الاثنين، سبتمبر 27، 2010

يوسا يكتب عن حرق القرآن

البهلوانات



ماريو بارجس يوسا

ترجمة\ أحمد عبد اللطيف





يعلن تيري جونز، وهو راعي بروتستانتي متعصب من جينسفيل بفلوريدا وتضم كنيسته بالكاد خمسين زائراً، أنه يستعد في الذكرى السنوية لاعتداء القاعدة الموافق 11 سبتمبر لإحراق نسخ من القرآن، وفي أيام قليلة يحصل الرجل على شهرة عالمية. لا أعتقد أن هناك رمزاً أبلغ من ذلك لحضارة الاستعراض، التي هي حضارة الزمن الذي نعيشه الآن.



كان الصمت أو التجاهل أو على أقصى تقدير كتابة سطرين في صفحة النكات أو الغرائب بالصحف، هو الأمر الطبيعي أمام هذا الاستفزاز وهذه الحماقة والبهلوانية التي يؤديها الراعي جونز، والمطبوعة بالتعصب والجنون أو شهوة الشهرة الملحة. لكن، في سياق العنف السياسي والأصولية الدينية لعالم اليوم، وصل الخبر سريعاً للصفحات الأولى، وصورة المنادي للحرق بوجهه المعتم وثوبه المشدود وأصابعه المجعدة أدارتْ الكرة الأرضية. مئات الآلاف من المسلمين الغاضبين خرجوا إلى الشارع في أفغانستان والهند وإندونيسيا وباكستان وغيرها، يهددون بالانتقام من الولايات المتحدة وحلفائها إن تم حرق كتاب دينهم المقدس. دقتْ الأجراس في وزرات الخارجية والهيئات السياسية والعسكرية والروحية العليا في الغرب. الفاتيكان، سكرتير الدفاع روبيرت جيتس، البيت الأبيض وحتى الجنرال ديفيد بيتروس، القائد القائم بدور رئيس الحلف الأطلنطي بأفغانستان، كلهم نصحوا الراعي جونز بالتخلي عن خطته شبيهة محاكم التفتيش. وفي النهاية تنازل، وفوراً عاد إلى الظلام الذي ما كان يجب أن يخرج منه. تنهد الكوكب براحة، وطاف على السطح شعور بأن العالم قد نجا من لعنة جديدة.



هل كان من الممكن أن يحدث ذلك؟ نعم بالطبع. فأحد ملامح التعصب المحددة هو عدم قدرة المتعصب على تملك خطة بالأولويات الرصينة والمنطقية؛ والتي فيها، الأولوية الأولى هي دائماً فكرة أو إله يمكن أو يجب أن يُضَحى بالآخرين من أجله. وبالتالي، محرقة كتب مقدسة في حديقة بجينسفيل أمام مئات من كاميرات التليفزيون والمصورين تبرر الحرب العالمية الثالثة بل واختفاء الحياة في وادي الدموع هذا. عندما طلب الجنرال بيتروس من الراعي جونز ألا يحرق القرآن لأنه لو فعل ذلك سيتعرض الجنود الأمريكان في أفغانستان لخطر كبير، كان يعرف جيداً جداً ما يقوله.



كيف أمكن أن نصل إلى هذا الوضع الذي فيه تستطيع مبادرة هوجاء من مسكين تعيس، بلا مصداقية من أي نوع، أن تضع العالم بأسره على الحافة، مبادرة بشكل ملموس كان من الممكن أن تطلق عنفاً إرهابياً في عدة قارات؟ يرى البعض أن المسئولية تقع على عاتق وسائل الإعلام، التي لو كانت قد تصرفت بشكل عاقل ما كانت وضعت الراعي جونز في مركز الحدث، ناشرة تهديده كأنه سيلقي قنبلة ذرية شديدة المفعول. حقيقة أن الجرائد والراديو والقنوات التليفزيونية تتصرف بلا أي مسئولية، لكن ليس ذلك هو سبب الكارثة الأول، لأنه في هذه الحالة، مثل حالات أخرى كثيرة نعاني منها يومياً، لا يمكن لوسائل الإعلام أن تتصرف بطريقة أخرى. إنهم مضطرون لفعل ما يفعلون لأن هذا هو ما ينتظره منهم – أو يطلبونه- القراء أو المستمعون أو المشاهدون في العالم أجمع: أخباراً تخرج عن المعتاد، تدمر الروتين اليومي، تدهش، تربك، تفضح، ترعب، وفوق كل شيئ تسلي وتلهي. أليس من المسلي أن يعلن واعظ من دعاة العنصرة من جينسفيل بفلوريدا، بمفرده، مثل أماديس دي جاولا في العصور الوسطى، الحرب الكاملة على مئات من الملايين المسلمين الموجودين اليوم في العالم؟



لا يمكن أن تكون المعلومة في أيامنا جادة، لأنهم لو اجتهدوا لتكون كذلك ستختفي، أو في أحسن الأحوال سيؤل مصيرها للقبر. والقاعدة العريضة من تلك الأقلية التي لا زالت تهتم بمعرفة ماذا يحدث يومياً في الأوساط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العالم، لا تريد أن تشعر بالملل وهي تقرأ أو تسمع أو تشهد تحليلات فطنة ولا اعتبارات معقدة، مليئة بالصبغات، وإنما تريد أن تتسلى، تقضي وقتاً هادئاً، يخلصهم من ضيق وإخفاقات وتوترات اليوم. وليس محض صدفة أن تجد جريدة مثل لي موند الفرنسية، وهي واحدة من أكثر الجرائد جدية واحتراماً في أوروبا، على أبواب الإفلاس عدة مرات في السنوات الأخيرة. وأنقذت نفسها حديثاً مرة أخرى، لكن من يدري إلى متي، إلا إذا خضعت لإفساح مساحة للخبر- التسلية، الخبر- النكتة، الخبر- التفاهة، الخبر- الفضيحة، الذي احتل بطريقة منهجية كل وسائل الإعلام الكبرى، سواء في العالم الأول أو الثالث، دون استثناءات. ولكي تمتلك وسائل الإعلام الآن الحق في الوجود والازدهار لا يجب أن تعطي أخباراً وإنما تقدم استعراضاً، معلوماتٍ تشبه، في لونها وفكاهتها وطابعها المثير وعلو نبرتها، الاستعراضات الواقعية، حيث يلتبس الحق بالباطل كما يحدث في العمل الخيالي.



إن التسلية كلما أتيحت الفرصة، رغم ما تحمله من تجاوز للمباديء الأساسية للتعايش، والأخلاق، والجمال، والذوق الحسن الصرف، هو الوصية الأولى في ثقافة عصرنا. والحرية، تلك المزية التي تتمتع بها الدول الغربية واليوم لحسن الحظ يتمتع بها عدد كبير من بقية دول العالم، تسمح بضمان التعايش والحق في النقد والتنافس وتبادل السلطة، لكنها في نفس الوقت تسمح أيضاً بتجاوزات تقوض أسس الشرعية، وتضغط حجمها حتى تصبح منكرة. وأسوأ شيئ أن هذا الشر لا بد منه، فمحاولة تقليل أو قمع الحرية سيكون له عواقب أوخم على المعلومات من هذه التفاهات.



