السبت، يوليو 30، 2011

قصة: جيم ...روبيرتو بولانيو



قصة: جيم

روبيرتو بولانيو

نرجمة: أحمد عبد اللطيف
جيم

     منذ سنوات طويلة كان لي صديق يُسمى جيم ومنذ ذلك الحين لم أر أبداً أمريكياً شمالياً أكثر حزناً منه. رأيت يائسين كثيرين. لكن حزناء، مثل جيم، أبداً. ذات مرة رحل إلى بيرو، في رحلة كان يجب أن تستمر أكثر من ستة أشهر، لكنني بعد فترة قليلة رأيته من جديد. فيما يكمن الشعر يا جيم؟ كان أطفال المكسيك الشحاذين يسألونه. كان جيم يستمع إليهم ناظراً إلى السحب وبعدها يشرع في التقيؤ. اللغة، البلاغة، البحث عن الحقيقة. عيد الغطاس. مثلما تشبه العذراء. في أمريكا الوسطى اعتدوا عليه عدة مرات، وهو ما كان غريباً بالنسبة لرجل من المارينز ومحارب قديم في فيتنام. كفى مشاجرات، كان يقول جيم. أنا الآن شاعر وأبحث عما هو غريب لأقوله بكلمات شائعة وعادية. هل تعتقد أن هناك كلمات شائعة وعادية؟ نعم أنا أعتقد، كان يقول جيم. كانت زوجته شاعرة تشيكية تهدده، كل فترة، بأنها ستهجره. أراني صورة لها. لم تكن جميلة بشكل خاص. كان وجهها يعبر عن معاناة وتحت المعاناة كان الغضب يطل. تخيلتها في شقة سان فرنثيسكو أو في بيت لوس أنجيليس، بنوافذ مغلقة وستائر مفتوحة، جالسة على المائدة، تأكل قطع خبز من رغيف وطبق شوربة خضراء. وحسبما رأيت كان جيم يحب النساء السمراوات، نساء التاريخ السريات، كان يقول ذلك دون أن يشرحه بفضفضة. أنا على العكس كنت أحب البيضاوات. ذات مرة رأيته يتأمل الحاوي بشوارع D.F. رأيته من ظهره ولم أسلم عليه، لكنه كان جيم بكل وضوح. الشعر سيئ الحلق، القميص الأبيض والوسخ، الظهر المحني كما لو يشعر بثقل حقيبته. الرقبة الحمراء، رقبة تستحضر، بطريقة ما، صورة الإعدام غير القانوني في الحقل، حقل بالأبيض والأسود، بلا إعلانات ولا إضاءات محطات البنزين، حقل كما يكون أو كما يجب أن يكون الحقل: بواد بلا أمل في الاستمرار، غرف من الحجارة أو مدرعة بما هربنا منه وينتظر عودتنا. كان جيم يضع يديه في جيبيه. وكان الحاوي يهز شعلته ويضحك بشكل عنيف. وجهه المسوّد كان يقول إن عمره قد يكون الخامسة والثلاثين أو الخامسة عشرة. كان بلا قميص وبجرح رأسي من صرته حتى صدره. في كل فترة محددة كان يملأ فمه بسائل قابل للاشتعال وبعدها يبصق ثعباناً طويلاً من النار. كان الناس يشاهدونه، مقدرين فنه ويواصلون طريقهم، ماعدا جيم، الذي استمر على حافة الرصيف، ساكناً، كما لو أنه ينتظر شيئاً أكثر من الحاوي، علامة عاشرة بعد أن فك شفرة التاسعة الصارمة أو كما لو في الوجه البذيء اكتشف وجه صديق قديم أو وجه أحد قد قتله من قبل. وخلال فترة طويلة نظرت إليه، وكنت حينها في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة وكنت أعتقد أنه أبدي. لو كنت أعرف أنه ليس كذلك لأعطيته ظهري ولابتعدت عن هناك.  بعد فترة تعبت من النظر لظهر جيم ولتجهمات الحاوي. الحقيقة أنني اقتربت وناديت عليه. بدا أن جيم لم يسمعني. عندما التفت لاحظت أن وجهه مبللاً بالعرق. كان يبدو محموماً ويصعب عليه التعرف عليّ: حياني بحركة رأس وبعدها واصل النظر للحاوي. عندما  اقتربت منه رأيته يبكي. أغلب الظن أيضاً أنه كان محموماً. هكذا اكتشفت، بدهشة أقل من الدهشة التي أكتب بها، أن الحاوي كان يعمل من أجله حصرياً، كما لو أن كل المشاهدين الآخرين بناصية D.F هذه غير موجودين. كانت الشعلات، أحياناً، توشك على الانطفاء على بعد أقل من متر منّا. ماذا تريد، قلت له، أن يحرقوك في الشارع؟ كانت مزحة حمقاء، نُطقت بلا تفكير، لكن عرفت فجأة أن هذا بالتحديد ما كان يأمله جيم. مارس الحب، مسحوراً\ مارس الحب، مسحوراً، أعتقد أنني أتذكر أنها عبارة في أغنية كانت موضة هذا العام في بعض البؤر المرحة. وكان يبدو أن جيم يمارس الحب مسحوراً. استحوذ عليه ساحر المكسيك والآن أنظر مباشرة إلى وجه أشباحه. هيا من هنا، قلت له. سألته أيضاً إن كان تناول مخدراً، إن كان يشعر بالتعب. قال لا بإيماءة من رأسه. كان الحاوي ينظر لنا. بعدها، اقترب منا بخدين منتفخين، مثل إيولو، إله الريح. عرفت، في جزء من الثانية، أن ما سيقع علينا ليس بالتحديد ريح. هيا، قلت، وفجأة نزعته من حافة الرصيف الخطيرة. تهنا في الشارع النازل في طريق الاصلاحية، وبعد برهة افترقنا. جيم لم يفتح فمه طوال الوقت. ولم أره مرة أخرى أبداً.



السبت، يونيو 25، 2011

لعبة الإضاءة والظل في قبلات سينمائية



             

     اختار إيريك فوتورينو أن تبتعد روايته "قبلات سينمائية"، المترجَمة حديثاً للعربية بتوقيع إيمان رياح وصادرة عن سلسلة الجوائز بهيئة الكتاب، عن القضايا الهامة المطروحة سلفاً، ليطرح قضيته الخاصة، دون أن يتجنب انعكاس هذه القضية في مرآة تقليدية تضم العاشق والعشيقة والزوج. البطل\الراوي يقرر عقب وفاة أبيه أن يبحث عن أمه المجهولة في الأفلام السينمائية القديمة لأن الأب أخبره في لحظات الاحتضار أنه جاء من قبلة سينمائية. هنا يبدأ الروائي الفرنسي عمله ببداية مرتبكة، متصدراً بعبارة شديدة التعبير عن أرقه لأوليفيه آدم:"المعنى الخفي لحياتي تمثل في الهروب من أب موجود والبحث بلا انتهاء عن أم مفقودة"، حيث تحدّد العبارة مصير البطل المرتبك، في عمله، في عشقه، في علاقاته العابرة، وفي حيرته التي لا تنتهي حتى مع نهاية العمل.

