السبت، مارس 05، 2016

سجن ناجي كعلامة سيميولوجية






    استطاع المفكر الألماني شليرماخر نقل الهرمنيوطيقا من الدراسات اللاهوتية للدراسات النصوصية. ومن بعده تطور هذا العلم في نواحٍ شتى، حتى أصبح علمًا ذا شأن فيما يخص تأويل النصوص، الدنيوية منها والدينية. والهرمنيوطيقا، التي تتقاطع مع السيميولوجيا، بحسب ميشيل فوكو، "مجموعة المعارف والتكنيكات التي تسمح بمعرفة أين توجد العلامات، وتعريف ما يجعلها علامات، ومعرفة حلقاتها وقوانين ترابطها". غير أن العلامات، بنظرة أكثر اتساعًا لا تتوقف عند النصوص، وإن كان العلم تأسس من أجلها. فالغرض من استعمال العلامة واستنطاقها هو معرفة العالم، ما يترتب عليه الوصول إلى نتائج بناء على افتراضات أو سؤال. بذلك، يمكن فهم والتعرف على السلطة السياسية عبر حزمة من العلامات. تلك العلامات التي من خلالها يمكن تحليل الخطاب السياسي، كما يمكن تحليل الأداءات التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن السياسة بمفهومها السلطوي. غير أنها في العمق تتشكّل منه.
    يعرف اللغويون، مثلًا، أن الفرق الأصيل بين المعنى والدلالة أن المعنى ثابت والدلالة متغيرة. تغير الدلالة يعني أن المفردة تخرج من معناها الاصطلاحي المتعارف عليه لتكتسب معنى جديدًا. بطريقة ما، هذا ما يحدث في التاريخ مع الأحداث الكبرى. هنا تحديدًا يكمن الاضطراب أمام استخدام مصطلحات مثل "ثورة" "تمرد" "انقلاب عسكري" . لكن الذي يعنينا هو علاقة الدال والمدلول. الإشارات التي تلوح بها السلطة الحاكمة لتعلن عن نفسها كسلطة ديكتاتورية أو ديمقرطية. ربما يكون المعيار الأنسب هو مدي الحرية التي تمنحها للمواطنين ووسائل الإعلام وأصوات المعارضة، وأيضًا، بالتأكيد، للكُتّاب، وأعني بهم كُتّاب الفيكشن. خاصة كُتّاب الفيكشن لأنهم يصنعون عالمًا لا يمكن محاكمته بقانون الواقع، لأن الخيال، في شروطه الأعم، يختلف عن الواقع في شروطه شبه المتفق عليها. وإن كانت علاقة السلطة بالكاتب تمثل أيضًا علاقة الدال بالمدلول.
       تبلغ السلطة أوج درجات الجنون عندما يصيبها الخوف من الكتابة الخيالية بذريعة أنها تنتهك المقدس أو تكسر التابو، أو تعتقد أنها قد تثير الجماهير. ورغم أن ذلك قد يتحقق على المدى البعيد، إلا أن خوف السلطة يحمل دلالة واضحة لديكتاتوريتها. إذ تتحول هذه السلطة، إن لم تكن كذلك من البداية، إلى سلطة بطريركية تطمح من ضمن ما تطمح إلى فرض وصايتها على مواطنيها لأنهم، في رأيها،لا يعرفون الخير من الشر.
    الخوف من حرية التعبير يؤدي إلى فرض الرقابة، ويؤدي للمنع والمصادرة، ويؤدي للمحاكمات ونصب محاكم للتفتيش. التلويح الأولى بوجود جهاز رقابي يحمل علامة أولى تشير لديكتاتورية السلطة. وتحرك هذه الرقابة للمنع أو العقاب يتجاوز مرحلة العلامة ليصبح تأكيدًا بالأدلة والبراهين. في حالة العلامة نلجأ للتأويل (رغم أن العلامة تصدق عند العثور عليها) وفي حالة الرقابة العلامة تبات واضحة، إلا أن مرحلة اليقين تأتي مع تحول العلامة لكيان قادر على العقاب.
    السلطة السياسية عادًة ما تحب الاختباء. بمعنى أنها تدير معاركها من وراء ستار. لو تخلت السلطة السياسية عن ذلك ستتخلى بالضرورة عن صفة "السياسية" لتتحول لسلطة حرب. بعض الساسة يستخدمون الحرب ليس من أجل الحرب بل من أجل إثارة المشكلة والتوصل لحل لها. هذه قاعدة سياسية معروفة. لكن لماذا تفقد السلطة السياسية وقارها في معركة تبدو أنها أصغر منها مثل الرقابة؟ هذا السؤال عادة ما يتردد في الأروقة السياسية، لذلك لا تدخل في هذه المعارك. لكنها تديرها. بهذا المنطق، لا يتبع الجهاز الرقابي لوازرة الداخلية، بل يتبع لوزارة الثقافة. هنا ترمي السلطة الكرة في ملعب آخر، لخصم قادر على الفوز. سيبدو سخيفًا أن يمنع رقيب بوزارة الداخلية فيلمًا أو رواية، لكن سيبدو ذلك منطقيًا لو منعته وزارة الثقافة، إذ هي المعنية بالأمر. بالإضافة، سيثق المواطن في رأي وزارة الثقافة لأن دورها الطبيعي حماية حرية التعبير، ما يعني أن تخليها عن الفيلم أو الكتاب بمنعه أو مصادرته سيصب في المصلحة العامة. الأمر نفسه ينطبق على القضاء، إذ لا تتدخل السلطة التنفيذية في حبس كاتب أو مصادرة كتابه، بل يأتي ذلك، كما في حالة أحمد ناجي، عبر تتبع إجراءات قانونية تنتهي بالضرورة إلى السجن. القضاء، المعروف عنه تبعته للرئاسة، هو اليد القانونية لتطبيق دولة القانون. الدولة التي لا تعرف القانون إلا عند تطبيقه على حرية التعبير والحسبة. الدولة التي تلوي عنق الدستور من أجل الانتصار للحياء الذي لم تعرفه على طول تاريخها، لتكسب بذلك بنطًا عند شارع ينتظر منها إصلاحات اقتصادية وسياسية لم ولن تتحقق. القضاء هنا هو الممثل للسلطة الأبوية، المنوط به الحفاظ على كود أخلاقي سطحي، هو بالتالي، في أداءاته التي تنتصر للحرية أو للقمع، يحمل العلامة، يمثل المدلول.
       السلطة في مصر لم تكتف بحسبة رجال القانون. بل منحت للمواطن حق أن يُقاضي الكاتب على كتاب رأه المواطن مثيرًا للغرائز أو ينتهك الحرمات أو يقترب من المقدسات. (لاحظ أن الكتاب لا يذهب إلى البيت، وكذلك الجريدة، بل يذهب المواطن من تلقاء نفسه وبكامل حريته لشراء أي منهما كما أن هدف الفن أساسًا طرح أسئلة حول الثوابت). كما من حق نفس المواطن أن يقاضي كاتبًا مناهضًا للسلطة بذريعة الحفاظ على الأمن والاستقرار. بذلك يقوم المواطن، الذي حرمته السلطة من كافة حقوقه، وأولها حقه في معارضتها، بمد يد العون لنفس السلطة ضد كاتب أراد الخروج من القطيع. أراد الخروج من سلطة الأدب التي تفرض باراديجم أخلاقي في حقيقته بلا مضمون. إنها نفسية المواطن المشوهة التي اعتادت القمع فبدا لها غريب ألا يقع نفس القمع على مواطن آخر. هذه أيضًا "علامة" أخرى إضافية لاستبداد السلطة. ليس فقط مطاردة المواطنين المتمرد، بل خلق مواطن مقهور يعاونها على مطاردة المتمرد. المواطن هنا قد يكون القاريء الذي تقدم ببلاغ أو وكيل النيابة. وبالطبع، القاضي الذي راى أن قهره من السلطة التي يمثلها يجب ان تسود فتشمل، بعدالة، كل المواطنين.
     قصة استغلال السلطة للمواطنين قصة مصرية قديمة. الاستغلال هنا ليس بدفع المواطن لفعل ذلك، بل بتهيئة المناخ اللازم لخلق نوع من المواطنين لا يقبلون إلا الحكم العسكري، السلطوي، البطريركي (لاحظ أن علاقة السيسي بالشعب من خلال خطاباته هي علاقة الأب العالم بكل شيء اتجاه الأبناء الذين ينقصهم الحكمة والعلم)،  وإقناعهم بأنه لا بديل عن ذلك إلا الفوضى (خطاب مبارك الذي يتبناه السيسي عمليًا). هذا الحس البطريركي من السلطة السياسية ينتقل بالتدريج إلى المواطن نفسه، فيشعر بأنه أيضًا أب يريد الصلاح لأبنائه المواطنين. هنا يلتقي الخطاب الديني مع الخطاب العسكري: الأول يدافع عن الله والثاني يدافع عن الوطن (وإن كانت السلطة الحالية تجمع الخطابين معًا: سلطة عسكرية دينية، تحافظ على الوطن من الخونة وعلى الدين من المنحرفين) وفي نفس تلك اللحظة ينتهك كل منها (الدينية والعسكرية) حقوق المواطن، مواطنها المطيع، بكل قسوة. ولأن تركيبة المجتمع المصري تركيبة هرمية من حيث قوة التأثير، يصير كل مواطن على نهج الرئيس إذ هو القدوة بالنسبة لهم. هذه قاعدة كان استنثاؤها الوحيد ثورة يناير، حيث تدمير صورة الأب وقتله كان هدفًا راسخًا في اللاوعي.   
    لا يبدو غريب، إذن، بما أن السلطة مضطربة وخائفة، أن يحاكم كاتب مصري بالسجن لعامين بتهمة خدش الحياء العام، بعد أن تحول للنيابة ثم المحكمة لأنه كتب ما يثير الغرائز من أجل تدمير أعمدة المجتمع الأخلاقية، بل وبعد أن حصل على براءة من محكمة درجة أولى. في هذه الأجواء يجب أن ينتشر التكفير والتخوين. إنها ثقافة الرقابة. العلامة الكبرى على الانهيار. الكلمة التي خرجت من معناها المحدود لتكتسب دلالات جديدة تتسع وتتمدد. ووفقًا للسيميولوجيا، تعد الرقابة علامة عصور الانحطاط. حتى ولو بدا أنها علامة لعلو الأخلاق والحفاظ على طهر المواطنين.


