الخميس، مارس 06، 2014

عندما يصبح وزير الثقافة خبيراً استراتيجياً



أحمد عبد اللطيف

     "لا وقت للديمقراطية في هذه الظروف واللحظة العصيبة التي تمر بها البلاد".
     العبارة السابقة ليست لوزير الداخلية سعادة اللواء محمد إبراهيم، ولا لوزير الدفاع سعادة المشير عبد الفتاح السيسي، ولا لخبير استراتيجي من هؤلاء الذين بلتنا بهم القنوات الفضائية. العبارة السابقة، يا للسخرية، لوزير "الثقافة" سعادة اللواء صابر عرب- بحسب جريدة البديل بتاريخ 27 يناير المنصرم- خلال لقاء "فكري" بمعرض الكتاب.

    في العبارة التي تعكس رأي السلطة،  لم يوضّح لنا سعادة الوزير بدرجة لواء ما الوقت المناسب لمجيء الديمقراطية؟ وهل يجب أن تتصل تليفونياً قبل المجيء أم أن البيت بيتها؟ وكم مرة في الأسبوع يمكننا استقبالها؟ وهل سيسمح لنا باستقبالها أم سينفرد بها؟ وهل سيجد لها الوزير موعداً في أجندته، أم أن أجندته ممتلئة بمواعيد أخرى أكثر أهمية؟

    الوزير الذي جاء للوزارة بعد ثورة ضد الديكتاتورية، وأصبح وزيراً للثقافة في عهد المجلس العسكري وحكم الإخوان وسلطة يونيو، لا يجد أي غضاضة في نظام الثكنة كما لم يجد أي غضاضة في نظام الزاوية، ويتبرع، دون أن يطلب منه أحد ذلك، بالدفاع عن الديكتاتورية باعتبارها تأتي دائماً في الوقت المناسب. وإذا كان سعادة الوزير اللواء لا يرى فائدة في الديمقراطية، فلماذا كانت لعبة تأسيسية الدستور التي شارك فيها؟ وهل يعني ذلك أن السيسي هو الرئيس القادم بدون انتخابات، أم أن الديمقراطية ستأتي لتشرب شاي وتمشي بسرعة؟
    تصريح اللواء صابر عرب ربما يؤهله بجدارة للبقاء في التشكيل الوزاري القادم، وأغلب الظن سيرسخ أقدامه في "الثقافة" لعدة سنوات لا يعلم مقدارها إلا الله، فالسلطة الجديدة التي سنت قانوناً للتظاهر وسخّرت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والمطبوخة لتأليه فرد لم يصل إلى الآن لكرسي الرئاسة، لن تجد وزيراً للثقافة أفضل من هذا الذي لا يؤمن بالديمقراطية ويتعامل معها باعتبارها قلاقل وفوضى وهرج ومرج، وربما تكريماً لعبارته التي تعكس خلفية أمنية، يستعينون به لتأدية خدمة أكبر للوطن بتولي وزارة الداخلية، ما يسمح له بمحاربة الإرهاب ببندقية في يده، ونيل رتبة لواء رسمياً.

   لا يعرف اللواء عرب، على ما يبدو، مهام وظيفته، بل ولا يعرف ما يجب أن يقوله ويعتقده وزير ثقافة، ويبدو أنه تأثر كثيراً بالخبراء الاستراتيجيين حتى صار يردد كلامهم دون أن يدري أنه بذلك يخرج، ليس فقط من صفوف المثقفين المناوئين للعسكر والإخوان، بل من صفوف المؤمنين بأفكار الدولة المدنية الحديثة التي لا يمكن للثقافة أن تعمل إلا في ظلها. فالديمقراطية، يا سعادة اللواء، ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة يمكن من خلالها أن يعبّر أفراد مجتمع ما عن آرائهم وأحلامهم، وهي الطريق التي اتفقت الإنسانية، بعد العديد من التجارب المريرة، على السير فيها واحترام قواعدها. والديمقراطية هي النظام الذي عبره تعمل وزارة الثقافة، التي تتولاها، لأن في غياب الديمقراطية تتحول وزارتك إلى ذراع من أذرع السلطة، وتتحول أنت شخصياً لفرد أمن. وإذا كنت ترى أن هذا ليس الوقت المناسب للديمقراطية، فنصيحتي لك أن توفر ميزانية "الثقافة" وتتبرع بها لوزارة الداخلية، فالديكتاتورية تحتاج إلى كثير من الرصاص.   

منشور في "قل" 

      


جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...