هناك عواقب متعددة لتتويج ثقافة الاستعراض- وأعراض جانبية- أولها وأساسها البطولية التي حققها في زمننا البهلوانات. كانت هذه مهنة نبيلة جداً في الماضي: التسلية، الفارْس أو الكوميديا المتجولة، التحول لشخصية خيالية تشوه الحياة، الحقيقة، التجربة، ليُضحك الجمهور أو يجعلهم يحلمون، إنه فن قديم وصعب وجدير بالاحترام، تمخض عنه المسرح والأوبرا والتراجيديات وربما الرواية. لكن الأشياء تتغير بتكافؤ عندما يمارس مجتمع ما، وهو مسحور بالتمثيل والحاجة للتسلية كهدف أول، ضغط أن يقولب ويحول خطوة خطوة ساسته ومثقفيه وفنانيه وصحفييه ورعاته أو كهنته وحتى علماءه وعسكرييه إلى بهلوانات. وخلف استعراض مشابه، تنكشف أشياء كثيرة، مثل الحدود بين الحقيقة والكذب، القيم الأخلاقية، الأشكال الفنية، طبيعة الهيئات، والحياة السياسية بالطبع.



لذلك ليس من المدهش في عالم معروف عنه شهوة الاستعراض أن يعتبروا دامين هيرست، هذا السيد الذي حبس سمكة قرش في جرة زجاجية ممتلئة بالفورمالين، فناناً عظيماً ويبيع كل ما يصنعه من فن مزيف بأسعار أسطورية، أو أن تكون أكثر المجلات انتشاراً في العالم أجمع، والبرامج الأكثر شعبية، هي التي يعرون فيها أمام جمهور كبير أسرار المشاهير الحميمية، وليس تلك الأسرار بالطبع بطولات علمية أو اجتماعية، بل فضائحهم وانحرافاتهم الشوارعية، فيحصل هؤلاء على 15 دقيقة من الشعبية التي تنبأ بها أندي وارهل – أيقونة أخرى من أيقونات ثقافة الاستعراض- لكل سكان مجتمع عصرنا.



من المستحيل أن تتحقق بطولته بكمال، لكن لأن هناك أناساً كثيرين في العالم ووسائل الإعلام لن تعطي كثيراً وستمنح للجميع هذا الخلود المؤقت. لكنها نعم تتحقق، بمعني منفصل وحميم، فطموح ينمو يدفع عدداً أكبر، من مختلف المدارات، للتصرف بطريقة تسمح لهم بالهروب من الظلام والدخول في محيط الشهرة التي يتمتع بها البهلوانات الذين يُصفق لهم إن أجادوا فن التسلية ويتلقون البقشيش وينسون إلى الأبد. من الصعب حتى على الطيبين الهروب من ريموت من يدفع نحو أحضان مبدعي الدعاية- الاستعراض- حتى ولو كان ما يفعلونه جاداً ويبدو خارج متناول التفاهة. ألم نر حديثاً أحداً سطحياً قليلاً مثل العالم ستيفن هاوكينج يجعل دعاية كتابه القادم أنه يبرهن على أن خلق العالم يمكن أن يحدث دون حاجة إلى الله؟



هذا هو المناخ الذي يفسر ما حدث لتيري جونز، الراعي الداعي للعنصرة والذي نفض العالم ومن الممكن أن يجرنا لكارثة توراتية أخرى(ليس هناك تعبير آفضل) ربما يكون متعصباً أو مجنوناً أو مهرجاً صرفاً. لكنه في كل الأحوال يجب أن يبقى واضحاً أنه لم يفعل ذلك بمفرده. فكلنا شركاء له.



الأربعاء، يوليو 14، 2010

أسما عواد تكتب عن رواية صانع المفاتيح


مفاتيح القديم والجديد في رواية صانع المفاتيح


أسما عواد



ليس من السهل أن يتملك شخص في يده مفاتيح صنعته. وصانع المفاتيح الذي أعنيه هنا ليس بطل رواية "صانع المفاتيح"، وإنما صانعها الروائي أحمد عبد اللطيف الذي صنع مفاتيح روايته من محور واحد تتفرع منه جميع الأحداث




في ثراء سردي يصنع الكاتب لكل شخصية مفتاحا خاصا بها ويثريها بوصف وسرد خالي من الحوار حيث تمتلك كل شخصية مفاتيحها الخاصة التي تجعلك تتصورها أمامك وتتخيلها وكأن صانع المفاتيح قد صنع لقارئه مفاتيحا للقراءة أيضا تسمح له باستخدام الخيال. يتخيل بها الأبطال حتى يجدهم ماثلين أمامه مثل أبطال الدراما وتجعله يتمنى لو أنه يراها في عمل سينمائي أو تلفزيوني يتألف ويتعاطف معهم فيحب طيبهم ويكره شريرهم . إنك كقارئ ربما تتمنى أن تشاهد الرواية في عمل سينمائي او تلفزيوني. وربما تسأل نفسك هل من مخرج جريء يحول هذه الرواية إلى فلم سينمائي ؟ لماذا لا يقبل كتاب السيناريو ومخرجو المسلسلات على هذا النوع من الروايات المكنة والممتنعة في نفس الوقت؟ لماذا لا يكون الاتجاه لصنع دراما جديدة قائمة على الخيال الواقعي أو الواقع الخيالي ؟.تجربة ممكنة ومتاحة وبالأخص لبعض الأعمال الخيالية التي يستطيع كاتبها أن يقنعك بأنه يكتب واقعا قابلا للتجسيد. وهذه ليست بالتجربة المستحيلة، وقد جسدت في أعمال كثيرة مثل الحب في زمن الكوليرا لماركيز، و العطر لباتريك زوسكند وغيرهم من الروايات الأدبية التي تحولت إلى أفلام غاية في الإبداع.




الذي يدفعنا لرؤية الرواية في ضوء الدراما ليست تقليدية القضية التي تتناولها (فساد المجتمع) مما يجعلها ممكنة للتمثيل، فقد صنع على الصعيد الآخر بطلا يأخذ بهذه التقليدية إلى مناطق جديدة تشفع للرواية وتنقلها إلى مساحة التجديد. ولكن ما يدفعنا لذلك السرد القائم على فلسفة خالية من المبالغة. وحكمة خالية أيضا من التعقيد.




