الأحد، مايو 03، 2009

لعبة الوقت

لعبة الوقت قصة : خوستو نابارّو تنبأتْ لي عرافة أنني سأقتل أمي ، وعرفتْ أنني كنتُ ممثلاً سينمائياً ، كما تكهنتْ بسلاح الجريمة التي سأرتكبها ، ووصفته بأنه سلاح همجي ، فهو ليس سماً ولا حقنةً ، وهي أشياء تكشف خبرتي الطبية . صدقتْ العرافة فيما قالت ، فأنا كنتُ ممثلاً سينمائياً منذ سنوات طوال ، رغم أن أمي كانت تكره السينما ولم تشاهد في حياتها سوي فيلمين ، شاركت أنا في بطولة أحدهما وظهر أبي في الآخر . كنت ، منذ سنوات بعيدة ، الطفل الأسطوري الذي قام ببطولة فيلم " الطفل يسوع " ، الذي حقق نجاحاً منقطع النظير في اسبانيا وأمريكا الجنوبية وإيطاليا . حينها ، كانت أمي تصطحبني في التصوير ، كذلك في ليلة افتتاح العرض ، كما كانت تساعد عاملات المكياج . كانت تفعل كل ذلك مع أنها تكره التصوير والمكياج والسينما ، وإن شاهدتْ فيلمي فليس ذلك إلا من باب تأدية الواجب ليس اكثر ؛ لقد فرضت عليها الظروف أن ترافق جدي ، الذي كان يقيم معنا حينذاك ، ليري حفيده علي الشاشة . كانت أمي تعلم أنني لستُ وجهاً سينمائياً ، وكانت تقول لي دوماً إن المشاهدين لا يدفعون من أجل مشاهدة وجه مثل وجهي علي الشاشة ، بل يدفعون ليروا من لا يرونه في بيوتهم ، بينما وجهي القبيح السوقي يملأ كل البيوت . كان هذا هو رأي أم في ابنها الوحيد. ولم تكتف بذلك ، فوصفتْ صوتي بالخشن وتخيلتني بشارب ورأت قصبة ساقي معوّجة ، وحوّلت أفلام الأطفال المقدسة إلي أفلام شيطانية لا طائل من ورائها ، وتصورتْ " الطفل يسوع " رجلاً صارماً له شارب ووجه مثقوب بحب الشباب . وعندما قدم لي المنتجون عرضاً للقيام ببطولة فيلم ثان بعد نجاح الفيلم الأول ، رفضتْ أمي بشكل قاطع . "إنه من الخطأ والوهن قبول دعوة هؤلاء الرجال الذين يلتقطون صورا لأطفال المدارس اليسوعية دون إذن آبائهم" ، كما أنهم قد أخطأوا حينما اختاروني وجعلوا مني نجما سينمائيا ، فهم لم يركزوا النظر في أنفي ، التي كانت تصفها بالقبح والسوقية ، مثل بقية وجهي تماماً . وبررت موافقتها علي توقيع العقد الأول بأن المنتج سولانا كانت تربطه بأبي زمالة قديمة . كان أبي أيضا يعمل بالسينما ، لكن بلا إرادة منه ، وقد شاهدتْ له أمي فيلمه الأخير الذي ظهر فيه عدة دقائق ، بعدها وافته المنية . نعم ، تحملتْ الجلوس أمام الفيديو عدة دقائق لتشاهد فيلماً . أحضرت لنا شريط الفيديو من روما صديقة قديمة وبعيدة لأمي ، تسمي اسبيرانثا . وبالمناسبة فإن كل صديقات أمي بعيدات ، فعندما تشتد الصداقة بين امرأتين تتباعدان بطريقة تلقائية . كانت اسبيرانثا تزورنا باستمرار وتجلب لنا الأخبار المحزنة ، عن المرضي وحديثي الوفاة ، وتحكي لنا زيارتها للفاتيكان لتصيبها بركة البابا ، وأنها عادت بعد ذلك لتحضر الفيديو لتشاهد فيلماً عرض منذ خمسين عاما مضت . كان فيلما وثائقيا يدور حول التدخل الإيطالي في الحرب الأهلية الاسبانية ، التي حققتْ فيها مدينة مالقة بطولة التحرر بعد أن كانت سجينة الرعب الأحمر . كان الفاشيون بجيشهم الهزيل والمتحير ميتين في جلودهم من الخوف في وسط الميدان ، قبل بدء اطلاق النار . وقبل غزوهم للمدينة بشهور ، كان أبي جنديا في هذا الجيش ، أو هكذا كانت تعتقد صديقة أمي البعيدة . كان أبي مسلحاً في موقف الدفاع ، في ليلة من ليالي اغسطس سنة 1936 ، بعد أن قصف الطيران الفاشي مخازن البنزين القريبة من الميناء . يجب أن أعترف أن أبي لم يكن بطلاً ، بل كان مدعياً ، وهذا رأي أمي ، وانضم لقوافل الساسة اليمينيين لأنه يحب الاحتفالات . والخطب السياسية والمواكب الإنتخابية ، التي تدور في المحافظة ، هي خير مناسبة للعب القمار والغناء والتعرف علي النساء وشرب الخمور . بعد ذلك ، عندما كانت زوجتي التي تصغرني بخمسة عشر عاما والمصابة بحمي الثورة ، تهاجم الجنرال فرانكو وأتباعه والمتواطئين معه وعائلتي وخاصة ابي في المقام الأول ، كنتُ أحاول أن أشرح لها أن ابي لم يكن مجنداً فاشياً ، ولا هو بطل ، وأنني لا أحبه بطلاً ، بل هو رجل سكير يبحث عن رزقه بالحلال والحرام . كنتُ أكرر لها كلمات أمي المحببة لقلبها بالحرف الواحد ، أبي رجل مسرور ومحب للحياة ، عاشق للعربدة الدائمة . كنت أشرح لها أن أبي مات بسبب نقصان في شخصيته لم يمكن اكتماله ، وهذا النقصان هو ما دفعه ليترك أمي وحدها ويتنقل من مكان لآخر بحثا عن اصدقاء العربدة ، أياً كانت وظيفتهم ، ساسة فاشيين ، مؤسسي نقابات أو أحزاب زراعية ، حاملي بنادق ، أبطال . ـ أبوك لم يحمل بندقية في حياته ، لأنه كان يفتقر للافكار السيئة والعظيمة . كان مشهورا فقط في صالات الرقص . لقد فاض الكيل بزوجتي من عائلتي ، حتي من أبي الراحل . وأمي مثل زوجتي ، محقة دائماً ولا تخطيء . وتحققتُ مع مرور الوقت أن زوجتي ليست جديرة بثقتي ، فانفصلنا منذ أربع سنوات . كانت نظرات أمي لزوجتي كثيرة وجارحة ، نظرات تبحث عن العيوب وتخبيء الفضائل ، وتخرج دائمًا بنفس النتيجة الثابتة ، أن زوجتي لا تساوي شيئاً . كانت زوجتي لا تنبس بكلمة في وجود أمي ، لا تعرف سوي الصمت ، فتقول امي : ـ لا أعرف أصامتة لأنها لا تفكر فليس عندها ما تقوله أم أنها تفكر في شيء سيء لا تستطيع قوله ؟ لا أعرف فأحلي الأمرين مر . بالإضافة لذلك ، كانت توجد مشكلة الرائحة ، حيث تشم أمي رائحة غريبة في زوجتي ، ربما نوع من العطور أو الطيب . رائحة زوجتك كالعاهرات - كانت أمي تقول - مشاكلي معها لا عد لها ولا حصر ، فرائحتها منفرة . أعترف انني لم اشم قبل ذلك هذه الرائحة ، ولا أعرف احدا قد شم رائحة غريبة في زوجتي . لكنني كنت أري في مرات كثيرة كيف تعقد أمي حاجبيها وتسد أنفها بيدها بمجرد أن تمر زوجتي بجانبها ، بل وتجبرني أن أتشمم هذه الرائحة . - لكنك لم تشمي من قبل رائحة عاهرات! - بل شممتها في أبيك مرات كثيرات . استلمت أمي شريط الفيديو القادم لها من إيطاليا ورفضت أن تشاهده . في هذا الشريط اعتقدت اسبرانثا ، صديقة أمي البعيدة ، أنها قد تعرفت علي هوية أبي ، فهي قد رأته في عجالة ما بين سنة 35 و 1936 ، ثم وجدت صورته بعد ذلك معلقة علي الأبواب وحوائط بيت العائلة . لم ترغب أمي في مشاهدة الفيلم ، لأنه بدا لها مستحيلاً أن يصور أحد أبي قبل موته بساعات ، فالمغتالون أنفسهم ، الذين قتلوا أبي ، كما قالت أمي ، كسروا الكاميرات ليمسحوا آثار الجريمة . كان من الصعب اقناع أمي بالجلوس أمام شاشة التليفزيون ، لكن الواجب فرض نفسه . اعتقد أنها وافقت علي مشاهدة الفيلم كما وافقت علي التعرف علي الجثة داخل النعش . أخيرا جلست أمام التليفزيون كأداء واجب . كانت تحمل نفس الوجه بنفس الانفعالات التي ترسمها عندما كانت تقدم لي الفواتير أو الخطابات التي تأتي باسمي أو باسمها : وجه واع بكم القوة التي يستهلكها ، واع لنظرات الآخرين . ورغم أن أمي كانت ترد علي خطاباتها بنفسها ، إلا أنها كانت تطلب مني أن أراجع لها الفواتير والحسابات . أنا أخصائي في الطب الإشعاعي ، وصلتُ لذلك بفضل أمي التي سهرت عليّ بعد ممات أبي ، فدفعتْ لي المصاريف الدراسية ، ثم تخلت عني بعد ذلك ، فحملتني مصاريف البيت ووضعتني في مشكلات لا نهاية لها مع البقال والسباك وزملائي الأطباء والخادمات ومأموري الضرائب والكوافيرة ، بل حتي مع المسئولين عن إنشاء مدفن خاص لها ومحصلي أموال هذا المدفن والمشاركين معها ، ومع الجيران وأصدقائي القدامي وأقاربنا . كانت الحياة مع أمي تشبه الشارع الممتليء بحوار متعرجة ، بالمتاهة التي لا نهاية لها ، فكلها حسابات مجهدة ومتكدسة بالديون المؤجلة من يوم لآخر خلال ثلاثين أو أربعين عاماً . كانت حياتنا مجموعة مشاكل تقطع علينا الحلم . كانت كما الحجر الثقيل الذي أتحمله وحدي فوق رأسي ، وداخل هذه الرأس حجر آخر أكبر وأكثر ازعاجا . - مشاكلي لا عد لها ولا حصر . تركتني زوجتي لأنها لم تحتمل نظراتي إليها ، رغم أني لا أعرف كيف كنت أنظر إليها . ربما السهر والضيق شوها وجهي ونظراتي . ضيق جعلني ألتفت إلي رائحتها التي اكتشفتها أمي ولم أشمها أنا بنفسي . تنبأت لي العرافة أنني سأقتل أمي ، وهذه النظرة إلي المستقبل أدهشتني وأرهبتني . كانت العرافة تبدو متخصصة وصادقة ، وحكت لي كثيرا عما حدث في سنوات عمري الماضية ، وصدقت . أعترف أنني لا أؤمن بالعرافات ، فأنا أفكر بطريقة علمية . صعدتُُ لبيت العرافة فقط لأن اللافتة المعلقة علي بابها لفتت انتباهي ، فدخلت لأتسلي ولأنسي نفسي قليلا فأخرج بذلك من مشاكلي بكلامها عن مستقبلي ، عن نفسي . فتح لي الباب رجل أعمي قادني لصالة الانتظار ، حيث وجدت امرأة ورجلا تعيسين ، شعرت معهما بالخجل . كان أحدهما ينظر لي . كانت المرأة تحمل كيس نقود قديم باحدي يديها ، بينما لا يملك الرجل شيئا . كانا حزينين ، يحركان شفاههما ويتحدثان بصوت خفيض لئلا يسمعهما أحد . بعد ساعة دخلت للعرافة. كانت صوتًا وظلاً من ضمن الظلال الكثيرة الموجودة في غرفة سفرة عائلة محترمة . كان الضوء منطفئا ، والنوافذ مغلقة ، والستائر مسدلة . الضوء الوحيد كان يأتي من شمعة كبيرة حمراء كائنة فوق المائدة ، بين العرافة وبيني . لم يكن للعرافة عمر ، كانت عبارة عن تمثال من الحجارة . فوق المائدة كانت توجد جريدة لاحظتُ فيها تاريخ اليوم ، لكن منذ ثلاثين عاما مضت أو ثلاثين قادمة . مدتْ العرفة الجريدة للرجل الأعمي ، الذي فتح لي باب البيت ، والآن يجلس علي مقعد من البلاستك ، علي حافة بار يقع علي يمين العرافة ، علي بعد متر منها ، مرتديا نظارة سوداء في ظل الشمعة الحمراء . ضربته العرافة بالجريدة في ذراعه، فمد يده وأخذ الجريدة وتركها علي الأرض ، ثم سكن ، ربما نام ، ربما مات ، دون أن يخلع نظارته . نظرت لي العرافة بتركيز ، أغمضت عينيها قليلاً كما لو تبحث عني في ذاكرتها وتريد أن تستحضرني بدقة . صار وجه الصنم أكثر رقة . رأت فيّ شيئاً استطاع أن يحرك مشاعرها ، شربنا فنجاني