السبت، فبراير 07، 2009

قصة : سأموت غدا . خوان مياس

سأموت غدا لا أدري في أية لحظة في اليوم انتبهت أنني في يوم الخميس ، مع أن الباقين مازالوا في يوم الأربعاء . لكن ذلك حدث لي مرات عديدة ، ولم أعره إهتماماً . فهناك أسابيع يود الواحد منا أن تنتهي سريعا ، فيقص منها يوماً . مشكلتي بدأت بالتحديد يوم سبت . حيث انني وزوجتي اعتدنا ان نذهب للسينما ونتناول عشاءنا بالخارج ، وأحيانا ندعو صديقا وزوجته ليصطحبانا . حينئذ اقترحتُ علي زوجتي أن تهاتف عائلة جوتيريث ليخرجا معنا هذا المساء ، فأخبرتني أننا مازلنا في يوم الجمعة . لم انبس بكلمة ، لكنني بقيت حائراً . أنا أعمل في البيت ، فأنا بروجرمر ، وعلاقاتي قليلة بالعالم الخارجي ، وبالتالي لا أثق في أحاسيسي . لذلك ، قبل أن تذهب زوجتي لعملها ( فهي رئيسة قسم العملة الصعبة بأحد البنوك ) نزلتُ لشراء جريدة ، وتحققتُ اننا في يوم السبت . ـ أنظري للجريدة ـ حدثتها ووضعت الجريدة علي ترابيزة المطبخ حيث كانت تتناول فطورها . ـ ماذا يجب أن أنظر ؟ ـ في أي يوم نحن . ـ الجمعة ، 15 أكتوبر . اقتربتُ ونظرتُ من وراء كتفها للتاريخ المكتوب أعلي الجريدة ، ورأيت أنها محقة . لكن عندما ذهبتْ ، وعندما عاودتُ النظر للجريدة ، رأيتُ أننا في يوم السبت 16 أكتوبر . فأدركتُ أنها قرأتْ جريدة الجمعة ، بينما قرأتُ أنا جريدة السبت . بمعني آخر ، ولسبب لا يمكن تفسيره ، كنت اعيش أنا يوما سابقا علي بقية البشر . فقمت ببعض الافعال لأتحقق من ذلك ، فكانت النتيجة أنني فعلا اعيش يوما سابقا . فرويتُ لزوجتي تلك الليلة ، أثناء العشاء ، هذا الأمر . ـ أتعلمين أنني أعيش يوما سابقا علي بقية الناس ؟
نظرتْ لي نظرة تحمل سؤالاً ، فشرحتُ لها بالتفصيل ، وبعد أن أنهيتُ قولي انفجرتْ في الضحك ، ففهمتُ أنها أخذتْ الأمر مأخذ الهزل . فلم ألح ، فأنا نفسي أري أن الأمر لا يُصدَق ، لدرجة أنني بدأتُ أرتاب في حواسي . خلال الأيام التالية ، ظللتُ أركز وأتحقق ، وانتبهتُ أن الأمر حقيقة لا محالة . فقد كنتُ أعرف الأخبار قبل أن يعرفها الناس بيوم ، ورغم أن ذلك يبدو ميزة ، إلا أنه سبّب لي الرعب أيضاً . لقد رأيتُ في جريدة الثلاثاء ، ثلاثائي أنا ، خبر وفاة أمي التي لازالت بالنسبة للباقين حية ترزق . كما رأيتُ خبر نشوب حريق وقيام زلزال قبل أن يحدثا ؛ وزرتُ ابني في المستشفي بعد أن أصيب في حادثة سيارة قبل أن تقع الحادثة . لكنني أيضا رأيتُ أخبارا سعيدة ، لكنني لم أستطع أن أسعد بها في وقتها مع الآخرين . وهكذا ، عندما فازت ابنتنا ، التي درست الطب ، بالتعيين في مستشفي كبير ، كان يجب أن أقاوم رغبتي في مهاتفة العائلة بأكملها لنشر الخبر . بدأتُُ أشرب الخمر . وذات يوم ، عندما كنت في بار بمفردي ، أتجرع كأسي ، جلستْ بجانبي سيدة عزباء ، وبدأنا حوارا ، وبعد قليل اعترفتُ لها بمشكلتي . فأخبرتني أنها يحدث لها أمر شبيه بذلك ، فهي تسبق الناس بيومين لا بيوم واحد . كان هذا اليوم يوم الأربعاء بالنسبة لي ، ويوم الثلاثاء بالنسبة لبقية الناس ، ويوم الخميس بالنسبة لها . ـ اذن ، هل يحدث لقاؤنا هذا اليوم أم غدا ؟ ـ اليوم بالنسبة لك ، والأمس بالنسبة لي . ـ اذن ، بما أنك في الغد ، احكي لي ماذا سيحدث . ـ اليوم سنذهب إلي السرير ـ قالت ـ أنا أسكن هنا بجانب البار ، لكنك ستصاب بسكتة قلبية عندما تبدأ في خلع ملابسك ، وأنا سأحملك وأضعك في الأسانسير ، حيث سيجدونك هناك ميتا صباح الغد . والحقيقة أنهم عثروا عليك بالفعل . وجاءت الشرطة وسألونا جميعا إن كنا نعرفك ، فأنكرنا جميعا معرفتنا بك . ـ اذن ، علينا ألا نذهب لبيتك . ـ قلت باستسلام وثبات ناتج عن الكحول . ـ هيا لقد حان الوقت ـ قالت . خرجنا من البار وذهبنا لشقتها الواقعة في البناية المجاورة للبار علي الناصية . وعندما بدأتُ في خلع ملابسي شعرت بألم شديد في كتفي ، ما لبث أن تسرب لصدري . وعندما انتبهتْ السيدة لحالتي ، ألبستني جاكيتي ، وحملتني للأسانسير ، ورمتني هناك . وقبل أن أموت بلحظة ، استرددت احساسي الطبيعي بالزمن ، ورغم أنني قد مُتُ يوم الأربعاء إلا أنني مازلت أعيش في يوم الثلاثاء . ذهبت للبيت ، حبستُ نفسي في غرفتي ، وشرعتُ في كتابة هذا النص . ولا ألقي بالذنب علي أحد فيما حدث .