لقد صنع الكاتب مفاتيحا لكتابته قبل أن يمنحها للبطل في الرواية ومن هذه المفاتيح مفتاح الكلام. فهو عندما جعل البطل صانعا لمفاتيح الكلام ، استخدم هو هذا المفتاح مسبقا من خلال خلو الرواية من الحوار.وهي منهجية عفوية، فالرواية التي تعتمد على السرد الخالي من الحوار هي نفسها القائمة على الحوار الداخلي مثل قول البطل لنفسه: " كم أنت قبيح هل انت من خلق الله؟" ومثل "نعيش في عالم فاسد لست افسد من فيه ". إنه حوار مع النفس يتخلل السرد بلا فاصل أو قاطع، مما يمكنه من الإمساك بحبل السرد فيكمل الوصف وكأنه حكاء يمارس الحكي كل يوم، حتى يخيل لك انه سيبدأ في التمثيل بصوته، وسيقلد أصوات الأبطال. ولو كان للكتابة صوتا مسموعا لسمعت أصوات الأبطال صادرة من فم واحد هو فم الراوي الذي استبدل الربابة بالقلم، وذلك من خلال حكاية من داخل حكاية، وكأن حاكيها يملك من الحياة حيوات أخرى لكنها كلها وان كانت ممكنة، إلا أنها غير عادية فلا أحد يصنع من فندق ومستشفى خيري بيئة رواية خيالية . دون أن يشعرك بأنك انتقلت لقراءة كتاب آخر بلغة جديدة.




بهذا الفاصل يكتب الرواية لتجد نفسك متورط في حكاية جديدة داخل الحكاية الكبيرة المتخمة بالحكاوي الصغيرة، مثل الصداع الذي يشبهه بطفل يتغلب عليه، هذا الطفل الذي يعبث معه حتى ينهيه لكنه طفلا فيبدأ من جديد ، ثم تخيله للصداع على انه نمله او رجل ينقر بإصبعه. ومثل عمل الطبيب في طفولته وتنوع الأعمال التي قام بها حتى الغريب منها مثل جامع العظام. كل هذه التفاصيل الصغيرة تعطي العمل إحساسا بالتجديد لوجود الخيال بها، ثم بجعلها ممكنه بحدث عادي مثل العصفور الذي اشتراه أحد الأبطال. إنها أحداث ممكنة تجعل من الأشخاص الذين يعيشون حكاية وهمية اشخاصا حقيقيين يعيشون ما نعيشه نحن.




لقد استخدم الكاتب مفتاح العوالم الصغيرة من داخل عوالم اكبر ويمثله في الرواية العوالم الصغيرة من داخل عالم القرية التي هي بدورها نموذج مصغر لعالم كبير يوجد بداخله الفندق والمستشفى، عالمان صغيران يمثلان الفساد في الحياة. ثم الجبل الذي يشرف عليهما والذي يمثل المناطق الجميلة والبكر التي لم تلوث بعد . وكل هذه العوالم الداخلية خيالية بالرغم من وصفها المحتمل وقرب وصفها من اماكن متواجدة على الحقيقة.




وبنفس المفتاح التداخلي جاءت لغة الكتابة التي تتضمن تداخلات بين لغة التدوين وهو العالم الأكثر تكلفا وتعقيدا، وبين لغة الراوي وهو العالم الأكثر بساطة. ربما لكي يخرج من مأزق تباين الموضوع بين التقليدية والتحديث، وذلك كي يتمكن من قيادة السرد أينما يشاء بتحييد الراوي، وتحديد البطل في نفس الوقت.




مفتاح آخر صنعه الكاتب وهو مفتاح الكتابة اللغز التي لا يمكن فك شفرتها إلا في لحظة تجلى قد تقضي حياتك كلها دون ان تمر بها، وقد تمر بها في لحظة لا قانون لها. وهي لحظة فجائية أو لحظة عشوائية لا واجد لها من الشخصية . تلك اللحظات التي تكتسب امكانيتها من إمكانية المرور بها لأي شخص، واستحالتها من استحالة استدعائها، تمثل نقطة مضيئة تضيء الروح او العقل برابط خفي لا يدركه الا خالقة. هي لحظة الوعي والاكتشاف العميق، مثل من يرى الحياة أو يرى الله من خلال ذيل القطة. إنها لحظة قد نمر بها جميعا تعيد ترتيب حياتنا من جديد، او تقلبها رأسا على عقب، وتكون مسبباتها أشياء لا علاقة لها بردة الفعل. كأن تغير مسار حياتك عندما ترى نملة تسير على جذع شجرة، أو علما يرفرف في الهواء، أو بقرة تلوك طعاما . إنها لحظة شفافة وثرية لمن يستطيع الإمساك بها. ويمكن لكاتب آخر أن يصنع منها رواية كاملة، مثلما فعل باتريك زوسكند في رواية الحمامة وقلب حياة البطل لمجرد رؤيته لحمامة، جعلته يقف أمام نفسه بقوتها وضعفها، ويعيد ترتيبها من جديد.




ثم يأتي مفتاح الفوضى داخل الرواية انها الحياة بكل تضاربها وبكل نماذجها المتضاربة . من فسد فيها ومن حافظ على نفسه دون فساد، من كان صالحا منها ومن كان طالحا. هي بكل تقلباتها فالصالح قد يفسد والطالح قد يصلح،. ما الجديد إذن؟ قد تسأل نفسك هذا السؤال ولكنك في كل مرة تخطو نحوه ستجد ما يأخذك بعيدا عنه مثل هوس الناس بالمفاتيح ( تجديد) ثم تنوع المفاتيح و تبدلها من مفاتيح الكلام ثم مفاتيح السمع ثم البصر( تجديد) وقبل أن تمل سيلعب بإرادة الأشخاص لحواسهم حتى أنه أصبحوا يعلقون في أعناقهم سلسلة للمفاتيح لاستخدامها وقتما يشاءون ( تجديد) ثم ينتقل إلى متى يكون التحكم وإدارتها أمر مستحب ومتى يكون لعنة قد لا تعيدهم لأصولهم فتجر عليهم الويل واللعنات( تقليدية). وقبل أن تنفلت منه لتسأل نفسك نفس السؤال سيشغلك بشئ جديد يمنعك من الإنفلات. بلغة شعرية تارة مثل وصفه للأمطار التي تهطل لكنها لا تنقي الجو ولا تغسل البيوت ولا تطهر الأجساد .أو بأحلام وكوابيس الأبطال تارة أخرى.




الرواية مكتظة بأحلام وكوابيس الأبطال مثل كوابيس الأب والابن وجميلة وهذا يمثل مفتاحا آخرا في الرواية لكنه مفتاح ماستر صالح لفتح جميع الأبواب ويستخدمه الكاتب كي يجعل الكتابة قابلة لاستيعاب كل ما يرغب في إثراء النص به ولا يجد له مكانا في السياق .