السبت، سبتمبر 05، 2015

قانون إرهاب الدولة


مقالي على هافينجتون بوست عربي

قانون إرهاب الدولة

تم النشر: تم التحديث: 
تمارس دولة السيسي كل ما يمكن ممارسته لحماية نفسها من السقوط، غير أنها تفعل ذلك بكل الطرق التي تؤدي إلى سقوطها. ما الذي يجعل نظامًا يلجأ إلى فرض "قانون التظاهر" إلا خوفه من التظاهر؟ ما الذي يجعل نظامًا يخاف من التظاهر إن كان هو نفسه جاء بالتظاهر؟ هل هو فقط الرغبة في السيطرة التامة بحيث لا شيء يخرج من قبضته؟ أم أنه الخوف من السقوط المتوقع؟ ربما يكون وصول النظام الحالي للسلطة عبر تظاهرة 30 يونيو ومن قبلها ثورة يناير ما يدفعه للخوف من التظاهر، من أي أصوات خارجة عن السرب، حتى لو كانت هذه الأصوات تؤذن في مالطا. ويبدو أن النظام المصري الحالي قد استفاد كثيرًا من سنوات الثورة الماضية، إذ لم يعد يستهين بوسائل التواصل الاجتماعي، ولا بالصحافة ونشر الأخبار، ولا بالتجمعات حتى ولو كانت صغيرة. وتحسبًا لأي تمرد، لا يفوّت همسة هنا أو هناك ألا ويتوقف عندها ليعرف ما دلالاتها ونواياها.
هنا بالتحديد وجد نظام السيسي نفسه في حاجة طارئة لتحصين نفسه أكثر، بامتلاك صك محاربة الإرهاب، ليس فقط عن طريق تفويض شعبي، بل بالقانون. السلطة تحارب الإرهاب بالقانون. تعتقل بالقانون. تنفذ أحكام الإعدام بالقانون. ثم، بالطبع، تصادر الصحف بالقانون، وتحبس الصحفيين أو تحتجزهم لدفع غرامة بالقانون. قرر السيسي أن ينشيء دولة قانون، لكنه القانون المعادي لكل حقوق الإنسان وحريته، وحرية التعبير والصحافة. القانون الذي ينفي أصلًا وجود دولة، ليؤكد أننا في زمن ما قبل الدولة. أنشأ قانونًا موصوفًا بأنه قانون الإرهاب، رغم أنه قانون إرهاب الدولة. وهو الوجه الآخر للإرهاب الذي لا يمكن لأحد أن يتكلم عنه.
تنص المادة 35 من قانون الإرهاب الجديد على أنه "يعاقب بغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف كل من تعمد بأي وسيلة كانت نشر أو إذاعة أو عرض أو ترويج أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أعمال إرهابية وقعت داخل البلاد، أو عن العمليات المرتبطة بمكافحتها بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع".
بذلك، يجعل القانون سلطة الصحافة ونشر المعلومات في يد الجيش، وأي معلومات مخالفة هي بالضرورة، بحسب القانون، معادية للدولة، رغم ان تنوع مصادر المعلومات عمود أساسي في الصحافة، خاصة أننا لم نعرف حتى الآن العدد الحقيقي ضحايا ثورة يناير ومظاهرات محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو ورابعة، لأن الأعداد بحسب المصادر الحكومية عادًة ما تأتي مخالفة لشهود العيان. السيء في الأمر، كذلك، هو هذا النوع من الإرهاب الذي تبثه السلطة في وسائل الإعلام الاجتماعية، إرهاب ستكون نتائج حتمًا الخضوع حتى لما لا يمكن تصديقه بالعقل والبرهان.
بعصامية شديدة في الحماقة، تسير دولة السيسي إلى الغرق، وبدلًا من أن تكون فترته الميمونة فترة انتقالية ندفع مراراتها من أجل تخطي الصعاب الاقتصادية والتسلّح من أجل الخطر الداعشي وإعادة حساباتنا فيما يخص الإسلاميين، نجد أنفسنا عرايا من حرية المعارضة وحرية التعبير، لنسير مثل قطيع واحد نحن الهاوية، يقودنا رجل، رغم أنه يعلم أنه أعمى، إلا أنه يصر على أنه مبصر. أعمى أيضًا من لا يقرأ التاريخ ولم يتعلم من تجارب الدول الأخرى، من يصر أن يبدأ دائمًا من الصفر لينتهي مصيره في نفس الخانة. لقد انتهت الدولة العسكرية من العالم، وانتهى حكم الفرد ولو كان إلهًا، واتفق العالم بشكل قطعي على أنه ما من وسيلة لتقدم الشعوب إلا بالديمقراطية وتداول السلطة وإتاحة أكبر مساحة ممكنة من الحرية وحرية التعبير. غير ذلك، سنكون في طريق مخالف. غير ذلك سنكون في طريق الغرق.

