أحمد عبد اللطيف

مدونة أدبية \إبداع\تأملات\ترجمات عن أسبانيا وأمريكا اللاتينية

هلاوس

الخميس، نوفمبر 12، 2009

إليكِ أنتِ

- القمر النهاردة أربعتاشر . نظرتُ إليه وإليك وابتسمتُ ، وقلت داخل نفسي ما أجمل أن يكون القمر كاملاً في ليلة الرحيل . أخرجتني من شرودي ضوضاء القطار ، فتبادلنا النظر في حزن ، وحملت الحقيبة لباب العربة لأسلمها لك . لا أبالغ إن قلت إنني شعرت بروحي تنسحب مني . اختفيتِ عن ناظري في دقائق ، فسرتُ في الشارع كما الصنم . أسمع أصوات تخترق أذني لتشوش على صوتك الذي لا يزال بداخلي ، كتميمة صنعها ساحر طيب لتقيني المرض ولتقف كحائط صد أمام الموت . لكن مفعول التميمة يبطل مع مرور الساعات لأجدني من جديد واهناً، تارة شارداً وتارة حزيناً . أظل أتجول في الشوارع لساعات ، مثل ناسك يطوف حول محراب ليعثر على السكينة المفقودة ، فأتذكر حينئذ كل ضحكاتنا العالية ، كلماتنا الخاصة بنا ، إيماءاتنا التي من كثرة اندماجها ما عدنا نعرف أهي في الأصل كانت لأحدنا أم للآخر ، حتى أننا صرنا نخاف أن نجلس مع أصدقاء مشتركين لكيلا يكتشفوا سرنا ، لأننا صرنا ، في حقيقة الأمر ، نستخدم نفس العبارات والكلمات والإيماءات . أعود إلى البيت بعد أن يتسرّب الألم لقدميّ فلا أقوى على السير ، حاملاً معي آخر صورة التقطتها عيناي أثناء وداعك ، هي في الحقيقة أجمل صورة أحتفظ بها لك في داخلي ، وهي بالمناسبة لا تتغير أبداً ، نفس النظرة الحزينة ، التي تهبني ، مع ذلك ، كل أمل في العودة واللقاء، نفس الحاجب المرتفع قليلاً والذي ألمحه من بروفايلك بوضوح ، نفس الشفاه التي تنطق كلمة الوداع بلا إرادة ، كما لو كانت نهراً لا يملك سوى نفس البحر ليصب فيه. أي شيء في الكون يشبهك حينها ؟ أي لوحة عالمية لفنان بارع تماثل وجهك وقت الرحيل ؟ أي عشق في العالم يتقارب من عشقي لك ؟ أسترخي على كنبة الأنتريه فتقع عيناي على ساعة الحائط المواجهة ، تشير للثانية عشرة مساءً ، بالأمس ، في نفس هذه الساعة ، كنتِ بجواري . أمد يدي لأشعل سيجارة فأنتبه ، مازلت أحمل رائحتك . ورغم أن التعب يتحرك في جسدي مثل جني يهوى التجوال ، وأشعر برغبة قوية في الاستحمام بماء دافئ يعيد لي بعضاً من قواي ، إلا أنني ، مثل كل يوم رحيل، أتراجع عن هذه الفكرة الحمقاء حتى أحتفظ برائحتك في جسدي وبين يدي أطول وقت ممكن . أخبرتك من قبل أنني أعيش معك في الأحلام أكثر من الواقع ، قد يبدو ذلك غريباً ، لكنه أكثر الحقائق التي أتيقن منها في حياتي . منذ تعرفت عليك ، فقط مجرد تعارف، بدأت سلسلة الأحلام . في البداية كانت مجرد زيارات ظرفية ، تأتينني في المنام لتحدثيني وتلمسيني ، وسريعاً ما ترحلين . لهذا سريعاً ما حدث العشق بيننا ، تسرّب إلى قلبينا دون أن ننتبه ، ليجد كل منا نفسه متورطاً في الآخر ، غارقاً فيه ، دون أن نهتم بتفاصيل لو توقفنا أمامها ساعة واحدة لانتهت الحكاية قبل البدء . ومع الوقت ، أصبحت زياراتك المنامية طقساً لا يتوقف ، فصرت أحلم بك كلما نمت ، وأستيقظ متذكراً الحلم فأراجعه مرات ومرات حتى لا أنساه . أتوقف الآن عند كينونة الأحلام فلا أجد لها تفسيراً منطقياً ، ربما هي العقل الباطن كما يقول فرويد ، وربما هي شيء أسمى من كل التفسيرات الأرضية العقيمة التي لا تؤمن بالروح . تعلمين أنني أؤمن بالميتافيزيقي ، وأرى أن الطبيعة تتكون أيضاً من روح وجسد ، كما الإنسان بالضبط، وأن الأشياء ليست ميتة وصماء كما يُعتقد ، وإلا ما سر ارتباطنا بأماكن دون أخرى ، وشعورنا بالراحة في مكان دون غيره . فالعالم ، كما أراه ، ليس مجرد مجموعة أشجار وأنهار وبحار وجبال وسهول ، العالم ، يا حبيبتي ، في حقيقته ، هي الأشياء الكامنة خلف كل هذا، هي الروح التي تحركه ، تمنحه الجاذبية ، تخلب عبره أرواحنا فيحدث التلاقي والعشق . هذا هو بالتحديد ما يحدث بيننا ، ولأن الطبيعة رحيمة بأبنائها ، تقوم هي بدور الوسيط أثناء البعد ، فتحمل روحك النائمة إليّ في منامي ، فتسامرني . لكنني ، أصدقك القول ، لا أحلم فقط بأحاديث ، بل أرى أيضاً علامات ورموزاً عند فك شفرتها تخبرني بأشياء عنك . روحك تتجسس عليك لصالحي ، تخيلي! كنتُ دوماً أحتفظ بهذا السر لنفسي ، من ناحية حتى لا تتوقف روحك عن عملها من ورائك ، ومن ناحية أخرى حتى لا تظني أنني عرّاف، كما يقول أبي ، أو مؤمن بالخرافات، كما يرى أصدقائي ، أو أعطي للمحسوس أكثر من الملموس ، كما همستِ لي ذات يوم . أتذكر أنني أخبرتك ذات مرة أن الحلم بالنسبة إلي هو العالم الموازي ، وأنني أؤمن بالأحلام قدر إيماني بالواقع ، وربما أكثر . وهذا هو السر في أن يومي يتوقف عادة على حلمي ، ولأن حلمي لم يعد له زبائن غيرك ، صارت أيامي برائحتك ، رائحة التفاح . يخطر الآن ببالي بيتاً لقيس لبنى ، يقول فيه : وإني لأهوى النوم في غير حينه / لعل لقاءً في المنام يكون . أرأيتِ ؟ العشاق في كل زمان ومكان يتفقون ، دون لقاء بينهم ولا مراسلات ، على الخطوط العريضة والتفاصيل الصغيرة في العشق . إذن ، لستُ وحدي من تقع له الوقائع في يقظته ، ويتمنى النوم من أجل اللقاء . أرى الآن ابتسامة رقيقة تلمع بها عيناكِ ، أعلم أنه عالم غريب بالنسبة إليكِ، عالم الحلم أقصد لا العشق ، كما أردد مقولتك الأثيرة بأنك تعشقينني أكثر، لن نلجأ إلى المقياس والمكيال والوزن ، ولن نقيس العشق حتى لا تقل بركته ، كما تقول أمي عند العد والوزن . لكنني على يقين بأن الطبيعة الأم ستكون رحيمة معك ذات يوم فتقوم لأجلك أيضاً بدور الوساطة ، وربما تفشي روحي لروحك من ورائي ببعض أسراري ، إن كان لي سر آخر غيرك . في الصباح التالي لم أفعل شيئاً سوى تذوق الحلم ، دنت يدي من فمي فشممت رائحتك، وقررت أن أكتفي بغسل وجهي بيد واحدة ، لتحتفظ الأخرى بأريجك . في لحظة ما من الصباح شردت ، ودون أن أنتبه تجولت في بيتي أبحث عنك ، وقبل أن يطول بحثي جاءتني مكالمتك لتعيدني قبل أن أخطو عتبة الجنون . لصوتك ذبذبات تخترق الأذن فتصل إلى القلب فترجفه . أي شيء في الكون الرحب يشبه صوتك ؟ أي ذبذبات في العالم تحدث في مخلوق ما تحدثه ذبذباته بداخلي ؟ استرسلتِ في الحديث وعندما انتبهتِ سألتِني عن صمتي ، لم أجد رداً أصدق من أني أعرف صوتي جيداً ولا أشتاق لسماعه ، سمعتُ ضحكتك فابتسمت ، وسكنتني سعادة . حدث لي بعد أسبوعين من غيابك حدثاً يمكن ضمه لقائمة أحداثي النادرة في عشقك. شممتُ رائحتك في يدي ، ولم يكن ذلك نتاج زهدي في النظافة الشخصية ولا سيري بكيس بلاستك يطوق يدي ، وإنما ، حسب تفسيري الميتافيزيقي أيضاً ، نتاج حنين فاض من بيتك في جسدي فأغرق بقية البيوت المجاورة . أعلم أنني قد تخطيت عتبات الجنون ، لكن الجنون أيضاً هو مذهبك في الحياة ، فلا تلوميني بعد أن توحدنا أن آخذ منك أحدى صفاتك ، فكما أن الكون قد خُلق بالنسبة إلينا في شهر مارس ، ما المانع إذن أن أشم رائحتك في يدي بعد غيابك بأسبوعين ؟ وإن كانت الموجة تجري وراء الأخرى ولا تتقابلا ، وتكون لحظة لقائهما هي لحظة النهاية ، فنشيد نحن قاعدة جديدة للطبيعة ، تلتقي الموجة بمقتضاها بالأخرى ، ويكون اللقاء هو البدء ، ما المانع إذن أن تتكاثر قائمة العجائب في عشقنا ؟ الآن يخطر ببالي سؤالاً عن الأقدمين ، لماذا ربطوا العشق بالقمر ولم يربطوه بالشمس مثلاً ؟ ولماذا يمثل اكتماله ذروة العشق أو لحظة الرحيل ؟ أي شيء في الكون يشبه الرحيل ؟ أتذكر حكاية شعبية برتغالية حكاها ساراماجو في ذكرياته الصغيرة ، تسمى رجل القمر ، هذا الذي ينقل حزمة حطب على ظهره معلقاً بالقمر ، ذلك لأنه عمل يوم أحد فكان هذا عقابه الأبدي ، ليكون بذلك عبرة للفاسقين الذين يوسوس إليهم بالسير في طريق الضلال ؛ أنحمل نحن أيضاً حزمة حطب أبدية في فترة الغياب ؟ أي ذنب ارتكبه العشاق لينالوا ما ينالوه من عقاب ؟ أيهم عمل يوم أحد فتحتم عليه السير منكفئاً على وجهه بحمل ربما يفوق طاقته على ظهره ؟ يهل القمر من جديد فأنظر إليه وانتظر بصبر جم ، بعد أيام سيكتمل مع مجيئك ، وحينها سأقول لك إنه قمر أربعتاشر . لكن يومها سيكون ذروة العشق ، لا الرحيل .