     يختار أيضاً أن يدور عمله بين تفاصيل يومية بسيطة، تنتقل من البيت لمكتب المحاماة ثم إلى السينمات المختلفة، بحثاً عن وجه لم يره من قبل، ويفترض أنها كومبارس ستظهر في لقطة واحدة في فيلم واحد لتختفي بعده للأبد.

      يشيد فوتورينو منذ اللحظات الأولى للعمل أول ثالوث سيتجول معه: الأب- الأم- الابن، وأثناء محاولة لملمة تفاصيله يكوّن ثالوثاً آخر: العاشق- العشيقة- الزوج، ليكون بذلك ضلعاً في ثالوثين أحدهما يسأل عن ماهية الحياة والثاني يسأل عن جدواها. فيلعب في كليهما دور الحائر الذي وجد نفسه فجأة، دون إرادة منه، يبحث عن امرأتين في ذات الوقت: الأم المفقودة، والحبيبة شبه الغائبة، ليتذوق مرارة البحث عن امرأتين في آن واحد.
***
         تبدو الحبكة في ظاهرها مغامرة بوليسية للتوصل إلى الهدف، خطة محكمة تسير طبقاً لبرنامج محدد من أجل الوصول، لكن تتخللها فجأة تجربة عاطفية مكتظة بصور ومشاهد أفلام وحكايات صغيرة. تتأرجح ما بين ذكريات طفولة ومراهقة وبين حاضر ممتليء بفجوات لا تسدها سوى لقاءات غير منتظمة.

    تشغل العشيقة الجزء الأكبر من السرد، وتتسق بشكل مطلق مع فكرة الراوي الذي لا يشاهد سوى الأفلام القديمة. هي المرأة المحتشمة التي يصفونها بأنها كثيرة الملابس، وهي عازفة البيانو الرومانسية التي تنشر جواً من الحب في كل أركان الحياة، وهي أيضاً من يصعب الوصول إليها عندما تغيب، والمريضة التي لا تبوح بحقيقة مرضها. كل ذلك كان تمهيداً للوصول إلى الهدف، الأم. في لحظة ما، وبصدفة محضة، يشاهد أفلاماً احتفظ بها أبوه، المصور السينمائي، ليجد الأم صورة مطابقة للحبيبة، أو هكذا خُيّل إليه. حتى أن استرجاعه لحكاياتها، أمها التي غابت وهي صغيرة، جعلته يظن أنها أخته، وفي ذروة ارتباكه ظنها أمه نفسها. أيستكمل بقصة عشقه في الثالوث الثاني قصة الثالوث الأول؟ أيطرح بذلك أسباباً لاختفاء الأم الأبدي والعثور عليها بعد ذلك في حكاية متناثرة وفيلم سري؟ أيرمز ظهور الأم الأخير وحرقها لبيت زوجيتها لانتهاء قصة عشقه هو بعد أن قرر التوقف عن إدمان مايليس، عشيقته؟ أيكون الأب صورة مناقضة لصورة زوج عشيقته الذي تنازل عن كرامته في سبيل الحب؟ وأخيراً، أيكون العثور على ماهية الحياة سبباً في معرفة عدم جدواها؟

      في نهاية الفصل قبل الأخير يقرر البطل أن يعيد عشيقته إلى أسرتها:"كانت نوافذ منزلها مضيئة. قلت:"إنهما ينتظرانك"، ثم انطلقت السيارة باتجاه نوتردام، إلى الكيلومتر صفر. وفي المرآة العاكسة، كان خيال مايليس قد أصبح صغيراً جداً". وفي الفصل الأخير يقرر، بعد أن عثر على أمه المجنونة التي غابت من جديد، وبعد أن اختار أن تغيب حبيبته للأبد، أن يبقى جالساً للحظة ثم يمشي بخطوات سريعة:"لأني كنت أتعجل أن أعيش".     

***

     تبدو الرواية في مجملها فيلماً سينمائياً مكتمل الأركان، مجموعة من المشاهد المرصوصة بجانب بعضها بعناية، تلعب فيه الإضاءة والظل دور بطل غير معلن، لكنه حاضر بكثافة من بداية العمل حتى نهايته. ليست مسألة مشهدية فقط، بل خبرة حقيقية لكاتب يعرف تفاصيل الفن السابع، حيث يقطع المشهد في الوقت المناسب فيترك القاريء\المشاهد معلقاً، مثاراً، متشوقاً لمعرفة نهايته. هكذا، ورغم أن السرد نفسه لا يتميز بالإدهاش، تتميز الرواية بجاذبيتها الخاصة. لو أضفنا لذلك المعلومات السينمائية التي أوردها المؤلف في عمله، سواء كانت أسماءً لأفلام وأبطال أو تقنيات في التصوير السينمائي(مهنة الأب) لتكونت لدينا حقيقة أن المؤلف يدرك جيداً قواعد هذا الفن.

      أتكون السينما بذلك عاملاً مؤثراً في الرواية الجديدة؟ أيكون التعامل مع الشخصيات من الخارج دون التعمق في خباياها تعبيراً عن ترك مساحة للقاريء ليشارك المؤلف في كتابة روايته؟ وارتباك الشخصيات في تحديد مصائرها، أيكون ملتصقاً بالحياة نفسها وبالعصر الحديث؟

      لعل أكثر ما يلفت الانتباه في رواية فوتورينو هشاشة العلاقات بين الشخصيات: الأب والابن، الأب والأم، الزوج والزوجة، العاشق والعشيقة. فالأب، المصور السينمائي، لا يلتفت لوجه ابنه ليجعل منه بطلاً سينمائياً، ونفس الأب لا يهتم بإطلاع ابنه على حقيقة هويته. وعلاقة الأب مع الأم تبدو حدثاً عابراً، امرأة ضاجعها ذات ليلة ونساها. ورد فعل الزوج أمام زوجته رداً أنثوياً، حتى يبدو كأن ما يربط بينهما ليست علاقة زواج بقدر ما هي صداقة أو رفقة في شقة. حتى أكثر العلاقات حميمية في العمل، يبدو فيها العاشق والعشيقة لا يعرفان سوى ما يعني هذا الجانب، دون أن يصلا لأي عمق داخل الآخر. لا شك أن خللاً ما يحدث فيجعلهم يدورون حول ذواتهم، ولا يرون في الآخر سوى سعادة مؤقتة.

 أخيراً، ف "قبلات سينمائية" لعبة تبادلت فيها البطولة الإضاءة والظل، حتى أن الأبطال المسلط عليهم الضوء يبدون انعكاساً لأبطال آخرين وقفوا في الظل، فكانت الصورة بذلك أكثر اكتمالاً.

السبت، مارس 12، 2011

ما بين استعادة البصيرة والثورة البيضاء




      في رواية "البصيرة"، التي يمكن اعتبارها كجزء ثان من روايته "العمى" يرى ساراماجو أن الشعب قد استرد بصره، أو بصيرته، عندما توجه إلى صناديق الاقتراع ليدلي بأصوات بيضاء، في رسالة واضحة وذكية مضمونها أن أحزاب اليسار واليمين والوسط ما عادت مُشبِعة، وأن أتباعها كفروا بها، وبالتالي، لم يعد أي منها جديراً بالتصويت لأجله. هكذا صوّتوا تصويتاً أبيض ليصفعوا الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة على وجوههم القميئة، التي تحتل على الدوام وسائل الإعلام المرئية والمقروءة.