شاي . لم يكن هناك شاي من أجل الأعمي الذي لا يتحدث ، بل ولا حتي يهتم بوجودنا في الغرفة معه . لم يهتم أيضا أن يسمع تنبؤات العرافة الجريئة . حينئذ تنبأت لي العرافة انني سأقتل أمي ، فأدهشتني . كانت غير قادرة علي الخطأ ، فحكت لي أنني كنت ممثلاً سينمائياً وأنا طفل صغير ، وحكت لي عن يوم زفافي وزواجي من نائبة بالمجلس المحلي ، كما حكت لي عن طلاقي وعن وظيفتي في الطب الاشعاعي . وهكذا أرعبني مستقبلي المستحيل الذي لا يصدق ، والذي تكهنت به . حاولتُ أن أشعل سيجارة ، لكن يدي كانت ترتعش بشدة . ظللت أسبوعاً كاملاً أنام بشكل مضطرب ، أنتقل من مكان لاخر بلا طعام ، كما الصائم ، وأصبحتُ أسمع باستمرار صوت النبوءة يرن في أذني حتي تدمرت أعصابي ، وقد ساعدت أمي في هذا التدمير ذات ليلة عندما اجتمعنا في غرفة السفرة وبصحبتنا صديقتها الايطالية البعيدة ، لنشاهد صور أبي الأخيرة في شريط فيديو . قالت أمي : - من المستحيل أن يكون اميليو في هذا الفيلم ، فهو رجل تافه ، فلو خرج أنوخوسا أو لافارجا لن أندهش ، فهما بطلان لهما شخصيتهما وأفكارهما ، لذلك اغتيلا بسبب، لكن أن يطل علينا اميليو فهذا مستحيل . لم أر أبي قبل ذلك ، فقد ولدتُ بعد موته ، لكنني شاهدتُ صوره الفوتوغرافية والمرسومة ، كما رأيت صوري لسنوات طوال ، ورأيت وجهي في المرآة وفي عيني أمي وعيني زوجتي . وعندما شاهدت الفيلم ، رأيت شبحا رماديا وأصفر ، رأيت روحا بلا جسد . شبحا شاحبا ، مهتزا ، محروق الوجه ، مرسوما بالتجاعيد . رأيت شبحا لشبح قد مات منذ سنوات كثيرة ، رأيت نفسي بكل ما فيها من تفاصيل . صرخت صديقة أمي : - إنه اميليو ، انظري! كان رجلا مشعا بالشباب ، أكثر شبابا مني الآن . كان سعيدا يوم وفاته بشكل لا يمكن تفسيره . كان يضع معطفا علي كتفه رغم حرارة الجو المرتفعة . كان أحد كمي قميصه مشمرا حتي الكوع ، بينما كان الآخر مفرودا حتي رسغه . كان أشعث الشعر ، طويل اللحية . كان وجهه متجاسرا بين وجوه أخري متجاسرة مثله ، وكانت يداه تغطي احيانا هذا الوجه ، الذي فوجيء بما هو فيه ، فوجيء بأنهم أخذوه بالقوة من بار أو صالة رقص ليدفع حياته ثمنا . كان ينظر للأرض كما لو أنه يقرأ مستقبله فيها ، مستقبلا كان ينتظره ، لكنه استعاد نفسه سريعا ونظر للكاميرا ، بحاجبين مقطبين ، وفتح عينيه بافراط وتظاهر بابتسامة أظهرت أسنانه ، وكان منظره يوحي بالسب لا بالفرح . - هذا ليس زوجي ، ليس اميليو ، زوجي لا يعطي هذا الانطباع الأبله ، زوجي له وجه قبيح وسوقي ، كما أن أنفه تختلف عن هذه الأنف . تحدثت أمي ، نهضت بمجهود كبير ، خرجت من غرفة السفرة وهي تجر قدميها ذات السبعين عاما . تبادلنا النظر أنا وصديقتها ، التي قالت بعينين مليئتين بالدموع : - إنه أبوك ، أنا أتذكره جيدا ، كان جميلا . كنت أفكر حينها في وجهي القبيح السوقي وفي أنفي ، بينما كانت الطائرات في الفيلم تقصف المدينة . حاولت أن أشعل سيجارة لكن نبضي كان يرتجف ، وانطفأت الولاعة كما انطفأت في بيت العرافة . نهض الرجل الجالس عن يمين عرافتي ، ابتعد عن الجريدة لكيلا لا يطأها . اقترب مني ، أشعل سيجارتي ، لم يكن الأعمي أعمي ، واستمرت العرافة في سرد نبوءتها الغريبة . - تبدو لك نبوءتي أكذوبة ، لكنك ستقتل أمك ، ولن تصدق أنك قتلتها . لن تعرف الراحة بعدها ، ستسلم نفسك للشرطة ، بعدها ستشعر أنك في سلام . خرجتُ للشارع أشعر بقشعريرة في جسدي ، كان صباح يوم من أيام يونيه . دخلت مقهي يسمي اليفانتي ، طلبتُ زجاجة بيرة . أمسكت الجريدة بيد مرتعشة . فكرت في هراء العرافة التي تتنبأ بجرائم مستقبلية مستحيلة الوقوع ، وتسهب في الكلام عن حقائق ماضية . معها ، كنت أعيش بين الماضي والمستقبل ، كما لو كنا نحيا بين دقيقتين . للعرافة مقدرة غريبة علي سبق الزمن أو التأخر عنه عدة ساعات ، أيام أو شهور ، ومقدرة أن تعرف المستقبل وتتكهن بالماضي ، دون أن تهتم بما يشغلني ، دون أن تهتم بتقديم ساعتي أو تأخيرها عدة ثوان ، لقد التبس عليّ الأمر . فالعرافة لم تخلط المستقبل بالماضي كمن يخلط الحادية عشر بالحادية عشر وخمس دقائق . فتحتُ الجريدة ، نفس الجريدة التي كنت قد رأيتها علي مائدة العرافة بالقرب من قدمي الأعمي الذي لم يكن أعمي . في الصفحة السابعة والعشرين كانت صورتي في إنتظاري ، برفقة قصتي ، وفيلمي المشهور ، الذي قمت فيه بدور الطفل يسوع . قصة زواجي الفاشل بنائبة المجلس المحلي ، وظيفتي . كانوا يبحثون عني بعد أن وجدوا جثة أمي منذ ثمان وأربعين ساعة ، وربما منذ خمسة أيام . كانت رأسها مهشمة بالشاكوش . أدهشتني فكرة ان العرافة والأعمي قد نعرّفا علي صورتي رغم أن الصورة المعروضة في الجريدة كانت قديمة ورسمية ، عندما كنت اعمل نائبا لأمين صندوق جمعية الأطباء الاشعاعيين ، عندما كنت رجلا محترما ، لا أقضي أربعة أيام بلا نوم ، وبلا حلق لحية ، وبلا طعام . عندما كانت امي تعتني بي .
ت/ احمد عبد اللطيف

