عندما تتحرك في البيت تشبه المرض عندما يتحرك في الجسد. هي لم تسبب "لإلينا" أي أذى، لكنها تشعرها أنها تتوغل في كل عضو من أعضاءها، في كل غرفة من الغرف التي تدخلها، كما لو كانت آلاماً تختبئ لفترة محدودة تحت تأثير الدواء، لكن وجودها – بالرغم من كونه مختبئ – له مقدرة على الانتشار. لقد ساءت أحوال البيت بعد طرد الخادمة بشكل ملحوظ، لكن "إنريكي" لم يقل شيئاً، بالرغم من أنه بدأ ينظر بتوجس إلى القمصان التي تكويها له زوجته بعجله. بعد أيام قليلة من التقرير الأول، اتصلت "إلينا" اتصالاً هاتفياً بالوكالة السرية. نفس الشخص رفع السماعة، وعقدت معه حواراً محفزاً:- - لقد بدا لنا تقريركم جيداً ، بالرغم من أنه وصفي بشكل مفرط - قالت "إلينا". - ماذا تريدين أن تقولي ؟ - سأل الصوت. - كان يتكلم كثيراً عن تحركات الهدف، لكنه لم يتدخل لتقييم تصرفاته. فمثلاً، عندما يقول التقرير أن الهدف كان يقرأ كتاباً، كنا نريد أن نعرف أي كتاب يقرأ. نحن نهتم بالأشياء المتعلقة بالشخصية، وليس فقط بالتحركات. لقد أصاب التقرير عندما تجرأ وقال أن الخلاف بين الزناة كان خلافاً عاطفياً، أتفهمني؟ - في الأساس، إن عملنا لا يتضمن إصدار أحكام، ومع ذلك فلو واصلنا في مهمتنا سأتحدث مع المتحري السري اكثر وضوحاً – أجابها الصوت بعدم ثقة. - لا نريده اكثر وضوحاً، كل ما نريده هو أن يكون أكثر جراءة، وحتى ولو تضمن تناقضاً مع ما يحكيه. إن المخبر السري ليس فقط صوت، بل هو جسد وتعايش ومشاعر متعلقة بكل ما يراه، أتفهمني؟ - نستطيع أن نحقق ذلك. أضاف الصوت بنبرة ثقة لها رنين الغرور. لقد كلفته "إلينا" بتقرير كلي عن "إنريكي"، وأخذته بعد أيام من صندوق البريد، وقرأته على سريرها بمتعة في وقت القيلولة وكان يقول ما يلي:- "الهدف الذي نتحرى عنه هو رجل في السادسة والأربعين من عمره في نفس عمر المتحري، ومع ذلك فهو يبدو في الواحدة والأربعين، على عكس المتحري الذي يبدو في التاسعة والأربعين. اسمه "إنريكي أكوستا كامبوس"، عضو مجلس إدارة مؤسسة استشارية غيرت اسمها ثلاث مرات في الخمس سنوات الأخيرة بدون أن تغير مقرها. كل شئ يشير إلى أنها مؤسسة وهمية، مرتبطة بدوائر محددة في السلطة السياسية، تختفي بعد تنفيذ عمليات اقتصادية لها ثقل كبير، ثم تظهر مرة أخرى بعد ذلك بقليل بشكل جديد. في العام الأخير نفذت عمليتين مهمتين، واحدة مع وزارة الصناعة والثانية مع وزارة الصحة والبيئة. وفي كل من الحالتين، كانت عبارة عن دراسة للسوق، أو أي شئ شبيه بذلك، ولكن المتحري في هذه المهمة لم يستطيع أن يتعمق أكثر من ذلك. فإذا احتاج عميلنا معلومات أكثر عن هذه المؤسسة التي تسمى الآن (أسواق جديدة. إس. إيه) فعليه بالتعاقد مع وكالة متخصصة في هذا المجال، ذلك لأننا نقول أن هذه المؤسسة لها أفرع كثيرة و متعددة – بعضها شركات دعاية متعددة الجنسيات – ومن الصعب أن نتعامل معها ومن خلال هذه المؤسسة تتداول النقود بشكل سري حتى تختفي، ونحن لا نعلم أين؟ ولا بأي كمية؟، و "إنريكي أكوستا" يحيا حياه رغده، بلا تباه ويقضي معظم وقته العملي في الشارع، حيث يقوم بالتعامل مع الوزارات المختلفة. قد يكون له مصالح اقتصادية في فنزويلا والمكسيك، حيث كان يسافر باستمرار في الشهور الأخيرة، وغالباً ما يكون لديه غداء عمل، ودائماً ما يحدث ذلك في مطاعم راقية اعتادها أصحاب المؤسسات والسياسيون. و"إنريكي أكوستا" رجل متزوج من "إلينا رينكون"، امرأة في الثالثة والأربعين من عمرها، وتبدو في مثل سنها، وهي امرأة نحيفة، وعادة ما نلاحظها غائرة العينين، وهي قليلة العلاقات. تقضي معظم وقتها بالبيت، بالرغم من أنها كانت تعمل في وقت سابق بشركة دعاية صغيرة، بقسمها الإبداعي. لكن هذه الشركة اختفت، وربما كانت فرعاً من فروع المؤسسة التي يديرها زوجها. على أية حال فإن "إلينا" قد تركت عملها قبل إغلاق هذه الشركة بسبب الإفلاس، أو ربما بسبب الموظفين، لم يبدو لنا أن الأمر هاماً لدرجة التحري فيه الآن، ولأننا لا نعلم الغاية من هذا التحري، قد نرتكب خطأ في تقييم ما هو هام وما هو غير ذلك. وكل من الزوجين له حساب بنكي منفرد، بالرغم من أن "إلينا" ليس لها دخل ثابت، إلا من مشتقات تجارة البضائع التي تباع في