     ثمة شيء لا يمكن تجاهله يربط تصويت ساراماجو الأبيض بثورة الشباب البيضاء، خيوط ممتدة بدأت من رواية العمى، حيث أصيب الجميع بعمى أبيض اختفت على أثره كل الصور، وامتدت للبصيرة، حيث استحضروا كل ما غاب. هنا، في البصيرة، بدون أي اتفاق مسبق، بدون قائد أو مجموعة، يخرج السكان جميعاً، في وقت واحد تقريباً، ليدلوا بأصواتهم. يقفون في صفوف طويلة، يتحدثون في أشياء عابرة، ودون أن يتفقوا على شيء، يتوقفون عن اختيار كل المرشحين في الانتخابات. هنا تحدث الفوضى المحببة، يحرّك الحجر الملقي المياه الراكدة، فيعيد الساسة جمع شملهم لمواجهة "الشرذمة المنحلة". ولأنهم متعجرفون، ولأن أمراض السلطة أفسدت أجهزتهم الحسية، ولأن الشعب بالنسبة لهم لم يعد سوى مجموعة من الجهلاء، الرعاع، القطيع، واصلوا في عنادهم، ورددوا عبارات احتلت قواميسهم، تصف الشعب المقهور بأنه في حاجة إلى تربية. وبدلاً من البحث عن عيوبهم والاعتراف بأخطائهم، نراهم يؤدبون الشعب على طريقتهم، حيث القمع والتعذيب. يسلط ساراماجو الضوء على الاضطرابات الجارية في الكواليس، ارتجافات رئيس الجمهورية، توحش وزير الداخلية، الاستخفاف بوزير الثقافة. اجتماعات ومجادلات ومناقشات تهدف، بدلاً من الإصلاح والتخلي عن مناصبهم، القضاء على الشعب المتمرد. هنا تبدأ الملهاة، حيث القبض العشوائي على الأفراد، وظهور أجهزة كشف الكذب، والتعذيب، بل وتحريم استخدام كلمة "أبيض". ولأن الحكومة لا تجد زعيماً للتمرد، تقرر أن تخلق زعيماً، وتطلق الإشاعات حول أعداء الخارج الذين يبغون القضاء على هدوء بلدهم وحرمانهم من هذه النعمة العظيمة.

     ثورة 25 يناير، إذن، هي سير غير متعمد فوق خطوط شعب ساراماجو المتخيل، ورد فعل الديكتاتور وحكومته المتعسفة هو وجهة نظر ساراماجو الصائبة في الأنظمة الفاسدة. أي برهان بعد ذلك أقوى وأدل على أن الأدب روح التاريخ؟ وأن الأدب لا يجب أن يحكي وقائع بقدر ما يلتزم بحكي حقائق، وأن الحقائق يمكن الوصول إليها عبر الخيال والرمز.

    حدث أيضاً أن صورة الطغاة، الفاسدين من ذوي السلطة، ثابتة على مر العصور، وفي كل الأماكن، وأن سلوكياتهم وردود أفعالهم الأولى، بل والأخيرة، نسخ مكررة. هم نصف إله، كما يعتقدون، وبالتالي، يعتبرون الخروج عليهم خطيئة لا تغتفر. هكذا، قتلهم لثلاثمائة شاب لا يعني شيئاً، ومحاولات قتلهم للآلاف هي واجبهم المقدس. ما من جديد في أساليب العقاب، السلطة تدافع عن حصونها المزيفة بطلقات النار، وخطبهم تتزين بأعلام الوطن المرفرفة. ما بين الفوضى التي ستحل بعدي، وما قدمته للوطن، والمطالبة بتكاتف الشعب لتخطي الأزمة، تدور الأحاديث الموجهة للشعب، بينما الكواليس تضم حوارات أخرى تدور حول سؤال جوهري: من فعل هذا وكيف يمكن تفاديه. ما خالف التوقعات في ثورتنا البيضاء هو استمرارها للنهاية، ورفض أنصاف الحلول، بالإضافة لرقيها وحرصها على نقائها حتى في أحلك اللحظات. فضلاً عن أنها بلا رأس، لتكون بذلك أفضل دليل على سقوط كل الأحزاب والجماعات الدينية، وهو ما يفتح صفحة جديدة في تاريخ الشعوب، تبدأ سطورها الأولى بقوتهم وإرادتهم.

     وكما حدث في رواية ساراماجو، صارت وسائل الإعلام سلاحاً آخر مصوباً إلى الثوريين، بهدف تثبيط الهمم من ناحية، وكسب مترددين جدد إلى صف الفساد. الفرق هنا، أن وسائل الإعلام في "البصيرة" كانت تتحرك بناء على خيال روائي محترف، بينما في ثورتنا تحركت وفق عقلية عسكرية قديمة ومتحجرة، أضرت بالنظام حينما أرادت تدعيمه.

     وأخيراً، فالشعب الذي انتقده ساراماجو في "العمى" وأيده في "البصيرة" و"ثورة الأرض" بشر يشبهوننا تماماً، ذلك أن الأعمال الإنسانية، المبنية على رؤية متفحصة، يصلح أن تدور في كل العالم. رغم ذلك، تفوقت 25 يناير على كل خيال، وحققت في 18 يوماً نصراً أبيض، يشبه استعادة البصيرة.

                       نشر المقال بمجلة الثقافة الجديدة عدد مارس

السبت، فبراير 26، 2011

جمعة الرحيل وسبت النور






أي سحر هذا الذي تمتلكه الثورات فتجعلنا نعيد تشكيل أنفسنا لنصبح، بين ليلة وضحاها، آخرين.

***

     لم يكن الأمر، ظاهرياً، سوى مواجهة قنابل مسيّلة للدموع ورصاص مطاطي وربما رصاص حي، جري وهروب وعودة لملاقاة موت محتمل أو جرح مستديم. لكن بالداخل، أشياء كانت تتكوّن وأشياء أخرى تذوب، حد أن أكثر البنايات صلابة، تلك المتجذرة بتعصب في أعمق أعماق النفس، كانت تتهدم. مع مرور أيام الثورة وتزايد الهتافات، تصلبتُ،  وفي كل مرة كنت أردد فيها: الشعب..يريد..إسقاط النظام، كنت أشعر، دون أدنى مبالغة، ودون أي بلاغة لتزيين جملتي، أنني أُسقِِط أشياءً أخرى كان يجب أن تسقط منذ زمن، وأدوس فوق مقدسات بالية ما كان لها أن تصير كذلك لولا ضعفي. هناك، في الميدان، عثرتُ على صفة كان يجب أن تصاحب برجي منذ الميلاد، لكنها خالفتني. يقولون إن أبناء برج الحمل محاربون، ما من أحد باع كل قضاياه مثلي لتصير قضيتي الكبرى تثبيت الكاميرا على مشهد النزف الأخير. هناك، كنت أتصور، رغم كل قناعتي بالثورة والنصر، أن خلع مبارك معجزة، في زمن لا تتحقق فيه المعجزات إلا بأيد إنسانية. لكن خلعه صار واجباً، عدم أدائه بات لعنة تطاردني في كل الأمكنة. فلأكن أكثر صدقاً: في لحظة ما، تشكّلت أمام عينيّ صورة الطاغية بصحبة كل هزائمي، فلم أجد سبيلاً إلا إسقاطها.