نشرت القصة بترجمتي بجريدة أخبار الأدب

الأحد، نوفمبر 30، 2008

قصة لماركيز لم تترجم من قبل

شيئ خطير جدا سيحدث في هذه القرية ملحوظة : حكي ما ركيز هذه القصة في احدي مؤتمرات الكُتاب أثناء الحديث عن الفرق بين القصة المحكية والقصة المكتوبة ، قائلا " لنري كيف تتغير القصة عند كتابتها " . تخيل أنك في قرية صغيرة ، تقطن بها سيدة عجوز ، لها من الأبناء اثنان ، أحدهما ولد في السابعة عشرة ، والأخري فتاة في الرابعة عشرة . عندما تقدم لهما الفطور ذات يوم ، يكون وجهها مكتسيا بعلامات القلق . يسألانها عما حدث . فتخبرهم أنها استيقظت وهي تشعر أن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية . يسخر الابنان من أمهما . يقولان إنه شعور سيدة عجوز ، أشياء وتمر . ويذهب الابن ليلعب البلياردو ، وفي اللحظة التي يوشك فيها علي ضرب الكرة يقول له اللاعب الآخر : ـ أراهنك ببيزو أنك لن تصيب . يضحك الجميع . ويضحك الابن . ويضرب الكرة فلا يصيب . يدفع البيزو ، ويسأله الجميع عما به ، فقد كانت لعبة في غاية السهولة . فيجيبهم : ـ أنتم محقون ، لكنني مشغول جدا بأمر أخبرتني به أمي هذا الصباح ، قالت إن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية . سخر منه الجميع . وعاد اللاعب الذي فاز عليه وربح البيزو إلي بيته ، حيث سيجد أمه أو حفيدته أو أية قريبة أخري . وسعيدا بالبيزو الذي ربحه يقول : ـ لقد ربحت هذا البيزو من داماسو بطريقة غاية في البساطة ، لأنه احمق . ـ لماذا تقول إنه أحمق ؟ . ـ لأنه لم يستطع أن يصيب بكرة سهلة قائلا إن هناك فكرة متسلطة تلاحقه ، حيث أن امه قالت له إنها استيقظت وهي تشعر أن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية . تجيبه أمه حينئذ : ـ لا تسخر من نبوءات العجائز فأحيانا تصيب . تسمعه القريبة ثم تذهب لشراء اللحم . تقول للجزار : ـ اعطني رطلا من اللحم . وفي اللحظة التي يقطع لها ما طلبته تضيف : ـ اجعلهم رطلين ، لأنهم يقولون إن شيئا خطيرا سيحدث ومن الأفضل أن نستعد له . يعطيها طلبها . وعندما تأتي سيدة أخري تشتري رطل لحم آخر ، يقول لها : ـ خذي رطلين ، لأن الناس يقولون إن شيئا خطيرا سيحدث ، ولذا يستعدون ويشترون ما يكفيهم من المؤن . حينئذ تجيبه العجوز : ـ لدي العديد من الأولاد ، ومن الأفضل أخذ أربعة أرطال . تأخذ طلبها وتسير . وحتي لا أطيل القصة ، سأقول إن الجزار قد باع كل اللحم في نصف ساعة ، وذبح بقرة اخري ، وباعها كلها ، وذاعت الاشاعة . وتأتي لحظة يكون فيها أهل القرية في انتظار حدوث شيئ . فتتوقف كل الأنشطة . وفجأة ، في الساعة الثانية ظهرا ، عندما يشتد الحر ، يقول أحدهم : ـ هل انتبهتم لهذا الطقس ؟ ـ نعم ، لكن طقس هذه القرية دوما حار. ـ ومع ذلك ـ يقول أحدهم ـ لم يكن حارا أبدا بهذه الدرجة في هذه الساعة . ـ لكن الثانية ظهرا هي أشد ساعات الحر . ـ نعم ، لكن لم يكن حارا مثل الآن . تصير القرية خالية ، والميدان خالي ، فيهبط عصفور ، وينطلق فجأة صوت : ـ هناك عصفور في الميدان . ويتجمع الناس ، يرتجفون خوفا ، ليروا العصفور . ـ لكن يا سادة ، عادة ما تهبط العصافير للميدان . ـ نعم ، لكن العصافير لم تهبط قط في هذه الساعة . ويصاب أهل القرية في لحظة بالضغط ، ويصيبهم اليأس ، ويتمزقون بين هجر القرية وعدم توافر الشجاعة لفعل ذلك . يقول احدهم : ـ أنا رجل وسأرحل . يضع أولادة وأثاثه وحيواناته في عربة ، ويعبر بالشارع الرئيسي للقرية المسكينة التي تتفرج عليه ، حتي يقولون : ـ إن كان هذا تجرأ وفعلها فنحن أولي بها . ويبدأ الرحيل حرفيا من القرية . يحمل أهلها أشياءهم وحيواناتهم وكل شيء . ويقول أحد الأواخر الذين يهربون من القرية : ـ حتي لا تقع النكبة علي ما تبقي من بيتنا ـ ويحرق بيته ويفعل الآخرون مثله . ويهربون في ذعر هائل وحقيقي ، كما لو كان هروبا في حرب . وفي الوسط تسير السيدة العجوز صاحبة النبوءة ، صارخة : ـ ألم أقل إن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية ، وقالوا إنني مجنونة .