طرود للمؤسسات المختلفة، وفي اغلب الظن "إنريكي" نفسه هو الذي يتنازل عنها. وحديثاً دخل إلى "إلينا" دخل لا نعرف كميته، جاء من بيع شقة أمها المتوفاة حديثاً. والعلاقة الزوجية التي تربطهما تبدو، في الظاهر حره أو مستقلة وبالفعل فإن "إنريكي" له حياه عاطفية غير مستقيمة، بالرغم من أنه في الآونة الأخيرة قد حقق درجة من الاستقرار مع سكرتيرته. وهو مدمن للحشيش، وربما للكوكايين أيضاً، لكنه يقاوم هذه الآفة بالحضور الاعتيادي لصالة الجيمانيزيوم القريبة من مكتبه، حيث يمارس التمارين الرياضية. وثمرة زواجهما ابنه في الثانية والعشرين من عمرها، تسمى "مرثيدس"، ومتزوجه منذ عامين، وتقيم في "مدريد". وعلاقتها بأمها ليست على ما يرام، لكنها مرتبطة جداً بابيها وتذهب إليه باستمرار، ودائماً يعطيها مالاً بشكل شبه اعتيادي، وبعيداً عن المساعدات المالية، فإن علاقتهما تبدو حميدة. وبهذه المناسبة فإن الكتاب الذي كان يقرأه "إنريكي" عندما كان في "إليكانتي" عنوانه (التحول)". احتفظت "إلينا" بالتقرير في درج الكومودينو، بجانب مذكرات الأم، حاولت بعد ذلك أن تنام بلا جدوى. لقد استطاع الأفق الجديد الذي فتحته هذه التقارير أن يستثيرها، ويملأ فراغاً كان يسكنها. تقلبت عدة مرات على السرير، وفي النهاية استوت في مجلسها، وأخذت الكراسة الأخيرة من مذكرات الأم – كانت رقم ستة – فكرت أن تقرر النهاية، لكنها قررت ألا تفعل ذلك، كما لو كان وقت النهاية لم يحن، كما لو كانت قد وجدت نفسها منغمسة في سلسلة من الأحداث ذات الدلالة والتي يجب فيها أن تحتفظ بهدوئها وأن تعتني بوضع كل شئ في لحظته حتى لا ينتج اختلال في الترتيب التسلسلي. وضعت الكراسة في الدرج وأشعلت سيجارة، تذوقتها ببطء. ولاحظت لعبة الأضواء التي تلعبها النافذة في السقف. كانت تفكر بلا شك، ولكن رأسها بالإضافة إلي إنتاج الأفكار، كانت تجهز الطريق الذي ستسير فيه هذه الأفكار في المستقبل القريب. في الساعة السادسة بعد الظهر خطرت على رأسها فكرة أن تتصل هاتفياً بالوكالة السرية، ولكن قبل أن تفعل ذلك، دخنت سيجارة حشيش، لأنها أحبت أن تظهر على طول الحوار بصورة المرأة التي تتحدث ولا يكبحها شئ. ولسبب ما تأخرت تأثيرات الحشيش في الظهور. وبالتالي تناولت كأس ويسكي لتعيد الحركة لدورتها الدموية. بعد أن أخذت الرشفة الأولى شعرت بكمال جسدي ملئ بالشعور بالقدرة الكلية، جلست بالقرب من تليفون الصالون، وعلى يمينها الكأس وطفاية السجائر، وأمامها ساعة أمها وأريكتها، و ما زالت تركز فيهما. خلاء الأريكة الواضح جعلها تشعر بالفقدان المثير للصدمة ، بالرغم من أنه فقدان وقتي . كانت الأريكة تحتاج بالفعل إلى رباط يربطها بالساعة ، فقد ساءت علاقتهما بعد غياب الأم ، فالثلاثة كانوا يشكلون وحدة لا يمكن فصلها ، وحدة غامضة من نفس نوع الوحدة التي تشكل الثالوث المقدس . هذا اللغز الذي لم تؤمن به أمها . رفع مدير الوكالة السماعة كالعادة ، فذكرته "إلينا" بنفسها ، و سلمت عليه ، و دخلت في صميم الموضوع مباشرة :- - التقرير الأخير – قالت – كان مليئاً بالإطناب الذي لا نحتاجه ، و لكنه قام بتصحيح بعض الأشياء . كان المدير على الجانب الآخر يتنهد بضيق ، و أدركت "إلينا" أنه كان منهكاً . - من الصعب – أجابها الصوت أخيراً – إصدار تقرير نجهل أهدافه . فلا يتساوى ، على سبيل المثال – عمل تقرير اقتصادي مالي لشخص أو لمؤسسة ، بتقرير زنا يُعد إجراءاً قانونياً لإتمام الطلاق . نحن المخبرون نحتاج لمعرفة الأسباب باختصار لتكون تقاريرنا موجزة وفعالة تدخل في صميم الموضوع بإيجاز . لهذا فقد يساعدنا كثيراً إجراء لقاء شخصي مع العميل . - قلت لك أن هذا مستحيل – أجابته "إلينا" بنبره حازمة ، لكنها جذابة – و مع ذلك سأوضح لك بعض الأشياء التي قد تساعدكم في حالة رغبتكم في إتمام هذه المهمة . تسرع الصوت أكد لها رغبته في إتمام المهمة . فابتسمت "إلينا" ونظرت اتجاه أريكة أمها ، وفي أغلب الظن أنها فكرت أنها قد اتصلت بوكالة بها مخبر واحد فقط ، وهو أيضا المدير، وأنه الآن علي الجانب الآخر من التليفون مستعداً لعمل أي شئ في سبيل ألا يفقد العميل الوهمي الذي بدأ يمنحه دخلاً ثابتاً. - هناك بعض التفاصيل في التقرير قد