إنه عالم الأحلام الفضفاض القابل لاستيعاب جميع التناقضات عالم القبول الرفض، عالم الرمزية والواقعية، الكناية والتصريح. لكنه لم يوجده عبثا فهو يملك مفتاحا خاصا به ربما ليفتح به باب الضمير. فالكوابيس تشكل الضمير الحي للأبطال. لأجل ذلك لم تنتاب الكوابيس من غيب ضميره للأبد أو من كان خارج منطقة الضمير. هنا تشكل الكوابيس الوجه الحقيقي من البشر الذي يخشى القبح أو يرغب في التطهر منه. فالقضية بالفعل تشغل مساحة كبيرة في الكتابة التي تصف المطر غسيلا للذنوب وللروح، والطفل المشوه هو الحمل الذي قبل أن يتحمله تكفيرا لذنوبه السابقة. وكما جاء على صفحات الرواية " المسألة لديه بالفعل مسألة جوهر لذا " و"ليس كل ما تستقبحه العين تستقبحه الروح".




إنها رواية تحير القارئ فتجعله يتساءل في كل لحظة إلى أي نوع من الكتابة تنتمي هل هي رواية نفسية ام اجتماعية، هل هي تقليدية أم حديثة . مما يجعل شهادة الكاتب أمرا لازما لإشباع فضول القارئ.




لقد كتب الكاتب هذه الرواية بقلب طفل جريء... مندفع تجاه التجريب، لا يحمل خوفا من التجربة، فيمزج ما بين اتجاهين في الكتابة، دون أن يهتم بردة الفعل ودون خوف من العواقب. وهي شجاعة محسوبة له، حتى أنه ربما يهز كتفيه بعد قراءة مثل هذا المقال ويقول لنفسه:




ـ لا يهمني سأبدأ في رواية أخرى أجرب فيها شيئا جديدا .

 



تم نشر المقال في مجلة الثقافة الجديدة يوليو 2010




وموقع الكتابة الجديدة

الجمعة، يوليو 09، 2010

صانع المفاتيح

فانتازيا لا تفلت‮ ‬من وطأة الاجتماعي‮!‬


 



حاتم حافظ

 


‮"‬في طفولتنا يعلموننا أن الشجرة شجرة وأن الجبل جبل،‮ ‬وفي شبابنا نسأل أنفسنا هل حقا الشجرة شجرة والجبل جبل؟،‮ ‬وفي شيخوختنا نعلم علم اليقين أن الشجرة كانت شجرة وأن الجبل كان جبلا،‮ ‬وأننا أضعنا عمرنا في أسئلة نعرف مسبقا أجوبتها،‮ ‬فنسخر من أنفسنا،‮ ‬لكن في رحلة البحث نطّلع علي جانب من حكمة الخالق،‮ ‬جانب خفي لا يراه إلا من تأمل وبحث،‮ ‬فوهبه الله نفحة من علمه وأنار بصيرته‮".. ‬هكذا يكتب أحمد عبد اللطيف ببساطة تسم عمله الأول‮ "‬صانع المفاتيح‮" ‬الصادرة عن دار العين‮. ‬وهي بساطة تشي بموهبة روائية لا تصخب في الإعلان عن نفسها كما يفعل كثير من الكتاب في رواياتهم الأولي حين يتخلون عن البساطة خوفا من أن يقلل النقاد والقراء والمتابعين من أعمالهم‮. ‬فعلي العكس فإن بساطة عبد اللطيف تشفّ‮ ‬عن خبرة بالكتابة،‮ ‬وعن قدرة علي التصوير،‮ ‬وعن موهبة يمكن أن تفلت علامات أصالتها بين الحين والآخر،‮ ‬بداية من قرار نسج روايته في قالب أسطوري،‮ ‬وانتهاء بقرار صياغة رواية متعددة الأصوات،‮ ‬ما بين سرد الراوي العليم وتدوينات صانع المفاتيح‮.‬



صانع المفاتيح‮.. ‬الشخصية المحورية في الرواية،‮ ‬يقرر ذات يوم بعد أن ضاق بسماع حكايات أهل قريته عن الفساد الذي ضرب القلب منها أن يصنع مفتاحا لأذنيه،‮ ‬بهذا المفتاح يمكنه أن يفتحهما وقتما يشاء ويغلقهما وقتما يشاء‮. ‬مفتاح السمع هذا بات في أيام معدودة مطلبا شعبيا،‮ ‬فالجميع لا يرغب أن يمضوا في الاستماع لما يحدث في فندق الخواجة لاللي وما يحدث في مستشفي الرحمة التي يديرها‮ "‬الدكتور‮". ‬كما أن أهل القرية يمضون في تمنياتهم لأبعد من ذلك بعد أن جرّبوا هدوء ألا تستمع لما يمرّر أيامك،‮ ‬فيطلبون مفاتيح للبصر،‮ ‬ومفاتيح للكلام أيضا‮!‬



      ****



تسأل الرواية سؤالا حول المعرفة،‮ ‬هل يمكن الإفلات من عذاب المعرفة،‮ ‬أم أن هذا الإفلات لا يتحقق إلا بمزيد من المعرفة؟‮.. ‬عبد اللطيف يُصدّر للرواية بمقطع من الآية الكريمة‮ "‬صم بكم عمي‮" ‬والتي تستدعي نهايتها‮ "‬فهم لا يعقلون‮"‬،‮ ‬كما لو كانت‮ "‬صم بكم عمي‮" ‬هي مفتتح رواية تنتهي ب‮ "‬فهم لا يعقلون‮". ‬ذلك أن أهل القرية الممرورين بمعرفتهم بما يجري حولهم والذين يشاركون فيه بالطبع،‮ ‬فهم ليسوا أبرياء منه علي نحو ما،‮ ‬بدليل أن فتياتهم إما أنهم يستسلمون للزواج من أثرياء العرب،‮ ‬أو يعملون في فندق لاللي،‮ ‬أما رجالهم فإنهم إما يعملون مع الدكتور في مستشفاه‮ "‬مستشفي الرحمة‮" ‬والتي ظاهرها الرحمة وباطنها نقل قرنيات مجذوبي القرية السليمة لأعين الأثرياء الجدد‮. ‬فهل يمكن لهؤلاء تبرئة ذيولهم بفقدان طوعي عن الحواس‮ (‬أدوات المعرفة‮) ‬أم أن عليهم الكشف عن مواطن تقرحات ضمائرهم بدلا من إخفائها‮. ‬إن الرفض القاطع من صانع المفاتيح في الاستمرار في صنع مفاتيح السمع،‮ ‬فضلا عن رفضه التام لصنع مفاتيح لباقي الحواس دليل علي وعيه في النهاية بضرورة المعرفة،‮ ‬بضرورة أن يفتح أهل القرية عيونهم وآذانهم وأفواههم لتخليص قريتهم من الدنس‮. ‬فإما ذلك وإما فإنهم لا يعقلون‮!‬