الاثنين، أبريل 20، 2009

قصة : باقة ورود زرقاء

للكاتب المكسيكي الأشهر : أوكتابيو باث استيقظتُ وأنا أتصبب عرقاً . كانت الأبخرة الساخنة تتصاعد داخل غرفتي المشيدة من الطوب الأحمر ، التي قد رششتها بالماء قبل نومي . خطفت بصري هذه الفراشة بجناحيها الرماديين ، بحومها حول بؤرة صفراء . انتفضتُ من أريكتي ، سرتُ حافيا داخل غرفتي ، وكنت حريصا ألا أطأ عقرباً هجر جحره لينعم بنسمة هواء باردة .اقتربتُ للنافذة الصغيرة ، استنشقت ملء رئتي نسيم الريف ، سمعت تنفس الليل ، الهائل والرقيق . عدتُ بعدها لمنتصف الغرفة ، أفرغتُ ماء الدورق في الطشت المعدني ، بللتُ فوطتي ، ودعكتُ بالقطعة المبللة رقبتي وقدميّ . جففتُ أعضائي ، وارتديتُ ملابسي ، بعد أن تحققتُ أن ثناياها خالية من الحشرات ، ثم انتعلتُ حذائي . هبطتُ درجات السلم متخطياً الدرجة الخضراء ، ووجدتُ صاحب البنسيون جالساً عند مدخله . رجل أعور ومتحفظ ، يجلس علي مقعد صغير من التول ، يدخن بعينين شبه مغمضتين . سألني بصوت أجش : ـ رايح فين يا سيدي ؟ ـ أتمشي ، هنا الجو نار . ـ آه ، بس هنا مفيش حاجة فاتحة دلوقتي ، وكمان مفيش نور . خليك هنا أحسن . ربتُ علي كتفه وهمستُ في أذنه " مش هتأخر " . دخلت بعدها في ظلام دامس . في البداية لم أر شيئاً ، فسرتُ أتلمّس طريقي في الشارع المرصوف ، وأشعلتُ سيجارة . سطع القمر فجأة من خلف سحابة سوداء ، فأضاء جداراً أبيض وفتت بالتدريج قطع الظلمات . وقفتُ امام بياضه مشدوهاً ، فاقداً بصري . سمعتُ صفير الريح ، وتنفّستُ عطر التمر هندي . كان الليل يهتز بحشراته وورقات أشجاره ، وكانت الضفادع كامنة في معسكرها بين الحشائش الطويلة . رفعتُ وجهي للسماء : النجوم ايضا تكمن في معسكرها العلوي . فكّرتُ في الكون : ماهو إلا نظام رحب من الدلالات ، ما هو سوي حوار بين كائناته الهائلة . إن حركاتي ، ونقيق الضفادع ، الشبيه بصوت منشار ، ورمشة النجوم ، ما هي إلا وقفات ومقاطع وعبارات مبعثرة من هذا الحوار . ماهي هذه الكلمة التي أشكّل فيها مقطعاً ؟ من الذي يتفوه بها ومن الذي يتلقاّها ؟ رميتُ السيجارة علي الرصيف ، فشكّلتْ منحنياً مضيئاً بمجرد سقوطها ، وتناثر منها شرر ضئيل ذكّرني بطيارة ورق صغيرة . سرتُ الهوين لوقت طويل ، وشعرت بالحرية والأمان مع هاتين الشفتين اللتين نطقتا بسعادة بالغة : الليل حديقة مليئة بالعيون . عندما هممت بعبور الشارع ، شعرت أن أحدا ينطلق من داخل مدخل بيت . رجعتُ ، لكنني لم أتمكن من تمييز أحد . أسرعتُ الخطي ، وسمعتُ بعد لحظات ضجيجاً خامداً علي بعد خطوات ، ضجيج يخطو فوق الأحجار الساخنة . لم يرُق لي أن ألتفت ورائي رغم ادراكي لاقتراب الظل ، الذي يزداد التصاقا بي . حاولتُ أن أطلق ساقي للريح ، لكنني عجزتُ عن ذلك . تسمرتُ في مكاني فجأة ، وقبل أن أدافع عن نفسي ، شعرتُ بنصل سكين في ظهري وسمعت صوتاُ عذباً : ـ لو اتحركت هدفنك ف مكانك . وبدون أن ألتفت إليه سألته : ـ عايز إيه ؟ ـ عايز عينيك يا سيدي .ـ أجابني صوت ناعم وشبه حزين . ـ عيني! وهتفيدك في ايه عيني ؟ اسمع ، أنا معايا فلوس كتير ، مش كتير قوي يعني ، أديك كل اللي معايا ، بس تسيبني ، ما تقتلنيش . ـ ما تخافش يا سيدي ، مش هقتلك . أنا مش عايز أكتر من عينيك . سألته مرة أخري : ـ وهتفيدك بإيه ؟ وليه عيني بالذات ؟ ـ ده طلب خطيبتي ، عايزة بوكيه ورد متزين بعيون زرقا ، وهنا مفيش حد عينه زرقا . ـ بس أنا عيني مش هتنفعك ، لأنها مش زرقا ، دي صفرا . ـ وكمان عايز تضحك عليّا . أنا عارف العين الزرقا كويس قوي . ـ ماهو ما ينفعش حد ياخد عين حد كده . أنا هديك حاجة تانية . ـ ما تبقاش متزمت كده . قال لي هذه العبارة بقسوة شديدة . فالتفت إليه فوجدته نحيلاً هزيلاً ، يغطي نصف وجهه بقبعة ، ويمسك بيده اليمني سكيناً يلمع مع ضوء القمر . ـ ارفع وشك ! امتثلت لأمره ، وأشعلتُ عود كبريت وقرّبته من وجهي ، فأجبرني لهيبه أن أغمض عيني قليلاً . فتح جفوني بيد قوية . لم يسعه أن يري شيئا ، فوقف علي أطراف أصابعه وتأملني بدقة . كاد اللهيب أن يحرق أناملي ، فألقيت بعود الكبريت علي الأرض . التزم الصمت برهة . ـ صدقت بقي إن عيني مش زرقا ؟ ـ انت حدق قوي ! ـ أجابني ـ ولع عود غيره! . أشعلت عودا آخر وقربته لعيني ، فأمسكني من كم قميصي وأمرني : ـ اركع علي ركبتك ! ركعت ممتثلا لأمره ، فأمسك بشعري باحدي يديه وشد رأسي للخلف ومال فوق صدري . كان مدققاً ومتوتراً ، بينما كان نصل السكين يقترب ببطء ويلمس جفني . أغمضتُ عيني تلقائياً . ـ افتحهم كويس ـ أمرني . فتحتهما بطاعة ، فأحرق لهيب النار رموشي . فجأة أطلق سراحي . ـ عينك مش زرقا ، عفيت عنك . واختفي . ارتكزت علي جدار ما ، واضعاً رأسي بين كفي ومستويا في مجلسي . نهضتُ بصعوبة ، فوقعتُ ، ثم نهضتُ من جديد . شرعتُ في الركض ، وواصلت ركضي ساعة كاملة في هذه القرية المهجورة . وعندما وصلت للميدان ، رأيت صاحب البنسيون جالساً كما كان أمام المدخل . دلفت دون أن أنبس بكلمة . وفي اليوم التالي قررتُ أن أهرب من هذه القرية .
نشرت بترجمتي في مجلة نزوة العمانية.