http://www.huffpostarabi.com/ahmed-abd-allateef/-_1279_b_8058056.html
 

وزير الثقافة عسكري بعباءة دينية



مقالي على هافينتجون بوست عربي


وزير الثقافة عسكري بعباءة دينية

تم النشر: تم التحديث: 
تعلم السلطة، أي سلطة، أهمية وزارة الثقافة وقدرتها على التأثير ونشر الوعي، أو التأثير بالسلب ونشر الجهل أو العمل على التغييب. تعلم السلطة إمكانيات الوزارة من خلال مسارحها ومعارضها الفنية وكتبها ومكتباتها، وقدرتها في الوصول لأقصى المناطق النائية. لذلك، تختلف استراتيجيات وزارة الثقافة بحسب السلطة، رغم أن وزارة الداخلية، أو الدفاع أو العدل، لا تختلف استراتيجياتها أبدًا، مهما تغير الرئيس ومهما تغيرت الحكومات. و"الثقافة" المصرية مرت بحالتين على طول تاريخها، إما استغلال السلطة لها لنشر أفكارها من خلالها، وإما التعامل معها بازدراء بحيث تتوقف عن عملها أصلًا، فتبدو كوزارة مغلقة، كأبنية مغبّرة، كجثة هامدة، باستثناء مجهودات فردية هنا أو هناك لا يمكنها أن تترك تأثيرًا كبيرًا يساهم في تثقيف المواطن. ورغم أن الحالة الثانية سيئة، إذ يُحرم فيها المواطن من حقه حتى في الحد الأدنى من الثقافة، إلا إن الحالة الأولى هي الأخطر، إذ تعمل على تغييب العقول ونشر الزيف، والإيهام بتقديم منتج جيد رغم أنه مسموم. وهذا الحالة تحديدًا هي ما تمر به الوزارة المصرية الآن، في هذه اللحظة تحديدًا.
أطلق عبد الفتاح السيسي، الذي يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن إسلامه ووصفه بأنه وسطي عقب توليه السلطة حتى لا يتهم بالكفر -حسب ظنه- من أتباع التيارات الإسلامية، والذي يستخدم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في خطابه بشكل ملفت، دعوة منذ عدة شهور لـ "تجديد الخطاب الديني". أوكل السيسي المهمة للأزهر، في إشارة لا تخفى على أحد لكسب السلطة الدينية الثابتة وضمها للمعسكر العسكري، وهي الطريقة التي يتبعها كل طغاة العالم على مر التاريخ، إذ لا يمكن لسلطة عسكرية أن تتقدم في خطواتها دون سند الكهنة، وفي نفس الوقت إلى وزارة الثقافة، وليس إلى المثقفين، أو المفكرين في الشأن الإسلامي أو المنقبين في التراث الديني. هنا كان من المناسب أن يتولى الوزارة رجل أزهري، يرتدي البذلة غالبًا فوق العباءة، ويخفي لحيته الطويلة تحت ابتسامة باهتة، ويداري رجعيته واحتقاره للمرأة وراء مزحة (إذ أهان موظفة بمتحف محمود