هذه الفانتازيا الروائية لا يفلت بها عبد اللطيف من وطأة البعد الاجتماعي،‮ ‬فالتاريخ حاضر أيضا من البداية،‮ ‬فالقرية هي قرية عبود باشا الذي اشتري مصانع السكر التي أقامها رجل أعمال بلجيكي في بدايات القرن الماضي‮ (‬ولا أعرف لماذا‮ ‬غيّر الكاتب من هذه الواقعة التاريخية مفضلا أن يمنح عبود باشا شرف إنشاء المصنع من البداية‮). ‬أي أن القرية لها حضور اجتماعي،‮ ‬فضلا عن أنها كبعض قري مصر التي تنتشر بها ظاهرة تزويج القاصرات للأثرياء العرب،‮ ‬فضلا عن الإشارة لجدل نقل الأعضاء الذي كان مُثارا لفترة قريبة،‮ ‬فضلا عن الإشارة إلي العالم الإعلامي الذي أصبحنا نعيش فيه‮. ‬لهذا تتداخل الفانتازيا مع واقعية الأحداث التي لولا الفكرة الأصلية‮ (‬صناعة مفاتيح للحواس‮) ‬بتفصيلاتها،‮ ‬كلجوء يوسف للجبل للتأمل،‮ ‬كرغبته في التدوين،‮ ‬كسلسلة الأحلام التي ترواد كل الشخصيات نتيجة لضمائرهم المثقلة بالذنب،‮ ‬كالنبوءة التي تدشن الرواية وتصنعها،‮ ‬لولا هذه الفكرة وتفصيلاتها لكانت رواية واقعية للغاية‮.‬



‮  ****‬



الفانتازيا امتدت أيضا للطريقة التي ظهرت بها الشخصيات،‮ ‬صانع المفاتيح نفسه والذي لن نعرف له اسما إلا في نهاية الرواية،‮ ‬شخصية أسطورية للغاية لدرجة الإلحاح علي تشبيهها بالأنبياء‮ (‬هو نفسه يقول في نهاية الرواية إن القرية وصلت لدرجة لا تُحتمل،‮ ‬درجة تستدعي وصول نبي أو مُخلّص رغم أنه لن يكون هذا الشخص‮). ‬شخصية لاللي تبدو أيضا شخصية أسطورية،‮ ‬ورغم أن لها اسما فإنها نتيجة للإلحاح علي رمزيتها‮ (‬كشر مطلق‮) ‬تفقد أي ملامح بشرية‮.‬



وفي ظني أنه رغم الإطار الفانتازي فإن الشخصيات كانت في حاجة لعناية أكبر،‮ ‬ففي اللحظات القليلة التي نتلمس فيها‮ "‬بشرية‮" ‬شخصية كشخصية الدكتور‮ (‬كرفضه النوم مع زوجة البواب مثلا‮) ‬يصبح للقراءة متعة خاصة،‮ ‬متعة كانت لتمتد لو أن الشخصيات أكثر حميمية مما ظهرت عليه،‮ ‬حتي ولو فقدت الرمزية المتعمدة،‮ ‬ففي ظني أن هذه الرمزية حولت الشخصيات إلي كائنات شبه مصمتة،‮ ‬وكان أجدر بالكاتب أن يترك لها زمام الفعل خصوصا وأن شخصيتي الدكتور وجميلة كانا مؤهلين لقدر أكبر من الحيوية‮.‬



ومع هذا فإن الرواية من الروايات التي تشي بكاتب يعرف ماذا يفعل،‮ ‬لديه وعي شديد باللغة،‮ ‬وبطرق السرد،‮ ‬ولديه هم اجتماعي أيضا،‮ ‬ما يؤكد أنه قد بدأ الطريق لشغل مكان متميز بين جيله‮. ‬رواية تستحق أن تقرأ‮..‬





نشر بجريدة أخبار الأدب












الخميس، مايو 27، 2010

استفاد منها الغرب وهاجمها العرب

تأثيرات ألف ليلة وليلة في أدب ماركيز

أحمد عبد اللطيف






مع بداية الألفية الجديدة توقف النقاد الغربيون لدراسة أهم الأعمال الأدبية التي أثرت العالم علي مدي تاريخه الطويل،‮ ‬واتفقوا علي أن رواية‮ "‬مائة عام من العزلة‮ " ‬واحدة من أهم مائة عمل أضافت للإنسانية،‮ ‬ولم يكونوا في حاجة ليؤكدوا مجدداً‮ ‬أن حكايات‮ " ‬ألف ليلة وليلة‮ " ‬هي العمل رقم واحد،‮ ‬وأنها كانت النبع الذي نهل منه الأدب العالمي،‮ ‬حتي أن رواية‮ " ‬دوُن كيخوتيه‮" ‬التي تعد أول رواية في العالم،‮ ‬تأثرتْ‮ ‬بالحكايات العربية،‮ ‬سواء في سحريتها أو في استخدامها تقنية التكرار والسرد المستدير‮. ‬وليس أدل علي أهمية ألف ليلة وليلة من أن جارثيا ماركيز،‮ ‬أشهر الحائزين علي جائزة نوبل،‮ ‬اعترف في مرات عديدة أن تكوينه الأدبي تشكّل من هذه الحكايات،‮ ‬بالإضافة لحكايات جدته‮. ‬كما أن بارجاس يوسا،‮ ‬من فرط تأثره بها،‮ ‬كتب علي‮ ‬غرارها إحدي عشر حكاية جديدة وقام بتمثيلها علي إحدي المسارح الإسبانية العام الماضي‮.‬

‮ ‬غير أن تأثيرات ألف ليلة وليلة تبدو واضحة بجلاء في مائة عام من العزلة علي وجه الخصوص،‮ ‬حتي أن الناقد نيكاسيو أوربينا قَدّمَ‮ ‬دراسة لجامعة تولان،‮ ‬مبرهناً‮ ‬فيها أن ماركيز تعامل مع ألف ليلة علي أنها مادة خام استخرج منها نصاً‮ ‬روائياً‮ ‬سحرياً‮. ‬هكذا يبدو الكتاب العربي وبقوة في النصف الأول من الرواية،‮ ‬ففي الفصل العاشر يحكي الراوي مشهداً‮ ‬حصل فيه أوريليانو الثاني علي إذن أورسولا لفتح‮ ‬غرفة ميلكيادس‮. ‬كانت الغرفة نظيفة ومهجورة منذ وفاة الرجل الغجري،‮ ‬لذلك لم تشعر السيدة بأي تعب في تنظيفها‮. ‬حينها كان أوريليانو الثاني منغمساً‮ ‬في قراءة كتاب بلا‮ ‬غلاف،‮ ‬بلا عنوان،‮ ‬مستمتعاً‮ ‬بحكاية امرأة جالسة علي منضدة تأكل حبات الأرز التي تصطادها بالدبابيس،‮ ‬كذلك بحكاية الصياد الذي طلب من جاره رصاصاً‮ ‬لشبكته،‮ ‬والسمكة التي اصطادها بعد ذلك ووجد في بطنها ألماظة،‮ ‬وحكاية المصباح الذي يحقق الأمنيات‮. ‬والسجاجيد التي تطير‮.‬

