الجمعة، ديسمبر 05، 2008

هدوء القتلة ـ طارق امام

هدوء القتلة :
خيوط حريرية بين الخيال والواقع . يراهن الروائي طارق إمام في روايته الأخيرة " هدوء القتلة" ( التي صدرت طبعتها الثانية ) علي أن يصنع من حبات الرمل المتناثرة جبلاً متماسكاً ، تظل كل حبة فيه تسند الحبة الأخري حتي يتم التشييد فتتضح ملامحه . ففكرة روايته ، علي حداثتها ، لا تستطيح وحدها أن تنشيئ عالما روائيا رحب الأفق ، إلا أن التفاصيل الصغيرة والحكاوي القصيرة أقامت هذا العالم . يقوم العمل علي هذه المفارقة في الذات الإنسانية التي تكتب الشعر بيد وتقتل بالأخري ، ويبدأ هذا الصراع مع العنوان نفسه ، حيث أن الهدوء لا يعرف طريقه إلي قلب القاتل إلا إذا كان من هؤلاء الذين يقتلون علي عقيدة راسخة . إذن فقد بدأ السرد مبكراً ، ورحلة الغوص في النفس البشرية بدأت من العنوان ، الذي دعمه الغلاف الذي عكس روح العمل بصور قليلة : دمية صغيرة تعبر عن البراءة ، صورة جانبية لرجل باللون الأبيض والأسود ، والخلفية لرجل يرتدي جاكيت مفتوح لمنتصفه . وكلها صور تستطيع أن تراود القاريء أثناء قراءة النص ، للبطل نفسه . تبدأ " هدوء القتلة " بتسليط الضوء علي المكان ، مدينة القاهرة ، التي يصفها بأن أحدا لا يعرف حقيقتها سوي القتلة ، فهُم من يدركون مدي صغرها ، وسريعا ما ينتقل لتاريخ الدماء فيها . هذه المدينة يشاهدها البطل ، الأن ، من خلال شرفة في الطابق الثالث والعشرين . وهنا نلاحظ أن الرواية تبدأ بصوت البطل ، الذي يستمر في الحكاية علي طول العمل ليكون الراوي العالم بكل شيئ ، من أحداث وشخصيات وأبعاد نفسية ، ورؤي يعبر عنها فتكتسي بثوب المتأمل . وربما يصلح الفصل الأول كمقدمة لما تدور حوله الأحداث فيما بعد ، حيث لعب دور المرجعية بالنسبة للقاتل . ففي هذا الفصل يحكي لنا عن الناسك الحليق ، ويرسمه لنا بتفاصيله " حليقا بما يليق برجل رأي الله كثيرا في مناماته وعرف أقصر الطرق لتجنبه . في أذنه اليسري قرط معدني علي هيئة ثعبان مجنح يتدلي علي كتفه ، ومكان أذنه اليسري ... ثبت قماشة " . وانتقل لوصف المكان الذي عاش فيه ناسكه ، حيث " الفئران تتقافز في حجره ، تلتهم فتات الخبز الذي تبقي من طعامه ، وبيده المقدسة تعود أن يملس علي فرائها المنحولة ..." . وبالاضافة للفئران التي ترافقه ، نجد النمل والسحالي ، كما تدخل النسور لتنذر بموت قادم أو لتنبه بجثمان فاحت رائحته . ولعل أهم ما في حياة هذا الناسك هو هذا " المجلد الضخم : تاريخ غرامه السري " ، القادر علي إسالة دموعه أو بث القوة فيه من جديد ليستعيد هيئة الديكتاتور القديم الذي كانه . وهذا المجلد الضخم ، الذي لعب دور البطل المختبيء علي طول الرواية ، هو مخطوطه الدموي المقدس " الذي ظنه ذات يوم سريا " ، والذي تركه الناسك لنسله المنتشرين في أرجاء المدينة ، و هم من صاروا من بعده ، مثله ، " قتلة متوحدون ، " غارقون في منامات خطرة ، لايرون وجه الله سوي بعيون مغلقة " . وهنا يأتي صوت السارد ليؤكد أنه " واحد من هؤلاء " . ويعتبر هذا الفصل التأسيسي أقوي فصول الرواية من حيث الوصف ، كما أنه امتاز بقدرة عالية علي التحليق في عالم ساحر ، لم يلامس خلاله الأرض حتي