الجمعة، أبريل 17، 2009

راكبة الدرجة الأولي

قصة : راكبة الدرجة الاولي للكاتب الارجنتيني : بيوي كاسارس
تمر الساعات برتابة في هذه المدينة الإستوائية ذات السوق المتواضع الذي يزوره زبائن عرضيون تبعثهم عادة شركات التبغ . ترسو السفينة في الميناء ، فيحتفل قنصلنا بها ، مقدما الموائد في الصالون العربي بفندق بالمز . ضيف الشرف دوما لا يتغير : القبطان ، المدعو من قبل رجل أسود من القنصلية يمكث عادة بجانب السفينة . يرجو الرجلُ القبطانَ أن تشمل الدعوة مجموعة يختارها بنفسه من الركاب وطاقم السفينة . تقدم الموائد أطعمة شهية ، إلا أنها تبدو فاسدة من الرطوبة . ومع أنها مطبوخة بمهارة ، إلا انها مشكوك في صلاحيتها . الفاكهة هي الشيئ الوحيد المحتفظ بطزاجته ، أو بقول أصدق : الفاكهة والنبيذ ، كما شهد بذلك الركاب الذين لم ينسوا أبداً طعم الخمر الأبيض الآسر ولا إنشراح صدورهم بالمرح الناتج عنه . في هذه المرة ، وأثناء تناول الغداء ، سمع القنصلُ سائحةً ، واسعة الثراء وطاعنة في السن وتتميز بالرصانة وطلاقة اللسان وترتدي ملابس انجليزية مريحة ، تقول هذا التعليق أو الحكاية : " دائما أسافر في الدرجة الأولي ، إلا أنني أعلم عن يقين أن كل المزايا تقدم لمسافر الدرجة الثانية ، بداية من سعر التذكرة التي تعد ميزة كبري ، ومرورا بالأطعمة التي نعرف جيدا أنها تخرج من نفس المطبخ ويعدها الطباخون أنفسهم لكلتا الدرجتين علي حد سواء ؛ بل أن الدرجة الثانية تتمتع بالأطعمة اللذيذة والطازجة والمتنوعة ؛ وليس إنتهاءاً بتفضيل طاقم السفينة للطبقة الشعبية . وهذا التفضيل الذي أتحدث عنه ، ولا أظنه هلاوس بصرية ، ليس مرتبطا بالطبيعة البشرية ، بل أنه انطبع في قلوب الناس بفضل الكتاب والصحفيين وكل هؤلاء الذين ننصت اليهم بكل شغف وريبة ، إلا أنهم يقنعونا بمثابرتهم وجلدهم . وأسوأ ما في الأمر أن تذكرة راكب الدرجة الثانية محددة بأكلات معينة ، بينما تذكرة الدرجة الأولي خالية من أي قيود ، ونتيجة ذلك بالطبع أننا لا نجد جرسونا واحدا يقترب منا ، وبالتالي فإن الاهتمام والرعاية تنصب علي الدرجة الثانية لا الأولي . قد تصدقني لو جزمت لك أنني لا أنتظر شيئا من الحياة ، لكنني أعشق الحركة والناس الجميلة والشباب . والآن سأفصح لك بسر : الجمال والشباب وجهان لعملة واحدة ، بالرغم من أننا نصّر علي عكس ذلك . فالعجائز أمثالي لا فائدة منهم في الدنيا ، ويكفي أن ننظر لصبي يرقص أمامنا لنشعر بالدوار . حسنا ، فلنرجع لموضوعنا ، قضية الدرجات ، الشباب يسافر عادة في الدرجة الثانية ، أما الدرجة الأولي فلا تعرف معني الرقص ، ولو وجدناه سنشعر أن الراقصين جثث هربت في التو من قبورها ، مرتدية أجمل ثيابها وكل حليها علي أمل أن تحتفل بليلة ليلاء ، تعود بعدها كل جثة ، نصف منسحقة ، إلي قبرها في الساعة الثانية عشرة بالضبط . يمكننا بالطبع أن نحضر حفلات الدرجة الثانية ، لكن علينا حينئذ أن نتخلي عن أية حساسية ، فهؤلاء القاطنون في الدرجة السفلي ينظرون لنا علي أننا نظن أنفسنا ملوكا يزورون أحياءً فقيرة . وعادة ما نجد الطبقة الشعبية يصعدون إلي درجتنا العليا عندما يحلو لهم ذلك ، بدون أن تمنعهم سلطة ولا يعترض طريقهم أحد بوضع حواجز بغيضة أكل عليها الزمن وشرب . وفي زيارتهم هذه، نستقبلهم بترحاب ، ونعتدل في مأكلنا ومشربنا ، ولا نسرف في عواطفنا مراعاة لمشاعرهم وحتي لا يكتشف هؤلاء الضيوف العرضيون أننا نضعهم في تصنيف آخر ـ وهو الدرجة الثانية التي تعد فخرا حقيقيا للرحلة طوال مدتها ـ كما أننا نخشي أن نجرح مشاعرهم . لكننا ، والحق أقول ، لا نسعد بزيارتهم ، لأنها تحدث عادة قبل الفجر ، حيث يأتون غازين ، مقتحمين ، هذا الاقتحام الحقيقي الذي يبحث فيه المقتحم بلا رحمة عن غرفة راكب لم تغلق جيدا ، أو راكب تأخر بالخارج سواء في الحانة أو المكتبة ، أو حتي في الصالون الموسيقي .يبحثون عن غرفة شخص منا . وأقسم لك يا سيدي أن هؤلاء الصبية يأخذون ما يجدونه ويخرجون من غرفنا ليلقوه من حافة السفينة في غياهب البحر العميق ، بلا مراعاة لمشاعرنا . في غياهب البحر العميق ، المضاء بقمر لا يتألم ، كما يقول الشاعر الكبير ، والمسكون بكائنات خرافية ، مرعبة ، خلقناها من نسيج خيالنا . وهكذا في كل الصباحات ، نتبادل ، نحن سكان الدرجة الأولي ، النظرات المعبرة بعيون لا تخفي شيئا ، ومعلقة ، " وأنت ، ألم يصبك مكروها بعد ؟" وبلباقة وحيطة ، لا نتحدث عن الأشياء المفقودة ، لأنه طبقا لبعض الروايات التي لا أساس لها من الصحة ، والرغبة المتوحشة في بث الخوف والاعتقاد بأن الطرف الثاني كاملا بلا نقيصة ، يقال إن أبناء الدرجة الثانية يزرعون بيننا عصافير جاسوسية . وكما قلت سلفا ، فقد فقدت درجتنا مزاياها وأصبحت كالذهب ، لا يحتفظ سوي بسمعته . لكنني ، وربما يرجع ذلك لنقيصة يصعب اكتمالها في مثل عمري ، لا أرضي أبدا أن أكون راكبة من الدرجة الثانية" .