***
اليد التي تدمي لا يمكن أن تكون اليد التي تضمد
***
       
     في اليوم الذي أعلن فيه الرئيس السابق عن حل الحكومة وتشكيل أخرى جديدة واعداً بالإصلاح، تذكرتُ حبيبة قديمة كان يجب أن ترحل من زمن، لكنها بقت تحت مظلة الندم والتضميد. تلقائياً، وجدتني أضع صورتها في اللحظة التي كان يجب أن تكون الأخيرة، بجانب صورة مستبد يعد بالديمقراطية. قررتُ حينها أن كليهما يجب أن يرحل. كنت أنتظر انتصاراً خارجياً يدعمني داخلياً. حتى أنني يوم الخميس، عندما أعلنت كل وسائل الإعلام بشكل شبه مؤكد عن تنحيه، وجدتني شجاعاً فوق العادة لأخرج كل هداياها من مخبأها وأعدها للتمزيق.

     لم يحدث ما انتظرته، جاء خطابه فارغاً تماماً. كانت نيته أن يستمر ويعاقب المجرمين، مثل نيتها أن تستمر وتعاقب الواشين. وبمجرد انتهاء خطبته، وجدتني على وشك البكاء. تذكرت في لحظتها كل انكسارات حياتي، وكأن هذا الرجل يأبى أن يهبني سعادة الحرية. فعلت كل ما يمكن حتى أبعد عن ذهني صورة شنطة الهدايا المعدة للتمزيق، وصورة المستبد الذي نهض من كرسيه دون أن يخطو للغياب بعد.

     مع بيان الرحيل، الذي جاء في كلمات موجزة سريعة الإيقاع تناسب تماماً روح الثوار، غابت عني كل الأفكار السلبية، ونسيتُ، في لحظات، صورة الطاغية وشنطة الهدايا. شعرت أنني أولد من جديد، وأن صباح اليوم التالي أول الصباحات المشرقة.

***
     في القبور موتى أحياء، وفي الشوارع موتى صاروا أحياءً
***

     في الصباح الأول لرحيل مبارك، جرتني قدماي لزيارة قبر أبي. لم أفعل طيلة حياتي ما يبهجه، فحملتُ فرحة النصر إليه، كذلك دموعه. كانت المقابر هادئة جداً، رغم ذلك شعرت بنبض في قبره، وكأن أبي استعاد الحياة مجدداً. عانقني، وسمعتُ صوته يملأ أذني: صوتاً جهوراً كصوت المبعوثين من الموت بكل طاقة الأمل في الحياة.

     قابلت حارس المقابر في خروجي، هنأني بكل طيبة برحيل مبارك، فضغطت على يده بحب بينما أشعر بأبي يقف خلفي. في الشارع، في كل الشوارع التي مررت بها، رأيت وجوهاً مبتسمة، كأن الحياة عادت إليهم أيضاً. بعض المواقف التي حدثت لي أشعرتني أن الثورة لم تغيرنا فقط سياسياً، بل أخلاقياً وبقوة ملحوظة. فكرتُ أن تكسير الصنم الأكبر حررنا داخلياً أيضاً من مخاوفنا. هكذا، في اليوم الأول لرحيل مبارك، بدانا نسترد إنسانيتنا المفقودة، وبدأت أشعر عن حق أن كل الهزائم الماضية رحلت بلا رجعة، وعدنا أحياءً. إنه سبت النور. 


                                           أحمد عبد اللطيف
                                        نُشر بجريدة أخبار الأدب 

إنه خريف البطريرك

                                                  


     لم أكن أحلم بثورة 25 يناير ولا حتى في أكثر أحلامي تطرفاً. ربما أعتقد الآن أن الواقع أحياناً يفوق الحلم خيالاً. في واقعي، أتقدم لميدان التحرير بروح ساخرة، أقاوم بها قلقاً من لحظة قادمة أعجز تماماً عن رسم ملامحها. ترافقني منذ الدقائق الأولى دون أن أعي صورة ماركيز بشاربه وابتسامته الساحرة. هناك، وجدتني فرداً واحداً في وسط آلاف يرددون كلمات تدور بداخلي، وترسم في عقلي رموزاً ربما لم أستطع من قبل فك شفرتها. هناك، اكتسبت هذه الكلمات معنى أعمق، أكثر حقيقية وقدسية مما كانت عليه قبل دقائق مضت. "مش عايزين حكم العسكر"، قالها بصوت عالٍ شاب عبر سريعاً بجواري، لأجد خلفه عشرات الأشخاص يرددونها بحماسة، ولم تمر دقائق حتى وصل عددهم لمئات. وقبل أن أستوعب ما يحدث، وبنية خالصة للاستمتاع بهذه اللحظات، تظهر عربات ضخمة ترش الماء على المتظاهرين لتفرقتهم، فيتبّعون لأول مرة التكنيك الذي سيستخدمونه فيما بعد لمواجهة العنف وهم بأيادٍ خاوية: الكر والفر. أهرول مثل طفل يلهو ويتقافز في سعادة وأضحك وأنا يدور في ذهني مشهد جَمَعَ الطاغية وأمه في رواية ماركيز المبتسم "خريف البطريرك": كان الطاغية في موكب مهيب أمام قصره، فخرجت أمه وهي تحمل في يدها زجاجات فارغة وتناديه بأحقر الألقاب وتأمره أمام جنده وحاشيته أن يعيد الزجاجات لصاحب الدكان القريب وتوبخه لتكاسله، فيقسم الطاغية أن يعزلها بعيداً عن القصر الرئاسي حتى لا تسبب له مزيداً من الفضائح. ما يجعلني أموت ضحكاً أنني أتخيل الطاغية، طاغيتنا، في هذا المشهد، وأمه الفلاحة البسيطة تحدثه بعامية أهل القرية بينما يرد هو عليها بعامية ابن المدينة، فتمصمص شفتيها وتلعن السلطة التي أنسته أصوله.

     أي صورة تلك التي تدور في ذهني وأنا أجري وأقفز الحاجز الحديدي لأصل لرصيف المشاة بعيداً عن المياه المتدافعة! لا يخرجني من مشهدي سوى فتاة سمراء وجميلة كانت تحاول القفز من الحاجز دون أن تستطيع، بينما يقف الشبان بالقرب منها دون أن يتجرأوا على مساعدتها مخافة أن تسيء فهمهم. أقترب منها مسرعاً وأحملها من خصرها حتى تستقر قدماها على الأرض. لازم نغير، قلت بصدق، وعدت من جديد لمنتصف الميدان، وقبل أن تمر ثوان ظهرت دفعات بالآلاف من المتظاهرين ليصير الميدان مكتظاً بعدد ربما يقارب الخمسين ألف.

     المتظاهرون المسالمون يبغون العبور للشارع الآخر ليتظاهروا بهذه الأعداد أمام مجلس "الشعب". وقوات الأمن تشكّل حائط صد لا يمكن اجتيازه، ومع تقدم المتظاهرين، يبدأ العسكر يستخدمون وسيلتهم الثانية: القنابل المسيّلة للدموع، وبينما أهتف بإسقاط مبارك، أتذكر ماركيز مجدداً وهو يحكي عن طاغيته أنه حكم 25 عاماً. كنت أهرب من القنابل وأنا أضحك: لقد تخطى طاغيتنا واقعية ماركيز السحرية.