السبت، أكتوبر 17، 2009

نوبل الآداب /2009 / هرتا مولر

جذور هرتا مولر المقتلعة .

ترجمة : أحمد عبد اللطيف

( أخبار الأدب ، بتاريخ 17/10/2009)

في بيت متواضع يحمل رقم 353 بالشارع الرئيسي بقرية نيتشيدروف ، ولدت هرتا مولر . بيت أخضر ، مشيد بالطوب اللبن ، يبدو أنه يقاوم إرادة الزمن نفسها، وحوله تجد الكلاب والقطط المزدرية ، هذه الحيوانات التي كتبت عنها هيرتا أنه من الصعب التمييز بينها . كما كتبت في " الأراضي السفلية " أنه "خلف البيت يترقرق جدول مياه ، ويُقهر الحصى ، وتُقمع الحجارة " . وفي القرية الصغيرة المحتضرة ، ذات الألف نسمة والشوارع الضيقة ، حيث يسود البرد والريح فيجمدان الدم حتي في الأيام المشمسة ، مثل يوم أمس ، نشأت نوبل الآداب لعام 2009 . هنا تربت كحفيدة لمزارعين وتجار فقدوا ممتلكاتهم مع وصول النظام الشيوعي ، وكابنة لعضو في WAFFEN SS ، ولأم منفية في حقل عمل بأوكرانيا . هنا مازال بيتها القديم قائماً ، ضد إرادة مواد البناء . من هنا هربت من مخالب الشمولية ، التي صارت موضوعها الرئيسي في أعمالها، سنة 1987 ، رحلت نحو حلم حرية ألمانيا الغربية لتنتسب لأقلية جيرمانية من السوافيين . الأقلية الألمانية وصلت هنا منذ أكثر بقليل من ثلاثة قرون للعمل في الحقل خلال احتلال الإمبراطورية النمساوية- المجرية لرومانيا ، ووجد مولر وعائلته أنفسهم متروكين لحظهم المرتبط بتاريخ أوروبا الوسطي في رومانيا تشاوشيسكو . وصرح عمدة نيتشيدروف أمس خلال نزهتي معه بالقرية ، التي تقع علي بعد 30 كيلومتر من تيميسورا ، غرب رومانيا ، أنه" تبقي سبعون بيتاً ألمانياً كأطلال في هذه القرية ، لم يهتم بها المجلس المحلي. لا يمكن بيعها وليس لدينا ميزانية لترميمها . وهذا البيت بالتحديد تم تأمينه عندما انتقلت هرتا إلي ألمانيا ، وبعدها بيع لألمان آخرين قرروا الرحيل وصار الآن قسماً في مدرسة" . سائراً في شوارعها ، ومنتبهاً للحنو الطفيف في العيون الجافة ، يفكر الغريب في حكم وينديش ، أحد أبطال " الإنسان تدرج العالم الكبير" هنا كانت النهاية ، منذ قرر الهجرة يري النهاية في كل شيء . السكان القدماء قليلا ما يتكلمون عن الماضي المؤلم ، والأمر ينطبق علي التصوير . أكثر ما يصيبونه قولهم إن تشاوشسيكو باع نوبل لألمانيا بمبلغ 8.000 مارك . هي صيحة تنتشر هذه الأيام في كل رومانيا ، وإضافة غير متوقعة إلي قائمة جرائم الديكتاتور . النظام التالف للإرادة كان يبدل تأشيرات سفر المهاجرين الساكسونيين مقابل أموال ألمانية . وكانت هذه صورة أخري لطرد "الأجانب" أما السعر فيحدده تصنيف كل فرد ، حسب مصادر تقصت في أرشيفات الفترة الشيوعية . وكانت هذه حالة مولر ، وهكذا تركت نيتشيدروف حتي لا تنظر للوراء . تقول هرتا في " كل ما أملكه سأحمله معي " وهي روايتها الأخيرة ، " أريد أن أرحل من غطاء هذه القرية التي لأحجارها أعين " " لم يكن خوفي الشديد ، بل ضيق صدري الخفي ، فقط أود أن أرحل لمكان حيث لا يعرفني أحد ". وبشكل ما حققت ذلك . قليلون هنا من يتذكرونها ، أما من كان بإمكانهم التذكر فماتوا أو عادوا لألمانيا . بالاضافة لذلك ، فهي ليست قرية من القري التي يحترمها القرن الواحد والعشرون ، فهي قرية زراعية لا زالت جيادها تجر عرباتها وآبارها تحتفظ بمياه (بها عشرون بئراً ). حفنة من الناس الذين شاركوها طفولتها لا زالوا يقيمون في نيتشيدروف . تقول أوجينيا دراجان ، زميلة دراسة قديمة ، " بعد حصة الألعاب تعودنا علي مذاكرة الرومانية . وكانت هرتا تشعر أنها لا تجيدها ، فكنت أساعدها " . لا أحد كذلك يذكر زيارتها الأخيرة لقريتها سنة 2005 ، حين اقترحت عليها السلطات المحلية تبديل اسم مدرستها لتحمل اسم مولر ، فرفضت بشدة ، كانت حينها في تيميسورا لتوقع روايتها . قالت وقتها " لا أريد أن يرتبط اسمي بشيء غير الكتابة " ، طبقا لما ذكرته أنيليس إيفان ، المدرسة بمدرسة نيتشيدروف . وأخيراً صرحت مولر لجريدة رومانية أن " المخابرات الرومانية سرقت مني حياتي خلال شبابي ، ومازالت تسرقها حاليا باحتكار الوقت المفروض للكتابة ". لقد عانت التعذيب والرعب والضيق بالتحكم . وعندما هاجرت اكتشفت أن أعز صديقاتها أيام الطفولة صارت تتعاون مع المخابرات ، مثل آلاف الأطفال والمراهقين الآخرين . تقول " علي الأقل وجدت جواباً لإحدى أسئلتي المؤلمة " . وكتبت حينذاك أن جيني ، زميلة المدرسة ، كانت تشكل جزءً من الحب والخيانة المرتبطين بالجهاز السياسي ". كانت مهمتها التحقق من أنشطتها اليومية ، منذ اليقظة للمنام ، من أين وماذا تشتري . وقالت مترجمتها للرومانية ، نورا لوجا ، "الشرطة في أعمال هرتا ليست مجرد جهاز ، وإنما تلبسها كل صفات الشر البشري ، بداية من الذل والتحرش ، ونهاية بالخوف والتعذيب والموت" . والآن تأتي الأكاديمية السويدية لتقدر أعمالها ، لتصفها بالتذكار الحقيقي للإرادة الإنسانية ، وهذا يكتسب في حارات نيتشيدروف معني عظيماً . منطق يسحق التعسف الديكتاتوري . فحتي لو كانت أصول مولر مقتلعة من رومانيا ، ومن ذاتها، إلا أنها تقول "رومانيا ما بعد الشيوعية لم تخلع قناع الرعب الشيوعي . مازالت الوشاية هي الخيانة الكبرى ، ومحاولة التلصص أقسي ما فيها " .