السبت، أبريل 11، 2009

قصة : ساقي اليمني / خوان مياس

كان ابي واقفاً علي حافة الرصيف بجانب سيارته ، ممسكاً بيده علبة من البلاستك ، ومنتظراً أن يعبر أحد . عبرتُ أنا بالموتوسيكل ، واضعاً فوق رأسي خوذة تخبئ وجهي تماماً ، فوقفتُ أمامه ، دون أنا أعرّفه بنفسي . ـ هل نفد البنزين ؟ سألته . ـ نعم ـ أجابني . ـ اركب . ركب أبي دون أن يتعرّف عليّ . لم نتقابل أو نتحدث منذ خمسة أعوام مضت ، وآخر مرة عانقته فيها كان يوم دفن أمي . بعدها ، دون أن يحدث خلاف بيننا ، بدأت تنقطع مكالماتنا التليفونية حتي اختفت تماماً . لاحظتُ أنه كان يحني رأسه ليتفادي الهواء ، ولابد أنه لاحظ إرتفاع كعب فردة حذائي الأيمن ، فساق هذه الفردة أكثر قصراً من الساق اليسري . لقد حدثني كثيراً عن الغضب الذي تملكه عندما أخبره الطبيب بعد مولدي بهذا الأمر . ورغم أنني لم أشعر أبداً بالأسي ، إلا أنهما كانا يشعران بالذنب أمام هذه الستيمترات الناقصة في ساق ، أو الزائدة في أخري ، فالأمر يتوقف علي رؤية كل منا ، وأنا لم أعرف أبداً أيهما المعيبة ، القصيرة أم الطويلة . أقود الموتوسيكل بمهارة فائقة ، وأدخل بين السيارات بحركات تبدو بعيدة عن الحيطة في رأي البعض . خلال ذلك ، لاحظت أن أبي ، رغم تحفظه في لمس الرجال ، كان يمسك بكتفي بيده اليسري بينما يحاول أن يلصق بفخذه العلبة البلاستكية التي يسندها بيده اليمني . أدركتُ أنه لم يتوقف عن النظر لفردة حذائي المرتفعة ، ولابد أنه قد سأل نفسه عن إحتمالية أن أكون ابنه ، وربما تذكر الأطباء الذين زارهم وسلسلة الأشعات التي قمتُ بها ومجموعة الحلول المقدمة ، ليصل في النهاية لهذا الحل البسيط والعملي بإضافة قطعة صغيرة لحذاء الساق الأقصر . حينها ، ضغط علي كتفي ضغطة يمكن تفسيرها بأنها نتيجة لتحريك عاطفته ، لكنني لم أتجاوب معه . وصلنا بعد قليل إلي محطة البنزين ، فنزل من الموتوسيكل وبيده العلبة البلاستكية . أخبرته أنني ليس بوسعي أن أصطحبه في العودة لسيارته ، فأجابني بألا أشغل بالي ، فلابد أنه سيجد من يصطحبه . لاحظتُ أنه يحاول أن يكشف وجهي بعينيه ، عبر مقدمة الخوذة المشبرة . في هذه الليلة ، دق الهاتف عدة مرات في بيتي ، لكن الاتصال كان ينقطع قبل أن أرفع السماعة .

الأربعاء، مارس 25، 2009

قصة : كتابة ضد الرغبة

خوان مياس عندما أسأل نفسي هل كان لنا مدرسون أفاضل ، أتخيلهم ، واحداً واحداً ، فيطاردني سؤال آخر ، هل كان لهؤلاء المدرسين تلامذة نجباء . بشكل عام ، كنا تلامذة أشقياء ، لا ينعم في وجودنا لا المُربي الطيب ولا الشرير . من بين هؤلاء كان مدرّس الأدب، الذي كان يأمرنا بكتابة موضوعات مختلفة . فيطلب منا ، مثلاً ، إذا شاهدنا فيلماً قد أعجبنا ، أن نكتب عكس إرادتنا ، شريطة أن نكتب بطريقة يعجز أمامها القاريء عن كشف الكذب من الحقيقة . بعد كتابة العديد من هذه الموضوعات ، انتبهتُ أن كثيراً من الأفلام ، التي اعتقدتُ أنها أعجبتني سابقاً ، ليست إلا أفلاماً لا قيمة لها . تعلّمتُ أيضاً أنه بقليل من الموهبة والممارسة يمكنني الدفاع عن أوضاع لا يمكن الدفاع عنها . إلي الآن مازلتُ أستخدم منهج هذا المُعلم ، حيث أن كثيراً من موضوعاتي أكتبها مباشرة ضد رغبتي ، لأنني لا أثق كثيراً أن أفكاري الناتجة عن إنطباع ما أفكار صائبة . ذات يوم ، أمرنا المُعلّم أن نكتب موضوعاً عن أبائنا . طلب منا أن نتخيل أحدهما علي وشك الموت ، وعلينا أن نقرر أيهما في هذا الوضع . لم نتكلم في الفسحة عن شيئ آخر . ـ أنا أختار أبي ـ قال أحدنا ـ لكنه من ينفق علي البيت! ـ لا تشغل بالك ـ رد آخر ـ فأمك ستعيش من المعاش . ـ وما هو المعاش ؟ سأل ثالث من بعيد . أنا لم أكن أدري أيهما أختار ، فتخيلتُ كلتا الفرضيتين ، واخترت هكذا من سيسبب لي وفاته ألماً أشد ، فلقد صرتُ خبيراً ، أو هكذا كنتُ أعتقد ، في الكتابة ضد رغبتي . قتلتُ أبي إذن ، وحصلتُ علي تسعة من عشرة ، وهي اعلي درجة حصلتُ عليها في حياتي بأكملها ، وبفضلها لم أرسب ، لأول مرة ، في مادة الأدب في امتحان الشهر . هنأني أبي وأعطاني قبلة ، فشعرتُ أنهما تهنئة وقبلة من رجل حُكم عليه بالموت . احتملتُ هذا الشعور بالذنب مدة عام ، حتي ساقتني الصدفة وبعض الأعراض إلي غرفة المحلل النفسي ، وهناك تحققتُ أن كل الأطفال يرغبون قتل آبائهم ليستحوذوا كلية علي أمهاتهم . إذن فقد فعلتَ الصواب ، أخبرني محللي النفسي ، ناصحاً إياي ألا ألوم نفسي بهذه الطريقة . ما يؤلمني حقاً ، الآن ، أنني فعلتُ ما كان متوقعاً . وفي هذه اللحظة أسأل نفسي هل لو كنتُ قد اخترتُ أمي للموت كنت سأحصل علي عشرة من عشرة ، وأعطوني مرتبة الشرف!