     في لحظة ما، ربما بعد غروب الشمس بقليل ومشاهدتي للمصابين جرّاء اشتباكات مع رجال الأمن أو الجرح المباشر من تساقط القنابل، أدركت أننا في ثورة، وأن كل هذا ليس محض مظاهرة ستنفض في خلال ساعات. وجوه الشباب، حماسهم، إصرارهم، هتافاتهم، دماؤهم التي سالت على الأرصفة، كل ذلك جعلني أعي أننا الآن في مصر أخرى، وأننا، حتى ولو بشكل مبالغ فيه، نضع حداً فاصلاً بين ما قبل وما بعد 25 يناير. أننا نضع نقطة بعد جملة مبارك الطويلة التي استمرت 30 عاماً، لنبدأ من أول سطر جديد مضيء، يأبى أن يعود لحروف مظلمة.

     في الأيام التالية، جمعة الغضب والمظاهرة المليونية وجمعة الرحيل، وما بينها وبعدها، أُعلن بشكل قاطع أننا في ثورة شعبية، هي الأولى من نوعها في تاريخنا. معها، لم تنفع القنابل المسيلة للدموع ولا الرصاص المطاط والحي ولا البلطجية ولا الأحصنة والجمال ولا قنابل المولوتوف. نحن المتظاهرين المؤمنين بقضيتنا ظللنا نحتفظ بثورتنا الحضارية، نتعامل برقي مع بلطجة بدائية وعنيفة، ونتصدى بعقيدة لعنف الحكومة المرتدي ملابس مدنية، أثناء ذلك أسمع من يقول: طيب افتكروا له حاجة حلوة. أضحك أيضاً وأتذكر امرأة تريد أن تُطلّق من زوجها فيذكرونها أنه أهداها ذات يوم دبلة الزواج!

     في كل الساعات التي أقبع فيها في ميدان التحرير، محاطاً بدبابات الجيش التي يقف خلفها من يدعون أنهم أنصار مبارك بسنجهم ورصاصهم وقنابلهم، أشعر أنني أشاهد خريف البطريرك، حيث الطاغية يقدم عرض استريبتيز، فيخلع الحكومة ثم يفك الحزب الوطني ثم يسقط السوتيان بما يضمه من رجال أعمال، ونحن مثل متفرج مثار في انتظار خلع القطعة الأخيرة لنصفق بشدة.

      وفي اللحظة التي يصيبني الملل، يأتيني ماركيز بشاربه الكثيف وبسمته الساحرة ليخبرني: احذروا الديكتاتور إن فشلت الثورة. أي سحر هذا الذي تمتلكه الكلمات!

     منذ ساعات كنت في ميدان المعركة، فرأيت مصادفة فتاة الثورة الجميلة التي قابلتها أول يوم. كانت تسير منهكة جداً، تجر قدميها بالكاد وهي ممسكة بيديها يافطة صغيرة كُتب عليها: الشعب يريد إسقاط النظام. نظرتْ لي وابتسمتْ، ولما اقتربتْ قالت: لازم نغير. ضحكت وأنا أقول: ماذا سيحدث لو أعاد طاغيتنا الزجاجات الفارغة لصاحب الدكان؟ 


                                                أحمد عبد اللطيف
        نشر المقال بجريدة السفير اللبنانية أثناء ثورة 25 يناير وقبل تنحي الرئيس المخلوع       

الأربعاء، ديسمبر 08، 2010

حكاية رجل عجوز: شخصيات بلا ماض في عوالم ضبابية





      أهدتني جارتي،‮ ‬وأنا في سن العاشرة،‮ ‬كابوساً‮ ‬ظل يلازمني إلي الآن،‮ ‬كان رواية‮ "‬دكتور جيكل ومستر هايد‮". ‬قالت إنها لم تستطع حفظ اسم المؤلف مطلقاً‮ ‬ولأن اسمي البطلين لم يروقا لها،‮ ‬أسمتهما‮ "‬دكتور س ومستر ص‮". ‬رواية رعب مسلية،‮ ‬قالتْ‮ ‬بأسى‮. ‬وقبل أن أحكي لها في اليوم التالي ما فعلته بي،‮ ‬كانت عربة نقل تضم أثاثات بيتهم وأمتعتهم تستعد للرحيل بهم إلى مدينة أخرى‮. ‬رحلتْ‮ ‬هي،‮ ‬لكن الكابوس بقى كتعويذة مثلثة مكتوبة بخطوط حمراء‮. ‬في يوم واحد قرأت الرواية،‮ ‬وظللتُ‮ ‬بعدها مهجوساً‮ ‬تماماً‮ ‬بفكرة الشخصيتين،‮ ‬حتي أنني كنتُ‮ ‬أقف أمام مرآة الدولاب عدداً‮ ‬لا متناهٍ‮ ‬من المرات في اليوم لأتأكد في كل مرة أنني نفس الشخص‮. ‬مع الوقت،‮ ‬ورويداً‮ ‬رويداً،‮ ‬هجرني الهاجس،‮ ‬ليس تماماً،‮ ‬وبقتْ‮ ‬الصورة محفورة في ذاكرتي‮.‬

                                         ***

‮ ‬‮  ‬لم تستطع كل الشخصيات الروائية أو القصصية التي جاءت بعد ذلك أن تُنسيني‮  ‬جيكل وهايد،‮ ‬رغم أن بعضها تملّكني بشكل مذهل سواء أثناء القراءة أو بعد الانتهاء‮. ‬أتذكر الآن شخصيات تركتْ‮ ‬أثراً‮ ‬لكن في مرتبة أقل،‮ ‬ليس لأنهم أبطال أو‮ ‬غير أبطال،‮ ‬منهم‮ "‬المصور‮" ‬في‮ "‬الحب في زمن الكوليرا‮" ‬و"ريميديوس الجميلة‮" ‬في‮ "‬مئة عام من العزلة‮" ‬و"زوجة الطبيب‮" ‬في‮ "‬العمي"و"البصيرة‮". ‬أعتقد أن سر إعجابي بهم يرتبط أكثر بمثاليتهم،‮ ‬بتجسدهم الملائكي الموصوم بالجمال الشكلي أو الروحي،‮ ‬لذلك لم يرقوا أبداً‮ ‬لمرتبة جيكل رغم تأثيرهم القوي‮. ‬

‮  ‬كثيرة هي الشخصيات التي مرت بي ورُسمت جيداً‮ ‬وخدمت النص تماماً،‮ ‬لكنني لم أتوقف أمامها،‮ ‬ربما بسبب أنها شخصيات مخلوقة سلفاً‮ ‬وليس للراوي فضل سوى في إعادة خلقها،‮ ‬ووضعها في إطار ليسلط عليها الضوء بكثافة،‮ ‬فنرى فيها حينئذ طابع الحسن والنمش والندبات‮. ‬هذا جيد بالطبع،‮ ‬وأدب رفيع جدير بالقراءة،‮ ‬لكن كتابة الأدب-أدب لا يقبل الشخصيات ذات البعد الواحد،‮ ‬ويتطلب خيالاً‮ ‬لصنع ثلاثة أبعاد للشخصية،‮ ‬الطول والعرض والعمق،‮ ‬وهو ما يعني ببساطة الكائن،‮ ‬ليس بوصفه جسداً،‮ ‬بل تركيبة نفسية وعقلية وروحية معقدة تماماً،‮ ‬تسع كل المتناقضات‮.  ‬ففي"دكتور جيكل ومستر هايد‮" ‬قدّم لي ستيفنسون شخصية ثنائية،‮ ‬رجلاً‮ ‬مصاباً‮ ‬بالشيزوفرينيا،‮ ‬نعم لم يخلقه من العدم،‮ ‬لكنه أعاد تشكيله بحرفية جعلتني أعتقد به،‮ ‬وأخافه،‮ ‬وأتعاطف معه‮.‬