سعيد بالإسكندرية بسبب وزنها، وقال إنه لا يحب التخان). نفس الوزير يقدم الآن على استخدام المساجد لعقد ندوات ثقافية، بعد اتفاقية مع وزارة الأوقاف يُسمح بمقتضاها بنشر الثقافة عبر المساجد، مع أن وزارة الثقافة تمتلك حوالي 250 قصر ثقافة موزعة من شمال مصر لجنوبها، صارت من كثرة هجرها بنايات مغبّرة يسكنها العناكب، ورغم انتشار المكتبات ودور النشر الخاصة التي تعقد مثل هذه الندوات. من ناحية، يمكن لوزير الأوقاف إصدار أوامر بمنع الخطاب الطائفي في المساجد، ومنع التحريض على العنف والدعاء بالموت والحرق على غير المسلمين؛ ومن ناحية أخرى يمكن لوزير الثقافة أن ينشر الوعي من خلال الأماكن الثقافية المخصصة لذلك، بل وحتى النزول إلى الشارع ودعم أنشطة مثل "الفن ميدان"، وهي مبادرة أهلية. المفزع في الأمر أن وزير الثقافة الذي دعا لاستغلال المساجد لنشر الثقافة لا يرى إلا الرجل المسلم السني، دون أن ينتبه، ولا أخبره أحد من مستشاريه بذلك، أن المجتمع المصري يتكون من رجل وامرأة، من سنة وشيعة وبهائيين ولادينيين وملحدين، وأن من حق المواطن أن تصله حصته في الثقافة بغض النظر عن دينه أو نوعه.
عبد الفتاح السيسي أطلق دعوة لتجديد الخطاب الديني، ووزير الثقافة فهم أن هذا التجديد سيكون بنقل الثقافة لدار عبادة المسلمين، رغم أن دور "الثقافة" هو التثقيف، دعم الفرق المسرحية المستقلة ماديًا ولوجيستيًّا، دعم السينما، نشر الكتب الأدبية والفكرية والفلسفية، وبالطبع تنقية التراث الإسلامي، على طريقة المفكر نصر حامد أبو زيد، من الشوائب التي تؤدي إلى التطرف والإرهاب، والتي أيضًا تمزج السلطة السياسية بالسلطة الدينية.
ولمزيد من تقديم فروض الطاعة، صادر مدير المركز القومي للترجمة، بأمر مباشر من وزير الثقافة عبد الواحد النبوي، كتابًا مترجمًا عن الفرنسية يتناول ثورة يناير وما بعدها، لأن الكتاب، بحسب بيان الوزارة، وصف "أحداث ماسبيرو"، التي اعترف الجيش بأنها مذبحة في حينها وفي بيان رسمي، بـ "مذبحة ماسبيرو".
لقد تحول النبوي، في أشهر قليلة، من مجرد ذراع للسلطة إلى خادم يقدم فروض الولاء، لا يعمل فقط من أجل الحكومة التي عينته، بل يزايد على هذه الحكومة بتقديم ضحايا جدد. يفعل ذلك من تلقاء نفسه، متسقًا تمامًا مع أداء الحكومة التي اختارته، دون أن يدري أن منصبه من أجل الشعب وليس من أجل الدولة، وأن السلطة في حقيقتها للشعب وليست للرئيس.
 





