الخميس، مارس 06، 2014

أنا لا أعرف لماذا قامت الثورة


أحمد عبد اللطيف


(1)

     لماذا قامت الثورة؟
1) أنا لا أعرف لماذا قامت الثورة، 2) أنا كنت في الحمام ساعتها 3) غلطة وبنحاول نصلحها.

     بشكل أو بآخر، تتردد الإجابات السابقة، تنتشر وتسود ليس كالنار في الهشيم فحسب، بل كاليقين في قلب المؤمن. مكمن الخطر أن النار تأكل الهشيم وينتهي أمره ويمكن عمل هشيم جديد، لكن اليقين في القلب لا يمكن انتزاعه إلا بشق الأنفس.  

    لا أسلم بالطبع بأن يناير كانت ثورة شعبية شارك فيها أغلبية الشعب، كنت أسمع بودني الشتائم الموجهة لمتظاهري التحرير بمجرد أن أخرج من الميدان، كل ما يمكن أن يغتال الحماسة كان يتردد بعيداً عن شعب التحرير، والمتعاطفون مع مبارك والباحثون عن الاستقرار والمدافعون عن عجلة الإنتاج والخائفون من مرحلة ما بعد مبارك، كلهم من نفس الشعب. لأكن صريحاً: أنا لا أعرف ما الشعب ولا من الشعب، فيناير من بدايتها قسمت الناس إلى مجموعات، وأصبح الحديث عن ثورة شعبية يستلزم الحديث أيضاً عن ثورة مضادة شعبية، وليس ما يثار حول الارتداد عن الثورة في حقيقته إلا علو صوت أعداء الثورة وتراجع الأصوات الثورية. هل هو تراجع بالفعل أم صوت مكتوم؟ وهل الخوف من الإخوان ذريعة للارتماء في حضن العسكر من جديد؟

(2)

     ليس مؤسفاً على أي حال أن يقال على الثورة "نكسة" و "خيبة"، فنفس من يرددون هذا هم من كانوا يرددونها من قبل، هم من كانوا يسبوننا في الطرق والمواصلات ووسائل الإعلام. لكن المؤسف هو الاعتراف بيناير كثورة وتأييد المحاكمات العسكرية والدولة الأمنية وقانون التظاهر وقتل طلاب الجامعات والتعسف وسوء استخدام السلطة من قبل أفراد الشرطة، وفوق كل هذا تأليه عسكري ودفعه للترشح للرئاسة "قال إيه هيعدينا". وبنفس المنطق الذي كان يرفع به البعض صورة عبد الناصر في المظاهرات التي تردد "يسقط يسقط حكم العسكر"، يقول هؤلاء إنهم يؤمنون بثورة يناير ثم يؤكدون أنهم يؤيدون السيسي لرئاسة الجمهورية. هذه الشيزوفرينيا تذكرني بنكتة إسبانية خاصة بمدى سعادة المرأة في حياتها الجنسية، تقول: "سأل الدكتور سيدة: بتمارسي الجنس كل اد إيه؟ قالت: كل يوم. وكام مرة في اليوم؟ تلت مرات. وكل مرة فأد إيه؟ ف ساعتين. اندهش الطبيب وسأل: ازاي يعني؟ الصبح بصحي ابني وبجهز له الفطار وبلبسه وبوديه المدرسة، وبرجع أنضف البيت وأروقه واشتري الطلبات، والضهر بروح اجيب الواد من المدرسة وبرجع أغسل وأنشر وأجهز الغدا، وبالليل بغسل المواعين وبكوي اللبس وبشوف الحاجات اللي بايظة في البيت وبصلحها. الدكتور مستغرب جداً سألها: إيه مفهوم الجنس بالنسبة لك!

(3)

     سؤال ثورة يناير الآن هو السؤال الأهم مع قرب الانتخابات الرئاسية، وأسباب الثورة ودوافعها وأهدافها هو ما لا يجب أن ننساه، ومع إزاحة الإخوان وفقدهم لشعبيتهم في الشارع، سيكون من المخزي أن نعود للنقطة صفر. الصراع الآن بكل وضوح بين القوى المدنية والعسكر، وتأييد العسكر في هذه المرحلة سيكون معناه اختيار واحدة من الإجابات الثلاث في أول المقال، ما يعني الاستمرار في الجلوس على حجر العسكر إلى عدد من السنين لا يعلم مداه إلا الله. وإذا كانت المؤسسة العسكرية هي من أعلنت ترشيحها للسيسي، فهذا يعني أن المؤسسة العسكرية هي من ستتكفل بالدعاية الانتخابية وتسخير أذرعها للإحاطة به، ومن ثم الدفاع عنه وحمايته بعد أن يجلس على كرسي السلطة بشكل رسمي. وإذا كانت المؤسسة العسكرية قد رفضت التوريث من قبل ولم تستخدم مدافعها في القضاء على ثوار يناير (؟) بمنطق "أهي جت من الشعب"، وإذا كانت قد نشرت رعايتها على مناهضي حكم الإخوان بفكرة "بضاعتنا ردت إلينا"، فلن ترحم بأي حال من الأحوال الخارجين على السيسي بعد تنصيبه رئيساً، وسيعتبرون كل احتجاج عليه تمرداً عليها، ما سيعطي لها الحق، من وجهة نظرها، في إراقة المزيد من الدماء بحجة الحرب على الإرهاب، لينضم أبناء يناير، كما انضموا الآن بالفعل، إلى خندق أعدائها الذين يجب مواجهتهم.

(4)

     الحروب معارك، والثورات مراحل، والحرب على الإرهاب ليس اختراعاً من العسكرية المصرية، بل سبقته إليها كل الديكتاتوريات في العالم وخاصةً في أمريكا اللاتينية. هي الطريقة المثلى لفرض السيطرة بتأييد شعبي، بث الرعب في قلوب المواطنين ليكون الأمان مقابل التنازل عن الحقوق والحريات بل والتنازل عن النمو الاقتصادي وتداول السلطة وحرية الصحافة والإعلام.
      الأمل الوحيد في الأفق أن تتحد القوى المدنية لتطرح مرشحاً واحداً تلتف حوله كل الأصوات المؤيدة للحكم المدني، واضعين في الاعتبار أن الذين لا يعرفون لماذا قامت الثورة، والذين كانوا في الحمام وقت الثورة، والذين يرون الثورة غلطة يجب تصليحها، كلهم، كلهم بلا استثناء، سينحازون لمرشح العسكر.

منشور في "قل"


جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...