الاثنين، أبريل 20، 2009

قصة : باقة ورود زرقاء

للكاتب المكسيكي الأشهر : أوكتابيو باث استيقظتُ وأنا أتصبب عرقاً . كانت الأبخرة الساخنة تتصاعد داخل غرفتي المشيدة من الطوب الأحمر ، التي قد رششتها بالماء قبل نومي . خطفت بصري هذه الفراشة بجناحيها الرماديين ، بحومها حول بؤرة صفراء . انتفضتُ من أريكتي ، سرتُ حافيا داخل غرفتي ، وكنت حريصا ألا أطأ عقرباً هجر جحره لينعم بنسمة هواء باردة .اقتربتُ للنافذة الصغيرة ، استنشقت ملء رئتي نسيم الريف ، سمعت تنفس الليل ، الهائل والرقيق . عدتُ بعدها لمنتصف الغرفة ، أفرغتُ ماء الدورق في الطشت المعدني ، بللتُ فوطتي ، ودعكتُ بالقطعة المبللة رقبتي وقدميّ . جففتُ أعضائي ، وارتديتُ ملابسي ، بعد أن تحققتُ أن ثناياها خالية من الحشرات ، ثم انتعلتُ حذائي . هبطتُ درجات السلم متخطياً الدرجة الخضراء ، ووجدتُ صاحب البنسيون جالساً عند مدخله . رجل أعور ومتحفظ ، يجلس علي مقعد صغير من التول ، يدخن بعينين شبه مغمضتين . سألني بصوت أجش : ـ رايح فين يا سيدي ؟ ـ أتمشي ، هنا الجو نار . ـ آه ، بس هنا مفيش حاجة فاتحة دلوقتي ، وكمان مفيش نور . خليك هنا أحسن . ربتُ علي كتفه وهمستُ في أذنه " مش هتأخر " . دخلت بعدها في ظلام دامس . في البداية لم أر شيئاً ، فسرتُ أتلمّس طريقي في الشارع المرصوف ، وأشعلتُ سيجارة . سطع القمر فجأة من خلف سحابة سوداء ، فأضاء جداراً أبيض وفتت بالتدريج قطع الظلمات . وقفتُ امام بياضه مشدوهاً ، فاقداً بصري . سمعتُ صفير الريح ، وتنفّستُ عطر التمر هندي . كان الليل يهتز بحشراته وورقات أشجاره ، وكانت الضفادع كامنة في معسكرها بين الحشائش الطويلة . رفعتُ وجهي للسماء : النجوم ايضا تكمن في معسكرها العلوي . فكّرتُ في الكون : ماهو إلا نظام رحب من الدلالات ، ما هو سوي حوار بين كائناته الهائلة . إن حركاتي ، ونقيق الضفادع ، الشبيه بصوت منشار ، ورمشة النجوم ، ما هي إلا وقفات ومقاطع وعبارات مبعثرة من هذا الحوار . ماهي هذه الكلمة التي أشكّل فيها مقطعاً ؟ من الذي يتفوه بها ومن الذي يتلقاّها ؟ رميتُ السيجارة علي الرصيف ، فشكّلتْ منحنياً مضيئاً بمجرد سقوطها ، وتناثر منها شرر ضئيل ذكّرني بطيارة ورق صغيرة . سرتُ الهوين لوقت طويل ، وشعرت بالحرية والأمان مع هاتين الشفتين اللتين نطقتا بسعادة بالغة : الليل حديقة مليئة بالعيون . عندما هممت بعبور الشارع ، شعرت أن أحدا ينطلق من داخل مدخل بيت . رجعتُ ، لكنني لم أتمكن من تمييز أحد . أسرعتُ الخطي ، وسمعتُ بعد لحظات ضجيجاً خامداً علي بعد خطوات ، ضجيج يخطو فوق الأحجار الساخنة . لم يرُق لي أن ألتفت ورائي رغم ادراكي لاقتراب الظل ، الذي يزداد التصاقا بي . حاولتُ أن أطلق ساقي للريح ، لكنني عجزتُ عن ذلك . تسمرتُ في مكاني فجأة ، وقبل أن أدافع عن نفسي ، شعرتُ بنصل سكين في ظهري وسمعت صوتاُ عذباً : ـ لو اتحركت هدفنك ف مكانك . وبدون أن ألتفت إليه سألته : ـ عايز إيه ؟ ـ عايز عينيك يا سيدي .ـ أجابني صوت ناعم وشبه حزين . ـ عيني! وهتفيدك في ايه عيني ؟ اسمع ، أنا معايا فلوس كتير ، مش كتير قوي يعني ، أديك كل اللي معايا ، بس تسيبني ، ما تقتلنيش . ـ ما تخافش يا سيدي ، مش هقتلك . أنا مش عايز أكتر من عينيك . سألته مرة أخري : ـ وهتفيدك بإيه ؟ وليه عيني بالذات ؟ ـ ده طلب خطيبتي ، عايزة بوكيه ورد متزين بعيون زرقا ، وهنا مفيش حد عينه زرقا . ـ بس أنا عيني مش هتنفعك ، لأنها مش زرقا ، دي صفرا . ـ وكمان عايز تضحك عليّا . أنا عارف العين الزرقا كويس قوي . ـ ماهو ما ينفعش حد ياخد عين حد كده . أنا هديك حاجة تانية . ـ ما تبقاش متزمت كده . قال لي هذه العبارة بقسوة شديدة . فالتفت إليه فوجدته نحيلاً هزيلاً ، يغطي نصف وجهه بقبعة ، ويمسك بيده اليمني سكيناً يلمع مع ضوء القمر . ـ ارفع وشك ! امتثلت لأمره ، وأشعلتُ عود كبريت وقرّبته من وجهي ، فأجبرني لهيبه أن أغمض عيني قليلاً . فتح جفوني بيد قوية . لم يسعه أن يري شيئا ، فوقف علي أطراف أصابعه وتأملني بدقة . كاد اللهيب أن يحرق أناملي ، فألقيت بعود الكبريت علي الأرض . التزم الصمت برهة . ـ صدقت بقي إن عيني مش زرقا ؟ ـ انت حدق قوي ! ـ أجابني ـ ولع عود غيره! . أشعلت عودا آخر وقربته لعيني ، فأمسكني من كم قميصي وأمرني : ـ اركع علي ركبتك ! ركعت ممتثلا لأمره ، فأمسك بشعري باحدي يديه وشد رأسي للخلف ومال فوق صدري . كان مدققاً ومتوتراً ، بينما كان نصل السكين يقترب ببطء ويلمس جفني . أغمضتُ عيني تلقائياً . ـ افتحهم كويس ـ أمرني . فتحتهما بطاعة ، فأحرق لهيب النار رموشي . فجأة أطلق سراحي . ـ عينك مش زرقا ، عفيت عنك . واختفي . ارتكزت علي جدار ما ، واضعاً رأسي بين كفي ومستويا في مجلسي . نهضتُ بصعوبة ، فوقعتُ ، ثم نهضتُ من جديد . شرعتُ في الركض ، وواصلت ركضي ساعة كاملة في هذه القرية المهجورة . وعندما وصلت للميدان ، رأيت صاحب البنسيون جالساً كما كان أمام المدخل . دلفت دون أن أنبس بكلمة . وفي اليوم التالي قررتُ أن أهرب من هذه القرية .
نشرت بترجمتي في مجلة نزوة العمانية.