http://www.huffpostarabi.com/ahmed-abd-allateef/-_1059_b_7991674.html

الأربعاء، مايو 06، 2015

إلياس.. الفرد كهوية مفتوحة

(1)
في رواية أحمد عبد اللطيف الأحدث "إلياس"، (دار العين، القاهرة)، نحن أمام ما يشبه الحكاية، مروية على لسان ما يشبه الفرد.
مايشبه الحكاية وما يشبه الفرد: إنهما طرفان يؤكد كل منهما على نقصان الآخر. 
سيبدو تلخيص روايةٍ كهذه ضرباً من العبث. فالحكاية الكبرى مفتتة إلى عدد هائل من المحكيات الصغيرة، وبالمقابل ينشطر الفرد منتج المحكيات، أو بطلها، إلى ذوات لا يمكن بمنطق السرد الاعتيادي أن تندرج جميعها تحت اسم شخص واحد. إنه نقض آخر  لصورة النبي كتجسيد لكلية المقولة. 
الشخصية هنا آخذة في تقويض نفسها، بلا حاجة لعنصر خارجي ينهض لدحرها.إنه اشتغال أقرب للشعري فيما يخص البنية الشمولية للنص، فلا حكاية خطية تتنقل مفاصلها تعاقبياً من نقطة لتاليتها في الزمن. بالتالي فالرواية تنهض رأسياً بأكثر مما تتوسع أفقياً عبر حبكة تقليدية. "النهوض" بالعالم عوضاً عن "تمديده" هو ما يبدو شاغل هذا النص، وبحيث تجري خلخلة الزمن بعنف، مؤسسةً لقطيعة تامة بين الزمن الكرونولوجي التعاقبي والزمن النصي الذي لا يعترف سوى بقانونه الخاص. لذا، فنحن أمام رواية "استباق" بالقوة نفسها التي نجد نفسنا بها أمام رواية "استرجاع"، أو "استرجاعات" إن شئنا الدقة حيث لا تتوقف الرواية عند نقطة سالفة بعينها بل تتنقل بين "أنماط" من الماضي تستدعي معها لحظات ذات دلالة، من 641م في الفسطاط، لـ 1610م في غرناطة، ومن قاهرة يونيو 1967 لقاهرة أكتوبر 1973، وصولاً لسنوات التسعينيات والألفية. بالقوة نفسها ثمة استباق يصل للعام 2052.
مَن إلياس؟  ربما "جميع الشخصيات التي يؤديها.. ولا أحد"، بتعبير ستانسلاف ستانسلافسكي عن "الممثل". لكن إلياس بدوره ممثل، لأدوار ثانوية، مثلما هو قاتل، وكاتب قصص قصيرة مجهض، ونبي مغترب في عصره، وجثة متحركة بساق مبتورة، وفي الأخير، خالد، حسب تصوره الخاص عن نفسه.
 لن تألو الرواية جهداً في التفتيش بين "هوياته"، هويات تتراوح حتى أنها يستحيل أن تجتمع في ذات مفردة إلا بقدر لا يُصدق من التسامح.. يناقض بعضها بعضاً وينقضه، فلا يتبقى منها سوى الاسم. الوجود يسبق الماهية، لكن التشكيك هنا يجري على المستويين، أي وجود يمكن التحدث عنه وأي ماهية؟  
(2)
يبدأ ابن كثير الرواية وينهيها، كسارد.
 إنه يتحول هنا إلى راوٍ لحكاية إطارية وليس فحسب اسماً مُتضَمناً في "تصدير".
 "أربعة أنبياء أحياء، اثنان في الأرض: إلياس والخضر، واثنان في السماء: إدريس وعيسى". هذا هو مفتتح الرواية وليس تصديرها، كونه يُعرّف مباشرةً بـ"ماهية" بطلها ويبسط سماته الجوهرية أمام قارئها: نبي حي عائش على الأرض، والحياة هنا تتضمن كونه حياً وسيظل.
يلتقط إلياس نفسه طرف التعريف من راوي المدخل السردي الإطاري، ليبدأ على الفور تعريفه الخاص لنفسه، واضعاً نفسه "كسارد حي"، محل "السارد الميت": "أنا إلياس. اسمي إلياس. أو هكذا سمّوني بإلياس. أو هكذا يدّعون أنهم سمُّوني بإلياس. أو هكذا يظنون ـأن اسمي إلياس. إلياس هو الاسم وأنا أردد الاسم بيني وبين نفسي".