الأربعاء، مارس 18، 2009

دقة مواعيد

دقة مواعيد

قصة ل خوان مياس

كان لي خطيبة تكره الدقة في المواعيد ، وكان ذلك يبدو لها أحد عيوب البورجوازية . في تلك الفترة كنتُ أصل دائما قبل موعدي بنصف ساعة ، ليس كرد فعل معاكس ، وإنما لمشاكل عقلية ، فقد كنت أعتقد أنني لو تأخرتُ في مواعيدي ستحدث كارثة . بالأضافة لذلك ، فإن ميزة الوصول إلي المطار ، مثلا ، قبل موعدك بساعتين أو ثلاث يتيح لك الفرصة ، إن كنت قد نسيت جواز سفرك ، أن تعود للبيت لتحضره دون أن تفقد رحلتك . لم تكن خطيبتي تفهم هذه التفسيرات ، بل وكانت تلومني بمرارة علي بورجوازيتي التقدمية في سنوات كانت فيها الطبقة الوسطي تنظر للطبقة الوسطي باحتقار . شرحتُ لها حينئذ أنني أصل قبل موعدي لألقي نظرة من بعيد علي الناصية التي تواعدنا عندها ، لأتحقق أنه لا توجد حركات مريبة في المنطقة . فقد قرأتُ روايات كثيرة لجون لي كاريه ، وعلمتُ أن الجواسيس دوما ما يتخذون هذه الاجراءات الاحتياطية . ـ أتريدين أن يتحروا أين نتقابل ويعتقلوني ؟ ـ لكنك لست جاسوسا لتفعل ذلك ـ أجابت هي . ـ لا أحد يعرف هذه الأمور ـ أجبتها أنا بشكل غامض . يتميز الجواسيس بأنهم يستطيعون الإحساس بكل نوع من الوساوس ، بدون أن يلفتوا الإنتباه . فالعميل ، كما يقول الكتاب ، يجد نفسه مضطراً ، مثلا ، لترك فرشاة أسنان علي باب بيته عند خروجه ، ليتحقق إن دخل أحد إلي بيته في غيابه أم لا . وغير الفرشاة ، يمكنه أيضا أن يترك قليلا من الصمغ في ركن ما من الباب . ورغم كل احتياطاته ، يجب أن يحترس من حديثه في غرفة معيشته لأنهم ربما يضعون له ميكروفونات في حجم رأس الدبوس في أي مكان . وقبل أن يشرع في حديث حساس ، من المناسب أن يطل من نافذته ليتأكد أنه لا توجد سيارة في الشارع لها اريل هوائي في سقفها . وكل هذه الاحتياطات تعد قليلة . ذات مرة ذهبت لطبيب نفسي ليعالجني من هذه العلل ، التي أخسر معها وقتي وأفقد فيها طاقتي . وحين رويت له كل شيئ ، أكّد لي أنني فعلا في حاجة إلي علاج ، لكنه عبّر عن ذلك بطريقة لم ترق لي . وبالتالي ، عندما شرع في عمل ملفي وسألني عن مهنتي ، أجبته أنني جاسوس . ـ إذن فحضرتك تقوم بما يجب عليك . قد تحتاج علاجا لو لم تفعل واجبك . ـ هذا ما أقوله لخطيبتي ! ـ وهل تعلم خطيبتك أنك جاسوس ؟ ـ بالطبع لا . أتظن انني عميل مجنون لأحكي لكل الناس أنني أعمل في خدمة الاتحاد السوفيتي ؟ . كان الإتحاد السوفيتي حينها موجودا ، وكانت مدريد تكتظ بالأحزاب الشيوعية وأحزاب العمال والأعلام الحمراء والصينيين والكوبيين وغيرهم ، بالاضافة للفاشيين التقليديين ومن علي شاكلتهم . وكانت الحياة غاية في الصعوبة ، ولم يكن في متناول يد أحد أن يتخلي عن هذه الطقوس الوسواسية حتي لا يبدو ضد الثورة ، أو بورجوازي صغير . لقد كان وصولي مبكرا عن موعدي وعشق خطيبتي للوصول متأخرة ، أمرا يعكر العلاقة بيننا . حينئذ ، بلمحة كرم مني ، وحتي أرضيها ، أقسمتُ لها أن أصل متأخرا عن كل مواعيدي ، أو علي الأقل عن مواعيدي معها . وبهذه الطريقة عادت المياه لمجاريها ، أقصد إلي مجاريها هي ، لأنها تركت مجراي حتي صار جافاً . أوفيت بوعدي خلال الأسابيع التالية في موعدين أو ثلاثة ، لكنني كنت اعاني من أفكاري الخرافية التي تصور لي أن العالم سينتهي كنتيجة لتأخيري . وسريعا عادت ريمة لعادتها القديمة ، فأصبحت أصل من جديد مبكرا ، وأختبيء في مكان قريب لأتظاهر بأنني وصلت في التو بعد أن أراها قد وصلت وانتظرت عدة دقائق . وذات يوم كنت مختبئاً في مدخل بناية ، مراقبا منطقة اللقاء ، ورأيتها قد وصلت قبل موعدها بعشر دقائق ، حينها خرجتُ من مخبأي ، وعندما ناديتها " يا بورجوازية " ، أكدت لي أنها جاءت مبكرا لتتأكد إن كنت أصل متأخرا أم لا . وفي ذلك اليوم فسخنا خطبتنا ، لأسباب ايديولوجية ، في رأيها ، رغم أنني اعتقدت دوما أن إنفصالنا كان لأسباب نفسية . بالأمس رأيتها في الشارع ، تصطحب طفلا في يدها ، وشعرت بوسواس يدفعني لأقترب منها وأطلب منها ان تغفر لي دقة مواعيدي في سنوات شبابي ، لكنني أدركت في الحال أن الوقت ، علي الأقل في رأيي ، قد تأخر جدا ، رغم أنه بالنسبة لها مازال ، ربما ، مبكرا جدا .