الجمعة، أبريل 17، 2009

راكبة الدرجة الأولي

قصة : راكبة الدرجة الاولي للكاتب الارجنتيني : بيوي كاسارس
تمر الساعات برتابة في هذه المدينة الإستوائية ذات السوق المتواضع الذي يزوره زبائن عرضيون تبعثهم عادة شركات التبغ . ترسو السفينة في الميناء ، فيحتفل قنصلنا بها ، مقدما الموائد في الصالون العربي بفندق بالمز . ضيف الشرف دوما لا يتغير : القبطان ، المدعو من قبل رجل أسود من القنصلية يمكث عادة بجانب السفينة . يرجو الرجلُ القبطانَ أن تشمل الدعوة مجموعة يختارها بنفسه من الركاب وطاقم السفينة . تقدم الموائد أطعمة شهية ، إلا أنها تبدو فاسدة من الرطوبة . ومع أنها مطبوخة بمهارة ، إلا انها مشكوك في صلاحيتها . الفاكهة هي الشيئ الوحيد المحتفظ بطزاجته ، أو بقول أصدق : الفاكهة والنبيذ ، كما شهد بذلك الركاب الذين لم ينسوا أبداً طعم الخمر الأبيض الآسر ولا إنشراح صدورهم بالمرح الناتج عنه . في هذه المرة ، وأثناء تناول الغداء ، سمع القنصلُ سائحةً ، واسعة الثراء وطاعنة في السن وتتميز بالرصانة وطلاقة اللسان وترتدي ملابس انجليزية مريحة ، تقول هذا التعليق أو الحكاية : " دائما أسافر في الدرجة الأولي ، إلا أنني أعلم عن يقين أن كل المزايا تقدم لمسافر الدرجة الثانية ، بداية من سعر التذكرة التي تعد ميزة كبري ، ومرورا بالأطعمة التي نعرف جيدا أنها تخرج من نفس المطبخ ويعدها الطباخون أنفسهم لكلتا الدرجتين علي حد سواء ؛ بل أن الدرجة الثانية تتمتع بالأطعمة اللذيذة والطازجة والمتنوعة ؛ وليس إنتهاءاً بتفضيل طاقم السفينة للطبقة الشعبية . وهذا التفضيل الذي أتحدث عنه ، ولا أظنه هلاوس بصرية ، ليس مرتبطا بالطبيعة البشرية ، بل أنه انطبع في قلوب الناس بفضل الكتاب والصحفيين وكل هؤلاء الذين ننصت اليهم بكل شغف وريبة ، إلا أنهم يقنعونا بمثابرتهم وجلدهم . وأسوأ ما في الأمر أن تذكرة راكب الدرجة الثانية محددة بأكلات معينة ، بينما تذكرة الدرجة الأولي خالية من أي قيود ، ونتيجة ذلك بالطبع أننا لا نجد جرسونا واحدا يقترب منا ، وبالتالي فإن الاهتمام والرعاية تنصب علي الدرجة الثانية لا الأولي . قد تصدقني لو جزمت لك أنني لا أنتظر شيئا من الحياة ، لكنني أعشق الحركة والناس الجميلة والشباب . والآن سأفصح لك بسر : الجمال والشباب وجهان لعملة واحدة ، بالرغم من أننا نصّر علي عكس ذلك . فالعجائز أمثالي لا فائدة منهم في الدنيا ، ويكفي أن ننظر لصبي يرقص أمامنا لنشعر بالدوار . حسنا ، فلنرجع لموضوعنا ، قضية الدرجات ، الشباب يسافر عادة في الدرجة الثانية ، أما الدرجة الأولي فلا تعرف معني الرقص ، ولو وجدناه سنشعر أن الراقصين جثث هربت في التو من قبورها ، مرتدية أجمل ثيابها وكل حليها علي أمل أن تحتفل بليلة ليلاء ، تعود بعدها كل جثة ، نصف منسحقة ، إلي قبرها في الساعة الثانية عشرة بالضبط . يمكننا بالطبع أن نحضر حفلات الدرجة الثانية ، لكن علينا حينئذ أن نتخلي عن أية حساسية ، فهؤلاء القاطنون في الدرجة السفلي ينظرون لنا علي أننا نظن أنفسنا ملوكا يزورون أحياءً فقيرة . وعادة ما نجد الطبقة الشعبية يصعدون إلي درجتنا العليا عندما يحلو لهم ذلك ، بدون أن تمنعهم سلطة ولا يعترض طريقهم أحد بوضع حواجز بغيضة أكل عليها الزمن وشرب . وفي زيارتهم هذه، نستقبلهم بترحاب ، ونعتدل في مأكلنا ومشربنا ، ولا نسرف في عواطفنا مراعاة لمشاعرهم وحتي لا يكتشف هؤلاء الضيوف العرضيون أننا نضعهم في تصنيف آخر ـ وهو الدرجة الثانية التي تعد فخرا حقيقيا للرحلة طوال مدتها ـ كما أننا نخشي أن نجرح مشاعرهم . لكننا ، والحق أقول ، لا نسعد بزيارتهم ، لأنها تحدث عادة قبل الفجر ، حيث يأتون غازين ، مقتحمين ، هذا الاقتحام الحقيقي الذي يبحث فيه المقتحم بلا رحمة عن غرفة راكب لم تغلق جيدا ، أو راكب تأخر بالخارج سواء في الحانة أو المكتبة ، أو حتي في الصالون الموسيقي .يبحثون عن غرفة شخص منا . وأقسم لك يا سيدي أن هؤلاء الصبية يأخذون ما يجدونه ويخرجون من غرفنا ليلقوه من حافة السفينة في غياهب البحر العميق ، بلا مراعاة لمشاعرنا . في غياهب البحر العميق ، المضاء بقمر لا يتألم ، كما يقول الشاعر الكبير ، والمسكون بكائنات خرافية ، مرعبة ، خلقناها من نسيج خيالنا . وهكذا في كل الصباحات ، نتبادل ، نحن سكان الدرجة الأولي ، النظرات المعبرة بعيون لا تخفي شيئا ، ومعلقة ، " وأنت ، ألم يصبك مكروها بعد ؟" وبلباقة وحيطة ، لا نتحدث عن الأشياء المفقودة ، لأنه طبقا لبعض الروايات التي لا أساس لها من الصحة ، والرغبة المتوحشة في بث الخوف والاعتقاد بأن الطرف الثاني كاملا بلا نقيصة ، يقال إن أبناء الدرجة الثانية يزرعون بيننا عصافير جاسوسية . وكما قلت سلفا ، فقد فقدت درجتنا مزاياها وأصبحت كالذهب ، لا يحتفظ سوي بسمعته . لكنني ، وربما يرجع ذلك لنقيصة يصعب اكتمالها في مثل عمري ، لا أرضي أبدا أن أكون راكبة من الدرجة الثانية" .