سيختفي السارد الأول (المتحدث بالضمير الثالث)، وقد أرسى التعريف الأول لسارد يتحدث بالضمير الأول، وتركه يقبض على ناصية سرده. لكن السارد الإطاري نفسه، "ابن كثير"، سيظهر مجدداً ليغلق الحكاية (أو مجمل الحكايات) مثلما بدأها،  بمشهد أخير يلتئم مع الأول ويؤكد عمدية الحكاية الإطارية. المشهد الأخير تحصَّل عليه السارد عبر أحد عشر راوياً: "كنا مع رسول الله في سفر، فنزلنا منزلاً، فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة المغفورة المُتاب لها، قال: فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فقال لي من أنت؟ فقلت: أنس بن مالك خادم رسول الله، قال: فأين هو؟ قلت هو ذا يسمع كلامك، قال: فأته فأقرئه مني السلام، وقل له أخوك إلياس يقرئك السلام. قال: فأتيت النبي فأخبرته، فجاء حتى لقيه وعانقه وسلم، ثم قعدا يتحادثان فقال له: يا رسول الله إني ما آكل في السنة إلا يوماً، وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت. قال: فنزلت عليهما مائدة من السماء، عليها خبز وحوت وكرفس، فأكلا وأطعماني وصلينا العصر، ثم ودعه ورأيت مرّه في السحاب نحو السماء".
كأننا أمام حكاية إلياس التي تبدأ بتوصيفه وتنتهي بانتقاله العجائبي للسماء.
بين القوسين الكبيرين، القادمين من سارد عاش ومات في القرن الثامن الهجري، تتحقق محكية عابرة للزمن والمكان، بالضمير الأول، حيث "إلياس" نفسه هو السارد.
النبي في التصدير والنبي في الخاتمة، وفي الاثنتين هناك الراوي الذي أقام الحقيقة من الفعل الشفاهي، لكن بينهما، هناك الكتابة، وهناك الراوي المتكئ على الكتابة في تقديمه لنفسه، بما يتجاوز فكرة النبي نفسها، مكرساً لخلوده، وكأنه ارتقى الدرجات اللازمة التي على النبي أن يقطعها ليصبح إلهاً. ليس "إلياس" بناقل لرسالة، لكنه خالقها، لذا فرسالته هي "إلياسيته"، وأتباعه، جميعهم "إلياس". لا يرغب إلياس _كالأنبياء_ في محاكاة، إنه يطمح في تطابق رعيته معه. لذلك، لا يملك إلياس في هذا النص أتباعاً، بل أشباه. إنه تعميق لتصور، يغدو فيه الفرد وعالمه الشيء نفسه.
الهوية المغلقة تتحول في النص إلى هوية مفتوحة، تتسع للعالم وتستوعبه وفق اقترابه من "إلياس" العابر للأمكنة والأزمنة، ويغدو العالم، العالم كله، "أرشيفاً" يحيا السارد بين أوراقه.
(3)
المكان في إلياس إذن هو "العالم". لكن، ما العالم؟  إنه الأرشيف اللانهائي الذي يحيا إلياس بين قصاصاته. العالم إذن هو "التدوين"  ولا شئ آخر. كل ما لم يدون، لا يعول عليه، ليس لأنه لا يصدقه، لكن، لأنه ببساطة، لم يقع. نص إلياس الذي بين يدينا هوكتابة على كتابة، كتابة تتأمل كتابة سابقة (ولاحقة)، كأن العالم.  نص إلياس نفسه الذي بين يدينا هو مكتوب يجادل مكتوباً، لينتج في النهاية "ميتا رواية".
يجافي "الأرشيف" فكرة "الاستخلاص"، لصالح التراكم الكمي والدقة "التسجيلية". الأرشيف هو "الكلية" التي تفتقر للدلالة كونها تعمد إلى التجميع عوضاً عن "الانتقاء".  هذه هي الرواية الأولى، (هي في الحقيقة ما ينهض كصورة للواقع التراكمي) اللانهائية، مكتوبة أيضاً بواسطة إلياس أو موجهة إليه. أما الرواية الثانية فهي رواية "الانتقاء"، رواية التخليص والتلخيص، التي تمثل نص إلياس "الدال"، وبالتالي صوته المهيمن.
منذ اللحظة الأولى، نحن أمام "صوت" بأكثر مما نحن أمام "شخصية".  لا يكف إلياس عن تعريف نفسه، ولا يكف عن نقض التعريف. هذه "مونودراما" روائية، أو هكذا تبدت لي: ممثل وحيد على خشبة مسرح يسرد مونولوجه الطويل الذي يتجاوز المائتي صفحة في قطع "كِتابه".