waffen ss : قوات العاصفة النازية

الخميس، أكتوبر 15، 2009

يا للي ع الترعة

يا للي ع الترعة حوّد ع المالح
اشرب لك شربة و انسي لك جارح
احكي لك قصة نهايتها إمبارح
واعمل لك مركب من غير مجداف
يا للي ع الترعة يمكن ترتاح
يا للي ع الترعة أحلامك طالت
أحزانك بانت وآمالك مالت
معشوقتك خانت ودموعك سالت
قوم ياللا وامشي من غير ما تخاف
قوم ياللا وانسي طعم التفاح
يا للي ع الترعة يمكن ترتاح
لو تحود مرة علي المالح
يا للي ع الترعة يكفي انك عارف
المالح مالح عمره ما بيخالف
يمكن في مرة لموجة تصادف
بس انت قادر تقف ما تخاف
قوم وامشي ياللا زي السواح
يا للي ع الترعة يمكن ترتاح
لو تحود مرة مرةعلي المالح .

الأربعاء، أكتوبر 14، 2009

قصة / السبت بعد الظهر

سأخالف اليوم هدف المدونة لأنشر قصة لي ، فمعذرة
قصة / السبت بعد الظهر
أحمد عبد اللطيف عندما زف لنا أبي الخبر ، نظرتُ في ساعة الحائط لأحفظ الموعد بالضبط ، الثانية ظهراً ، وفي التقويم المعلق بجوارها ، السبت . لم أصادف في حياتي يوماً أسعد من هذا اليوم . كنت في العاشرة من عمري عندما أخبرنا بترك هذه القرية لنعود لمدينة جدي ، الذي لم أره من قبل . لم يكن مبعث السعادة سوي الرحيل عن هذه القرية ، التي ولدتُ فيها، لكنني لم أكن قد رأيتها حتي يوم الرحيل منها . رغم ذلك عرفت عنها الكثير . هنا عاش أبويّ قبل ميلادي ، فولدت في صمت ، وفي صمت تم استخراج شهادة ميلادي ، وفي نفس الصمت احتفل أبوي بطقس السبوع ، وللحفاظ علي إيقاع الصمت أصرّت أمي علي عدم ذبح العقيقة التي أراد بها أبي أن يفديني ، وصاحبني هذا الصمت الدائم الذي لم يكن يقطعه سوي صوت أمي خلال عشر سنوات . عشر سنوات لم أر فيها مخلوقاً سوي أبوي ، ولم أسمع سوي صوتهما (أحيانا كان أبي يتحدث ). كنا نشبه الثالوث الذي لا يزيد ولا ينقص ، وربما تعمدت أمي ألا تنجب سواي في هذه الفترة ، وربما أنجبتني بلا رغبة منها . حكت لي أمي ، ربما منذ لحظات ميلادي الأولي ، عن أكلة لحوم البشر في القرية، بعدها تعددت حكاياتها وتكررتْ . حينها ، كنت طفلة تصفها بالجميلة، بوجه أبيض مستدير وشعر أسود طويل وعينين ، كما كانت تقول ، بهما انكسار. كان أبي يقضي نهاره بالعمل ، ويقضي ليله نائما، فلم تجد هي أمامها سواي لتردد علي مسامعي حكاويها. روت لي كل ما ورثته عن أبويها وأجدادها من حكايات وأساطير، فأورثته لي . سردت كل ما سمعته منذ ميلادها حتى ميلادي ، فكانت حكاويها بلا نهاية. لكنها لم تقض يومها فقط في الحكي وإنما أيضا في الشكوى من أبي ، كل ما كانت تود أن تقوله لأمها البعيدة ، المستريحة الآن في العالم الأخر ، عن قسوة أبي وهجره الدائم لها، كانت تردده علي مسامعي أنا . فأصبحت أنا بفضل هذه الحكاوي طليقة اللسان ، ابنة الخامسة كنت أتحدث كابنة العاشرة وأكبر . و في السادسة أصبحتُ صورة طبق الأصل من أمي ، ليس فقط في ملامحها ، وإنما أيضا في طريقة حديثها ، إيماءاتها ، شكل جلستها فوق الأريكة الخشبية المتواضعة ، أو جلستها التقليدية علي الأرض لتقميع البامية أو خرط الملوخية أو لف المحشي ، جلستها فوق كرسي الحمام الصغير لغسل الأواني ، فوق الكنبة لتلعب معي الكوتشينة في نهار تطول ساعاته يوما بعد يوم، حتى في نظراتها ونومها علي جانبها الأيمن مائلة قليلاً علي بطنها ، و في شعورها بالمرارة و العزلة . كنت أحرك يدي في حركات انفعالية متناغمة مع نبرة صوتي ، أكرر مقاطع ولزمات تخص لغة أمي . شابهتها ، حد أنها لاحظت في هذه الفترة أن كفوف أيادينا صورة طبق الأصل ، الخطوط المتقطعة ، التي لا تتلاقي حتي المنتهي . متأخرا انتبه أبي لهذه المخلوقة التي تشكّلت ، وربما أدخلت لقلبه السرور. انتبه عندما باغتني وأنا جالسة فوق الأريكة أخيط الثوب أو أتحدث مع أمي بنفس لهجتها وصرامتها. لكنه انتبه فقط للشبه الخارجي ، ولم يدر بخلده أن ما يدور بنفس وذهن هذه المخلوقة الصغيرة أكبر بكثير مما يمكن أن يتوقع . مرارة ورعب وعزلة لا يعرف معناها الأطفال في عمرها. ولم يكن بالطبع يعرف شيئا عن حكاويها . حتى الكوابيس التي كانت تهاجمني في منامي وتفزعني ، لم تحركه من نومه العميق ولم تهز مشاعره في يقظته عندما كانت تخبره بها عند تناوله إفطاره قبل الذهاب لعمله . كان يستمع لقلقها في صمت سرمدي وهو ينهض من نومه بصعوبة ، وهو يمضغ الطعام ، وهو يضع أصابعه في طبقه ، وهو يشرب الشاي ، وهو يدخن سيجارة ما بعد الإفطار، وهو يرتدي ملابسه التي تدل علي وظيفته كعامل شقي، وهو ينتعل حذاءه ، وهو خارج من الشقة المتواضعة الفقيرة التي نعيش بها بلا جيران . لا تصمت أمي إلا عندما يودعها بتحية الوداع . فتعود إلي صالتنا الصغيرة وتدور في ذهنها أفكار وقرارات لم تتخذها طيلة حياتها. وفي طريقها لغرفة النوم ، حيث أنام بجوارهما ، تهمهم بكلمات لا أفهمها جيدا ، لكنها ، ربما، نفس ما كانت تردده بعد ذلك علي سمعي طول النهار ، و الليل أيضا . تجدني مستيقظة . تسألني منذ متى ، أجيبها منذ بدأت وصلة كل يوم ، تتهمني بطولة اللسان ، وتسألني إن كنت أريد تناول إفطاري ، أجيبها بأنني أريد أن أنام، لكنني أخاف الكوابيس ، تضمني بين ذراعيها ، وتلعن هذا البيت الذي يسكنه العفاريت ، تقرأ آية الكرسي، فأتصنع النوم حتي يأتيني ، أستيقظ بعد ذلك لأجدها تقوم بتنظيف البيت كعادة يومية لم تتخل عنها أبدا . تأمرني أن أساعدها ، وعندما ننتهي تقوم بتسخين ما تبقي من طبق أبي بينما أضع المائدة ، وحين نشرع في الطعام ، تطلب مني أن أروي لها ما رأيت في منامي . أتقمّص دورها ونبرتها وأحكي . جاءت سيدة من بعيد تحمل فوق ذراعيها رضيعها لتسأل حماتها عن زوجها الذي ترك البيت منذ ثلاثة أسابيع ولم يعد . كانت الحماة تقيم ببيت متواضع شأن كل بيوت القرية ، مع زوجها وثلاثة أطفال أصغرهم في الرابعة . تقدم الطعام للضيفة ، زوجة ابنها ، ويجري بينهما حديث ودي لا يخلو من أمور نسوية . وعندما يحل الليل ، تقرر صاحبة البيت أن تنام معها زوجة ابنها وحفيدها الرضيع في غرفة نومها ، بينما ينام الحمي والأطفال في الممر . تغوص الضيفة في سباتها ، لتستيقظ فلا تجد رضيعها بجوارها . تبحث عنه ، يصيبها الجنون ، تطلق صرخة توقظ أهل البيت ، تسألهم فلا تجد جواباً ، تواصل صراخها الذي لا ينتهي إلا بتقطع أحبالها الصوتية ، حينها تشق ثوبها وتجلس علي الأرض . يقترب منها طفل صغير ويسألها ببراءة عما يبكيها ، فتجيبه موجهة كلامها لحماتها ، خطفوا ابني . فيجيبها الطفل بأن ابنها هنا ، ويشير بيده . تنظر إليه بذهول وتسأله متلهفة ، أين؟ فيسحبها من يدها إلي الفرن ويخبرها أنه شعر بالجوع ليلاً فأكله وألقي برأسه داخله . تجلس المرأة مذهولة وهي تلطم خديها ، تنظر في الفرن ، فتجد رأس ابنها بشعره الأسود . تمد يدها ، تخرجه ، تمسك الرأس بين يديها في حالة هستيرية. تظل تصرخ حتى يغشي عليها .هنا أستيقظ صارخة ، وأمامي صورة رأس الطفل بين يدي أمه . كانت أمي تنصت لي وقد كفت عن الطعام . إنها الحكاية التي رويتها لك بالأمس ، قالت . نعم ، وهي ما رأيتها في الحلم . ومنذ ذلك اليوم رأيت هذا الكابوس أكثر من ألف مرة ، كلما أثاره شيء . يومها نهضت أمي و أخبرتني أن عفاريت البيت هم من يضايقونني . فسألتها عن العفاريت من هم ، فأجابتني بأنها أرواح الموتى . الذين يأكلهم الأشرار؟ فردت بالإيجاب و أضافت : وغيرهم. لكن هذه الكوابيس التي أرعبتني دائما لم تمنع أمي عن حكاويها. أحياناً كانت تتوقف عندما تنتبه للرعب الذي يقفز من عيني، لكن الفراغ الذي كانت تشعر به كان أقوي ، ربما ، من الخوف الذي يحيط بي . لم تمر أيام بعدها حتي سمعنا صوت امرأة تصرخ في الشارع بكلام لم أفهمه. حينها حكت لي أمي أن سيدة طرقت باب بيتها ، ففتح لها رجل ، ما أن رأته حتي قفزت علي رقبته ومصت دمه وتركته صريعاً ورحلتْ . وعندما عادت زوجته من السوق ووجدت رأسه وبقاياه ، أصابها الجنون وصارت تتجول شوارع القرية ، تنادي علي من أكل زوجها. أثناء كل هذا الرعب الذي يحيط بي فيغلفني ، دخل أبي البيت منهكاً ليزف إلينا الخبر السعيد بأننا غدا سنرحل إلي مدينة جدي . حمدتُ الله في سري لأننا سنترك هذه القرية ، وعبّرتْ أمي عن فرحها بإطلاق زغرودة كتمها أبي بكف يده اليمني حتى لا يطلّع أحد علي سرنا . في الصباح خرجنا من البيت ، وقد تركنا به الأثاث القليل المتواضع . حمل أبي حقيبة احتوت ملابسنا جميعاً ، أما أمي ففضلت ألا تحمل شيئا معها يذكرها بهذه الأيام التي قضتها هنا ، في سجن ، كما كانت تردد دائما . حينما وطأت قدمي الشارع شعرت بنفس الخوف الذي امتلكني عندما رأيت رأس الطفل في الحلم . كانت وجوه البشر مخيفة ، رغم أنها لا تختلف كثيرا عن وجهي أبوي. أمسكت بقبضة أمي بشدة بكلتا يدي ، فأحكمت قبضتها وهي تشير لي علي كلاب القرية وقططها ، التي كانت تملأ الشارع . وعندما وصلنا محطة القطار وركبنا ، بدأت أتأمل الوجوه وفي مخيلتي أن أحداً قد ينقض علي أو علي أمي ويأكلنا . ربي ، ما كل هذا الخوف .غلبني النعاس فألقيت برأسي علي صدرها ، وكنت أستيقظ كل خمس دقائق ، فتربت أمي علي كتفي لأنام . في المرة العاشرة تقريباً ، اندهش أبي من فزعي ، فردت أمي بأنني ملبوسه من هذا البيت الملعون المسكون بالعفاريت . لم يرد ، لكنني تخيلته غير مبال. بعد قليل رفعتُ رأسي وسألت أمي عن معني ملموسة ، فأجابتني بتلقائية بأن أحد العفاريت يسكن جسدي .وما شكل العفريت يا أمي ؟ سألتها بفضول . فأجابتني بتلقائية بأنه مخلوق له وجه طويل وعين واحدة وأظافر طويلة ينهش بها أجساد البشر . هؤلاء البشر الذين يأكلون لحوم الآخرين ؟ سألتُ . فتدخل أبي قبل أن تجيبني ولامها علي ما تحكيه لي . فالتزمتُ الصمت مثلها . عندما نمتُ أطل عليّ أحد العفاريت بوجهه الطويل وعينه المفردة و أظافره الطويلة وبدأ ينهش في جسدي. استيقظت مفزوعة صارخة وخاصمني النوم حتى وصلنا لمدينة جدي، ومنها لبيته . أحيانا كثيرة كنت أتخيل أن جدي سيأكلنا ، وأحيانا أخري كنت أتخيل أنني أنا التي سآكله .
واليوم ، اليوم نفسه ، عندما كانت ابنتي واقفة في الشرفة بجواري، تشاهد المارة ، رأت أحدهم يضرب الآخر علي رأسه بأداة لم تعرف اسمها ، بينما وقع الأخر علي الأرض غريقا في دمه . حينها صرختْ وتعاقبتْ الصور في ذهنها بسرعة لا يمكن إيقافها : طفل القرية ، العفريت ذي العين المفردة ، رقبة الرجل الممصوص دمه ، صوت زوجته المجنونة تجول الشوارع ، أنا بينما أرص البشر الراقدين وأخرطهم كما أخرط الملوخية ، أذبحهم كما أقمّع البامية ، زوجي يلتهمهم كما يلتهم طبق الطعام ، سقطتْ ابنتي علي وجهها . بعدها فتحتْ عينيها بصعوبة لتجدني ، أضمها إليّ بحنو لأستكمل حكاية عن أكلة لحوم البشر، بدأتها ولم أنهها بعد . بينما يدخل زوجي ليزف إلينا خبر انتقالنا لمدينة جديدة . تنظر طفلتي ، ابنة العاشرة ، في الساعة والتقويم : الثانية ظهراً يوم سبت .
نشرت بجريدة أخبار الأدب بتاريخ 11/10/2009