السبت، أبريل 11، 2009

قصة : ساقي اليمني / خوان مياس

كان ابي واقفاً علي حافة الرصيف بجانب سيارته ، ممسكاً بيده علبة من البلاستك ، ومنتظراً أن يعبر أحد . عبرتُ أنا بالموتوسيكل ، واضعاً فوق رأسي خوذة تخبئ وجهي تماماً ، فوقفتُ أمامه ، دون أنا أعرّفه بنفسي . ـ هل نفد البنزين ؟ سألته . ـ نعم ـ أجابني . ـ اركب . ركب أبي دون أن يتعرّف عليّ . لم نتقابل أو نتحدث منذ خمسة أعوام مضت ، وآخر مرة عانقته فيها كان يوم دفن أمي . بعدها ، دون أن يحدث خلاف بيننا ، بدأت تنقطع مكالماتنا التليفونية حتي اختفت تماماً . لاحظتُ أنه كان يحني رأسه ليتفادي الهواء ، ولابد أنه لاحظ إرتفاع كعب فردة حذائي الأيمن ، فساق هذه الفردة أكثر قصراً من الساق اليسري . لقد حدثني كثيراً عن الغضب الذي تملكه عندما أخبره الطبيب بعد مولدي بهذا الأمر . ورغم أنني لم أشعر أبداً بالأسي ، إلا أنهما كانا يشعران بالذنب أمام هذه الستيمترات الناقصة في ساق ، أو الزائدة في أخري ، فالأمر يتوقف علي رؤية كل منا ، وأنا لم أعرف أبداً أيهما المعيبة ، القصيرة أم الطويلة . أقود الموتوسيكل بمهارة فائقة ، وأدخل بين السيارات بحركات تبدو بعيدة عن الحيطة في رأي البعض . خلال ذلك ، لاحظت أن أبي ، رغم تحفظه في لمس الرجال ، كان يمسك بكتفي بيده اليسري بينما يحاول أن يلصق بفخذه العلبة البلاستكية التي يسندها بيده اليمني . أدركتُ أنه لم يتوقف عن النظر لفردة حذائي المرتفعة ، ولابد أنه قد سأل نفسه عن إحتمالية أن أكون ابنه ، وربما تذكر الأطباء الذين زارهم وسلسلة الأشعات التي قمتُ بها ومجموعة الحلول المقدمة ، ليصل في النهاية لهذا الحل البسيط والعملي بإضافة قطعة صغيرة لحذاء الساق الأقصر . حينها ، ضغط علي كتفي ضغطة يمكن تفسيرها بأنها نتيجة لتحريك عاطفته ، لكنني لم أتجاوب معه . وصلنا بعد قليل إلي محطة البنزين ، فنزل من الموتوسيكل وبيده العلبة البلاستكية . أخبرته أنني ليس بوسعي أن أصطحبه في العودة لسيارته ، فأجابني بألا أشغل بالي ، فلابد أنه سيجد من يصطحبه . لاحظتُ أنه يحاول أن يكشف وجهي بعينيه ، عبر مقدمة الخوذة المشبرة . في هذه الليلة ، دق الهاتف عدة مرات في بيتي ، لكن الاتصال كان ينقطع قبل أن أرفع السماعة .