أعجبتني جداً – قالت إلينا – مثل إبراز المخبر لعمره الشخصي . لكن لم يعجبني استخدامه لصيغة الجمع نحن " نحن اعتقدنا ، نحن فكرنا " التي توحي لي انه قديس ، وليس إنسانا من لحم ودم . عليه أن يستخدم صيغة (أنا) في المستقبل ، ,أن يحكي الأشياء كما يحكيها لصديق ، لا لمجلس إدارة ، أتفهم ما أريد أن أقوله. - نعم يا سيدتي – أجابها الصوت بنبرة كراهية واضحة . قررت "إلينا" أن تخفف من الضغط عليه : - أرجو ألا تسئ فهمي . أضافت – التقارير رائعة مكتوبة بشكل رائع لكن ينقصها الصوت الشخصي للراوي ،ينقصها صوت الإنسان الذي يري ويسمع ويبدي رأيه . - هل أعجبتك التقارير حقا؟- سأل الصوت وهو في حاجه إلى تقدير لمجهوده. - رائعة كما قلت لك ، بها نقاء في اختيار الألفاظ ، لكنها تعتبر محتوى للأحداث بشكل مفرط ، كما لو كان المخبر الذي يروي قد وقع في بوتقة الصيغ والجمل المصنوعة ولا يستطيع أن يتخلى عنها . فمثلاً في التقرير الأخير نري صورة المرأة "إلينا رينكون" (أعتقد أن هذا اسمهان هذاأن أن ) ما زال لديها الكثير لتكتمل ملامحها . لقد أصاب المخبر عندما وصفها بأنها غائرة العينين ، لكننا لا نعرف هل هذا سمه أساسية في وجهها ، أم انه نتيجة نظرة لامرأة معذبة. أيضا لا نعرف هلي هي أنيقة ، هل هي سعيدة أم أنها تشعر بالعزلة. - لكن هذه الأشياء – حاول الصوت أن يبرر موقفه - تنتسب للمشاعر الداخلية ، يجب أن تدركي ذلك . - أدرك أنت ما أقول – أجابته "إلينا" و أخذت رشفه ويسكي بصعوبة ـ هذا هو ما أريده ، المشاعر الداخلية ، تقارير تصف بقوة المشاعر الداخلية . في هذه اللحظة بدأت ساعة الحائط تشير للساعة السابعة . وجهت "إلينا" سماعة التليفون ناحية الحائط الذي تعلق فيه الساعة ، وعندما انتهت الدقات تحدثت مرة أخري :- _ أسمعت ؟ - الدقات ؟ سأل الصوت. - نعم الدقات . أنها دقات ساعة حائط جميلة ومميزة ، معلقه في صالون القصر الذي أحدثك منه ، وأنا متكئة علي الأريكة ، أريكة من الجلد . الساعة والأريكة والصالون ملكاً للشخص الذي نعمل أنا وأنت من أجله ، كل منا في مكانه ، وكل منا له وظيفته الخاصة . أستطيع أن أؤكد لك أن عميلنا ، رئيسي في العمل ، رجل كريم بشكل كبير ، عندما نعطيه ما يطلبه ، وما يطلبه منك هو الأشياء الداخلية ، المشاعر ؟ اتفقنا؟ _ اتفقنا _ أجاب الصوت بشكل حازم ، وبدا أنه قد فهم ، واخذ علي عاتقه تحقيق العرض بنفس راضية . - هناك شئ آخر – أضافت "إلينا" – لا تضيع وقتك في البحث عن أعمال "إنريكي أكوستا" التعيسة . نحن نعرف وضعه بشكل متكامل . أكتب لنا تقريراً بعيداً عن الإطناب ، لكنه شيق ، عن ماضيه ، بالإضافة لتوضيح كيف وصل إلى مكانته الحالية .إفهمني جيداً ، لا تصف أكثر من اللازم ، أكتب ما هو مهم . عندما وضعت السماعة ، شعرت بالرضا يفيض من جسدها ويخرج من جلدها . ولأول مرة منذ زمن طويل لا تشعر بالتأثير المدمر الناتج عن اختلاط الحشيش والويسكي في جسدها . أشعلت سيجاره ،وذهبت لتجلس فوق أريكة أمها ، تراودها فكرة البدء في قراءة رواية ، لكن كانت هناك درجة من الاستثارة تستحوذ عليها وتمنعها من التركيز في القراءة . تركت الكتاب وركزت في الإنصات إلى تك تاك الساعة . كانت الحياة قد فقدت هذا الجو الجنائزي الذي سبق وتلي أيام وفاة أمها . ومن خلال نافذة الشرفة الكبيرة كان الضوء النظيف ، الأزرق ، يتوغل في الغرفة ويشير إلى وجود البحر . فجأة شعرت "إلينا" أنها هي والساعة والأريكة يشكلون دائرة ،و أدركت بشكل غامض أن خوفها في الأيام الماضية لم يكن لتنبئها بإمكانية أن تجد أمها جالسة علي الأريكة ، و أنما لتنبئها بأنها ستنسلخ من شخصيتها الحقيقية لترتدي شخصية أمها ، وأنها في هذه اللحظات كانت تتصرف على أنها هي الاتحاد والصلة ، لأنها كانت منجذبة لهذه العناصر المشتركة . هذا الشعور لم يؤثر علي أحشائها في الحال ، ربما لأنه جاء في لحظة عالية من لحظات اندماج الحشيش مع الويسكي ، واندماجهما معاً يخلق هذه اللحظات . ولكنها أدركت أن هذا الشعور له مظهر شرير . كل ما كان يشغلها حينئذ هو التفكير في قرينتها ، وسعدت عندما شعرت أنها وهبتها لحظات ممتعة ، بلا شك ، خلال حوارها مع المخبر السري وصل زوجها إلى البيت في الساعة التاسعة ، ودخنا سيجارة حشيش سوياً في المطبخ قبل تناول العشاء. كان من المعتاد ألا يتحدثا ، لكن صمتهما لم يكن به أي توتر أو شد ، أو كانت هذه الأشياء موجودة ثم اختفت منذ زمن طويل . - هل رأيت "مرثيدس" ؟ . سألت "إلينا" - لماذا ؟ أجابها "إنريكي" - اعلم أنكما تتقابلان باستمرار من وراء ظهري وهذا لا يهمني . - نحن لا نتقابل من وراء ظهرك – قال "إنريكي" بإشارة إرهاق – يبدو أنك تتحدثين عن عشيقة لا عن ابنه. فبيننا علاقة وثيقة ، لم تستطعي أنت أن تعقديها معها. - وهل هذا ذنبي ؟ - لا القي الذنب علي أحد ، فقط أقول ما يحدث . - ما رأي "مرثيدس" فيّ ؟ - عليك أن تسأليها هي ، لكنني أعتقد أنك كنت دائما واقفه علي مسافة بعيده من علاقتكما كنت أماً باردة ، وهو الشيء الذي أبعد كلاً منكما عن الأخرى . فأنت مثلاً تعرفين أنها كانت تعشق أمك ، لأنها كانت جدة طيبة ، ومع ذلك لم تحضري الدفن . - كنت أشعر أنني مرهقة _ أجابته "إلينا" بحركة قاسيه . لم يضف "إنريكي" شيئاً . وجاءت من الصالون دقات الساعة المتقطعة لتقطع الصمت المتوتر للدقائق الأخيرة . حاولت "إلينا" أن تغير نبرتها. - بالمناسبة – قالت - من أيام و أنا أبحث عن كتاب (المسخ) "لكافكا"، في المكتبة لكنه اختفي . - معي في المكتب ، لقد انتهيت من قراءته ، لكنني دائما أنسي إحضاره معي كل يوم . - كيف قرأته مرة أخري في وقتنا هذا ـ ابتسم "إنريكي" قبل أن يرد. - فكرت منذ فترة قريبه أنني دائما كنت أقرأه من جانب الضحية ، فقررت أن أقرأه من الجانب الآخر ، محاولاً أن أضع وجهة نظر أباء الحشرة ورئيسها وأخيها أمام عيني. - وماذا ؟ - حسناً، كان مرتبطاً بشيء آخر اكثر تعقيداً. في الأيام الماضية كان لدينا مشروعا لبناء حي هيكلي لوزارة الإسكان ، وعندما ذهبت إلى هناك رأيت ظروف الحياة ، وتذكرت صراع الطبقات ، وكل هذه الأشياء . في هذه الليلة ، وبعد أن دخنت سيجارة حشيش ، أدركت أننا ، في زمن ماضي دائما كنا نتكلم عن صراع الطبقات من وجهة نظر الخاسرين. ومع ذلك ، كنت أنا شخصياً أتربح من هذا الصراع في السنوات الأخيرة . لكني ما زلت أتحدث كما لو كنت أحيا داخل حي هيكلي ، حينئذ قررت أن أغير من نفسي. وضعت إلينا طبق السلطة فوق المائدة ، نظرت لإنريكي كما لو كانت تحاول أن تتعرف عليه من جديد ، كما لو كانت تبحث في وجهه عن صورة ضائعة ، و أخيرا قالت : - أنت وقح ، وهذا هو كل شئ . (6) بدأت "إلينا" في الأيام التالية تفقد خوفها من الأريكة. كانت تتناول قهوة الصباح وهي جالسة عليها ، تحت تك تاك ودقات الساعة التي كانت تقيس الإيقاع الخاضع لقانون زمني تنمو تحته سلسلة مظلمة من دلالات الاستمرار غير المتوقع والموضوعية الطارئة. كانت هناك حبكة ترتبط بوجودها وتبدو أنها تنظم نفسها من وراء ظهرها. ليس من وراء ظهرها بالمعني المفهوم، وإنما في اكثر جوانب حياتها إظلاما. قرأت إلينا وهي جالسة علي الأريكة التقرير الثالث الذي بعثة المخبر السري، وكان يقول:- ((نستطيع أن نلخص إنريكي أكوستا في ثلاثة سطور ونستطيع أن نكتبها في مائة صفحة، وهذا يتوقف على المكان الذي سنحكي منه الحكاية، كما يتوقف على من سيدفعون لنا وعلى القيمة الرمزية التي نخصصها لهم . والمخبر في هذه المهمة يميل لان يضع تحرياته في اكثر الأماكن صمتا في حياة الهدف، الأماكن الخرساء، هكذا تقال ، وذلك لميول شخصية وبسبب نوع من المهام نقوم به إلى الآن. ففي هذه الأماكن الصماء تصل التصرفات والأصوات بوضوح لا ريب فيه ، وهذا الوضوح يسمح بكتابة تقارير موضوعية خالية من أي لبس نتج عن أي تأثير. أقول هذا لأن الطلب المحير الذي طلبه منى العميل، وهو و صف مشاعري الداخلية، وبالتالي مدى تأثير هذا الهدف علىّ شخصيا، وضعني أمام رغباتي الشخصية كانسان مثقف. ربما يبدو لفظ مثقف مبالغا فيه لهذا النوع من الثقافة الذي حصله أبناء عملنا هذا، لكنني بالفعل مثقف، ولن اكذب في سبيل موضوعية لن تحاسبوني عليها. أنا خبير جنائي فاشل، لكنني خبير جنائي في نهاية الأمر. لقد قمت بعدة دراسات متعلقة بهذا المجال، ولى بعض الكتابات التي ربما تحظى بشرف النشر في يوم ما، فقد حقق آخرون، اقل منى جدارة، هذا الشرف. وبالرغم من هذا التناقض المؤلم المتعلق بالمهنة، إلا انه يبدو