‮ ‬سيكون أوريليانو بابيلونيا،‮ ‬الولد قبل الأخير في السلالة،‮ ‬قارئاً‮ ‬شرهاً‮ ‬لهذا الكتاب،‮ ‬حتي أن الراوي يحكي في الفصل الثامن عشر عن أنه لم يهجر‮ ‬غرفة ميلكيادس لوقت طويل،‮ ‬وسيظل محتفظاً‮ ‬في ذاكرته بحكايا هذا الكتاب،‮ ‬وبمفهوماته عن العلوم الشيطانية وأسرار أحجار الفلسفة،‮ ‬ونبوءات نوسترداموس وأبحاثه حول الوباء،‮ ‬وبالتالي سيصل لسن المراهقة دون أن يعلم شيئاً‮ ‬عن زمنه،‮ ‬لكنه مزود بالمعرفة الأساسية لرجل عاش في العصور الوسطي‮. ‬من السهل أن نربط هذه الأحداث في الحال بألف ليلة وليلة،‮ ‬فالكتاب‮ ‬غير المغلف وغير المعنون هو بلا شك الحكايات العربية،‮ ‬ورغم أن ألف ليلة لا تحتوي علي هذه الحكايات علي وجه الدقة،‮ ‬إلا أنها كانت النموذج الذي اشتغل عليه ماركيز،‮ ‬هكذا ألّف حكاية صياد جديدة وخلق امرأة خرافية تصطاد حبات الأرز بالدبابيس،‮ ‬وكرر السجاجيد الطائرة ومصباح علاء الدين‮. ‬هنا يقول بارجس يوسا‮ " ‬إن حكايات ماركيز بدأت من حيث انتهت حكايات جدته،‮ ‬ومن حيث توقف هو عن قراءة ألف ليلة وليلة‮ " ‬وربما حدث له ما حدث لشخصية روايته أوريليانو الثاني‮. ‬ومن ضمن المرات التي ذكر فيها ماركيز ألف ليلة وليلة،‮ ‬كان في خطاب أرسله لصديقه جيرمان بارجس ف الثاني والعشرين من أبريل سنة‮ ‬1967،‮ ‬كتب فيه‮: "‬هذه هي أهم التأثيرات في رواياتي‮: ‬فيرجينيا وولف وويليام فوكنر وفرانتس كافكا،‮ ‬من وجهة نظر فنية‮. ‬أما من وجهة النظر الأدبية‮: ‬ألف ليلة وليلة،‮ ‬وهو أول كتاب قرأته وأنا في السابعة،‮ ‬وسوفوكليس،‮ ‬وحكايات جدتي‮ ".‬

‮> > > ‬

في‮ " ‬مائة عام من العزلة‮" ‬يلعب العرب دوراً‮ ‬بارزاً‮ (‬في أمريكا اللاتينية يستخدمون كلمة أتراك للإشارة إلي العرب،‮ ‬هكذا شارع الأتراك يشير إلي العرب‮ ) ‬وأوضح دليل علي ذلك‮ ‬أن شارع الأتراك هو المكان الرئيسي في العمل،‮ ‬حيث تحدث التغيرات والتحولات التي تؤثر في بقية القرية‮. ‬وبقدومهم مع أورسولا تصير القرية أكثر نشاطاً‮ ‬وتضج بالنشاط التجاري والمحال والورش الحرفية،‮ ‬إنهم يمثلون في العمل عالم التجارة والتنظيم الإجتماعي والرأسمالية،‮ ‬ومعهم أبضاً‮ ‬اكتسبت الأشياء قيمتها‮. ‬



‮> > > ‬

تتأثر مائة عام من العزلة بألف ليلة وليلة أيضاً‮ ‬في مفهوم المصير الإنساني‮. ‬فالثقافة العربية تؤمن بالمصائر المحددة سلفاً،‮ ‬فالله هو الأعلي والأعلم والأقدر والأقوي،‮ ‬وكل شيء مكتوب في لوح محفوظ،‮ ‬واللغة العربية وأدبها تذكرنا في كل وقت بهذا الإيمان‮. ‬هذه الصورة نجدها بارزة في مائة عام بل وتشكّل بنيتها الداخلية،‮ ‬فكل شيء مكتوب سلفاً،‮ ‬وكل شيء يحدث لأنه يجب أن يحدث‮. ‬هنا كل مصير سابق علي الأحداث وبالتالي سابق علي سرد الأحداث‮. ‬كل المصائر مسجلة في مخطوطات ميلكيادس،‮ ‬وبالتالي يستخدم السارد الزمن الاستباقي بنفس الحرية التي يستخدم بها السرد المستدير،‮ ‬وهكذا‮ "‬بعد ذلك بسنوات طوال،‮ ‬وأمام فصيلة الإعدام،‮ ‬سيتذكر أوريليانو بوينديا هذه الظهيرة البعيدة التي اصطحبه فيها أبوه لمشاهدة الثلج‮". ‬دوماً‮ ‬كانت قضية الإرادة الحرة والمصائر المكتوبة سلفاً‮ ‬قضية دينية وفلسفية،‮ ‬اليهود والمسيحيون لا زالوا في جدال حول الحتمية والاختيار،‮ ‬بينما البوذيون يؤمنون بأننا ندفع ثمن حيوات أخري سابقة‮. ‬لكن الواضح أن ماركيز في مائة عام من العزلة تبني وجهة النظر الإسلامية‮.‬

‮> > > ‬



‮ ‬يبدو ماركيز متأثراً‮ ‬بألف ليلة في تقديسه للأعداد،‮ ‬والدقة في استخدامها،‮ ‬ليس فقط ليسرب إلينا فكرة الراوي العليم،‮ ‬وإنما أيضاً‮ ‬لعوامل جمالية وأسلوبية‮. ‬يلاحظ ذلك بداية من العنوان‮. ‬فرواية ماركيز تتعدي فترتها الزمنية مائة عام،‮ ‬وألف ليلة مرتبطة بالمفهوم السحري أكثر منها بالبنية الخطابية في حد ذاتها‮.‬



‮> > > ‬



أما عن القدرة الجنسية في ألف ليلة وليلة،‮ ‬والواضحة في عمل ماركيز،‮ ‬فهي تتفق تماماً‮ ‬مع الأدب الهندي القديم واليوناني الكلاسيكي،‮ ‬كذلك نراه في كل آداب العالم‮. ‬وقد تم إستخدامه في الغرب في العصور الوسطي في مواجهة القمع والتابوهات التي حرمتها الكنيسة الكاثوليكية‮. ‬وتعود من جديد في أدب أمريكا اللاتينية المعاصر ليتلقاها جمهور واع في وسط خطاب سردي‮ ‬غزير ومتقن،‮ ‬دون أي شعور بالذنب،‮ ‬مدركين تماماً‮ ‬أن الجنس جزء لا يتجزأ من الطبيعة‮. ‬

جدير بالذكر هنا أن نشير إلي أن الجنس الذي جاء في إطار شرعي في ألف ليلة وليلة كان يتفق مع الثقافة الإسلامية،‮ ‬فالزواج من بنات العم مشروع‮. ‬بينما جاء في مائة عام من العزلة مواجهاً‮ ‬للقيم الغربية التي تحرم الزواج من الأقارب،‮ ‬وتعتبره زنا محارم،‮ ‬وما قد يتبع ذلك من ويلات‮. ‬لابد أن ماركيز كان واعياً‮ ‬لذلك تماماً،‮ ‬لكن‮ ‬غواية الحكاية كانت أقوي من ناحية،‮ ‬وتأثره بألف ليلة كان مسيطراً‮ ‬من ناحية أخري‮.‬

‮> > > ‬

أخيراً‮ ‬،‮ ‬كل حكايات ماركيز التي تولدت من حكايات أخري،‮ ‬هي تقنية ألف ليلة وليلة‮.