الأربعاء، مارس 25، 2009

قصة : كتابة ضد الرغبة

خوان مياس عندما أسأل نفسي هل كان لنا مدرسون أفاضل ، أتخيلهم ، واحداً واحداً ، فيطاردني سؤال آخر ، هل كان لهؤلاء المدرسين تلامذة نجباء . بشكل عام ، كنا تلامذة أشقياء ، لا ينعم في وجودنا لا المُربي الطيب ولا الشرير . من بين هؤلاء كان مدرّس الأدب، الذي كان يأمرنا بكتابة موضوعات مختلفة . فيطلب منا ، مثلاً ، إذا شاهدنا فيلماً قد أعجبنا ، أن نكتب عكس إرادتنا ، شريطة أن نكتب بطريقة يعجز أمامها القاريء عن كشف الكذب من الحقيقة . بعد كتابة العديد من هذه الموضوعات ، انتبهتُ أن كثيراً من الأفلام ، التي اعتقدتُ أنها أعجبتني سابقاً ، ليست إلا أفلاماً لا قيمة لها . تعلّمتُ أيضاً أنه بقليل من الموهبة والممارسة يمكنني الدفاع عن أوضاع لا يمكن الدفاع عنها . إلي الآن مازلتُ أستخدم منهج هذا المُعلم ، حيث أن كثيراً من موضوعاتي أكتبها مباشرة ضد رغبتي ، لأنني لا أثق كثيراً أن أفكاري الناتجة عن إنطباع ما أفكار صائبة . ذات يوم ، أمرنا المُعلّم أن نكتب موضوعاً عن أبائنا . طلب منا أن نتخيل أحدهما علي وشك الموت ، وعلينا أن نقرر أيهما في هذا الوضع . لم نتكلم في الفسحة عن شيئ آخر . ـ أنا أختار أبي ـ قال أحدنا ـ لكنه من ينفق علي البيت! ـ لا تشغل بالك ـ رد آخر ـ فأمك ستعيش من المعاش . ـ وما هو المعاش ؟ سأل ثالث من بعيد . أنا لم أكن أدري أيهما أختار ، فتخيلتُ كلتا الفرضيتين ، واخترت هكذا من سيسبب لي وفاته ألماً أشد ، فلقد صرتُ خبيراً ، أو هكذا كنتُ أعتقد ، في الكتابة ضد رغبتي . قتلتُ أبي إذن ، وحصلتُ علي تسعة من عشرة ، وهي اعلي درجة حصلتُ عليها في حياتي بأكملها ، وبفضلها لم أرسب ، لأول مرة ، في مادة الأدب في امتحان الشهر . هنأني أبي وأعطاني قبلة ، فشعرتُ أنهما تهنئة وقبلة من رجل حُكم عليه بالموت . احتملتُ هذا الشعور بالذنب مدة عام ، حتي ساقتني الصدفة وبعض الأعراض إلي غرفة المحلل النفسي ، وهناك تحققتُ أن كل الأطفال يرغبون قتل آبائهم ليستحوذوا كلية علي أمهاتهم . إذن فقد فعلتَ الصواب ، أخبرني محللي النفسي ، ناصحاً إياي ألا ألوم نفسي بهذه الطريقة . ما يؤلمني حقاً ، الآن ، أنني فعلتُ ما كان متوقعاً . وفي هذه اللحظة أسأل نفسي هل لو كنتُ قد اخترتُ أمي للموت كنت سأحصل علي عشرة من عشرة ، وأعطوني مرتبة الشرف!

الأربعاء، مارس 18، 2009

دقة مواعيد

دقة مواعيد

قصة ل خوان مياس

كان لي خطيبة تكره الدقة في المواعيد ، وكان ذلك يبدو لها أحد عيوب البورجوازية . في تلك الفترة كنتُ أصل دائما قبل موعدي بنصف ساعة ، ليس كرد فعل معاكس ، وإنما لمشاكل عقلية ، فقد كنت أعتقد أنني لو تأخرتُ في مواعيدي ستحدث كارثة . بالأضافة لذلك ، فإن ميزة الوصول إلي المطار ، مثلا ، قبل موعدك بساعتين أو ثلاث يتيح لك الفرصة ، إن كنت قد نسيت جواز سفرك ، أن تعود للبيت لتحضره دون أن تفقد رحلتك . لم تكن خطيبتي تفهم هذه التفسيرات ، بل وكانت تلومني بمرارة علي بورجوازيتي التقدمية في سنوات كانت فيها الطبقة الوسطي تنظر للطبقة الوسطي باحتقار . شرحتُ لها حينئذ أنني أصل قبل موعدي لألقي نظرة من بعيد علي الناصية التي تواعدنا عندها ، لأتحقق أنه لا توجد حركات مريبة في المنطقة . فقد قرأتُ روايات كثيرة لجون لي كاريه ، وعلمتُ أن الجواسيس دوما ما يتخذون هذه الاجراءات الاحتياطية . ـ أتريدين أن يتحروا أين نتقابل ويعتقلوني ؟ ـ لكنك لست جاسوسا لتفعل ذلك ـ أجابت هي . ـ لا أحد يعرف هذه الأمور ـ أجبتها أنا بشكل غامض . يتميز الجواسيس بأنهم يستطيعون الإحساس بكل نوع من الوساوس ، بدون أن يلفتوا الإنتباه . فالعميل ، كما يقول الكتاب ، يجد نفسه مضطراً ، مثلا ، لترك فرشاة أسنان علي باب بيته عند خروجه ، ليتحقق إن دخل أحد إلي بيته في غيابه أم لا . وغير الفرشاة ، يمكنه أيضا أن يترك قليلا من الصمغ في ركن ما من الباب . ورغم كل احتياطاته ، يجب أن يحترس من حديثه في غرفة معيشته لأنهم ربما يضعون له ميكروفونات في حجم رأس الدبوس في أي مكان . وقبل أن يشرع في حديث حساس ، من المناسب أن يطل من نافذته ليتأكد أنه لا توجد سيارة في الشارع لها اريل هوائي في سقفها . وكل هذه الاحتياطات تعد قليلة . ذات مرة ذهبت لطبيب نفسي ليعالجني من هذه العلل ، التي أخسر معها وقتي وأفقد فيها طاقتي . وحين رويت له كل شيئ ، أكّد لي أنني فعلا في حاجة إلي علاج ، لكنه عبّر عن ذلك بطريقة لم ترق لي . وبالتالي ، عندما شرع في عمل ملفي وسألني عن مهنتي ، أجبته أنني جاسوس . ـ إذن فحضرتك تقوم بما يجب عليك . قد تحتاج علاجا لو لم تفعل واجبك . ـ هذا ما أقوله لخطيبتي ! ـ وهل تعلم خطيبتك أنك جاسوس ؟ ـ بالطبع لا . أتظن انني عميل مجنون لأحكي لكل الناس أنني أعمل في خدمة الاتحاد السوفيتي ؟ . كان الإتحاد السوفيتي حينها موجودا ، وكانت مدريد تكتظ بالأحزاب الشيوعية وأحزاب العمال والأعلام الحمراء والصينيين والكوبيين وغيرهم ، بالاضافة للفاشيين التقليديين ومن علي شاكلتهم . وكانت الحياة غاية في الصعوبة ، ولم يكن في متناول يد أحد أن يتخلي عن هذه الطقوس الوسواسية حتي لا يبدو ضد الثورة ، أو بورجوازي صغير . لقد كان وصولي مبكرا عن موعدي وعشق خطيبتي للوصول متأخرة ، أمرا يعكر العلاقة بيننا . حينئذ ، بلمحة كرم مني ، وحتي أرضيها ، أقسمتُ لها أن أصل متأخرا عن كل مواعيدي ، أو علي الأقل عن مواعيدي معها . وبهذه الطريقة عادت المياه لمجاريها ، أقصد إلي مجاريها هي ، لأنها تركت مجراي حتي صار جافاً . أوفيت بوعدي خلال الأسابيع التالية في موعدين أو ثلاثة ، لكنني كنت اعاني من أفكاري الخرافية التي تصور لي أن العالم سينتهي كنتيجة لتأخيري . وسريعا عادت ريمة لعادتها القديمة ، فأصبحت أصل من جديد مبكرا ، وأختبيء في مكان قريب لأتظاهر بأنني وصلت في التو بعد أن أراها قد وصلت وانتظرت عدة دقائق . وذات يوم كنت مختبئاً في مدخل بناية ، مراقبا منطقة اللقاء ، ورأيتها قد وصلت قبل موعدها بعشر دقائق ، حينها خرجتُ من مخبأي ، وعندما ناديتها " يا بورجوازية " ، أكدت لي أنها جاءت مبكرا لتتأكد إن كنت أصل متأخرا أم لا . وفي ذلك اليوم فسخنا خطبتنا ، لأسباب ايديولوجية ، في رأيها ، رغم أنني اعتقدت دوما أن إنفصالنا كان لأسباب نفسية . بالأمس رأيتها في الشارع ، تصطحب طفلا في يدها ، وشعرت بوسواس يدفعني لأقترب منها وأطلب منها ان تغفر لي دقة مواعيدي في سنوات شبابي ، لكنني أدركت في الحال أن الوقت ، علي الأقل في رأيي ، قد تأخر جدا ، رغم أنه بالنسبة لها مازال ، ربما ، مبكرا جدا .