‮     ‬وكتابة الأدب-أدب أيضاً‮ ‬تتطلب أن يلعب الراوي،‮ ‬قصاصاًَ‮ ‬كان أم روائياً،‮ ‬دور الخالق،‮ ‬وعدم الاكتفاء بإعادة الخلق‮. ‬وهذا ما يفعله طارق إمام في أدبه‮.‬
‮                            
                                             ***
‮   ‬في مجموعته القصصية الجديدة،‮"‬حكاية رجل عجوز كلما حلم بمدينة مات فيها‮"‬،‮ ‬لا يتوقف إبداع إمام عند انتصار الحكاية،‮ ‬التي هي أساس التراث العربي الذي ألهم الأدب العالمي،‮ ‬ولا عند انتصار المجاز،‮ ‬الذي هو المرادف الحقيقي لكلمة أدب،‮ ‬ولا عند اللغة،‮ ‬الرصينة والشعرية التي تتناسب تماماً‮ ‬مع عوالم سيريالية،‮ ‬بل امتد إبداعه لشخصيات عجنها بيديه،‮ ‬ونفخ فيها من روحه القلقة،‮ ‬المهجوسة،‮ ‬المشغولة بالميتافيزيقي،‮ ‬المليئة بالشكوك أكثر من اليقين،‮ ‬شخصيات لم تأتِ‮ ‬لتقدم أجوبة لأسئلته،‮ ‬بل تطرحها فقط بطرق متوارية،‮ ‬عبر التأمل حيناً،‮ ‬والأحداث المتراكمة أحياناً‮ ‬أخرى.‬

‮  ‬فالرجل العجوز الذي يتحسس جيب جلبابه بحثاً‮ ‬عن علبة سجائر تركها آخر مرة قبل سنوات،‮ ‬منذ نام آخر مرة،‮ ‬يتجول في المدن التي يحلم بها،‮ ‬ويموت في كل المدن التي عاش فيها،‮ ‬ويدفن‮. ‬تضطر زوجته لإطعامه وهو نائم كي لا يموت في سنوات أحلامه،‮ ‬وتضاجعه وهو نائم حتي تشبع رغبته التي لم يبح بها،‮ ‬وتنجب منه ثمانية أبناء،‮ ‬ولد خمسة منهم وماتوا دون أن يراهم،‮ ‬لأنه كان نائماً‮. ‬هنا،‮ ‬في هذه‮ القصة تحديداً،‮ ‬يلعب إمام لعبة خطيرة،‮ ‬فالشخصية الشبحية التي خلقها لم تكن لتُصدَق لولا أنه أعطاها أبعاداً‮ ‬إنسانية‮: ‬إنه يصنع شخصية أسطورية ويؤنسنها،‮ ‬رجل يقضي حياته نائماً،‮ ‬إلا أن زوجته تعتني به فتأكله وتضاجعه‮. ‬ولمزيد من منطَقَة الأسطورة،‮ ‬واللعب بالحكاية،‮ ‬يتكيء على التراث الشعبي في ميلاد البطل‮ " ‬فتخبره أمه‮ "‬أنه مات بالفعل ذات يوم بعد مولده مباشرة‮...‬أغلقوا عينيه الجاحظتين ولفوه جيداً‮ "‬،‮ ‬ويومها يقول لها الحكيم إن‮" ‬الأطفال وحدهم يستطيعون ملاعبة الموت وخداعه‮ .. ‬ولكن عقابهم أنهم حين يشيخون يخاصمهم الموت‮...". ‬الرجل العجوز،‮ ‬بعد وفاة زوجته،‮ ‬يفكر أن مدينة حلمه القادم يجب أن تشهد ميتته،‮ ‬حينها،‮ ‬وحينها فقط،‮ ‬يحلم بمدينته‮. ‬هنا تكتمل الحكاية،‮ ‬التي لا تقف عند المنطق القصصي في السرد بقدر المنطق الروائي،‮ ‬حيث يعتبر كل براجراف تقريباً‮ ‬بداية فصل يتناول فيه جزءً‮ ‬من حياة العجوز الطويلة‮. ‬دون أن يهتم بالمظهر الفسيولوجي،‮ ‬وهو ما قوّي فكرة الشخصية الضبابية،‮ ‬وأعطى بعداً‮ ‬أسطورياً‮ ‬آخر لها‮. ‬

‮  ‬وصبي الخطاط في"الحياة المكتوبة مرتين‮" ‬يطرح فكرة الحياة المكتوبة سلفاً،‮ ‬حيث يجد نفسه مضطراً‮ ‬لكتابة حياته،‮ ‬التي تتطابق في النهاية مع الكتاب الأصلي،‮ ‬المُعد لكل إنسان طبقاً‮ ‬للمنظور الديني‮. ‬هنا تغلب فكرة الحكاية،‮ ‬في عودة جديدة للتراث العربي،‮ ‬ويشيع جو من الواقعية السحرية مع ظهور العرافة خاصة منذ الجملة الأولي‮" ‬تنبأت لي عرافة‮...". ‬الصبي أيضاً‮ ‬شخصية‮ "‬إمامية‮" ‬ببصمته وهمه الوجودي،‮ ‬استغلها ووضع لها مهنة تناسبها تماماً‮ ‬لتعبر عن فكرته،‮ ‬أو ربما شكه‮.‬

‮   ‬إذن،‮ ‬فالشخصية‮ "‬الإمامية‮" ‬شخصية مميزة،‮ ‬منفردة،‮ ‬تكونتْ‮ ‬من صلصال نادر،‮ ‬لا لتزاحم البشر العاديين في عاديتهم،‮ ‬ولكن لتراهم من بعيد،‮ ‬وربما من أبعد نقطة‮. ‬شخصيات لن تجدها حتماً‮ ‬علي أرض الواقع،‮ ‬رغم أنها تمثله‮.‬

‮  ‬وفي البحث عن شخصيات مخلوقة بصلصال المؤلف،‮ ‬نجد صانع الصور‮: "‬عينه اليمني المفتوحة حدقة عمياء‮...‬والعين اليسري المغلقة دائماً‮ ‬كي لا يهتز المشهد ربما ترى أفضل‮". ‬ورغم اختلاف شخصية المصور عن الرجل العجوز والصبي الخطاط،‮ ‬إلا أن العامل المشترك بينهم جميعاً‮ ‬أنهم بلا ماض أو لا يعرفون ماضيهم‮. ‬فالعجوز‮: "‬عجوز لدرجة أن ذكرياته نفسها شاخت‮ ‬وماتت في العمر الذي تموت فيه أشد الذكريات قدماً‮"‬؛ والصبي‮: "...‬وجِدتُ‮ ‬في خان مع رجل عجوز قال إن أهلي ائتمنوه عليّ‮ ‬قبل رحيلهم ولم يزد أبداً‮ ‬حرفاً‮ ‬علي هذه العبارة الغامضة التي صارت تاريخي الوحيد"؛ أما المصور‮ : "‬لا يذكر من أيامه سوي لحظة ولادته‮". ‬