الأربعاء، سبتمبر 23، 2009

الفضيحة الإسبانية/ بقلم خوان جويتيسولو

خوان جويتيسولو ترجمة : أحمد عبد اللطيف المؤسسات الاسبانية الرسمية والاكاديمية تتفادي الحديث عن المئوية الرابعة لأبشع أحداثها التاريخية : طرد مئات الآلاف من المواطنين ذوي الأصول المسلمة سنة 1609 العبودية والإبادة وخصي الذكور أو التهجير كانت الوسائل المستخدمة في معاملة الموريسكيين . شخصية ريكوتي ، كانت الصوت الذي أعطاه سربانتس لاسبانيا التي كانت تطلب حرية الضمير . تتعاقب في تاريخ كل الدول الأحداث المخجلة مع الأحداث المشرفة . ومن الأحداث المخجلة في تاريخ إسبانيا بكل وضوح تأتي المئوية الرابعة لطرد الموريسكيين في عهد الملك فليبي الثالث . وبعيدا عن هيئة التراث الاندلسي والمؤرخين ، التزمت المؤسسات الأسبانية الرسمية والأكاديمة الصمت الوقور الذي يعكس بالطبع الشعور بعدم الراحة . لا شك أن ما حدث من سنة 1609 ـ 1614 لحدث مخزي أدي إلي ما قامت به أوروبا في القرن الماضي من تصفية عرقية دموية . وكانت الاجراءات " الوقائية " التي وصفها دوق ليرما بالتعاون القطعي مع التدرج الكنسي برئاسة البطريرك ريبيرا ، تهدف إثارة جدل سياسي ـ ديني ينبغي علينا تذكره : 1499 ، تنصير المسلمين الغرناطيين بالقوة من قبل الكاردينال ثيسنيروس ؛ 1501ـ 02 ، أمر عال من نفس الرجل ليختار مسلمو مملكة قشتالة بين النفي أو التنصير : وهكذا صار المسلمون الأندلسيون ، بكل بساطة ، موريسكيين ؛ 1516 ، تم إجبار الموريسكيين علي التخلي عن طريقة ملبسهم وعاداتهم في خلال عشر سنوات ؛ 1525 ـ 26 ، تم اصدار فرمان من ملوك أراجون وبالينثيا بالتنصير ؛ 1562 ، حرمت جماعة مكونة من رجال الكنيسة والمحلفين وأعضاء بالمهنة المقدسة علي الغرناطيين استخدام اللغة العربية ؛ 1569ـ 1570 ، نشبت ثورة ألبوخاراس وحروب غرناطة ...وبناء علي النية المبيتة لسحق الموريسكيين ، استهدفت سياسة فليبي الثاني بعثرة الغرناطيين واستوطانهم في قشتالة ومورثيا واكستريمادورا ، بعيدا عن الشواطيء الجنوبية والغارات التركية المحتملة .
هناك ذبذبات كثيرة وتغيرات في الأهداف كانت تعكسها التناقضات الموجودة بين التدرج الكنسي الذي لاقي قليلا من الإحترام من قبل الأخلاق المسيحية العالمية وبين المصالح من قبل نبلاء الجزيرة الأيبيرية ، والتي من أجلها كان طرد العاملين في أراضيهم يعني تدمير الزراعة . وكما نعلم من كتب التاريخ في أواخر القرن التاسع عشر ، كانت الحرب الصليبية السياسية ـ الدينية تخفي في كواليسها مناظرة خشنة . فبينما كان البعض يعارض الطرد ويدعون لمرحلة تمهيدية يتم فيها التمازج التدريجي ، كانت عناصر الأسقفية الأكثر قسوة تميل نحو المقترحات الأشد حزما : العبودية ، الإبادة الجماعية أو خصي الذكور ونفيهم إلي جزيرة لوس بكالاوس التي تسمي الآن تيرا نوفا . واعترض أحد الأساقفة المقدسين علي تهجيرهم لأقرب ضفة افريقية ، وسانده أغلب أعضاء مجلس الدولة ، مقدما حجة معصومة : بما أن الموريسكيين سيكفرون بالعقيدة المسيحية عند وصولهم للجزائر أو المغرب ، فإنه من الإحسان أن يرحلوا في مراكب مثقوبة فبذلك يغرقون وتنجو أرواحهم .
في النقاش الذي واجه لعدة عقود " الحمامات والصقور " ـ ومعذرة علي عدم تسلسل تواريخ الأحداث ـ اعتمد هؤلاء علي ريشة هواة الدعاية البلاغية مثل الراهب خايمي دي بيلدا ، جونثالث دي ثييوريجو ، الراهب ماركوس دي جوادالاخارا ، و بيدرو أثنار دي كاردونا ، وهو علي رأسهم ، من أجل إنهاء الوجود الاسلامي الذي بدأ بالغزو سنة 711 ، وبشكل حاسم ، واعلان اسبانيا الكاثوليكية تحت إمرة ليرما وفليبو الثالث ، بلا أي استثناءات . وبالاضافة للزعم ذات الطابع الديني ، كان هناك أيضا في أرض المبارزة الطبيعة الديموجرافية : الخطر الذي تفرضه زيادة الموريسكيين السكانية في مقابل ركود أو سقوط المسيحيين القدماء في عباءة العزوف عن الزواج ورهبنة السيدات في الأديرة ، فضلا عن الحروب في فنلندا والهجرة لأمريكا الجنوبية ، التي عاد الحديث عنها اليوم بألسنة متطرفي الهوية الأوربية ، والتي تم تلخيصها بشكل ساخر في " لغة الكلاب " .
كانت مشكلة الموريسكيين وعلاجها هدفا للعديد من الدراسات الموثقة في النصف الثاني من القرن الماضي ، والتي قام بها مؤرخون متعددون منهم أميريكو كاسترو ، دومينيجيث أورتيث ، خوليو كارو باروخا ، مرثيدس جارثيا أرينال ، بيرنارد بيثنت ، لويس كارديلا ، ماركيث بييانويبا ، والقائمة طويلة . وبفضل هؤلاء ، نعرف الانعكاسات التي قد نسميها اليوم وطنية ، لهؤلاء الذين عارضوا مرسوم الطرد منذ أربعة قرون . ولا شك أن أغلبهم كان يشكل جزءا من المسيحيين الجدد من أصول يهودية ، ولا غضاضة في قول ذلك ، وكان دفاعهم عن الموريسكيين كان من أجل مصلحتهم أيضا، حيث كانوا يناهضون القوانين المسيحية القليلة التي تتحدث عن نقاء الدم . وكان نتيجة توقف التجارة والعمل وعزة النفس أمام شرف المسيحيين القدامي الأسود ، أن تأخرت إسبانيا عن الركب ودخلت في مرحلة انحطاط وأجازات تاريخية طويلة ، امتدت طول قرنين ووصلت للبلاط الملكي ب قادش ، رغم سياسات أوليفارس والوزراء اللامعين في القرن الثامن عشر التي اتسمت بالرصانة . وجاء كتاب جونثالث دي ثييوريجو ، " عن السياسة الضرورية والترميم النافع لجمهورية اسبانيا " ، الموجه للملك ، والمتضمن نفس فكرة العنوان التجديدي ، وكتاب " تاريخ تمرد وعقاب الموريسكيين " ل لويس دي مارمول و كارابخال ، وهو الكتاب الذي يذكر بالتراجيديا الانسانية التي استطاعت اعاقة وضع القوانين ، أقول جاء هاتان الكتابان لابراز التيار الفكري الايرسموسي الذي ينتمي إليه أنصار الاعتدال في المجتمع الاسباني المغيب.
في عمل صدر قريبا وانتهيت من قراءته لنزاهة مؤلفه ، " المسلمون والموريسكيون والأتراك عند ثربانتس " ، يحلل فرانثيسكو ماركيث بييانويبا هذه الفترة بوثائق لم ينشر أغلبها من قبل لعالم الانسانيات بيدرو دي بالينثيا ، وهو تلميذ وحواري لبينيتو ارياس مونتانو ، المتخصص في الثقافة العبرية . وفي عمل آخر له ، " بحث حول الموريسكيين في اسبانيا" ، وهو كتاب ظل مجهولا حتي نشر 1979 ، ولم يصل ليدي إلا متأخراً ، يناقش الأسباب المنطقية للطرد ، من وجهة نظر الزمن الذي وقعت فيه الأحداث . فاليهود الذين تنصروا ، مثل أرياس مونتانو ، كان عدوا للطبقة الكنائسية والأيديولوجية الثالوثية ، وضد " الاهانة التي حرمت الموريسكيين من أرضهم وعدم معاملتهم بنفس بالمساواة والعدل مثل المواطنين الاخرين والطبيعيين " . وكما فعل الراهب لويس دي ليون ( وتذكروا " أجيال المواجهة لن تنتهي ابدا")، ناهض بيدرو دي بالينثيا قوانين الكاردينال سيليثيو ، ودعا لسياسة الزواج المختلط بين الموريسكيين والمسيحيين القدامي من أجل " اقناع مواطني الجمهورية أنهم جميعهم إخوة من نفس الدم والسلالة ".
إن منظر الآلاف من الرجال والنساء المعمدين و هم يفارقون أبناءهم بينما يتوسلون الرحمة من الله والملك ويطالبون برغبتهم في البقاء في وطنهم بلا فائدة ، كان شديد الصعوبة لدرجة لا تحتمل علي المسيحيين الصادقين . فتلقي بكل حزن وشفقة عدد قليل من ذوي الفكر هذه الظروف الوحشية التي فيها تم الطرد والمذابح ، وأطلقوا صيحات الكراهية والغضب ، التي حولها أشخاص مثل جاسبار دي أجيلار إلي أناشيد مآثر .
لجأ أغلب الموريسكيين إلي المغرب ، بثروات ضئيلة ، والبعض أنشأ فيها ما سمي بجمهورية ساليه ، علي الأمل الكاذب بالعودة ذات يوم إلي اسبانيا بعد استرضاء الملك .أما سكان وادي ريكوتي فقد سمحوا لهم بالهجرة الارادية من الحدود الفرنسية والتوجه لبلدان أوربية أخري خلال فترة أربعة أعوام . رغم أن فليبي الثالث قد أصدر أمراً بالتهجير الجماعي سنة 1614. إن حادثة الموريسكي ريكوتي ـ في لقائه مع ابن بلده سانتشو بانثا ـ في الجزء الثاني من الكيخوتيه ، سمح لثربانتس ، مايسترو فن الدهاء ، بأخذ صوت من كانوا ضحايا ، بصدمة همجية .
يقول الموريسكي :" خرجت من قريتي ودخلت فرنسا ، ورغم أنهم هناك رحبوا بنا ، أردت أن أري كل ما يمكن رؤيته . عبرت لايطاليا ووصلت لألمانيا وهناك بدا لي أنني أستطيع أن أعيش بحرية أكبر، لأن أهلها لا ينظرون للآخرين بكبرياء كبير : كل منا يعيش كما يريد ، ففي أغلب أرضها يعيشون بحرية ضمير ". حرية ضمير! وبدون قصد ، وضع صاحب الكيخوتيه إصبعه في الجرح . وبينما كان حراس المهنة المقدسة المستيقظين كانوا منتبهين ، مرت عليهم هذه العبارة دون أن ينتبهوا لها . ملحوظة : الموريسكيون هم المسلمون الذين اعتنقوا المسيحية في الظاهر بعد إقامة محاكم التفتيش في إسبانيا وإعلان اسبانيا دولة كاثوليكية .