الأربعاء، مارس 04، 2009

مصالحة النوم

ماريو بينيديتي ( الأورجواي) ( ولد في أورجواي سنة 1920 ، ونشر أول مجموعة قصصية له سنة 1949 ، ويعد أكبر قصاص في بلده وأحد أهم القصاصين في أمريكا اللاتينية ) قصة : مصالحة النوم أنا حالة خاصة جدا يا دكتور ، فكل فترة عندي لها أحلامها المرتبطة بنفس الموضوع . ففي فترة ما كنت احلم بالفيضانات ، وحينها كانت الأنهار تفيض فجأة وتغمر الحقول ، الشوارع ، البيوت ، حتي تصل لسريري ، وهكذا تعلمت في أحلامي السباحة ، وبفضل هذا بقيت علي وجه الحياة أقاوم النكبات الطبيعية . لكن للأسف كانت هذه الميزة تعمل فقط داخل إطار الحلم ، حيث أنني حاولت أن أطبقها وأنا مستيقظ تماما في حمام السباحة بأحد الفنادق وكنت علي وشك أن أغرق . بعد ذلك جاءت فترة كنت أحلم فيها بالطائرات ، أو بمعني أدق ، بطائرة واحدة بعينها ، لأنها كانت دوما نفس الطائرة . وكانت المضيفة قبيحة ، وتعاملني بشكل سيئ . كانت تقدم للجميع زجاجة شامبانيا ، إلا أنا ، وعندما سألتها عن السبب نظرت لي نظرة طويلة مليئة بالكراهية وقالت لي " أنت تعرف السبب جيداً " ، فأذهلني كثيرا حديثها معي بصيغة أنت ، لدرجة أنني أوشكت أن أستيقظ . بالإضافة إلي أنني لم أكن اتخيل إلي ما تشير . وظللت في حيرتي هذه حتي سقطت الطائرة في بئر من الهواء وتبعثرت المضيفة القبيحة في الممر بشكل أدي لرفع جونلتها الميني جيب فاستطعت أن ألاحظ أنها لا ترتدي شيئا تحتها . حينئذ استيقظت ، وأرعبتني المفاجأة ، حيث لم أكن في سريري المعتاد ، بل في طائرة ، في الصف السابع ، كرسي D ، تقدم لي مضيفة جميلة بلغة انجليزية بسيطة كوبا من الشامبانيا . كما تري ، يا دكتور ، أحيانا تكون الأحلام أفضل من الواقع ، وأحيانا العكس . أتتذكر ما قاله كانط ؟ " ما الحلم إلا فن شعري غير ارادي " . في مرحلة أخري حلمت بشكل متكرر بأطفال ، كانوا هم أطفالي ، مع أنني أعزب وليس لي أولاد ولا حتي أبناء حرام . فكيف أنجب اولادا في عالم كهذا ! ، فإنجاب مخلوقات جديدة يبدو لي فعلة غير محسوبة . ألدي حضرتك أولاد؟ ، خمسة ؟ ، معذرة ، فأنا أقول كل مرة شيئا فظيعا . أبنائي في الحلم كانوا صغارا جدا . بعضهم كان يحبو والبعض الآخر كان يقضي حياته في الحمام . أعتقد أنهم كانوا يتماء الأم ، حيث أنها لم تظهر أبدا كما أن الأولاد لم يتعلموا نطق كلمة ماما . والحقيقة أنهم لم ينادوني ب بابا أبدا ، بل كانوا ينادوني بلغتهم المكسورة ب " عربي " ، وأنا من اجداد من لا كورونيا وآباء أجداد من لوجو . " تعال عربي " " عربي ، مم " " عربي ، عملت كخ " . في أحد هذه الأحلام ، بينما كنت أهبط درجات سلم بعضها مكسور ، سقطت . حينها نظر لي أكبر أبنائي بلا شفقة وقال " عربي ، عليك اللعنة " . وكان هذا فوق طاقتي ، فاستيقظت هاربا إلي واقعي الخالي من الملائكة . في مرحلة لاحقة حلمت بكرة القدم ، وكنت دائما حارس مرمي ، جول ، جول كيبر . أسماء كثيرة لعمل واحد . وعادة ما كانت السماء تمطر قبل بدء المباراة ، وبالتالي كان الحشيش مبلولا ، وكان مستحيلا عدم وجود بحيرة أمام المرمي . حينئذ كان يظهر أحد المهاجمين الذي يسدد صوبي بعزم ، فأصد الأولي ، أما الثانية فكانت تنزلق من الجوانتي ، وتعبر خط المرمي . عند هذا الحد من المباراة كنت أحاول الاستيقاظ ، لكن الحلم لم يكتمل بعد ، فمازلت لم أسمع صيحات المدرجات الخلفية التي تصرخ بشكل جماعي : يا خائن ، يا من اشتروك ، كم دفعوا لك ، وشتائم أخري . في الفترات الأخيرة اقتحمت مغامراتي الليلية منطقة جديدة ، السينما . لكنها ليست سينمات اليوم ، الأقل جودة ، بل سينما الأمس ، التي كانت تحرك مشاعرنا ، وتستوطن حياتنا بملامحها وسلوكياتها المثالية . وأنا اكرس أحلامي للممثلات . وأي ممثلات ! ، مارلين مونرو ، كلاوديا كردينال ، هاريت أندرسون ، سونيا براجا ، كاترين دينوف ، أنوك ايمي ، ليف أولمان ، جليندا جاكسون ، ونجمات أخريات ( أما النجوم ، فلم يكن مورفيو ، إله الأحلام ، يسمح لهم بالدخول ) . وكما تري ، يا دكتور ، فإن أغلبهن خبيرات ، وغير الخبيرات غير موجودات ، وأنا احلم بهن كما كن يظهرن في أفلام تلك الفترة . فمثلا ، عندما أتكلم عن كلاوديا كردينال ، لا اتحدث عن كلادويا اليوم ( وهي مازالت جميلة ) وإنما عن هذه الفتاة الجميلة ابنة الواحد وعشرين ربيعا . كانت مارلين مونرو تقترب مني ، وتقول لي بصوتها العذب I DON T LOVE KENNEDY . I LOVE YOU. ONLY YOU. ولتعلم حضرتك أن الممثلات كن يكلمنني أحيانا بأصواتهن مصحوبة بترجمة مكتوبة ، وأحيانا اخري بصوت مدبلج بالاسبانية . وأنا كنت افضل سماع أصواتهن بترجمة مكتوبة ، فأصوات مثل كاترين دينيف أو جليندا جاكسون لا يضاهيها صوت . حسنا ، في الحقيقة أنا جئتك لأستشرك في أمر ، حيث انني حلمت بالأمس ب أنوك ايمي ، لكنها ليست انوك اليوم ( التي مازالت جميلة ) وإنما أنوك في فيلم19 MONTPARNASSE ، عندما كان لديها ستة وعشرون ربيعا . لا تسيء الظن بي . فأنا لم ألمسها ولم تلمسني . هي فقط أطلت من نافذة الاستوديو خاصتي وقالت ( في النسخة المدبلجة ) " سأتيك غدا لأراك ، لكن ليس في الإستوديو خاصتك ، وإنما في سريرك ، لا تنس ذلك ) . كيف لي أن أنسي ذلك ! . وما اريد أن أعرفه الآن ، يا دكتور ، هل العوازل الطبية التي أشتريها من الصيدلية تصلح لي أيضا في الأحلام ؟ ، لأنني لا أريد أن أتركها حاملا .
ترجمة : أ حمد عبد اللطيف
نشرت بباب شرفات ، بمجلة نزوة العمانية .