مقال نشر في أخبار الأدب‬











الأربعاء، مايو 19، 2010

أفلام إسبانية قصيرة





الأفلام الإسبانية القصيرة‮.. ‬فواصل الدهشة


أحمد عبد اللطيف




15/05/20


أهدانا مركز الإبداع الفني بالتعاون مع سفارة إسبانيا‮ ‬،‮ ‬ولمدة ثلاثة أيام متتالية‮ ‬،‮ ‬22‮ ‬فيلماً‮ ‬قصيراً‮ ‬من السينما الإسبانية الحديثة خلال العرض الأول لهذه النوعية من الأفلام بالقاهرة‮ . ‬وكان يصح دون مبالغة أن نضع هذا العرض تحت مسمي‮ "‬الدهشة‮" ‬فهذا هو ما حققته هذه الأفلام الحائزة كلها علي جوائز مثل جائزة مهرجان لوس أنجيليس‮ ‬أو جويا‮ ‬أو مهرجان لا بالما أو جوادالاخارا وغيرها‮ .‬



في اليوم الأول‮ ‬،‮ ‬10‮ ‬مايو‮ ‬،‮ ‬تم عرض فيلم‮ "‬ضد الجسد‮ " ‬وهو فيلم صامت بطلته الوحيدة امرأة عانت الكثير من المرض مع جسدها فقررت في النهاية أن تدفنه داخل جسد مانيكان‮ . ‬وبكثير من التكثيف استطاع المخرج إدواردو تشابيرو عرض أزمة هذه المرأة التي ظلت تراقب العالم من خلال فترينة ملابس حتي انتهي بها الحال في مكان لإعادة تصنيع النفايات ليختتم الفيلم الذي استمر‮ ‬17‮ ‬دقيقة مع نظرات هذه السيدة إلي العاملة دون جدوي‮ . ‬أما الفيلم الثاني‮ ‬،‮ ‬والذي كان أكثر الأفلام متعة حيث لعب علي المشاعر الإنسانية بكل الطرق الممكنة‮ ‬،‮ ‬فهو فيلم‮ "‬10‮ ‬دقائق‮ " ‬الذي يحكي قصة شخص يجري اتصالاً‮ ‬هاتفياً‮ ‬لخدمة العملاء لطلب معلومة بسيطة جدا‮ ‬،‮ ‬فقط معرفة الرقم الذي اتصل به في ساعة معينة‮ ‬،‮ ‬وأمام تعسف الموظفة يسرد عليها كل ما يمكن سرده عن علاقته بخطيبته التي أجرت المكالمة من تليفونه لصديقتها لتقيم عندها بعد مشادة بينهما‮ ‬،‮ ‬ليكسب عطفها،‮ ‬كل ذلك في إطار كوميدي جداً‮ ‬ودرامي جداً‮ ‬،‮ ‬تبادلت فيه الضحكات مع الشفقة‮ . ‬ولعل البطل الحقيقي في هذا الفيلم هو الحوار الذي استمر بلا انقطاع خلال‮ ‬17‮ ‬دقيقة هي مدة الفيلم‮ . ‬أما‮ "‬مفترق الطرق‮" ‬فقد ركز الضوء علي المشهد الأخير الذي يلتقي فيه شاب وصديقته‮ ‬،‮ ‬ويبدأ بهذا الشاب يقود دراجته ويتشبه بطائر‮ ‬،‮ ‬ربما بحثاً‮ ‬عن حرية مفقودة‮ ‬،‮ ‬هنا يلعب الصمت دور البطولة‮ ‬،‮ ‬ليقول كل ما لا يمكن أن تقوله الكلمات‮ ‬،‮ ‬ويلعب مخرجه روبرتو بيريث توليدو علي فكرة الإحساس أثناء الغياب وأثناء السكوت‮ . ‬الفيلم لا يخلو من كوميديا‮ ‬،‮ ‬لكن تسليط الكاميرا علي وجهي البطل والبطلة عكس البراءة من ناحية والحزن من ناحية أخري‮ . ‬وفي إطار مغاير تماماً‮ ‬جاء فيلم‮ "‬لاليا‮ " ‬ليعرض مشكلة البوليساريو الصحراويين‮ ‬،‮ ‬لكن الفنية العالية والاهتمام‮ ‬بفكرة تقديم صورة جمالية أعطي للفيلم بعداً‮ ‬آخر بعيداً‮ ‬عن الفيلم الوثائقي‮ . ‬هنا طفلة صغيرة تحكي عن أمانيها لرؤية البحر‮ ‬،‮ ‬تحكي عن جدتها التي تصنع أنواعاً‮ ‬مختلفة من الشاي‮ ‬،‮ ‬تحلم بيوم تذهب فيه للمدرسة وتعبر الحدود‮. ‬وهكذا تلعب الصورة المعتمدة في الأساس علي جمال الطبيعة دور بطولة حقيقية بجانب الطفلة‮ . ‬جاء بعد ذلك فيلم‮ "‬الغسالة‮" ‬ليناقش إسبانيا الأربعينيات حيث المعاناة الحقيقية تحت حكم الديكتاتور فرانكو‮ ‬،‮ ‬والحقيقة أن الفيلم يمكن تفسيره بأكثر من طريقة‮ ‬،‮ ‬فبطلته حتماً‮ ‬مريضة نفسية أنجبت بنتاً‮ ‬مع رغبتها في إنجاب ولد‮ ‬،‮ ‬فتبقي مع وهمها حتي تفاجأ ذات يوم‮ ‬،‮ ‬بعد أن اشتري لها زوجها‮ ‬غسالة‮ ‬،‮ ‬أن ملابس الولد التي أدخلتها الغسالة خرجت فساتين بنت‮ ‬،‮ ‬فيصيبها الانهيار‮ . ‬تفسير آخر يكمن في أنها حقاً‮ ‬أنجبت ولداً‮ ‬مات داخل الغسالة وأنجبت بعده بنتاً‮ ‬لكنها ظلت مع وهم أن الولد حي ونست تماماً‮ ‬أن البنت ابنتها‮ . ‬علي أية حال‮ ‬،‮ ‬أري أن الفيلم يحمل رمزية كبيرة لدخول المجتمع الإسباني مفرمة الغسالة الفرانكية‮ . "‬الميزان‮" ‬يعرض أزمة المرأة العاملة التي لظروف عملها مضطرة أن تلد قبل موعدها بأسبوعين‮ ‬،‮ ‬هنا يخبرها طبيبها أن ابنها هكذا سيتحول من برج الميزان لبرج العذراء‮ . ‬الفيلم مدته أربع دقائق‮ ‬،‮ ‬اعتمد علي حوار مكثف جداً‮ ‬ومعبر للغاية‮ ‬،‮ ‬حمل كل ما يمكن أن يقال في ساعات طويلة‮ . ‬وبعيداً‮ ‬عن إسبانيا‮ ‬،‮ ‬جاء فيلم‮ "‬أرجوحة إيبان‮" ‬ليتناول فترة تاريخية سوداء في تاريخ الأرجنتين من خلال عائلة شابة تتكون من أبوين وطفل وطفلة‮ . ‬واختتم اليوم الأول ب‮ "‬ضربة جزاء‮" ‬منتقداً‮ ‬بسخرية لاذعة مدمني كرة القدم حد تعذيب أسرهم‮. ‬وبفنية عالية يرسم المخرج الإبتسامة علي شفاه المشاهدين في الدقيقة الأخيرة بتحقيق الفوز للفريق المشجَع من قبل رب الأسرة شبه المجنون‮ . ‬