الجمعة، أغسطس 28، 2009

عما هو إنساني في أدب ساراماجو

عما هو إنساني في أدب ساراماجو

في حفل تكريم ساراماجو سنة 2007 ، ألقت الكاتبة الكولومبية الشهيرة لاورا ريستريبو نصا رأينا من المفيد نقله للعربية ، يتناول تحليلا لأهم ملامح الرواية الساراماجية ، الملمح الإنساني . ولاورا ريستريبو تعد من ابرز الوجوه الحالية في الثقافة الكولومبية ، فهي صحفية و روائية كتبت أكثر من عشر روايات و نالت العديد من الجوائز داخل كولومبيا وخارجها ، ولعل أهم تلك الجوائز جائزة الفاجوارا عن روايتها " هذيان " وجائزة سور خوانا إنيس عن "صحبة حلوة " .

هذا الشيء الذي يسمي ذاتنا

ترجمة : أحمد عبد اللطيف

في بلدة " بارّانكا " البترولية الواقعة في الغابة الكولومبية ، والتي عانت ما عانته من الحرب و العزلة ، ذهبت أبحث عن بعض المعلومات حول الأحداث الواقعة فيها ، فدخلت المكتبة العامة ، وسألت عن المكتبيّ الذي أخبروني أنه رجل دقيق واسع المعرفة بما يخص تلك البلدة . وبينما كنت أحادثه ، دخل مجموعة أطفال صاخبة ، من الأولاد والبنات ، تتراوح أعمارهم بين العاشرة و الثانية عشرة ، جاءوا أيضا لغرض مماثل ، سؤال المكتبي عن النساء الشهيرات في الحياة الكولومبية ، حيث عليهم البحث في ذلك وتقديمه للمدرسة كواجب مدرسي ، وهي فكرة شبيهة لما قام به السيد جوزيه في رواية " كل الأسماء " ، عندما سجل في ورقة أكثر من مائة شخصية شهيرة ، الفرق الوحيد يكمن في ان بحث الأطفال يقتصر علي النساء دون الرجال . بدأوا في توجيه أسئلتهم للمكتبي عن الوزيرات ، ممثلات السينما ، فتيات الموضة ، وأخيرا أجابهم متصنعا أنه يسمعهم وسط ضجيجهم : إن المشهور ليس هذا الشخص الذي يلقي خطبا ، ولا هذا الذي يظهر في الصحافة و التليفزيون ، وإنما المشهور هو هذا الذي يهب الآخرين أسباب السعادة ، وبالتالي عليكم أن تنسوا الوزيرات و الممثلات و فتيات الموضة ، و عودوا إلي أحيائكم وقابلوا مدرساتكم و أمهاتكم و جداتكم وطبيبة المستوصف ، والتقوا بأختكم التي تدرس في الجامعة ، بالأخري التي تعمل لأنها لا تستطيع الدراسة ، وفي تلك النسوة ستجدون ما تبحثون عنه ، فهن جديرات بأن يكنّ شهيرات بلدنا ، لأنهن يهبننا أسباب السعادة .

بهذا المعني يعد هذا المكتبي أيضا جديرا بالشهرة ، خاصة لو وضعنا في إعتبارنا أنه تم إغتياله بعد ذلك بقليل برصاصات المؤيدين للعسكر ، وما حدث له حدث لكثيرين من أهل البلدة . وبنفس المعني تعد مشهورة تلك المرأة التي وهبت للسيد جوزيه ، مؤلف "كل الأسماء" ، أسباب السعادة ، بل و أسباب الحياة أيضا . ويعد مشهورا ايضا جوزيه نفسه ، حوزيه ساراماجو ، الاديب و الإنسان ، فهو سيد بمعني الكلمة ، خاصة لو وضعنا في إعتبارنا هذا التناقض الذي تحدث عنه ذات مرة قائلا " كُتّابي المفضلون سَفَلة بقدر كونهم إنسانيين " . ولعل أبرز ما نلاحظه في ساراماجو أنه يعيش ما يكتبه ويكتب ما يعيشه ، بعيدا عن هذا التناقض ، كما أنه واضح في حياته كما في كتاباته ، وهو نفسه مثل شخصيات رواياته ، يبدو كأنه أثر واضح للبشرية أمام العيون المتذبذبة الشرهة .