‮  ‬هم في ذلك يتشابهون مع‮ "‬سالم‮" ‬القاتل المتسلسل في‮ "‬هدوء القتلة‮" ‬الذي كُتبت عنه رواية كاملة لم يقترب فيها الراوي من ذكرياته،‮ ‬إلا فيما يخص الناسك صاحب المخطوط المقدس،‮ ‬الذي هو حتماً‮ ‬جد القاتل؛ ومع‮ "‬ملك‮" ‬في‮ "‬الأرملة‮" ‬التي لا نعرف عن ماضيها سوي قصة حب عابرة وحكاية زواجها‮. .‬إذن،‮ ‬بالإضافة للضبابية التي تحيط شخصيات إمام،‮ ‬يمكن أن نضيف مزية أخرى: ‬أنها شخصيات بلا ذاكرة،‮ ‬وإن تركتْ‮ ‬الحياة على ملامحهم علامة،‮ ‬أو حفرتْ‮ ‬في عقولهم ذكرى،‮ ‬فليس ذلك إلا انعكاساً‮ ‬للحاضر،‮ ‬كأنها حلقة لا يمكن أن تُفقَد لتكتمل سلسلة شبحيتها وغرائبيتها‮.‬

من ناحية أخرى،‮ ‬هي شخصيات لها علاقة بالتوثيق‮. ‬فالصبي يخط مخطوط حياته،‮ ‬والقاتل المتسلسل شاعر،‮ ‬والأرملة تكتب خطابات‮ ‬غرامية،‮ ‬والمصوّر يسجل اللحظة بصورة أبدية‮. ‬حتي عندما يكتب إمام عن عجوز خربت ذاكرته،‮ ‬يبرر أنه لم يكتب لأن ذكرياته ستُحرف،‮ ‬وستختلف عن الواقع‮. ‬

‮  ‬هي أيضاً‮ ‬شخصيات مغتربة،‮ ‬تُقيم في مكان لا تنتمي له في الحقيقة،‮ ‬ف"سالم‮" ‬في‮ "‬هدوء القتلة‮" ‬يرى أن‮ : "‬النازحون من أمثالي ليس لهم هنا مقابر‮...‬سيعودون بجثماني إلى بلدتي‮: ‬مقبرتي الأصلية‮...‬في مدينتي الشمالية سأطل من مقبرتي على القاهرة القديمة"؛ و"ملك‮" ‬في‮ "‬الأرملة‮" ‬تعيش‮ ‬غريبة في مدينة زوجها الراحل و‮: "‬لم تعد تعرف شيئاً‮ ‬عن المدينة إلا من خلال هؤلاء البنات‮". ‬وفي قصة"الحياة المكتوبة مرتين‮" ‬لا يعرف الصبي الخطاط من أي بلدة هو،‮ ‬وبالتالي‮:" ‬كان‮ ‬غموض قصة حياتي قد منحني الفرصة في حرية الكذب بخصوص نشأتي حين أتحدث للبنات الجميلات‮". ‬و"الرجل العجوز‮" ‬يقضي حياته متجولاً‮ ‬في مدن لا يعرفها،‮ ‬أثناء نومه،‮ ‬وبالتالي لا ينتسب إليها‮.‬
‮                               
                                      ***

‮ ‬هناك عنصر آخر يجمع شخصيات طارق إمام‮: ‬الازدواجية‮. ‬ف"ملك‮" ‬مدرسة لغة عربية وتكتب خطابات‮ ‬غرامية،‮ ‬و"سالم‮" ‬معاون تعداد ويكتب الشعر،‮ ‬و"صبي الخطاط‮" ‬يعمل خطاطاً‮ ‬ويكلف بنسخ كتاب،‮ ‬أما الرجل العجوز فيعمل،‮ ‬نائماً،‮ ‬في كل المهن‮.‬

‮ ‬وفسيولوجياً،‮ ‬لا يهتم إمام برسم شخصياته،‮ ‬فلا نعرف هل كان الصبي نحيفاً‮ ‬أم سميناً،‮ ‬طويلاًُ‮ ‬أم قصيراً،‮ ‬وكذلك الرجل العجوز والقاتل والمصور،‮ ‬وإن كنا نعرف أن الأرملة نحيفة،‮ ‬لا لأنه وصفها بذلك،‮ ‬بل لأنه سرده في أحد المشاهد،‮ ‬عندما جلست على أريكة رخامية‮" ‬وبقي جزء من مؤخرتها خارج حافتها حتى خافت أن تقع فانزاحت سنتيمترات للداخل‮". ‬إنه يترك للقاريء حرية اختيار شكل البطل بما يتناسب مع ثقافته،‮ ‬في حين يهتم هو بالرسم النفسي والعقلي والروحي،‮ ‬عاكساً‮ ‬بذلك خيالات شخصيته وهواجسها‮. ‬وإن كان يتدخل أحياناً‮ ‬بوصف يعمق الصورة النفسية‮.‬

ويبرز هاجس العمي عند إمام في قصتين،‮ ‬أولهما‮ "‬صانع الصور‮"‬،‮ ‬وثانيهما‮ "‬عينا رجل أعمي‮"‬،‮ ‬وينعكس عشقه للشعر في قصة عن بورخس وأخرى عن كفافيس‮. ‬كل ذلك يحيلني إلى فكرة ربما أكون مخطئاً‮ ‬في تصورها‮: ‬أن كل شخصيات إمام صور مختلفة له هو نفسه‮. ‬هو الساكن في مدينة لا ينتمي إليها،‮ ‬يتجول في شوارعها ليلاً،‮ ‬يصور بعدسة ذاكرته موتى يتصورون أنهم أحياء،‮ ‬ويعلم في قرارة نفسه أن الصباح لعنة من يستيقظون مبكراً‮. ‬هو من يكتب لأن الكتابة تضمن الخلود،‮ ‬وتطارده الهواجس واللعنات التي كلما قتلها نمت وتضاعفت،‮ ‬فكتب عنها حكاية جديدة‮. ‬حتى عندما يتبني الصوت الأنثوي،‮ ‬يعكس جانباً‮ ‬خافتاً‮ ‬فيه،‮ ‬جانب الإيمان بالحب حد كتابة خطابات‮ ‬غرامية‮. ‬هو أيضاً‮ ‬الصحفي الذي يكتب القصة والرواية‮.    ‬