أوباما

لا شيء

الاثنين، نوفمبر 17، 2008

عندما يكتب أوباما

أحلام أبي : قصة عِرْق وإرث . باراك أوباما قررتُ في سنة 1983 أن اكون منسقاً جماهيرياً ، لكنني كنت أفتقر في هذه الفترة لمعلومات تخص هذا النشاط ، ولم أكن اعرف أحداً يعيش منه ، وعندما كان زملاء الدراسة يسألونني عمّ المقصود بالمنسق الجماهيري ، لم يكن باستطاعتي أن أجيبهم . لكنني كنت لا أتوقف ، في تلك الاماكن ، عن الحديث عن الحاجة للتغيير . تغيير في البيت الأبيض ، حيث كان ريجان وحاشيته لا زالوا يلعبون لعباتهم القذرة . تغيير في الكونجرس الفاسد والمقهور . تغيير في وجه الدولة ، الغارقة في الهوس والغرور. تغيير قد لا يأتي من قمة الهرم ، كما اعتقدت ، وإنما يأتي من تعبئة أهل السفح . هذا ما كان ينبغي أن أفعل ، أن أنسق بين الزنوج في القاعدة من اجل التغيير . كان أصدقائي ، الزنوج منهم والبيض ، يمدحون بشدة أفكاري المثالية ، قبل أن أتوجه لمكتب البريد وارسل طلباتهم لاستكمال دراستهم الجامعية . ولم يكن بوسعي أن ألومهم علي نظرات الريب . أما الآن ، بعد كل هذه السنين ، فأستطيع أن أشيد منطقا لقراري وأعلن أن نيتي في أن أكون منسقا جماهيريا كانت جزءا من تاريخ طويل بدأ مع أبي وجدي من قبله ، مع أمي وأبيها ، مع ذكرياتي في اندونيسيا مع الشحاذين والمزارعين ، مع اخضاع لولو للسلطة ، ومواصلة راي وفرانك وماركوس وريجينا ، مع اقامتي في نيويورك ، مع موت أبي . وأعلم أن الإختيارات التي اتخذتها لم تكن كلها نابعة من محض إرادتي ، كما كان ينبغي أن تكون ، وأعلم ان هذا يعني السير الحزين في طريق الحرية . لكن هذا الإعتراف جاء متأخرا . ففي تلك الفترة ، عندما كنت علي وشك إنهاء دراستي الجامعية ، كنت أتحرك بدفعات ، كما السمكة تسبح بلا بصيرة ضد تيار شديد لتصل في النهاية لمبتغاها . وفي قاعات الدراسة والبحث كنت اخفي هذه الدفعات تحت شعارات ونظريات كنت قد اكتشفتها في الكتب ، معتقدا ، بشكل خاطيء ، أن الشعارات تعني شيئا وأنها بشكل ما تصيغ هذا الذي أعتقد فيه . لكن ليلا ، عندما كنت ارقد علي سريري ، كنت اترك الشعارات جانبا ، لتسبح مع الريح ، بينما تترك مكانها لخيالات رومانسية قادمة من ماض لم أعرفه أبدا . كانت الصور التي تراودني حينها تتمثل في حركة من أجل الحقوق المدنية ، تنتمي في أغلبها لمسلسل قديم بالأبيض والأسود ، وكان يظهر في كل عام في شهر فبراير خلال " شهر تاريخ الزنوج " ، وهي نفس الصور التي كانت أمي ترينيها عندما كنت طفلا . صورة لطالبين في الكلية ، لهما شعر قصير وصدر مستقيم ، يطلبان غدائهما في مطعم وجبات سريعة في طرف الضاحية النائية . صورة لأعضاء SNCC امام سقيفة في مكان راكد لنهر المسيسيبي يحاولون اقناع عائلة من المزارعين ليسجلوا أسمائهم ليدلوا بأصواتهم الانتخابية . وصورة ثالثة لسجن بولاية ممتليء علي آخره بأطفال بأياد مغلولة ، يغنون من أجل الحرية . تحولت هذه الصور لتمائم بالنسبة لي ، تدعم روحي ، وتخلق قناة تسير فيها مشاعري بشكل لم تستطع الكلمات أبدا أن تفعله . كانت الصور تقول لي ( برغم ان هذه الفكرة ربما جاءتني فيما بعد ، أو هي تفسير ينقصه الدقة ) " إن هذا ليس فقط صراعا شخصيا ، وإن الطوائف لا يصح ان تكون قربانا يقدم لهذا البلد ، علي الأقل بالنسبة لطائفة الزنوج " . كان علي الطوائف أن تشكل ملامحها ، أن تكافح بروحها ، أن تعتني بنفسها كما تعتني بحدائقها . كانت تكيف نفسها علي حجم أحلام الرجال ، وفي الحركة المؤيدة للحقوق المدنية كانت هذه الأحلام شديدة الطموح . ومع الوقت ، رايت الطائفة الأفروأمريكية ، في جلساتنا ومظاهراتنا وأغانينا المنطلقة من السجون ، يشتد عودها وتكتسب معني أكبر من المكان الذي ولدت فيه والبيت الذي نشأت بين أركانه . وبفضل التخطيط والتضحية استطاع الواحد منا أن يكتسب حق أن يكون أحد أعضائها . ولأنني استطعت أن أنتسب لها ( حيث كانت الطائفة المنظمة التي اود الانتماء لها تحت الإنشاء ، وكانت تقوم علي أمل أن تجمع أكبر عدد من الأمريكيين ، من البيض والزنوج وقمحي اللون ، ليكون باستطاعة كل منهم الدفاع عن نفسه ) اعتقدت ان هذه الطائفة تستطيع مع مرور الوقت قبول حياتي الخاصة المنفردة . كانت هذه هي فكرتي عن المنسق الجماهيري : وعد بالخلاص . وهكذا ، خلال الشهور التالية وحتي حصلت علي اجازتي العليا ، كتبت خطابات لكل منطمات الحقوق المدنية التي كنت أعرفها ، ولكل زنجي له أفكار تقدمية ، ولكل منتخب في هذا البلد ليلعب دورا جماهيريا ، ولكل جمعيات حقوق الجار وحقوق المستأجر . ورغم أن أحدا لم يجيبني ، لم أفقد حماسي . قررت حينئذ أنه في خلال عام سأبحث عن عمل مناسب لأدفع مصروفاتي الدراسية ، وقد أدخر القليل . سأحتاج للمال فيما بعد ، هكذا كنت أقول لنفسي . المنسقون لم يكونوا يعيشون من عملهم ، وكان فقرهم دليلا علي كمالهم . وبعد صبر قد طال ، تعاقدت مع مؤسسة تعمل في التعاون الدولي لأعمل لديها كمساعد أبحاث ، أو كجاسوس كما تري سطور الأعداء . وفي كل صباح كنت أصل إلي مكتبي بمركز Maniatan ، أجلس أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بي ، مُركّزاً في المعلومات التي ترسلها وكالة رويترز ، وكانت رسائل لامعة ذات لون أخضر زمردي ، تحتوي علي أخبار العالم أجمع . في هذا المكان ، كنت أنا الرجل الزنجي الوحيد ، حسب ما رأيت ، وهو أمر غير مريح ، لكنه كان فخر لي أمام السكرتيرات ، و هن سيدات زنجيات كن يعاملنني كابن لهن ، ويخبرنني أنه لم يعبر بخيالهن ذات يوم أن يدير هذا المكان رجل زنجي . أحيانا ، أثناء تناول الغداء ، كنت أحكي لهن عن أفكاري حول المنسق الجماهيري ، وبينما يبتسمن كنّ يقولن لي " هذا عمل حسن يا باراك " ، لكن نظراتهن كانت توشي باحباطاتهن بشكل فاضح . ومن بين العاملين كان إيكي ، رجل أمن الممر ، زنجي ثرثار ، يقول لي وحده ، وبكل وضوح ، إنني مخطيء ، ويسألني : هل العمل كمنسق جماهيري عمل سياسي ؟ لماذا تريد أن تورط نفسك في أمر كهذا ؟ . حاولت أن أشرح له وجهات نظري السياسية ، التي تكمن في تعبئة الفقراء وإعادة توزيع الثروات بين الطوائف ، لكن إيكي كان يقوم بإيماءة ريبة ، ويقول : ـ يا سيد أوباما ، أتمني ألا يضايقك لو أسديت لك نصيحة ، ولست مضطرا أن تأخذ بها ، لكنني سأسديها لك علي أي حال :" انس أمر المنظمة هذه وافعل شيئا يدر عليك دخلا ، والأمر لا علاقة له بالطمع ، أتفهمني ؟ ، وإنما اكسب ما يكفيك . أقول لك ذلك لأنني أري فيك كل المؤهلات المناسبة ، فشاب مثلك له صوت جميل ، أتفهمني ؟ ، يدتستطيع أن تكون من هؤلاء الذين يقرأون الأخبار في التليفزيون ، أو اعمل بالبيع ... لدي ابن أخت من نفس عمرك تقريبا ، ويكسب من المال الكثير ، هذا هو ما تحتاج إليه . أتري ؟ هؤلاء الذين يركضون من هنا لهناك ، يتقافزون ويتراقصون ، لا يمكن أن تساعد هؤلاء الذين لم يحققوا أبدا شيئا لأنفسهم ، وبالاضافة لذلك لن يشكروا لك المعروف . إن الذين يريدون أن يتقدموا للأمام سيجدون الطريق بأنفسهم ليفعلوا ذلك . وبالمناسبة ، كم عمرك ؟ ـ اثنان عشرون . ـ انظر ، لا تضع شبابك هدرا ، يا سيد أوباما ، فذات يوم ستستيقظ وستجد نفسك عجوزا ، مثلي ، دون أن تحقق شيئا من أحلامك . لم أعر اهتماما لما قاله إيكي حينذاك ، وفكرت أنه يشبه أجدادي كثيرا . ومع ذلك ، مرت الشهور وأنا ساكن في مكاني ، وكنت اشعر أن فكرة ان أصير منسقا جماهيريا تتبخر . وحينئذ عرضت علي المؤسسة أن أشغل منصب كاتب مقالات إقتصادية ، فصار لي مكتبي الخاص وطاقم سكرتاريتي الخاص ، وحساب في البنك . أحيانا ، عندما كنت أخرج لألتقي برجال مال يابانيين أو وسطاء ألمان ، تعودت النظر لصورتي في مرآة باب الأسانسير ، فكنت أري نفسي ببدلة وكرافتة وبحقيبة يد ، وفي لحظة كنت اتخيل نفسي احد رجال الصناعة ، أصدر أوامر ، أنهي صفقات ، وسريعا ما أتذكر ماذا قلت لنفسي عما احب أن أكون ، فأشعر انني مذنب لعدم اقدامي علي اتخاذ القرار . ذات يوم ، عندما كنت جالساً امام جهاز الكمبيوتر الخاص بي أكتب مقالة عن مستقبل أنواع الفائدة ، حدث لي أمر مفاجيء : هاتفتني أوما . لم أتعرف أبدا في حياتي علي هذه الأخت غير الشقيقة ، فقط كنا نتكاتب بشكل متقطع . كنت أعرف أنها قد تركت كينيا لتدرس في ألمانيا ، وفي خطاباتنا كنا نتبادل امكانية أن اذهب لزيارتها أو ربما تستطيع هي أن تأتي للولايات المتحدة ، وأخبرتني أنها ستأتي في رحلة مع بعض الأصدقاء . وسألتني إن كانت تستطيع أن تأتي لتراني في نيويورك . ـ بالطبع ـ أجبتها ـ ويمكنك أن تبقي معي ، فأنا مشتاق لرؤياك . ضحكتْ ، وضحكتُ أنا أيضا ، ثم ساد الصمت بيننا ، فلم نكن نسمع سوي صوت الارسال ورتابة أنفاسنا . ـ حسنا ـ قالت هي ـ لا أستطيع أن أبقي طويلا علي الهاتف ، فالاتصال غال جدا ، وهذه هي بيانات رحلتي الجوية . بعدها أنهينا المكالمة ، وشعرت أن الاتصال بيننا علاجا يجب أن نأخذه بجرعة صغيرة . وقضيت الأسابيع القليلة التالية أعد الأشياء بأقصي سرعة ، ملاءات جديدة للكنبة ـ السرير ، أطباق اضافية وفوط ، ليفة للحمام . وقبل مجيئها بيومين هاتفتني أوما من جديد ، وكان صوتها منكسرا ، وقالت بشبه همهمة : ـ لن أستطيع زيارتك ، لقد مات أخ لنا ، اسمه ديفيد ، في حادثة موتوسيكل ، وهذا كل ما أعرفه . وشرعت في البكاء قائلة : ـ أوه يا باراك ، لماذا يحدث لنا كل هذا ؟ حاولت أن اسليها قدر استطاعتي ، وسألتها كيف لي أن أساعدها ، وسألتها إن كانت هناك فرصة أخري للقاء ، وفي النهاية هدأ صوتها وقالت إنها يجب أن تحجز تذكرة للعودة للبيت . ـ حسنا يا باراك ، سنلتقي . مع السلامة . عندما أنهت المكالمة خرجتُ من مكتبي وقلت لسكرتيرتي إنني سأقضي اليوم خارج المكتب . وتجولت في شوارع مانهاتن عدة ساعات ، وصوت اوما يطن في أذني . في قارة أخري امرأة تبكي . في طريق مغبر وحزين وقعت حادثة فاصطدم طفل بالأرض الصلبة ، ومازالت العجلات تواصل دورانها حتي تكل وتتوقف . من كانوا هؤلاء الناس ؟ من هؤلاء الغرباء عني الذين تسير دماؤهم في دمي ؟ كنت أسأل نفسي ؟. كيف أستطيع أن ألملم جراح هذه المرأة المفتوح ؟ ، أي أحلام مجنونة وهمجية راودت هذا الصبي ؟ ، من أنا ؟ وكيف لا أزرف دمعة واحدة علي فقدان أخ لي ؟ أحيانا أسأل نفسي ، كيف غيرت حياتي هذه االمرأة التي تسمي أوما بمكالمة تليفونية ؟ . ليس الاتصال في حد ذاته ( رغم أنه الخطوة الأولي ) ولا خبر موت ديفيد ( فلم أكن أعرف هذا الصبي وهذا أمر جلي ) وإنما اقصد المكالمة التي فيها حدث كل شيئ ، أحداث متتابعة ، آمال مشيدة ، احباطات تالية ، إن هذه المكالمة جاءت في الوقت الذي فيه كان يجب أن أقرر وضع فكرة المنسق الجماهيري علي أرض الواقع ، لتصير هي مركز حياتي ، بعد أن كانت مجرد فكرة في عقلي ، وصراع مشوش في قلبي . ربما لم أكن ذا أهمية في هذا الوقت . لكنني كنت ملزما أن أكون منسقا جماهيريا ، فجاء صوت أوما ببساطة ليذكرني أن بداخلي جراحا في حاجة للتداوي ، وأنني لا أستطيع أن أتداوي بمفردي . لو لم يمت ديفيد في هذا الوقت ، لو جاءت أوما لنيويورك كما اتفقنا في البداية ، وعرفت منها حينئذ ما عرفته بعد ذلك عن كينيا ، عن أبينا ... حسنا ، ربما خف الضغط المتراكم في داخلي ، واكتسبت فكرة مختلفة عن الطائفة ، ولسارت طموحاتي في شارع ضيق ، ولقبلت بالطبع نصيحة صديقي ايكي ولتفرغت كلية لجمع المال ، فللمكاسب جاذبية تتولد من المسئولية . لا أعرف . فكل ما أعرفه أنه بعد عدة شهور قليلة من مكالمة أوما ، قدمتُ استقالتي من المؤسسة وبدأتُ أبحث بجد عن عمل كمنسق جماهيري . ومن جديد ذهبت خطاباتي إلي الفراغ ، فلم أتلق ردودا . وبعد شهر تقريبا ، جاءتني مكالمة هاتفية لمقابلة مدير احدي المنظمات الكبري المتخصصة في الحقوق المدنية للمدينة . كان المدير زنجيا طويلا وجذابا ، يرتدي قميصا ابيض منقط ، وكرافتة من الكشمير ، وحمالة حمراء . وكان مكتبه مزينا بالكراسي الإيطالية والتماثيل الافريقية ، كما كان به بار في الجدار المشيد بالطوب المرئي . ومن خلال نافذة كبيرة كان ضوء الشمس يتساقط علي تمثال نصفي لمارتن لوثر كينج . نظر في سيرتي الذاتية وقال بعدها : ـ رائع ، خاصة لأن خبرتك في مجال التعاون ، وهذا هو المفتاح الحقيقي للعمل في منظمة للحقوق المدنية اليوم ، فالاعتراضات والهمهمات لا تجدي في شيئ . والوصول إلي أهدافنا يوجب أن نشيد جسورا بين المؤسسات والحكومة والأحياء المهمشة في المدينة . أطبق الرجل يديه الكبيرتين وأراني تقريرا شهريا مطبوعا علي ورق مصقول ، مفتوحا علي الصفحة التي تحتوي علي أسماء أعضاء مجلس الإدارة ، عضو زنجي وعشرة اعضاء بيض . ـ أتري ؟ ـ قال المدير ـ جمعيات حكومية وأهلية . مفتاح المستقبل هنا ، حيث يدخل شباب مثلك في اللعبة ، شباب متعلمون وواثقون من أنفسهم . يشعرون بالراحة في صالة اجتماعات ، دون ان يفعلوا شيئا أكثر من ذلك ، في الاسبوع الماضي تحديدا كنت اناقش هذه المشكلة مع سكرتير HUD ، أثناء تناول العشاء في البيت لأبيض ، كم هو رجل رائع جاك ، لابد أنه سيتحمس لمعرفة شاب مثلك ، لا يجب أن أقول إنني عضو في الحزب الديمقراطي ، لكن يجب أن نتعلم أن نعمل مع ذوي السلطة ، أيا كانوا . وهناك قدم لي عملا مرتبطا بمنظمة تقيم الندوات حول المخدرات والتخلف والاسكان . " تسهيل الحوار " ، هكذا كان يسميها . فرفضت عرضه الكريم لأنني كنت قد قررت سلفا أنني سأعمل في عمل يسمح لي بالاحتكاك بالشارع . وقضيت ثلاثة أشهر أعمل في مكتب رالف نادر في هارلم ، محاولا أن أقنع طلاب الأقليات العرقية بالكوليدج سيتي بأهمية التغيير ، بعدها قضيت اسبوعا أوزع أوراق الانتخابات لمرشح في بروكلين ( خسر المرشح ولم يدفع لي أجري حتي الآن ). بعد ستة اشهر أصبحت مفلسا وعاطلا ، لا آكل سوي الشوربة المعلبة ، وفي بحثي عن حل ذهبت لجامعة كولومبيا لاستمع لمحاضرة كويم توري ، واسمه الحقيقي ستوكيلي كارميشيل ، وهو ناشط معروف ب BLACK POWER و SNCC ، وعند دخولي القاعة وجدت سيدتين احداهما زنجية والاخري أسيوية كانتا تبيعان كتبا عن الأدب الماركسي وتتناقشان فيما بينهما حول المكانة التي كان يشغلها تروتسكي في التاريخ ، وبالداخل كان توري يقدم برنامجا لاقامة علاقات اقتصادية بين أفريقيا وهارلم كحائط صد ضد الرأسمالية الامبريالية للبيض . وبمجرد أن أنهي محاضرته سألته شابة نحيفة ، ترتدي نظارة ، إن كان هذا البرنامج عمليا مع الوضع في الاعتبار وضع الاقتصاديات الافريقية والاحتياجات الضرورية التي يواجهها زنوج أمريكا . فقاطعها توري قبل أن تتم عبارتها : ـ ما لا يجعله عمليا هو غسيل المخ الذي أجروه لك يا أختي . كانت عينا توري تلمعان بينما كان يتكلم . كانت عينا رجل مجنون أو رجل مستنير . ظلت الفتاة واقفة علي قدميها عدة دقائق ، بينما كان يلومها علي موقفها البورجوازي . بعدها بدأ الجمهور في الانصراف . وخارج القاعة كانت السيدتان الماركسيتان تصرخان فيها بكل ما في رئتيهما من قوة : ـ خنزيرة ، تابعة لستانلي . ـ عاهرة اصلاحية . كان يبدو كابوسا . سرت إلي برودواي بلا قبلة ، بينما كنت أتخيل نفسي بجانب LINCOLIN MEMORIAL ، متأملا صالة خالية ، بها بقايا قمامة يحركها الهواء . كانت الحركة قد ماتت منذ سنوات ، وتمزقت لألف قطعة . وكانت كل الطرق المؤدية للتغيير أكثر من مغلقة ، وكل الاستراتيجيات كانت منهكة . وجاءت الهزائم تلاحق حتي الحركات التي كانت تحمل أفضل النوايا ، فتبتعد خلف صراعات مستمرة . إنه ببساطة جنون تام . وانتبهت في الحال أنني كنت أكلم نفسي في وسط الشارع . بينما كان العابرون يتجنبون السير بجواري ، وبين الحشود ظننت أنني تعرفت علي اثنين من زملائي من كولومبيا ، بمعطفيهما الملقيان وراء كتفيهما ، فشاهدتهما يحاولان الهروب من أمام ناظري .