شيئا لا يمكن تجنبه، لان على أن اكسب رزقي وان أضيء جزءا من حياتي. وقد وضعني العميل أمام رجل، إنريكي أكوستا، نقيضي في أشياء كثيرة، صورتي السلبية. ويمكنني أن أقول أن الهدف ينتسب إلى عائلة من الطبقة الوسطى التي حققت مستوى اقتصادي في الستينيات. وانه درس في كلية الحقوق، وهناك تعرف على من أصبحت زوجته اليوم، إلينا رينكون. وانه اشترك بشكل إيجابي في الحركات الطلابية في هذه الفترة، واصبح قائدا لأحد الأحزاب اليسارية، التي اختفت الآن، أو ابتلعتها الأحزاب التي تشغل السلطة في الوقت الحالي، أو على الأقل تشغل هيكلها. يمكنني أن أواصل تقريري بهذه النبرة، وأن اذكر المعلومات والأسماء والتواريخ، وان اكتب سيرة ذاتية مترابطة أو غير مترابطة، لكنها متضمنة شهادات أو مواقف محددة، وصفية ونقدية، وربما تشكل جسد هذا التقرير وتهبه الضمان. أستطيع أن أقول إننا ربما كنا زملاء، لأننا في سن واحدة. مع أنني أبدو اكبر سنا، وإننا قد درسنا الحقوق في كلية واحدة وسنوات واحدة، بالرغم من إني اعترف أنني قد تخرجت في دراستي، حيث وصلت للثانوية في عمر متأخر، وكان على أن أوزع وقتي ما بين ا لدراسة والعمل الذي لم يترك لي وقتاً لتكون لي علاقات شخصية. لكنني أرى أن كل هذا ليس من الضروري ذكره، إذا ألح عميلي في أن اصف مشاعري الداخلية. في رأيي، وهذا هو ما يريده من سيدفعون لي، إن هذا الهدف، وهو حاليا يمتلك شاليه لأنه يكره النباتات، قد خدع الثورة وهى في قمتها، وبعد ذلك، مثل آخرون غيره بدا يهيئ نفسه رويدا رويد ليشبع رغباته المالية والجنسية. وبدون أي قطيعة للحياة السياسية، بدأ يتسلق بشكل غير محسوس وببطء لأصحاب السلطة، واليوم وجد نفسه على القمة بكل راحة. اعرف هذا النوع جيدا، انه ألقى بنا على الأرض وداس علينا في الطريق ويجب أن اعترف. انه كان ينقصنا الذكاء الحاد، كنا في حاجة لهذه الوساوس الضرورية لننتبه في الوقت المناسب لما سوف يحدث. أن الاعتقال بالنسبة لهم كان شعارا، كان شيئا مثل جروح الحرب، لكن بالنسبة لي كان يجب على أن اترك المجال، وان أتخلى عن استعدادي الطبيعي للعمل كخبير جنائي. قالوا انهم أصحاب الثورة، وبعد ذلك اصبحوا يشغلون مكاتب السلطة، ومجالس الإدارة والعناوين الرئيسية التي جعلت الناس ينسون أصولهم، كما نسيتها أنا. وهم الآن كما كانوا قبل ذلك، مجموعة من السادة، لكنهم يحتفظون بفترة فاصلة أدمنوا فيها الحشيش أو الكوكايين، أو اعتادوا نوعا من الموسيقى لا أفهمه، أنا وأمثالي، لأنهم اعتقدوا انهم بذلك سيكونون مختلفين عنا. ولعدالة القدر، أصيب بعض منهم بالسرطان أو الإيدز، وتكدسوا في العيادات الدولية المشهورة، ليعتنوا بموتهم، كما كانوا يتكدسون قبل ذلك ليجملوا من صورهم. انهم مجموعة تيوس، أبناء عاهرات، و إنريكي أكوستا على رأسهم، لأنه كبيرهم، لأنه عدوى. هذه هي مشاعري الداخلية وما عدا ذلك حكايات. اتفقنا. وبالنسبة "لإلينا رينكون" زوجته فلها قصة مشابهة بقصته لكنها امرأة بالطبع وبالمناسبة فإن الهالات السوداء حول عينيها هي بلا شك نتيجة لإدمان المخدرات بالرغم من أننا نغامر لو قلنا أي مخدر تدمن أو كيف تتعاطاه، وهي قليلة الخروج وعندما تخرج لا تعرف في أي اتجاه تسير ودائما ما ترتدي نظارة شمس لتخفي اتساع حدقة عينيها غير الطبيعي . منذ وقت قريب طردت خادمتها التي عقد معها المخبر علاقة بدون أن يحصل على أي معلومة دقيقة منها لأنها امرأة منحدرة ثقافيا ضعيفة الموهبة في الملاحظة. و"إلينا رينكون" خليط من ربة منزل معاصرة وامرأة متحررة لا تحتمل أعباء عمل اعتيادي، وطريقة لبسها ليست خارقة للعادة، وأيضا ليست بسيطة. وعادة ترتدى ملابس غالية، بالرغم من أنها تبدو أرخص من ثمنها، عموما، هي لا تطمح أن تظهر اكثر شبابا)). استحوذت الدهشة على "إلينا" بعض الوقت، كما لو انفجرت بين يديها قنبلة صممتها بنفسها لشخص آخر. وظلت خلال وقت غير معدود متأملة ضوء النافذة الكبيرة ، تحرك ساقها اليمنى التي تضعها فوق ساقها اليسرى بحركة تشبه حركة رقاص الساعة، الذي يخرج التك تاك، المعلق خلف رأسها. كان الليل قد حل واكتسب السحاب القليل اللون البرتقالي، وتفتق في كرات صغيره تشبه القطن التالف، كل هذا كان يوحي بان الحياة قد أصيبت بمرض. كانت في نفس هذا الوضع عندما جاء إنريكي، لكن، قبل أن يدخل الصالون، كان لديها وقتا كافيا لتخفى التقرير وتعيد ملامح وجهها إلى طبيعته. لف زوجها سيجارة حشيش وقدمها لها، لكن "إلينا" رفضت. - لماذا؟ - سأل إنريكي. - بدأت تتعبني في الفترة الأخيرة - هل عادت لك آلام القولون؟ - ليست آلام القولون بالتحديد – أجابته "إلينا" – انه ألم عام، فعندما أدخن افقد السيطرة على الصور. - أي صور؟ - صور حياتي، ماضيي وحاضري ومستقبلي، وأنا عجوز، إذا أمكنني أن أتحدث كما لو كنت شابة. - أنت تقضين وقتا طويلا في البيت . ابتسم إنريكي. - دائما تخيفك هذه الحوارات، أليس كذلك؟ كان إنريكي قد اضطجع على الأريكة، واضعا يده اليسرى خلف رأسه وبيده اليمنى سيجارة حشيش، ينظر إلى "إلينا"، التي ما زالت جالسة على أريكة أمها. ابتسم إنريكي، كان يبدو في عنفوان شبابه في هذا اليوم. - لا ليس كذلك، - قال - في حياتي كلها لا تخيفني إلا أشياء قليلة. أنا مشغول بك، بأسلوب حياتك، بهجرك لأصدقائك، بعزلتك، بهذه العادة الغريبة التي تجعلك تعودين مرات كثيرة إلى نفس الأشياء. إلى أشياء… - نظر إلى الساعة بوجه مستاء. عندي اليوم عشاء عمل هام، على أن أغير ملابسي. - لقد كويت لك قميصك الوردي. - شكرا، وأنا احب أن ارتديه. نهض إنريكي، طفا السيجارة، دخل غرفة النوم. سارت خلفة "إلينا"، جلست على حافة السرير تتأمله، وأخيرا قالت:- - ماذا يهبك الحشيش بعد كل هذه السنين. - اقل مما كان يهبني قبل ذلك، لكنني ما زلت أجد فيه فائدة. ضعي في اعتبارك أنني لم أدخن أبدا مثلك. هل تتذكرين العام الذي ذهبنا فيه إلى المغرب؟ ظللتي ثلاثة أيام رافعة رأسك للسماء وللشيطان ولكل ملكوت الكون. دائما تميلين لنسيان تجاربك سريعا. - لكن ماذا يهبك؟ - يهبني المنظور للحياة، يجعلني أرى الأشياء بلا مشاعر، يجعلني أدرك الفخ. - أي فخ؟ - الفخ الذي يكمن وراء كل الأشياء. بفضل الحشيش مازلنا أنا وأنت نواصل حياتنا سويا، جنبا إلى جنب. من لم يجربوا الحشيش اعتقدوا انهم باستطاعتهم ابتداء علاقة مميزة، وكما ترين، فقد تساقطوا اثنان اثنان في إعادة نفس الأشياء. أن الحشيش مازال يساعدني لأمارس الحب. - لكننا لا نمارس الحب. - أنا أتكلم بوجه عام. - أنا لا افهم ما تقوله عن الفخ؟ انتهى إنريكي من عقد ربطة عنقه، وذهب ليجلس على السرير بجانب "إلينا"، تاركا مذهب الثقة السابق، وهذا جعله يبدو عجوزا، بدا انه فكر عدة لحظات، وبعد ذلك قال:- - لا اعرف إلى الآن كيف اشرح لك ذلك. وليس لدي أي رغبة في أن ابذل جهدا لأفعله، لأنني اكتفى بفهمه بالحدس، بجانب الذكاء، أو بجانب الأمعاء المكلفة بفهم هذه الأشياء. لكن هناك فخ رئيسي أنا وأنت نخضع له، وحشد من الفخاخ الأخرى التابعة نستطيع أن نتجنبها أو نقع فيها. أنا شخصيا قررت أن أتجنب الفخاخ التابعة. هل تتذكرين عندما مات أبي؟ كنت قد ذهبت لرؤيته قبل ذلك بأيام، وكان حينئذ يخلط كل الأشياء ببعضها. ربما كان لا يعرف من أنا ولا من أين جئت لكن جاءت لحظة بدا فيها انه عرفني. واعترف لي بشيء غير كل حياتي، لكنى لن أقوله لأنني اكره هذه العبارات ذات الطابع الشفاف، لكنها كانت مثل السم أو الإلهام الذي تحرك بداخلي على طول كل هذه السنوات، وساعدني الحشيش على إدراكها، بالرغم من انه لم يعلمني كيف اشرحها. - بماذا اعترف لك؟ - قال لي أنة قد مارس العادة السرية في اليوم السابق، وليفعل ذلك لجأ إلى استوحاء نفس الخيال الذي استخدمه في المرة الأولى التي فعلها. التزم الصمت لعدة لحظات ثم أضاف "في الحقيقة لقد استخدمت دائما نفس الخيال ، بعاهرات مختلفات". أفهمتي؟ كم مرة يمارس الإنسان هذه العادة السرية على طول حياته؟ ألف مرة؟ مئات من الآلاف؟ مليون؟ لا اعرف. لكنني اعرف أن في كل مرة يفعلها يعتقد انه يكرر تجربة وحيدة، مختلفة، عندما تكون الحقيقة هي أن نظل مرتبطين بنفس الفكرة المتسلطة منذ البداية. أنا لا اعرف ماذا يعنى كل هذا، لكنني اعرف انه ادخل إلى حياتي عنصرا من المعرفة لم يكن موجودا قبل ذلك، وساعدني على أن ابلغ نوعا من الاتفاق مع ذاتي، مع تناقضاتي، مع رغباتي. - أنا لا أفهمك. قالت "إلينا" كما لو كانت لم تنصت له. - أقوله لك بطريقة أخرى. هذا الاعتراف جعلني اشعر فجأة أني كبير، وبكل معاني الكلمة، الوحيد القادر على أن يكون كبيرا. عندما خرج إنريكي من البيت، ظلت "إلينا" على الأريكة وبدأت في البكاء، بالرغم من أنها لم تشعر باستحواذ أي ألم أخلاقي أو جسدي عليها يبرر هذا البكاء، لكنه كان نوعا من الراحة. كما لو كانت أعضاءها قد قررت خفض أسلحة الدفاع والسماح لكبريائها بالانكماش، بالسقوط في تجاه تجميع القوة. فكرت أن الدموع ربما تقوم بالوظيفة التي كان يقوم بها الإغماء في الأيام والأشهر السابقة، حيث كانت تفيق منه مليئة بالقوة. عندما انتهت من البكاء تذكرت العشاء كالعادة، لكن لم يكن لديها شهية لتناوله. فكرت حينئذ أن لديها رغبة في لف سيجارة حشيش والاضطجاع على الأريكة لمشاهدة التلفاز حتى يعود زوجها، لكنها ضمت هذه الرغبة إلى شرب كونياك وتناول أقراص أمها، وان تقرأ تقرير المخبر السري. قررت ألا تفعل ذلك. في الحقيقة لم يكن هذا قرارها الشخصي، كان يبدو انه قادم من إرادة غريبة عنها، بالرغم من أنها مرتبطة بها بروابط لا يمكن رؤيتها. فكرت بضربة ساخرة انه ربما كانت إرادة قرينتها، التي قررت في الآونة الأخيرة أن تعتني بها، تعتني بنفسها. من المؤكد أن تأثيرات الحشيش التي كانت تعشقها بالأمس، لا ترغب فيها اليوم، وقد حدث هذا الإحساس بطريقة بسيطة وبلا مبرر، مثل بقية الأشياء الموجودة في الحياة. قررت أن تذهب إلى السرير وان تقرأ حتى تجذب الكلمات النعاس. وبعد أن اضطجعت، جاءتها ذكرى قديمة، أيضا بلا مبرر. تذكرت جوريجوريو صامصا، هذا الشخص الذي أحبته بصدق في زمن قد مضى. وفكرت أنها في السنوات الأخيرة قد تحولت إلى حشرة غريبة، لكنها على عكس حشرة كافكا. بدأت تستعيد ذكرياتها القديمة قبل موتها، قبل أن يقتلها الآخرون. استثارها هذا التفكير، لأنها عرفت بالحدس أنها لو استطاعت أن ترجع عن هذا التحول ستصير الأشياء مختلفة، لأنها ستسحب من نفسها قوة خارقة، وحكمة ربما تواجه بها الخوف من ميكانيكية العالم أو هؤلاء الذين يديرون هذه الميكانيكية لمصالحهم الشخصية، وبالطبع ضدها. كانت ستمد يدها لتلتقط رواية فوق الأباجورة منذ شهور، لكن جاءتها دفعه، ليست دفعة خوف بل رغبة في المعرفة، ساقتها لتفتح درج الكومودينو وتأخذ واحدة من كراسات أمها. وكالعادة، بحثت بالصدفة عما كان يبدو بداية حدث وقرأت. (( ذهبت إلى بلد أجنبي مرة واحدة فقط في حياتي، وكنت سعيدة الحظ حيث نزلت في أحد الفنادق، وذلك عندما اصطحبني زوجي إلى مدينة بورديو الفرنسية، حيث بعثته المؤسسة التي يعمل بها ليشرف على بعض الأعمال المتعلقة بتخصصه. مكثت هناك لمدة يومين فقط ، ولم اخرج من الفندق خلالها، لأنه كان جذابا، كما أنني كنت لا اعرف كيف أتحرك في المدينة. خرج زوجي في الليلة الأولى ليقوم ببعض الارتباطات الاجتماعية التي لم اكن مدعوة بالاشتراك فيها. أتذكر أنني في هذه الليلة كنت ارتدى قميص نومي الخاص الذي كنت قد حملته معي وكنت في انتظار زوجي. في أثناء ذلك كنت أتأمل خصائص الغرفة، واقلب صفحات كتاب في اللغة الفرنسية، قد وضعته لي إحدى بناتي في الحقيبة لأتعلم بعض عبارات هذه اللغة. كان قميص نومي غاية في الإثارة، لأنني كنت أفكر أن التواجد في دولة أجنبية معناه أن اشعر أنني إنسانة أخرى، وإننا نستطيع أن نتصرف كما لو كنا آخرين، كما لو كنا قد تعودنا على السفر إلى أماكن مختلفة من العالم الرحب، وان نغوص في الحياة الخليعة التي يحياها هؤلاء الناس الذين يتحركون كثيرا وبكل تلقائية. وفى لحظة محددة ذهبت إلى غرفة الحمام لأرى جسدي في المرآة، فمرآة الحمام كانت كبيرة جدا وليس بها أي عيوب. كما أن الحمام كان مضيئا بأنوار بيضاء ومتعددة، بيضاء جدا ولامعة مثل بقية الأدوات الصحية (حوض الغسيل، حوض الاستنجاء، حوض الحمام، صحن المرحاض)، التي تبدو أنها أثاثات من احسن ما يكون اكثر منها أدوات صحية. وبالرغم من أن ما كنت سأفعله كان يبدو لي إثما، ألا أنني بدأت في فعله. وقفت أمام المرآة، وضعت اللمسات الأخيرة لشعري، غسلت أسناني، وبعد ذلك أنزلت حمالة قميص النوم، وتأملت نهداي، اكثر الأماكن جاذبية في جسدي. لم يكونا كما كانا في أيام شبابي ، لكن كانا لا ينقصهما الجاذبية. ورفعت يداي إليهما من الداخل لأرفعهما قليلا لأعلى، فلاحظت