نُشر بجريدة أخبار الأدب

الأحد، نوفمبر 28، 2010

قصة\ لعنة الشبه


جلستُ على السرير أنتظر حدوث ما أعرفه مسبقاً، بذراعين يحيطان ساقيّ وعينين جاحظتين تراقبان دقات الساعة. في السابعة صباحاً، بالضبط، فتحتْ أمي الباب دون أن تبدي دهشتها من يقظتي مبكراً ولا من جلستي. فقط أخبرتني أن الإفطار جاهز ويجب أن أنهض وأوقظ أخي التوءم. نظرتُ إليها بشفقة لم تفهمها أبداً، وقبل أن تخرج، سألتها بسذاجة إن كانت الساعة الآن السابعة صباحاً في كل العالم، فنظرتْ لي من فوق كتفها ولم ترد. حتماً قالت إنني أهلوّس كعادتها. فكّرتُ حينها أن أضع بجانب ساعة الحائط هذه ساعات أخرى تخبرني بالوقت في العالم كله عندما تكون في بيتي السابعة صباحاً. أنا أحتاج ذلك باستمرار خاصة في يوم الأحد الأول من كل شهر. لا لكي أحقد على هؤلاء النائمين بعمق في بلدان بعيدة، ولا هو فضول أحمق، بل لأسجّل في أجندتي الكبيرة كم كانت الساعة في كل بلد عندما رحل عن العالم من انتظرتُ رحيله منذ أيام مضتْ.
وضعتُ قدميّ على الأرضية ونظرتُ نحو الباب الموارب، كانت أمي تهمهم بكلمات تصل لي غامضة. فكّرتُ في سؤال جدتي الملّح في الأيام الثلاثة الأخيرة، كيف أبدو لك؟ جميلة يا جدتي. لا لا، لا أسأل عن هذا، أسأل هل أشبه أمك؟ لا يا جدتي. هل أشبه جارنا المسن؟ لا يا جدتي. هل أشبه زوجته؟ لا يا جدتي، أنتِ لا تشبهين أحداً. جدتي تصمت قليلاً لتعود وتخبرني أنني أشبهها، وأمي كذلك، وكذلك الجيران والناس في الشارع والمدينة والتليفزيون، وأنها كادت تُجَن لأن الكون كله يشبهها. حينها اقتربتُ من مائدة السفرة. نظرتُ في التقويم. وعلمتُ ما أعلمه دوماً قبل الآخرين.
خرجتُ ووقفتُ عند الباب. نظرتُ نحو غرفة جدتي فلم أجدها جالسة بجانب بابها كعادتها. حتى الأمس كانت تستيقظ مع شقشقة الفجر الأولى، تصل إلى الحمّام مجهدة، وتعود لتجلس بجانب باب غرفتها، مستندة بظهرها إلى الحائط الذي يفصلها عن أمي. لا أدري ماذا كانت تفعل أو كيف تقضي وقتها هذا حتى نستيقظ نحن ونُجلسها معنا على المائدة لتفطر. علمتُ حينها يقيناً ما كنت أعرفه منذ ثلاثة أيام. جدتي ماتت، وهي الآن بروح منفصلة عن الجسد، روح كانت تحاول الخروج بينما كانت هي تحاول اليقظة عند الفجر.
دمعتْ عيناي، دون أن تُذهل أمي. تقدّمتُ نحو الحمّام، فأوقفتني بجفاء. أخوك في الحمّام، قالتْ. نظرتُ إليها بشفقة، وجلستُ على أقرب كرسي بالسفرة. ساعد جدتك، قالت أيضاً. فأومأتُ لها برأسي موافقاً، ونهضتُ متكاسلاً، متوجهاً لركن جدتي، وانحنيتُ، وتصنعتُ أنني أساعدها على النهوض، وعُدتُ لنفس الكرسي لأجلس، فصاحتْ في، أخوك قاعد! فانتفضتُ قبل أن أجلس، وسحبتُ كرسياً آخر، فأشارتْ لي بيدها أن أذهب للحمّام قبل أن يستيقظ أبي.
جلستُ في الحمّام وتذكّرتُ أخى التوءم، الذي لم يكن يشبهني أبداً في شيء. كنا نلعب معاً، نتقافز معاً، يصارع كل منا الآخر، نتوه في شوارع المدينة الكبيرة ونعود للبيت دون أن ندري كيف قادتنا أقدامنا الصغيرة. كتفاً إلى كتف، خطونا نحو العالم، عانقناه، لعناه، امتزجتْ حكاياتنا حتى صرنا لا ندري من صاحبها. ويوم الأحد الأول من الشهر الماضي، دخلتْ أمي في السابعة صباحاً لتيقظنا، فوجدتني جالساً بجانبه أقرأ خطابه الأخير الذي أوصاني أن أحمله لحبيبته الصغيرة. كتب فيه بخط منمق يتفق مع نظامه:” لم أعد أحتمل أن أرى وجهي في كل الوجوه. لم أعد أحتمل أن أرى وجهي كلما رأيتك، وأقبّلني كلما قبلتك، وأعانق نفسي كلما عانقتك. لم أعد أحتمل أن أرى نفسي في وجه أخي، في وجه أمي، في وجه جدتي. لم أعد أحتمل كل هذه النسخ التي تشبهني حد التطابق.لذا، سامحيني، فضّلتُ الموت على الجنون”.
عدتُ إلى الصالة واقتربتُ من السفرة بينما أمي تلاحقني بالنظرات. وقبل أن أجلس نهرتني، فتّح عينك! نظرتُ لها بذهول، أخويا قاعد هنا برضو؟سألتُ مستنكراً. لأ، أبوك ال قاعد، وللا مش شايفو؟ أومأت لها أنها محقة، وجلستُ في كرسي آخر. كان طبقا أبي وأخي ممتلئين بالسندوتشات دون أن يلمسهما أحد، وأمام كرسي جدتي كوب لبن ممتليء لمنتصفه. همهمتْ أمي أنه لم يعد أحد يتناول إفطاره في هذا البيت. لم أعرها انتباهاً وأكلتُ بشراهة، وعندما نهضتْ لتغسل أسنانها كنت قد انتهيتُ أنا من أكل طبق أخي. عندما عادتْ لتحمل الأطباق، ظلتْ تُثني على أخي وأدبه الذي لا مثيل له، حد أنه يخجل من الأكل أمام أحد، وظلت تردد تلك العبارات حتى اختفتْ في المطبخ.
قبل أن أخرج من البيت أمرتني أمي أن أحمل جدتي لسريرها. نظرتُ إلى ركنها الخالي وهاجمني الحزن. دخلتُ غرفتها فوجدتها ممددة في براءة. وكما تعودتُ، هاتفتُ الحانوتي ليأتي. أثناء الغُسل فقدتْ أمي وعيها ولم تفق إلا عقب عودتي للبيت مجدداً بعد الدفن.
جلستُ على كرسي السفرة منهكاً. نظرتُ أمامي فوجدتني أتجول بالشقة، أدخل الحمّام، أتجه للمطبخ، أعد العشاء. أجلس أمامي وأقول لنفسي بنبرة جافة: ساعد جدتك. أنهض من مكاني، أتجه لركن جدتي، أتصنع أنني أساعدها، وأجلسها على كرسيها. ناديت أبوك وأخوك؟ يأتيني السؤال من أمامي، بنبرة صوتي لكنها جافة. أنادي بصوت عال: بابا! بوجي! العشا. أرص الأطباق على السفرة، وأنا أنظر لنفسي، بذهول. أنهض من مكاني مسرعاً. أشعل التليفزيون. يظهر أمامي مذيع هو أنا. أقلب القناة، أجدني ممثلاً. أهرول إلى النافذة، بينما يناديني صوتي الجالس على السفرة دون أن أعيره انتباهاً. ومن النافذة رأيتني أملأ الشارع ذهاباً وإياباً.

نُشرت بجريدة البديل يوم 13 نوفمبر 2010
http://elbadil.net/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%B7%D9%8A%D9%81-%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D9%87/

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...