اليوم الثاني عرض أفلاماً‮ ‬لا تقل حرفية وجمالاً‮ ‬عن اليوم الأول‮ ‬،‮ ‬وسادت فكرة التنوع بين الأفكار السياسية والتاريخية والإنسانية النفسية‮ . ‬هكذا جاء فيلم‮ "‬حلم امرأة في يقظة‮ " ‬ليتناول العنف المنزلي بكثير من التهكم والسخرية مسلطاً‮ ‬الضوء خلال‮ ‬14‮ ‬دقيقة علي تبادل الأدوار بين الرجال والنساء‮ . "‬لم لا‮" ‬عرض قصة مدرس متهم بقتل صديقه المحامي وأثناء المحاكمة يقوم صديقه نفسه بالدفاع عنه دون أن يعي ذلك القضاة والشهود‮ . ‬ويعتبر فيلم‮ " ‬في مهد الهواء‮" ‬وثائقياً‮ ‬حيث يرصد اختفاء الريف من خلال أربعة صبية وحيدين يعيشون في قرية وكل أحلامهم تكمن في الكاميرا‮. ‬ولعل فيلم‮ " ‬ما الذي تريده إلينا‮" ‬أكثر الأفلام نعومة‮ ‬،‮ ‬وهو يعرض إلينا في ليلة واحدة تود فيها أن تغير حياتها مع خطيبها لتفادي أخطاء الماضي‮ . ‬اليوم الثالث عرض ستة أفلام منها‮ "‬حجاب‮" ‬الذي عرض فاطمة التي تواجه معلمتها لأنها لا تريد أن تخلع الحجاب‮ . ‬بينما جاء‮ "‬إصلاحات‮" ‬ليتناول قضية في‮ ‬غاية الصعوبة عن إصلاح تلك الأفعال التي من الممكن أن تحدث خللاً‮ ‬في حياتنا‮ ‬،‮ ‬فهل الأشياء المكسورة يمكن إصلاحها مع مرور الوقت‮ . ‬

أخيراً‮ ‬،‮ ‬استطاعت الأفلام في مجملها عرض بانوراما للسينما الإسبانية الحالية ولعل أكثر ما ميزها أنها تشبه الرجل الإسباني بكل ما فيه من تفاصيل صغيرة ومشاكل اجتماعية ونفسية‮ ‬،‮ ‬وتركيز الكاميرا علي مجتمع‮ ‬،‮ ‬رغم أنه يتمتع برخاء اقتصادي‮ ‬،‮ ‬إلا أن مشاكله الإنسانية لم تنته بعد‮ . ‬وجدير بالذكر أن الفيلم القصير أحد أهم القوالب السينمائية الإسبانية التي حققت نجاحاً‮ ‬عالمياً‮ ‬وحصد الجوائز والتقديرات الدولية‮ .‬

‮ ‬وصاحب الأفلام المعروضة‮ ‬،‮ ‬الذي قامت بتنظيمه مروة عبدالله‮ ‬،‮ ‬منسقة البرامج السينمائية بمركز الإبداع الفني‮ ‬،‮ ‬ترجمة عربية ممتازة قام بها المستشرقان خالد موسي سانتشيث وألبيرتو كانتو بمساعدة‮ ‬فريق عمل من المترجمين المصريين‮ .‬

http://www.akhbarelyom.org.eg/adab/issues/878/detailzed6af.html?field=news&id=470&num=رحبة







الخميس، مايو 13، 2010

أستطيع هذه الليلة أن أكتب قصائدي الحزينة \ نيرودا

       ترجمة \ أحمد عبد اللطيف         






                أستطيع هذه الليلة أن أكتب قصائدي الحزينة .


                  أكتب مثلاً " ليلة مرصعة بالنجوم ،
                  نجوم زرقاء مقشعرة من بعيد ".


                   ريح الليلة يتجول في السماء ويغني .


                 أستطيع هذه الليلة أن أكتب قصائدي الحزينة .
                 أنني أحببتها وهي أحبتني أحياناً .


                  في ليال تشبه تلك الليلة كانت بين ذراعيّ.
                 قبلتها مرات كثيرة تحت سماء لا نهائية .


                هي أحبتني وأنا أحببتها أحياناً .
                كيف لا أحب عينين واسعتين ثابتتين .


               أستطيع هذه الليلة أن أكتب قصائدي الحزينة .
                أن أفكر أنها ليست لي ، أن أشعر بضياعها .


              أن أسمع الليل المتسع ، والأكثر اتساعاً بدونها .
             فتسقط قصيدتي على روحي كسقوط الندى على العشب.


              ماذا يعنيني إن لم يحتفظ بها حبي.
             الليلة مرصعة بالنجوم وهي ليست معي .


             هي حكايتي. ومن بعيد شخص ما يغني ، فقط من بعيد .
              وروحي لا تسعد بفقدها.


               تبحث عنها نظرتي كأنني سأقترب منها .
               وقلبي يبحث عنها ، لكنها ليست معي .


              في نفس الليلة تبيض الأشجار.
               لن نكون نحن من كنا حينئذ .


              أنا لم أعد أحبها ،حقاًُ ، لأنني أحببتها كثيراً .
           وكان صوتي يبحث عن الهواء ليلامس سمعها .


           هي لآخر . ستصير لآخر . كما كانت من قبل لقبلاتي . 
           صوتها ، وجسدها بالطبع ، وعيناها اللانهائيتان .



               لم أعد أحبها ، حقاً ، لكنني ربما أحبها .
                العشق قصير جداً ، والنسيان طويل جداً .
 

                  قد يكون هذا ألمها الأخير لي .
                  وقد تكون هذه آخر قصائدي لها ..





جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...