و لعل أهم خصائص الرواية ، الرواية الناضجة ، هو تركيز الميكروسكوب الروائي علي الكائن البشري لنتعرف من خلاله علي أنفسنا ، علي هذا الكائن ، علي معني ما نفعله ، ولماذا جئنا لهذه الأرض ، وليس من السهل معرفة ذلك ، حتي أننا ننسي هذا السؤال عدة شهور ، أو ننساه دائما ، وفي وسط هذا الشرود ، تقع في يدنا رواية تجعلنا نتبع آثارنا لنصل لذاتنا ، مثل الكلب يتبع قطعة الملابس ليصل للمجرم . هذه رائحة بشرية ، هذا ما يسوقنا إليه العمل الساراماجي ، فنسير وراءه ، نتبع خطاه ، ندخل في أزقته ، نري هالته المضيئة ، نواجه شراسته في الحق ونشعر بحجم ألمه ، بعيدا عن المجاملات و التملق وأراجوزات الكتابة ، والسير وراء المدعين . إن الشخصية التي يقدمها لنا هذا الكاتب تحمل في حامضها النووي الكائن البشري ، بصمته ، دمه ، أو كما يقول ريكاردو رييس في عام موته : " علامات إنسانيتنا " . حينئذ تؤدي كتابته للقاء هذا الرجل وهذه السيدة التي تم انقاذهما من الشرود ، أو بمعني ادق الإلتقاء مع أنفسنا ، صفحة بصفحة ، فنشعر شعورا حميميا ، مريحا ، يجعلنا نلتقي بأحزاننا ، فتهرب من مآقينا الدموع . و الحقيقة أنني كلما قرأت " إنجيل المسيح " أبكي بكاءا حارا ، ونفس الشيء يحدث مع " الكهف " وساعتها أسأل نفسي كيف تستطيع روايات هذا الرجل أن تصل لأقصي أعماق ذاتي ؟ ، فتأتيني الإجابة التي لا تتغير أبدا : لأنه رجل صادق ، يتميز نثره بالصدق وشعره بالجمال ، فيعود بنا إلي البيت ، بيت الإنسانية ، بيت الرجل و المرأة ، هذا المكان الذي تقبع فيه روحنا ، حيث يقترب كل منا من نفسه ، ويكتشف الركن الذي يناسبه في القصة ، فعودتنا للبيت تشبه عودته هو في " الذكريات الصغيرة " للبيت الجميل ، الأكثر حميمية وعمقا ، هذا البيت المدقع فقرا لجديه لأمه ، أو البيت الآخر الموجود في " حصار لشبونة " حيث يصير الحب ممكنا والسرير ينتظرنا بملاءات نظيفة . وفي البيت قد تجد أنواع الكلاب المختلفة ، فقد تجد الكلب لقيط ، أو ثابت ، أو الكلب الذئب الذي يخيف زيزيتو ، أو ربما تجد الكلب العطوف الذي ابكاني في " البصيرة " وهو كلب الدموع .

أشار ساراماجو ذات مرة ، في الإشارة إلي إيما بوفاري ، دون كيخوتيه ، جوليان سوريل ، أن هناك شخصيات أدبية أكثر حياة من شخصيات نعرفها في الواقع . والحق أنه أصاب ، فنفس الشيء يحدث مع جوزيه ، في انجيل المسيح ، هذا النجار المحمّل بالأحلام و الذنوب ، و جوزيه الآخر في كل الأسماء ، الذي عثر في الحب علي خيط ارديانا الذي وجب أن يسحبه من متاهة البيروقراطية و بئر العزلة ، والطفل جوزيه في الذكريات الصغيرة ، حيث يجلس علي ضفاف النهر ليصطاد الصور و الأصوات و الروائح و الذكريات و المشاعر ، فيظهر صدي هذا في رواياته .

إن الرواية الساراماجية تأخذنا دائما إلي ما هو إنساني ، بعيدا عن روايات البيست سيلر وسوق التسلية التي ظهرت وازدهرت في ظل الديمقراطية اللايت ، تلك الديمقراطية المعكوسة في " البصيرة " . ووسط هذا التردي يأخذنا ساراماجو لأدب عظيم ، أدب يتميز بالكرامة ، فلو نظرنا لمجمل شخصياته سنجدهم كالقبيلة الواحدة التي يشترك أفرادها في صفة الكرامة . فسلوكهم بدءا من الافعال التقليدية ، " يتبول ، يأكل ، يشرب ، يعمل ، يستريح " تكتسب كرامة وعظمة لأنه يعيد خلقها ، هذا الخلق الذي يسمح له أن يجمع اجزاءهم المتناثرة . أما رؤيته هو لهذه الشخصيات فهي بعيدة كل البعد عن الرؤية الجزئية ، فتتميز بالشمولية ، كما لو كان عندما يكتب عنها لديه عقيدة راسخة أن كل شخصية تمثل في الواقع قصة الإنسانية جمعاء ، رجلا كان أم إمرأة . أما قصص الحب عنده فهي قصة الناس أجمعين ، قصص خالدة خلود روميو وجوليت ، فمن ينسي دومينجو وسارة في " ثورة الأرض " ، أو جيرونيمو و جوزيفا في " الذكريات الصغيرة " .

وبرغم أن بطله رجل ، إلا أن صورة المرأة في عمله صورة مضيئة ، فهي دائما الحكيمة ، الكريمة ، المتفتحة ، الواقعية . كما أنه لا يبذل جهدا ليجدها ، فهي تقفز دائما في رأسه ، " عندما أبدأ في كتابة رواية ، لا أقول لنفسي إنني يجب أن أخلق امرأة بارعة ، فهي تظهر وحدها من الأحداث التي أرويها " . وعلي كثرة النسوة في أعماله ، تعد أعظمهن ماريا في " إنجيل المسيح " ، تلك الأم التي يجب عليها أن تحتمل في صمت الحب و الألم الذي تشعره نحو وليدها ، إنها إمرأة صغيرة تنضج فوق نيران الواقع ، تودع إبنها بلا إبتسامة وبلا وعد بالعودة ، . " لم تصلني اخبارك ـ قالت ماريا أخيرا وحينها هربت من عينيها الدموع ، كان ابنها البكري يجلس أمامها ، فتي طويل القامة ، بملامح وجه إكتملت رجولته ولحية نابتة ، وبجلد أسمر كما لو قضي حياته تحت الشمس ، بوجهه للريح و لرمل الصحراء ـ " .

إن هذه المرأة التي تحمل إبنها ميتا بين ذراعيها لشديدة الشبه ببلدي ، بقارتي ، بهذا العالم الثالث الذي أنتمي إليه ، بأفريقيا كاملة ، وصولا للعراق و فلسطين و لبنان ، فكلهن أمهات تهبن أولادهن الحياة ليأتي الموت ليقصف أعمارهم . أمهات يدفنّ أبناءهن بدلا من حدوث العكس . إن الموت عجوز فوق سريرك صار حلما صعب المنال .

ساراماجو أيضا كاتب كلاسيكي عندما يخلق رجلا يسيطر علي إرادته الخاصة وعلي ضميره ويمتلك بين يديه زمام أمره ، إنه الرجل الذي يعارض الظلم و يحرك إرادة المقاومة و التغيير ، برغم أنه لا يحقق ذلك دائما . وبينما يقع الرجل دائما تحت التهديد ، يهاجم ساراماجو بشراسة ما يلغيه ، ما يؤذيه ، ما يستعبده ، وهو في ذلك كاتب شجاع ، في الحياة و العمل ، يضطرنا أن نظل بعينين مفتوحتين أمام ضغائن السلطة ، التي قال عنها إنها فاسدة ، وإن السلطة المطلقة لفساد مطلق ، لكنني أضيف أن السلطة لا تحتاج أن تكون مطلقة لتصير فسادا مطلقا . ولعل لهذا السبب نجد فكرة الحصار بارزة في أعماله ، ففي "العمي" نجد العميان محاصرين كما لو كانوا يعانون من مرض معد ، وفي " حصار لشبونة " يموت المسلمون محاصرين ، وفي " البصيرة " تحاصر العاصمة لأنهم أدلوا بأصوات بيضاء ، وفي " ثورة الارض " يحاصر الفلاحون بالفقر من قبل الإقطاعيين ، وفي " الكهف " يجد الفخاري نفسه محاصرا من المركز التجاري . وهكذا نجد الذين يفرضون الحصار ويشدون أحباله في صورة كائنات قبيحة ، غير إنسانية ، فهم يحيكون الكوابيس ويخلقون المتاهات .

وأخيرا ، قد نجد عنصرا بين العمل الكافكاوي و الساراماجي ، هو التشاؤم . والحقيقة أنه ليس تشاؤما ، إنما الواقع المحزن الذي يغزونا فينطبع في صفحاتهم ، صفحة وراء أخري ، لكن الحق أن هناك فرقا شاسعا بين كافكا و ساراماجو ، فالأول يخلق شخصيات تختنق وحدها وتكافح وحدها ضد ما يخنقها ، بينما نجد في شخصيات الثاني روح التضامن و التعاون من أجل المقاومة . هل هو المعتقد السياسي ؟ ، نعم بالطبع ، إنه المعتقد السياسي المطبوع في كل أعماله .كما أن شخصيات ساراماجو تبذل ما في وسعها للحفاظ علي نفسها مخلصة لمبادئها ، وهو ما يجبرها علي التحرك ومكافحة عالم كابوسي ، فيعطيها ذلك طابع المغامرة . بينما لا نجد ذلك عند كافكا ولا تيار ما بعد الحداثة .