ترجمة أحمد عبد اللطيف .

منشور باخبار الأدب

الجمعة، يوليو 25، 2008

عقارب الساعة

عقارب الساعة قصة للكاتب الارجنتيني الشهير : خوليو كورتاثر . ترجمة : أحمد عبد اللطيف .
فكر في هذا الأمر جيداً : عندما يهادونك بساعة فإنما يهادونك في الحقيقة بنار صغيرة مذيلة بقيد من الورود ، بسجن مظلم خال من الهواء ، لأنهم لا يهادونك بالساعة وحدها ، هذه القطعة الصغيرة التي تجعلك سعيدا وقتها ويتمنون لك أن تدوم لأنها من نوع جيد فهي سويسرية الصنع ، إنهم لا يهادونك بهذه القطعة التي تضعها في رسغك وتتنزه معك أينما ذهبت ، إنهم يهادونك وهم لا يعلمون ، والمصيبة أنهم لا يعلمون ، بالقطعة الهشة والمتغيرة لذاتك ، بشيئ ينتسب لك لكنه لا يسكن جسدك ، بشيئ يجب أن تربطه فوق جسدك بأستيك كذراع يائس معلق فوق رسغك .
إنهم يهادونك بالاحتياج لأن تلف عقاربها كل يوم ، ويجبرونك علي ذلك لكي تدوم الساعة ، يهادونك بالانشغال الدائم لتنتبه لمواعيد فتح واغلاق محلات الذهب ، ومواعيد برامج الراديو ، ومواعيد شركة التليفونات . يهادونك بالخوف من أن تفقد كل هذا أو واحدا منه ، يهادونك بالخوف من أن تُسرَق الساعة أو تقع علي الأرض أو تتكسر . يهادونك بنوع جيد من الساعات ويؤكدون لك أنها أحسن الأنواع ، لذا فهم يهادونك بالمقارنة بين ساعتك وساعات الاخرين .
انهم لا يهادونك بساعة ، وإنما أنت الهدية ، نعم ، أنت الهدية التي قدموها للساعة في عيد ميلادها .

الجمعة، يوليو 18، 2008

هدايا ماركيز

13 سطر لماركيز ( نوبل 1982) 1) أنا احبك ، لا لما تكونه ، وإنما لما اكونه أنا وأنا معك . 2) لا أحد يستحق دموعك ، ومن يستحقها لا يجعلك تزرفها . 3) ليس معني انك لا تجد من يجبك كما تريد ألا تحب بكل ما فيك . 4) صديقك الحقيقي هو من يأخذك من يدك ويلمس قلبك . 5) أسوأ إشتياق هو أن تشتاق لهذا الجالس بجانبك وأنت تعرف أنك أبداً لن تملكه . 6) لا تترك الابتسامة ابدا تهجر شفتيك ، حتي وأنت حزين ، فأنت لا تعرف من يعشق ابتسامتك . 7) قد تكون مجرد انسان في الدنيا ، لكنك بالنسبة لشخص ما كل الدنيا . 8) لا تقض وقتك مع شخص غير مستعد لقضاء وقته معك . 9) ربما يريد الله أن تخطيء بمعرفة من لا يستحقون مودتك ، حتي عندما تعرف الشخص المناسب تقدر قيمة نعمته عليك . 10) لا تبك علي النهاية ، بل ابتسم لأنها جاءت . 11) دوما ستجد أناسا يبعثون فيك الحزن ، وليس عليك سوي ألا تفقد ثقتك في الناس ، لكن كن حذرا مرتين فيمن تثق بهم . 12) صر أفضل إنسان ، وواعرف نفسك قبل ان تعرف شخصا آخر ، وانتظر أن يعرف هذا الشخص من تكون . 13) لا تبذل قصاري جهدك من أجل شيئ ، فافضل الأشياء تأتي دون أن ننتظرها . وتذكر أن كل ما يحدث يحدث لسبب ما .