الثلاثاء، فبراير 24، 2009

حياتي مع موجة . أوكتابيو باث

حياتي مع موجة
أوكتابيو باث عندما ودعتُ هذا البحر ، تقدمتْ نحوي موجة من بين الأمواج . كانت رشيقة وخفيفة . تقدمتْ رغم صرخات الأمواج الأخري ، التي كانت تعوق خطوتها ، وتعلقتْ بذراعي وسارتْ تتقافز معي . لم أشأ أن أقول لها شيئاً قد يجرح شعورها أمام زميلاتها ، كما أنني وقفتُ عاجزاً أمام نظرات الأمواج الكبيرة الغاضبة . شرحتُ لها ، بمجرد أن وصلنا للمدينة ، أن وجودها معي مستحيل ، لأن الحياة في المدينة ليست كما تتخيلها موجة ساذجة لم تخرج من قبل من بحرها . فنظرتْ لي نظرة حادة ، " لقد اتخذت قراري ولن أرجع فيه " . حاولت معها بالحسني والقسوة ، وبالسخرية . فبكت حيناً ، وصرختْ حيناً ، ولاطفتني حيناً ، وهددتني أحيانا أخري . فلم أجد مفرا من أن أطلب منها المغفرة . وفي اليوم التالي بدأت أحزاني ، فكيف لي أن أصعد بها قطاراً دون أن يرانا السائق والركاب ورجل الشرطة ، حقا ان القوانين لا تحرم اصطحاب الأمواج ، لكنه تصرف ينقصه الحيطة . بعد تفكير طويل ، توجهتُ لمحطة القطار قبل إقلاعه بساعة . جلست علي مقعدي ، وحين تحققتُ أن لا أحد يراني ، أفرغتُ كولدير المياه الخاص بالمسافرين ، وبعدها أفرغتها هي في هذا الكولدير . بعد قليل ، أعلن أحد الأطفال عطشه لأبويه بكل ضجيج . فقطعتُ عليهم الطريق ووعدتهم باحضار عصائر ليمون ومرطبات . وكانوا علي وشك أن يوافقوا عندما اقتربت سيدة أخري وأعلنت عطشها . فأردت أن أدعوها هي الأخري ، وأبدت موافقتها التي تراجعت فيها عقب تلقيها نظرة صارمة من رفيقها . فأخذتْ كوبا من البلاستك واقتربتْ من كولدير الماء . فتحتْ الحنفية حتي امتلأ الكوب لمنتصفه ، فقفزت ووقفتُ بينها وبين صديقتي الموجة . نظرت لي السيدة بذهول ، وبينما كنتُ أطلب المعذرة ، عاد أحد الأطفال لفتح الحنفية ، فأغلقتها بعنف . وضعتْ السيدة كوب الماء علي شفتيها ، " ياله من ماء مالح! " . فنهض أحد الركاب ، نادي للسائق ، " هذا الرجل ألقي ماءً مالحاً في الكولدير " . فنادي السائق للمفتش ، " ماذا ألقيت في الماء ؟ " . ونادي المفتش لرجل الشرطة الذي سألني ، " هل القيت حضرتك سماً في الماء ؟ " . ونادي الشرطي بدوره للرائد ، " هل أنت الذي سممت الماء ؟ . ونادي الرائد لثلاثة ضباط ساقوني وحيدا في عربة قطار ، بين لمزات وغمزات الركاب . وفي أول محطة انزلوني ، وسحبوني دفعاً إلي الحجز . وخلال ذلك لم يتحدثوا مع ، إلا فيما يخص الإستجواب . وعندما كنت أقص حالتي ، لم يكونوا يصدقونني ، ولا حتي السجان الذي كان يهز رأسه قائلا : الأمر خطير ، جد خطير ، ألم ترغب أن تسمم الأطفال! . وذات ظهيرة عرضوني علي النيابة ، " أنت في موقف صعب ، سأعرضك علي القاضي الجنائي ، وهذا أمر طبيعي " . وفي النهاية صدر حكما مخففا لعدم وجود ضحايا . وبعد ذلك جاء يوم الإفراج عني ، فجاء رئيس السجن ، " إفراج ، أنت محظوظ ، والحمد لله أنه لم تحدث كوارث بفعلتك ، لكنك لو كررتها ستدفع الثمن غالياً " . ونظر لي نظرة حادة تشبه نظرات الآخرين لي . في نفس هذا اليوم ركبتُ القطار ، وبعد ساعات من السفر المضني وصلتُ المكسيك ، . أخذتُ تاكسي وتوجهت لبيتي . وعند وصولي لباب بيتي تطرق لأذني ضحك وغناء ، وشعرت بألم في صدري ، يشبه ضربة موجة مفاجئة . كانت صديقتي الموجة هناك ، تغني وتضحك كعادتها . " كيف أمكنكِ العودة ؟ ". "بكل سهولة ، في قطار ، فبعد أن تحقق شخص أنني لست إلا ماءً مالحا ، ألقي بي من نافذة العربة . وعشتُ رحلة مضطربة ، حيث وجدت نفسي ، بعد تعب ، في البحر . وسريعا تبخرتُ ، ثم سقطت مطرا رقيقا ، وفقدتُ كثيرا من وزني . كم قطرة فقدتُ! ". " أتعلمين أن وجودك غيّر حياتي ، لقد امتلأ البيت بهجة بعد أن كانت ممراته سوداء ، وأمتلأ هواءً وشمساً وأصواتاً وأضواءً خضراء وزرقاء ، لقد صار بيتا سعيداً مبتهجاً " . من كم موجة تتكون الأمواج ؟ ، كيف يمكن صنع شاطيء أو صخرة أو حائل موج أو سور ، أو صدر أو جبهة تتوج بزبد البحر ؟ . لقد كانت أصابع الموجة الرقيقة تلمس الأركان المهجورة ، وأركان الغبار الحقيرة ، والحطام . كل شيئ هنا شرع في الابتسام ، ورأيت أخيرا اسنانها البيضاء تلمع . كانت الشمس تدخل الغرف القديمة ، وتبقي في البيت لعدة ساعات بعد أن تهجر كل البيوت الأخري ، كل الحي ، كل المدينة والبلد . وفي ليال كثيرة ، في عمق الليل ، كانت النجوم المبهرة تراها تخرج من البيت ، في الخفاء . كان العشق لعبة ، إبداعا مستمراً . كان العالم شاطئا ، رمالا ، سريرا من الملاءات المبللة باستمرار . وعندما كنت أعانقها ، كانت تنتصب برشاقة لا يمكن تصديقها ، مثل ساق سائل لشجرة الحور ، وفجأة تزدهر هذه الرشاقة وتشكل دفقة من ريش أبيض ، من ضحكات تسقط فوق رأسي وظهري فتغطيني بالبياض . كانت تتسع أمامي ، مثل الأفق ، حتي تشكلني انا أفقا ، وصمتا . كانت تغلفني بشكل كامل وملتوي ، كما الموسيقي وكما الشفاه العملاقة . كان حضورها يشبه حركة اللمس ذهابا وايابا ، كان يشبه الهمسات ، القبلات . كنت أسبح في مياهها ، وأغرق لمنتصفي ، وفي غمضة عين أجدني أعتليها ، فأشعر بدوار ، ويحدث سقوطي الغامض كاللغز ، فأصير كما الحجر ، وأشعر بنعومة تحملني لمكان جاف ، وكأنني ريشة . لا شيئ أبدا يضاهي نومي غارقا في مياهها ، سوي أن استيقظ علي ضرباتها المبهجة التي تشبه ضربات سوط رقيق ، تضرب وتضحك فتضحكني . لكنني أبداً لم أصل لعمق كينونتها ، أبداً لا ألمس عقدة ألمها وموتها . ربما لأن الأمواج لا تتمتع بهذا المكان السري الذي يعطب ويضل مثل النساء ، هذا الزر الكهربائي الصغير الذي يربط الأشياء ، والذي يتشنج ويرقد ، ثم ينهض بعد ذلك . إن رهافة أحساس الموجة ، كرهافة المرأة ، يذاع في شكل موجات ، لكنها ليست موجات داخلية ، بل خارجية ، تمتد في كل مرة نحو البعيد ، حتي تلمس نجوما أخري . إن عشق الموجة نوع من استمرارية العشق القديم الذي يهز النجوم البعيدة ، التي لا يرتاب فيها . لكن مركزها ... لا ، الموجة لا مركز لها ، فمركزها فراغ يشبه فراغ العاصفة التي تمصني وتخنقني . عندما يميل الواحد منا علي الآخر ، كنا نتبادل الثقة ، التهامس ، الضحكات . وعندما كانت تضع بيضها ، كان يتساقط فوق صدري ، وهناك كان يزدهر كنبتة من الهمسات . كانت تغني في أذني ، كما الودع . كانت تتخلق بالتواضع والشفافية ، فتسير تحت قدمي مثل حيوان صغير ، فهي مياه ناعمة . كانت صافية لدرجة يمكن معها أن تقرأ كل أفكارها ، وفي ليال بعينها كان يتغطي جلدها بالفوسفور ، فيشبه عناقها حينئذ عناق قطعة من الليل ، موشومة بالنار . لكنها ايضا كانت تتخذ الأسود لونا ، والمرارة طعما ، وفي أوقات غير متوقعة كانت تخور وتتنهد ، وتتلوي . وتطلق نهنهات توقظ بها الجيران . وعند سماعها ، كانت رياح البحر تشرع في خدش باب بيتي ، أو تهذي بأصوات عالية معترضة ، إنه موج هائج . كانت الأيام المغيمة تغضبها ، فتمضي تكسر الأثاث ، وتطلق الشتائم ، وتكيل لي السباب ، وتغطيني بزبد رمادي وأخضر . كانت تبصق ، تبكي ، تستحلف لي ، وتتنبأ بالشر . كما كانت تخضع للقمر والنجوم ، ولتأثير ضوء عوالم أخري ، ويتغير مزاجها بطريقة تبدو معها خيالية ، وتصير مدا وجزراً . بدأت تشكو من العزلة . فملأت لها البيت ودعا وصدفا ومراكب شراعية صغيرة ، تستخدمها في أيام غضبها لتغرقها ( بالأضافة لأشياء أخري مليئة بالصور ، كانت تخرج من جبهتي ليلا وتغرق في أعاصيرها المرحة ) . كم من الكنوز الصغيرة فقدنا في هذه الأيام! . لكن مراكبي لم تكن تكفيها ، ولا حتي