حينئذ وجود ورم غريب في الجانب الأيمن. اعتقدت أنني بدأت أعرق من الخوف، وكنت على وشك أن يغشى على عندما جلست على صحن المرحاض، حيث رفعت حمالة القميص وبدأت انظر لرسومات القيشاني الموجودة على الحائط . فكرت حينئذ انه ربما كان إحساسا كاذبا ، لكنى لم اتجرأ لأتحقق من ذلك. بعد ذلك فكرت في نوع الورم، في حجمه (كان مثل البرتقالة الصغيرة أو ثمرة اليوسفي) وجاءتني فكرة وهبتني بعض السلوى، هي انه ربما كان موجودا منذ سنوات كثيرة لكنه كان ينمو ببطء شديد، لهذا لم انتبه إليه، حيث أنني قبل ذهابي للخارج، لم اتجرأ أبدا على لمس نهدى بهذه الطريقة. وبالتالي يمكنني أن أعيش سنوات طويلة، على ألا أعود للمس نهدي ولا للسفر إلى الخارج لكيلا أنتبه له، وربما أنساه، وقد أبلغ من الكبر عتياً قبل أن ينمو هذا الورم بشكل زائد عن اللازم. وعندما تحقق الهدوء لذاتي، وقفت أمام المرآة مرة أخرى، بدون أن المس نهداي، تأملتهما بدقة، وتحققت أن حلمة ثديي اليمنى منجذبة قليلاً إلى الداخل، كما لو كانت هناك قوة داخلية تجذبها ناحيتها. يا إلهي، يا للخوف الذي ملأني. كم يسع الجسد البشري خوفاً لا حد له، خاصة جسد المرأة، لأن أجساد الرجال مخلوقة بشكل آخر، بتعقيدات اقل منا، لهذا فهم يسافرون، ويرتكبون كل الأشياء المحرمة دون أن يحدث لهم شئ. وبقيت داخل غرفة الحمام وقتاً طويلاً دون أن يغشى علي، بالرغم من أنني كنت أسهل ما يكون لأفقد وعيي، خاصة منذ شربت "إلينا"، قرينتي، الكحول وتناولت الأقراص. انتابني في هذه اللحظات تفكير غريب، ربما يكون تفكير قرينتي التي تمكث في هذه اللحظة في فندق آخر مقابل لفندقي، وترتعش أيضاً من الخوف مثلي. فكرت أن داخل غرف حمامات الفنادق يكون من السهل نسبياً عقد اتفاقية مع الجنون. فكل شئ يلمع، وكل شئ نظيف ومزود بمنحنيات طفيفة تجعل الجنون ينزحلق من فوق أسطح الأشياء دون أن يتعرض لأي أذى. وبالإضافة لذلك، فان داخل غرف حمامات الفنادق الغالية (أما البنسيونات فهي شئ آخر، حيث أن الذهاب إلى بنسيون يشبه العودة إلى البيت)، لا أشعر بالبرد، بالرغم من أنني أكون عارية وقتاً طويلاً. عندما عاد زوجي كنت قد أنهيت هذه الاتفاقية، التي كما أقول كانت شيئاً متعلقاً بقرينتي بالطبع، بالرغم من أنها قد قدمتها لي بحسن نية، واضطجعت على سريري بعينين مفتوحتين. في البداية تظاهرت أنني نائمة - لكن بعد أن ألح استسلمت ومارسنا الحب كما لم نمارسه قبل ذلك طيلة حياتنا، بشكل أفضل بكثير من المرات الأولى التي مارسناه فيها عندما كنا شباباً، لكننا كنا لا نعرف ذلك. لهذا كان يخيفني أن تسافر إحدى بناتي إلى دولة أجنبية، وأن تنزل في فنادق، خاصة ابنتي "إلينا"، لأن زوجها قد أدخلها في أشياء سياسية هي لا تفهم فيها شيئاً)). أغلقت "إلينا" الكراسة ووضعتها في درج المنضدة بجانب بقية المذكرات وتقارير المخبر السري. كان جسدها يعرق بشكل غير طبيعي، ويقشعر من الخوف، أو من العزلة. انكمشت في سريرها على قدر ما استطاعت، وتغطت بملاءة السرير، وكررت: ماما، ماما، كما لو كانت طفلة صغيرة عانت من كابوس وانتهى. وبعد أن انتهت الرعشة تذكرت مرة أخرى قصة الشاطئ والعملة وربطتهما بصدفة وجود مذكرات أمها في أعماق غرفة نوم أمها، بالرغم من أنه كان كنزاً بالمقلوب، كان نقيض الكنز، لكنه كان يتوقف على استغلالها، بحيث تبدل الأشياء الواضحة بأشياء مظلمة، والمظلمة بواضحة، كما يحدث في التصوير الفوتوغرافي الذي يعيد لنا في النهاية الصورة الحقيقية لواقع قد مضى، قد مات، لكنه قادر على التصرف في حياتنا، خاصة حياتي . استنتجت ذلك. بعد ذلك شردت بخيالها مع إمكانية أن تسير إلى الحمام، وأن تكرر أمام المرآة نفس حركات أمها لترى إذا كانت قادرة على أن تتحمل عبء هذا الرعب الذي تركه لها القدر كميراث جامد يدير شئونه وينتقل حتى لا تقع عناصره أبداً في طي النسيان، لنتذكر من حين لآخر، كنوع من التواضع، أن غرفة حمامها - المضيئة والمليئة بأثاث مثل غرفة حمام أي فندق راق - قد تفوقت على غرف الحمام الأخرى، المقشرة الطلاء والمحطمة مثل حمامات البنسيونات، ذات الأدوات الصحية التي لا فائدة منها غير استخدامها فقط.

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...