الأربعاء، مارس 04، 2009

مصالحة النوم

ماريو بينيديتي ( الأورجواي) ( ولد في أورجواي سنة 1920 ، ونشر أول مجموعة قصصية له سنة 1949 ، ويعد أكبر قصاص في بلده وأحد أهم القصاصين في أمريكا اللاتينية ) قصة : مصالحة النوم أنا حالة خاصة جدا يا دكتور ، فكل فترة عندي لها أحلامها المرتبطة بنفس الموضوع . ففي فترة ما كنت احلم بالفيضانات ، وحينها كانت الأنهار تفيض فجأة وتغمر الحقول ، الشوارع ، البيوت ، حتي تصل لسريري ، وهكذا تعلمت في أحلامي السباحة ، وبفضل هذا بقيت علي وجه الحياة أقاوم النكبات الطبيعية . لكن للأسف كانت هذه الميزة تعمل فقط داخل إطار الحلم ، حيث أنني حاولت أن أطبقها وأنا مستيقظ تماما في حمام السباحة بأحد الفنادق وكنت علي وشك أن أغرق . بعد ذلك جاءت فترة كنت أحلم فيها بالطائرات ، أو بمعني أدق ، بطائرة واحدة بعينها ، لأنها كانت دوما نفس الطائرة . وكانت المضيفة قبيحة ، وتعاملني بشكل سيئ . كانت تقدم للجميع زجاجة شامبانيا ، إلا أنا ، وعندما سألتها عن السبب نظرت لي نظرة طويلة مليئة بالكراهية وقالت لي " أنت تعرف السبب جيداً " ، فأذهلني كثيرا حديثها معي بصيغة أنت ، لدرجة أنني أوشكت أن أستيقظ . بالإضافة إلي أنني لم أكن اتخيل إلي ما تشير . وظللت في حيرتي هذه حتي سقطت الطائرة في بئر من الهواء وتبعثرت المضيفة القبيحة في الممر بشكل أدي لرفع جونلتها الميني جيب فاستطعت أن ألاحظ أنها لا ترتدي شيئا تحتها . حينئذ استيقظت ، وأرعبتني المفاجأة ، حيث لم أكن في سريري المعتاد ، بل في طائرة ، في الصف السابع ، كرسي D ، تقدم لي مضيفة جميلة بلغة انجليزية بسيطة كوبا من الشامبانيا . كما تري ، يا دكتور ، أحيانا تكون الأحلام أفضل من الواقع ، وأحيانا العكس . أتتذكر ما قاله كانط ؟ " ما الحلم إلا فن شعري غير ارادي " . في مرحلة أخري حلمت بشكل متكرر بأطفال ، كانوا هم أطفالي ، مع أنني أعزب وليس لي أولاد ولا حتي أبناء حرام . فكيف أنجب اولادا في عالم كهذا ! ، فإنجاب مخلوقات جديدة يبدو لي فعلة غير محسوبة . ألدي حضرتك أولاد؟ ، خمسة ؟ ، معذرة ، فأنا أقول كل مرة شيئا فظيعا . أبنائي في الحلم كانوا صغارا جدا . بعضهم كان يحبو والبعض الآخر كان يقضي حياته في الحمام . أعتقد أنهم كانوا يتماء الأم ، حيث أنها لم تظهر أبدا كما أن الأولاد لم يتعلموا نطق كلمة ماما . والحقيقة أنهم لم ينادوني ب بابا أبدا ، بل كانوا ينادوني بلغتهم المكسورة ب " عربي " ، وأنا من اجداد من لا كورونيا وآباء أجداد من لوجو . " تعال عربي " " عربي ، مم " " عربي ، عملت كخ " . في أحد هذه الأحلام ، بينما كنت أهبط درجات سلم بعضها مكسور ، سقطت . حينها نظر لي أكبر أبنائي بلا شفقة وقال " عربي ، عليك اللعنة " . وكان هذا فوق طاقتي ، فاستيقظت هاربا إلي واقعي الخالي من الملائكة . في مرحلة لاحقة حلمت بكرة القدم ، وكنت دائما حارس مرمي ، جول ، جول كيبر . أسماء كثيرة لعمل واحد . وعادة ما كانت السماء تمطر قبل بدء المباراة ، وبالتالي كان الحشيش مبلولا ، وكان مستحيلا عدم وجود بحيرة أمام المرمي . حينئذ كان يظهر أحد المهاجمين الذي يسدد صوبي بعزم ، فأصد الأولي ، أما الثانية فكانت تنزلق من الجوانتي ، وتعبر خط المرمي . عند هذا الحد من المباراة كنت أحاول الاستيقاظ ، لكن الحلم لم يكتمل بعد ، فمازلت لم أسمع صيحات المدرجات الخلفية التي تصرخ بشكل جماعي : يا خائن ، يا من اشتروك ، كم دفعوا لك ، وشتائم أخري . في الفترات الأخيرة اقتحمت مغامراتي الليلية منطقة جديدة ، السينما . لكنها ليست سينمات اليوم ، الأقل جودة ، بل سينما الأمس ، التي كانت تحرك مشاعرنا ، وتستوطن حياتنا بملامحها وسلوكياتها المثالية . وأنا اكرس أحلامي للممثلات . وأي ممثلات ! ، مارلين مونرو ، كلاوديا كردينال ، هاريت أندرسون ، سونيا براجا ، كاترين دينوف ، أنوك ايمي ، ليف أولمان ، جليندا جاكسون ، ونجمات أخريات ( أما النجوم ، فلم يكن مورفيو ، إله الأحلام ، يسمح لهم بالدخول ) . وكما تري ، يا دكتور ، فإن أغلبهن خبيرات ، وغير الخبيرات غير موجودات ، وأنا احلم بهن كما كن يظهرن في أفلام تلك الفترة . فمثلا ، عندما أتكلم عن كلاوديا كردينال ، لا اتحدث عن كلادويا اليوم ( وهي مازالت جميلة ) وإنما عن هذه الفتاة الجميلة ابنة الواحد وعشرين ربيعا . كانت مارلين مونرو تقترب مني ، وتقول لي بصوتها العذب I DON T LOVE KENNEDY . I LOVE YOU. ONLY YOU. ولتعلم حضرتك أن الممثلات كن يكلمنني أحيانا بأصواتهن مصحوبة بترجمة مكتوبة ، وأحيانا اخري بصوت مدبلج بالاسبانية . وأنا كنت افضل سماع أصواتهن بترجمة مكتوبة ، فأصوات مثل كاترين دينيف أو جليندا جاكسون لا يضاهيها صوت . حسنا ، في الحقيقة أنا جئتك لأستشرك في أمر ، حيث انني حلمت بالأمس ب أنوك ايمي ، لكنها ليست انوك اليوم ( التي مازالت جميلة ) وإنما أنوك في فيلم19 MONTPARNASSE ، عندما كان لديها ستة وعشرون ربيعا . لا تسيء الظن بي . فأنا لم ألمسها ولم تلمسني . هي فقط أطلت من نافذة الاستوديو خاصتي وقالت ( في النسخة المدبلجة ) " سأتيك غدا لأراك ، لكن ليس في الإستوديو خاصتك ، وإنما في سريرك ، لا تنس ذلك ) . كيف لي أن أنسي ذلك ! . وما اريد أن أعرفه الآن ، يا دكتور ، هل العوازل الطبية التي أشتريها من الصيدلية تصلح لي أيضا في الأحلام ؟ ، لأنني لا أريد أن أتركها حاملا .
ترجمة : أ حمد عبد اللطيف
نشرت بباب شرفات ، بمجلة نزوة العمانية .

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...