الأربعاء، يوليو 02، 2008

مقالة عن الذكريات الصغيرة

جريدة : القبس الكويتية يرتعد من الكلاب ويعشق الخيل ويعترف أنه من أصول عربية «صانع الأقفال» ساراماجو.. حياة بائسة وكاتب عظيم القاهرة ـ صبحي موسى:
لا يمكننا أن نعتبر مذكرات الكاتب البرتغالي الشهير خوسيه ساراماجو ـ الصادرة اخيرا بترجمة أحمد عبد اللطيف عن سلسلة الجوائز في الهيئة المصرية للكتاب ـ إلا نوعاً من طقوس الاعتراف، ليس أمام راعي الكنيسة الذي لا يحبذه ساراماجو، ولا المحلل النفسي الذي كثيراً ما نتهرب من الجلوس أمامه، ولكن أمام قارئ عشق «تاريخ حصار لشبونة، و كل الأسماء، وعام وفاة ريكاردو ريس، والآخر مثلي، والعمى، والطوف الحجري» وغيرها من الأعمال التي فاز عنها بجائزة نوبل للآداب عام 1998.فهذا القارئ الذي يشعر أمامه ساراماجو بالطمأنينة والدفء والصدق راح يحكي له من دون خجل عن ميلاده عام 1922في قرية أزينهاجا بالقرب من نهر ألموند، ونشأته كواحد من أبناء الطبقة المعدمة في مدينة لشبونة، ليفاجئنا بالكثير من التفاصيل التي لم ترد في أي من رواياته، حتى أننا يمكننا القول انه الكاتب الوحيد الذي لم يستنزف تاريخه الشخصي في أي من أعماله، وظل محتفظاً بها بعيداً عن الاستهلاك الأدبي حتى تجاوز الثمانين من العمر، فقرر الجلوس أمام من أحبوا فرضياته الإبداعية التي صاغ على أساسها رؤيته للوجود والعالم.من بين هذه الاعترافات المدهشة رعبه الشديد من الكلاب، ونشأته في عالم لا علاقة له به إلا من خلال رقم الشارع واسم الحي وسطوح أو بدروم العمارة، فحين قرر والده خوسيه دي سوسا أن ينتقل بأسرته من أزينهاجا إلى لشبونة، حيث مقر عمله، لم يكن دخله يكفي للإقامة في بيت أو شقة مستقلة، ومن ثم لجأ للآقامة على أسطح العمائر الشهيرة، حيث الغرف التي صنعها أصحاب البيوت لإقامة الخدم، وهي حجرات لا تتسع إلا لسريرصغير ومنضدة أسماها ساراماجو تجاوزاً بالمطبخ، أما قضاء الحاجة فقد كان في حمام وحيد مشترك لكل هذه الغرف والأسر التي تقيم فيها.حجر الزاويةلم تتوقف علاقة ساراماجو بطبقة الأغنياء في لشبونة على مجرد الدخول والخروج من مدخل البناية التي تجمعهم معاً، فقد تعرف على بعض ملامح هذا العالم من خلال تطوافه مع أمه التي كانت تذهب لمسح السلالم وغسل الملابس أحياناً، وكثيراً ما حدثت مصادفات وضعته على مقربة من أبناء هذا الفردوس الأرضي، كأن يتعثر بسجادة فتنخدش ركبته، فيجيئه صاحب المنزل بشاش ومطهر، أما العطر الذي تتركه يد زوجة صاحب المنزل حين تحضر له قطعة من الشوكولاتة فلم ينمح من ذاكرته رغم مرور كل هذه الأعوام.بدت ذكريات البرتغالي الأشهر عن عوالم طفولته أقرب لمن يتأمل حجر الزاوية الذي قامت عليه مجريات ثمانين عاما من حياته، وبدا ساخراً من المتناقضات التي نشأ بينها، ساخراً من نفسه وسرقاته الصغيرة ورعبه الكبير وأوهامه التي بلا معنى عن حبيبة كان من المستحيل أن يرتبط بها، تلك التي كان يحضرها والدها التاجر من لشبونة لتقيم عدة شهور في أزينهاجا، حيث كانت أسرة ساراماجو تخدمهم في بعض الشؤون، وهناك نشبت العاطفة بين الطفلين، وهناك نشأ حبه الناقص للخيل، وظلت رغبته هذه مكتومة حتى قدر له وهو في مدرسة الصنائع أن يركب جواداً مماثلا، ولم يكد يمشي به عدة خطوات حتى سقط من على ظهره وكسرت ساقه، فظل يبحث طيلة حياته عن هذه اللحظة التي لم تكتمل.مشاهد الكلاب الضاريةأما رعبه من الكلاب فقد نبت في مدخل إحدى البنايات التي كان يقيم على سطوحها كان كلباً ضخماً كثيراً ما يزوم عليه كلما اقترب من المدخل ولا يفعل أكثر من ذلك، لكنه في يوم ما هاج وراح ينبح بقوة مطارداً إياه، بينما ساراماجو يصرخ طالباً أن يجيره أحد.المدهش أن الكاتب الذي افتتح مهرجان «كان» في دورته الأخيرة بعرض فيلم طويل مأخوذ عن روايته «العمي» رصد العديد من مشاهد الكلاب الضارية في هذه الرواية.رصد ساراماجو تفاصيل الحياة التي عاشها في بيت جده لأمه في قرية إزنهاجا، وكيف تحول والده المزارع إلى رجل شرطة في المدينة، يتأنق بقدر ما يستطيع في ملابسه وحديثه ليبدو مدنياً بين المدنيين، ونجماً متباهياً بفتوحاته بين أبناء قريته، ومن بينها حكاياته المتوالية عن بطولاته الجنسية مع نسوة المدينة، هذه البطولات كان يحكيها ليلاً لزوجته، فتسرها في نفسها حتى تحكيها في الصباح لنسوة أخريات يواسينها في زوجها الشهواني، ومن ثم فقد جعلت هذه المشاهد ساراماجو يقطع على نفسه عهداً بألا يهين طيلة عمره امرأة مهما كانت بكلمة أو فعل. اسم منتحلأما علاقته بالسجلات المدنية فقد كانت غريبة ومدهشة، ليس لأنه خرج منها بفكرة روايته الشهيرة «كل الأسماء»، ولكن