غناء الصدف الصامت . أعترف أنني امتلكتني الغيرة عندما رأيت مخلوقات تسبح في مياه صديقتي الموجة ، مخلوقات تلمس صدرها ، تنام بين فخذيها ، تزين ضفيرتها بألوان مختلفة . من بين هذه المخلوقات كانت أسماك بغيضة ، كريهة ، أسماك تشبه النمور ، بعيون وقحة وأفواه شرهة ومتوحشة . لا أعرف لماذا كانت صديقتي تستلذ باللعب معها ، وتظهر لها أفضلية خاصة أريد أن أتجاهل مقدارها . وكانت تقضي ساعات طويلة محبوسة مع تلك المخلوقات الفظيعة . وذات يوم ، ضاق صدري ولم أحتمل ، فكسرت عليها الحوض وألقيت بنفسي فوقها . كانت أسماك رشيقة وشبحية . هربت من بين يدي ، بينما كانت صديقتي تضحك وتضربني لتثنيني عن مرادي . شعرت في لحظة أنني أغرق . وعندما كنت علي وشك الموت ، بعد أن ازرق وجهي ، وضعتني علي الضفة ، وبدأت تقبلني ، بكل خضوع . وفي نفس هذه اللحظات كنت أغمض عيني هربا من الشهوانية ، فصوتها كان عذبا ، وحكاويها كانت تدور حول الموت اللذيذ الذي يشعره الغرقي . بدأت أخشاها وأكرهها بمجرد أن استرددت عافيتي . وبدأت أتجاهل أمورها ، كما بدأت في زياراتي لأصدقائي واستأنفت علاقات قديمة محبوبة . وعثرت علي إحدي صديقات شبابي ، وبعد ان جعلتها تقسم أن تحفظ سري ، رويت لها حياتي مع الموجة . لا شيئ يحرك مشاعر النساء مثل أن تهبها إمكانية أن تنقذ رجلا . حاولت مخلصتي ممارسة كل أنواع الفنون ، لكن ماذا بوسع امرأة أن تفعل ، وهي مالكة لعدد محدود من الأرواح والأجساد ، أمام صديقتي الموجة ، المتغيرة دوما ، ودوما لا تشبه سوي نفسها في تحولها المستمر ؟ . وجاءت الشتاء ، وصارت السماء رمادية ، وسقط الضباب فوق المدينة ، وأمطرت مطرا غزيرا مجمدا ، وكانت صديقتي تصرخ كل ليلة . كانت تنعزل في ساعات النهار ، بهدوء ورصانة ، فلا تنطق سوي مقطع واحد مثل عجوز تحتضر في ركن ما . وصارت باردة ، فصار النوم معها يجمد الدم ويكسر العظم ، ويدغدغ الأفكار . وصار الدخول فيها مستحيلا . وأنا كنت قد اعتدت الخروج ، وصار غيابي طويلا وممتدا . بينما كانت هي تعوي في ركنها ، تلامس الجدران ، تقضي ليلها ساهرة ، تلومني . خلال ذلك ، كانت مناماتي كوابيسا ، أتشاجر فيها مع الشمس ، مع قطعة كبيرة من الثلج ، وكنت ابحر فيها تحت سماء سوداء في ليال طويلة مثل الشعور ، كانت تسبني وتلعنني وتضحك ، وكانت تملأ البيت بقهقهات وأشباح . كانت تستدعي الحيوانات الخرافية من تحت الأرض ، فكانت حيوانات عمياء ، سريعة ، بطيئة الفهم . ولأنها مشحونة بكهرباء كان تسحق من يلمسها . وهكذا صار ذراع موجتي الحنون خشنا يخنقني ، يضربني ، يضربني ، يضربني . فهربتُ . وظلت الأسماك الفظيعة تضحك ضحكتها الوحشية . وهناك ، في أعالي الجبال وبين الصنوبر والمهالك ، تنفستُ هواء رطبا ورقيقا مثل فكرة وجدت حريتها . وبعد شهر عدتُ . بعد أن قررت ما قررت . كان الطقس باردا ، جدا لدرجة أنني وجدت فوق رخام المدخنة ، بجانب النار المنطفئة ، تمثالا من الثلج . لم يحركني جمالها الرقيق . فألقيت بها ، بموجتي ، في جوال كبير من الخيش ، وخرجت للشارع أحمله علي كاهلي . وفي مطعم بضواحي المدينة بعتها لصديق ، سريعا ما قطعها لقطع صغيرة في شكل مكعبات ، ووضع بينها ، بين موجتي ، زجاجات لتحتفظ ببرودتها .
أوكتابيو باث : شاعر المكسيك الأعظم ، ووحيدها حتي الآن الحائز علي نوبل . ولد سنة 1914 ، وعمل في السلك الدبلوماسي ، واستقال من منصبه كسفير للمكسيك في الهند احتجاجا علي قمع السلطات المكسيكية للحركة الطلابية المنادية بالحرية . كتب الشعر والقصة والمقال الانساني والنقد الأدبي . ومن أشهر أقواله : إن شعبا بلا شعر هو شعب بلا روح ، وأمة بلا نقد هي أمة عمياء .

نشرت بأخبار الأدب

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...