السبت، أغسطس 22، 2009

حوار مع ساراماجو

سارماجو : مازلت صبيا أتعلم . ترجمة أحمد عبد اللطيف يقولون عنه إنه أكثر من كاتب ، لكنه يقول عن نفسه إنه مازال صبياً يتعلم المهنة ، وهي الجملة التي رددها من قبل عند تسلمه لجائزة نوبل منذ احد عشر عاماً ، ليكون بذلك أول برتغالي يحصل عليها . إنه ساراماجو ، أو زي ، كما كان جده يناديه ، الذي قال عنه هارولد بلووم ، أكثر النقاد صرامة ، إنه " أستاذ ، الأستاذ " ، ووصفه بأنه " أكثر كتاب العالم موهبة وأحد آخر الكتاب العظام " . وكرجل موهوب كتب روايته الأخيرة " رحلة الفيل " وهو علي فراش الموت ، وحقق بها إنتصارا للغة والخيال والفكاهة ، المرتبطة بالموت .
في أحد أيام الكريسماس الماضي ، ركز ساراماجو في عينيه ، ففوجيء باتساعهما الغريب ، حتي أنهما أكلتا وجهه . كانتا تنظران إليه باستغراب ، بفضول ، بدهشة ، وتقولان له : أمازلت هنا ، أمازلت هنا .
هذا ليس حدثاً في رواية القرين ( التي ترجمت للعربية بعنوان الآخر مثلي ) ، وإنما هي فترة كان فيها ساراماجو قرينا لنفسه ، شاهدا علي صراعه ليعود للحياة ، وكان قرينه رجلاً ناعماً ، فصحح له هلاوسه : لا ، ليس لك عينان جاحظتان، بل هما في حجمهما الطبيعي ، ما تغير هو المحيط بهما . وكان القرين يعرفهما جيدا ، لذلك قال : إنهما نجمتان مضيئتان في وسط الخراب . إنه تعبير شاعري لساراماجو ، هذا الرجل الذي أنعش السرد العالمي الجديد ، وليس فقط السرد البرتغالي ، عندما نشر روايته " العمي " عام 1995 ، لكن ثورته الحقيقية بدأت قبل ذلك بكثير ، عام 1980 ، برواية " ثورة الأرض " ( التي ستصدر قريبا بالعربية ) .
لقد فقدت عشرين كيلو يا زي ، لقد كنت دوما نحيفا مثل جدك جيرونيمو ، لكن عشرين كيلو كثير . كان طولك 180 سنتيمتر ، ووزنك 71 كيلو ، الآن صار وزنك 51 كيلو فقط ، أمازلت تعتقد بالتفاح المشوي ، الذي كانت جدتك تصنعه لك! القرين كان يعلم كل شيئ ، كان يعلم أن جيرونيمو ، الذي عاش في ازينياجا ، كان يودع الحياة عندما خرج لمعانقة أشجاره بالحديقة ، جيرونيمو ، الذي علّم حفيده حكاية القصص عندما كان ينام بجواره تحت شجرة التين ، دخل التاريخ من أوسع أبوابه عندما حفر الحفيد اسمه عند تسلمه لجائزة نوبل :" أكثر الرجال الذين عرفتهم في حياتي حكمة كان رجلا لا يعرف القراءة والكتابة " ، نعم ، كان القرين يعرف كل شيئ ، حتي ما قالته جوزيفا يوم وفاة جده كان القرين مطلعا عليه :" لا أخاف من الموت ، لكن الدنيا جميلة ، والموت يبث في الحسرة " .
يعيش ساراماجو في السنوات الأخيرة حالة صحية متردية ، حيث سقط فريسة للمرض ، إلا أن التفاح المشوي يقويه ، لذا لم يتوقف عن الكتابة ومازال مستمراً بشكل بطولي ، كما لم يتوقف عن السفر في أنحاء العالم ، ليعلن ادانته للعولمة " التي هي شمولية جديدة " وربما يستخدم عبارة كارل ماركس في العائلة المقدسة " إذا كانت الظروف تشكل الانسان ، فمن الضروري أن نشكل الظروف بشكل انساني " ، إنها هلاوس ساراماجو ، كما يقول بعض الوقحاء .
في سنة 2005 نشر ساراماجو رواية " تقطعات الموت " ، لم تكن تجريدا ، فالموت كان حاضرا بجسده ، ويمكن ملامسته . يقول ساراماجو " المؤلف هو خالق شخصياته ، وفي الوقت نفسه احدي مخلوقاتها " . وشخصية الموت تحولت من شيئ غير مرئي لشيئ مرئي ، ولم تكن لعبة ، يتذكر ساراماجو ، فقد كان قاب قوسين من الموت ، ولم يكن يربطه بالحياة سوي خيط هزيل ، حيث كان جسده مستسلما . " أعتقد أنهم لم يودوا أن تكون نهايتي في المستشفي ، وأنا أشكر لهم ذلك ، لكن الموت لم يداهمني ، وكنت مدركا لما يدور حولي ، وأشعر انني علي حافة الانتقال للعالم الآخر ، وبعد ذلك قلت لهم لا تحدثوني عن الموت ، فأنا أدري به منكم ، فلقد رأيته رؤي العين " . ورغم استسلام الجسد ، كان قلبه ينبض بقوة ، وعقله يخزن ما يحدث حوله . ورغم أن ساراماجو يُعرف بأنه الرجل الصامت ، إلا أن أعماله تغلب عليها روح الفكاهة ؟
ـ جاءت الفكاهة متأخرة ، فما كتبته وأنا في الثالثة والعشرين لا فكاهة فيه ، وأعتقد ان أساس الفكاهة يكمن في معرفة الذات ومعرفة الآخرين ، كما أن الفكاهة ابداع مجهد .
ـ بعد أن نشرت " ثورة الأرض " قلت " أنا لا أكتب من أجل شرح وجهة نظري ، بل لأنني أكتب كما أتنفس ، كما أتحدث " . ربما ساعدتك الكتابة علي اجتياز الأزمة .
ـ بالطبع . فالكتابة عكازي الذي استند عليه لانتقل من حالة لحالة ، نعم لم أكن أتحرك من سريري ، لكنني كنت أشعر بنفسي محمولا بين كفي الكتابة . كان عقلي مدركا لطبيعة حالتي ، وكان لديه المقدرة لقبوله ، والتعامل كما لو لم يحدث شيئ . وشعرت في هذه اللحظات بكم هائل من الصفاء ناتج عن قربي من الموت .
ـ في هذه الرحلة يفكر الانسان في حياته ، ويعيد حساباته ، لهذا قال بورخس :" لقد ارتكبت أفظع كبيرة في حياتي ... أنني لم أحيا سعيداً "
ـ هذه عملية عقلية تبتدع بعد ذلك ، ولم يحدث ذلك معي . لقد عدت للحياة بشكل طبيعي وبصفاء تام حدثتك عنه .
ـ يقولون إن ساراماجو لم يبع نفسه ابدا . ألا تشعر أنك قد تنازلت ذات مرة من أجل الحصول علي شيئ ، كجائزة مثلا ؟ ـ أبدا ، لم ابع نفسي أبدا ، لا ماديا ولا رمزيا . أما نوبل فهي تأتي علي شيئ تم عمله بدون الالتفات لنتيجته .
ـ وماذا عن الكراهية بين الكتاب ، خاصة عندما يكونون جيرانا ، وفي هذا السياق يقول جين شابلين " الكاتب لا يقرأ لزملائه ، بل يراقبهم " .
ـ لا أجد تفسيرا لهذه المسألة . لا أعرف . فعندما ظهرت كان كل شيئ في مكانه ، الشهرة ، الحب ، الكره ، ولم أكن قريبا من الأوساط الثقافية .
ـ في رواياتك هناك شخصيات لا يمكن نسيانها ، لأنهم مدهشون ، وينتمون لما يسمي الواقع الذكي . لا تقل لي انك لم تعشق بليموندا في رواية " مذكرة الدير " .
ـ بليموندا ... قد تكون تجسيدا لنساء كثيرات عرفتهن في حياتي ، انها امرأة بسيطة . لكنني عشقت حقا زوجة الطبيب ، في " العمي " و " البصيرة " . هذه حقيقة .
ـ يبدو من أعمالك أنك صديق للنساء أكثر من الرجال ؟
ـ هذه حقيقة أخري .

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...