نهايته . في الفصول التالية يهبط السارد من سمائه ليقترب أكثر من شخصياته ويسلط الضوء علي تفاصيلهم . " ليل " الاسكافي ، " جابر " ذو الساق الصناعية ، والعلاقة المتوترة بينهما ، التي يطل عليها السارد ـ البطل ، بعين المراقب . ويركز الضوء أكثر علي شخصية تشبهه ، حيث ليل " قرر كثيرا أن يقتل جابر " ، بيته " ليس سوي غرفة في قلب المقابر " له قدمان " واحدة غائصة في الحصي والأخري معزولة في فردة حذاء عالية الكعب " " ليل سفك دماء كثيرة قبل ذلك " ، ولأن الاول قاتل فهو يعرف جيدا كيف تكون يد القاتل الأصيل " إنها تشبه يد العازف ، أناملها مخنثة ، أطرافها ناحلة ووردية " ، ولأن البطل يعاني من انفصام في شخصيته يبدأ في مقارنة يده القاتلة بيده الشاعرة " رغم التشابه الرهيب بينهما إلا أن الثانية تبقي آمنة ، لأنها بينما تستحضر لحظات زائلة ، تكون الأولي بالتزامن منهمكة في اخلاص في تأكيد حيوات مبتورة " . وبداية من هنا ينتقل للحديث عن ذاته المتناقضة ، بواقعية خالصة . يبلغ الثلاثين عاما ، يده اليمني ، القاتلة ، تستريح في قفاز قطيفي داكن ، أما الأخري ، التي تكتب القصائد ، فهي عارية وملوثة بالأحبار ، موظف في الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء ، ولمزيد من الواقعية " عندما أموت... لن ادفن هنا . سيعودون بجثماني إلي بلدتي : مقبرتي الأصلية ....ربما يعيدونني إلي المصحة ، وأهرب كالعادة ... " ، هنا ، في هذه الجملة الأخيرة ، يكمن أحد مفاتيح النص التي أبرزها الكاتب فجأة ومر عليها سريعا ، وبهذا يتضح لنا البعد النفسي للبطل : اعتاد الهروب من المصحة ( النفسية) ويقوم بالقتل بناء علي عقيدة زائفة . ولعل هذه الجملة ، السريعة البسيطة ، قد أعطت للنص منطقية لكل ما يحدث ، وجعلته ممكن التصديق ، وربطت التحليق في السماء والانغماس في المقابر بخيط حريري ، خاصة أنها جاءت بعد وقوع حوادث قتل ، ومتزامنة مع قتل احد الأبطال ( ليل ) . يحكي لنا السارد أيضا تفاصيلا متعلقة بقتل شخصياته : جابر ، المصور ، سلمي ، بائعة الورد ، بائعة اللبن ، تكرار قتل سلمي وبنفس الطريقة ، ليل ... والحكاية التي تربطه بكل منهم . وخلف كل حكاية تبرز النظرة الفلسفية للأمور ، وأحاسيس الشاعر الرقيقة . تتميز الرواية بالحكايات المرتبطة بالمجمل ، والقدرة علي وصف أحاسيس مختلفة لأناس مختلفين ، مثل " سرب الرجال علي الكراسي المتحركة " " المانيكانات " ، وقصص البطل مع قاتليه ، وأخيرا مع هناء . كما انها تدور في عالم يتراوح بين الواقع والخيال ، لعبت فيه اللغة ، بالمفردات الخاصة للروائي ، دورا كبيرا لصب المتعة في ذهن القاريء . وربما تكون القصص القصيرة هي ابرز ما في الرواية ، حيث اعطتها بعدا فلسفيا وصبت علي الراوي نفسه قدسية خاصة ، تلائم المهمة التي يؤديها ، والمقدسة من وجهة نظره . ولم تكن الرواية في حاجة لشخصيات أخري ، ولا لتفاصيل أكثر للأحداث المروية ، لكنها كانت في حاجة لحكاوي مرتبطة بالشخصيات التي ساندت البطل ـ الراوي ، لتزداد متعة القاريء بخيال الراوي المحلّق ، وحكاويه ، التي بلا شك كانت ممتعة .

أحمد عبد اللطيف

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...