لأننا نتكشف من خلالها أنه الحالة الوحيدة التي سمى فيها الطفل والده مثلما أعطاه والده اسماًَ، حدث ذلك حين ذهب خوسيه دي سوسا ليسجل المولود الذي رزق به في السجل المدني، لكن موظف السجل كان مخموراً في ذلك الوقت، وبدلاً من أن يكتب خوسيه دي سوسا، كتب خوسيه ساراماجو، ولأن الأب لا يجيد القراءة ولا الكتابة فقد عاد إلى البيت دون أن يشعر بالجريمة التي حدثت، ومرت السنوات حتى حمل أوراق ابنه ليقدمها إلى المدرسة، هنالك اتهموه بالتزوير لأن اسم الطفل مختلف تماماً عن اسمه، ولم يجد الأب حيلة غير أن يذهب ليغير اسمه هو إلى ساراماجو، لكنه ظل لا يعترف بهذا الاسم، وكلما أجبر على استخدامه كان يلعن موظف السجل السكير الذي كتب عليه العار وجعله يتخلى عن اسم عائلته، أما الحالة الثانية التي عانى فيها عن قرب من البحث في السجلات المدنية فقد كانت تخص أخا أكبر منه بعامين ونصف العام، مات بسبب السل في الحجر الصحي، وأراد ساراماجو وفاء وتخليداً لهذا الأخ أن يكتب عنه، فتوقف عند تاريخ وفاته الذي لا يعرفه، فما كان منه إلا أن أرسل للمستشفى لتبحث في سجلاتها عن تاريخ وفاة فرانسسكو دي سوسا، فأجابوه أنهم لم يجدوا هذا الأسم ولكنهم وجدوا خوسيه دي سوسا، وذلك لأن ساراماجو في الخامسة من عمره أصيب بنفس المرض ودخل الحجر الصحي، لكن المشكلة أنه بناء على خطاب المستشفى فإن أخيه ما زال حياً، ولكي يعرف أخذ يبحث ويبحث حتى اهتدى إلى الجدار الأخير وهو سجلات المقابر، حيث أفادوه بتاريخ وفاته ودفنه عام 1924. هذا البحث الروتيني الطويل هو الذي أوحى له بشخصية خوسيه موظف السجل المدني الذي أراد أن يصل إلى سيدة من خلال بطاقة المعلومات المثبتة لها في السجل المدني، كان هذا الموظف بطل كل الأسماء الذي أصبح روائياً شهيراً من خلال تسجيله خطوات وخطط بحثه عن السيدة التي أحبها دون أن يراها، ولعل التقارب واضح بين موظف السجل واسم المؤلف، وبين رحلة البحث عن أخيه ورحلته ورحلة الموظف لمعرفة تاريخ وحياة السيدة المجهولة.أصله العربيلكن الأكثر جرأة أن الكاتب الذي يحتفل الآن بمرور عشر سنوات على فوزه بجائزة نوبل أثبت في مذكراته أنه من أصول عربية، وأن جده العربي كان قصيراً قوياً ملقباً بخالع القلوب، وأن ملامح وجهه ووجه أخته وبقية أفراد عائلته لا تنتمي لملامح البرتغاليين، ويضيف قائلاً وعلى عكس ما يمكن أن يتصوره أحد فأبو جدي العربي الذي لم يتبق أثر مكتوب لخطوته في أزينهاجا ليس اختلاقاً رومنسياً فعلته لأزين به شجرة عائلتي المتواضعه، لكنه حقيقة جينية مؤكدة، هذا الرجل كان يعيش خارج القرية في كوخ بين الصفصاف، وكان يملك كلبين ضخمين يبثان الخوف في الزائرين، عندما ينظران لهم في صمت بلا نباح، وكانا لا يكفان عن النظر حتى ينصرفوا، أحد هؤلاء الزوار ـ كما حكت لي جدتي جوزيفا ـ لقي مصرعه وتم دفنه هناك، كان الزائر قد ذهب ليطلب من العربي تفسيراً لجذب المرأة إليه، فأعطاه لكمة في صدره، ولم يثبت أن القاتل قد عوقب بجريمته ربما يفسر لنا هذا احتفاء ساراماجو برصد مشاهد الكلاب في أعماله رغم رعبه منها، كما يفسر تلك الحميمية المدهشة التي كتب بها مشاهد المؤذن الأعمى في «تاريخ حصار لشبونة» ولمَ أضاف مصحح البروفات ريموندو سيلفا حرف الجزم «لم» قبل «يساعد البرتغاليون الأسبان في حصار لشبونة».ذكريات صغيرةيمكننا القول أن ساراماجو اعترف في ذكرياته الصغيرة بكل شيء، اعترف بأصله المتواضع ومهنته البسيطة كصانع أقفال، وأنه كان يكذب في طفولته عن كتب لم يقرأها، وأفلام لم يشاهدها، وأناس لم يقابلهم، وأب قال انه ليس رجل سياسة رغم أنه رجل السلطة الذي ينفذ أوامرها بكل طاعة وخوف، وأنه كان يربي الخنازير مع جده أزينهاجا، ويسرق مع أصدقائه ثمار حقول الفلاحين، وأنه حصل على درجة كبيرة في امتحان مدرسة الليسيه، وأنه لا يحب القسيسين، ولا يتذكر شيئاً من المبادئ التي تعلمها في مادة التربية القومية، وأنه قرأ بالصدفة في الصغر كتاباً لموليير كان يعتقد في البدء أنه دليل محادثة، ولا يعرف كيف وقع والده على هذا الكتاب فأحضره، كما لم يكن يعرف من الأساس من هو موليير وما الذي يفعله، لكنه كان طفلاً محظوظاً لأنه دخل عالم الأدب صدفة من أوسع أبوابه، وأن أمه وجاراتها كن يسرقن شركة المياه بأن يضعن إبراً في عدادات المياه، وأنها كانت ترهن البطاطين بعد انتهاء الشتاء لأنها لم يكن لديها مكان لتخزنها فيه، وأن عائلته تنقلت ما بين سطوح وبدرومات عدد من الأحياء المهمة في لشبونة لأنها ما كانت تقدر على الانتظام في دفع الإيجار الزهيد.

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...