صوت إلياس هو نصه، صوته المرتبك، الذي تترجمه عبارات قصيرة مبتورة، تجافي الفواصل، وتنتصر للنقطة التي يتكسر على شاطئها كل سطر. يوحي إلياس لقارئه بأنه يكتب شهادة نهائية تلخص مزق حياته، المكتوبة بالفعل في قصاصات متباعدة يضمها أرشيف ضخم. يكتب كتابة "لاحقة" على أنقاض "كتابة سالفة".
يبرر ذلك هذه الرغبة المحمومة في تقريب اللغة المكتوبة من تقنية خاصة في "التلفظ" تخص صاحبها. التلفظ وقد صار موضوعاً للتدوين، إنها التقنية التي تقرب العالم الروائي من أحد أشد أسئلته إلحاحاً: العالم كسلسلة من النقل الشفاهي، وهو يطمح في تحوله إلى كتاب نهائي لا يقبل "التحريف".
يعرف إلياس نفسه من اللحظة الأولى، كأن متلقيه يجلسون قبالته. إنه وعي أولي بفكرة "العرض". "العرض" يتسق ومهن "تخون الواقع" سواء بالاتكاء على وهمه الممثل في الفن (إلياس كاتب القصص القصيرة/ إلياس ممثل الأدوار الثانوية)، أو تخونه أخلاقياً، بالقتل (إلياس القاتل).  
متى تصبح الشخصية الروائية بطلاً لعرض؟ عندما تدرك أنها بصدد نصها لا واقعها. نعم، واقع إلياس هو نصه، هو صوته العميق وقد تحول لكتابة، وهو وعيه الخاص باللغة وقد حلت محل العالم عوضاً عن أن تعمل كمحض جسر بين الدوال ومداليلها الاتفاقية في الوعي الجمعي.
 يتبنى إلياس بنية خاصة للعبارة، بنية تكرارية تتكاثر فيها الدلالات بقدر ما يشح محصول المفردات. إنه تصور للزمن أيضاً، لا وجود فيه لفاصلة. وحيث لا جملة مكتملة إلا بإكمال تاليتها لقدر من الدلالات المرجأة. النقطة التي تجعل من كل عبارة نهاية، في مواجهة الفاصلة التي تعد بالاستمرارية. إنه وعي يلائم المتكلم الذي "قد" تنتهي حياته قبل أن يكمل عبارته، حتى مع يقينه بخلوده.  حسب ذلك التصور، تنتفي الفروق بين الماضي والمستقبل. وتبعاً لذلك، يسرد إلياس ببساطة ما وقع في مستقبل بعيد، كمن يتذكره.
(4)
نحن أمام سارد يتجاوز، حتى، فكرة أنه "البطل"، حيث أنه هنا يغدو "الحكاية" نفسها.
 النص بأكمله  سيتحقق إذن كمونولوج داخلي طويل: إنها تقنية تطمح، إذا ما استعرنا مفهوم روبرت همفري، "لتقديم المحتوى النفسي للشخصية والعمليات النفسية لديها في اللحظة التي توجد فيها هذه العمليات في المستويات المختلفة للوعي قبل أن تتشكل للتعبير عنها بالكلام على نحو مقصود". قصدية الكلام هنا تتقاطع مع ملاحقة الوعي في آنيته، فينتج خطاب إلياس على النحو الذي يبسطه النص: كتابة تجتهد لكي تكون على الدوام صورة من الحاضر. بهذه الطريقة فقط يمكن أن يكتسب الزمن سيولته النصية كما تحققت روائياً. من هنا أيضاً يمكن ملاحظة هيمنة الفعل المضارع على الخطاب، سواء كان ذاهباً إلى الماضي أو مستبقاً نحو المستقبل.
إنه، بتعبير جيرار جينت "خطاب فوري يضع القارئ داخل ذهن الشخصية ليشهد حدوث عملية تفكيرها". القارئ داخل ذهن الشخصية: إنه طموح آخر توفر هذه الرواية إمكانات تحققه، بحيث يغدو الفعل الإنتاجي مقسماً بالعدل على السارد والمتلقي معاً.
 ليست لغة السارد هنا إذن محض ولع شكلاني بتغريب اللغة السياقية المتعارفة، لكنه محاولة دائبة لمحاكاة عملية التفكير تجعل اللغة أقرب ما تكون للوعي. نحن فعلياً نكاد نكون "شهوداً" على عملية التفكير نفسها، وكأننا أمام نص قائم فعلياً في المضارع.
ربما لذلك يكاد النص يكون "عرضاً" لوعي الصوت المركزي المتحدث بضمير المتكلم. لا وسيط هنا بين السارد وخطابه، وهكذا يصير الخطاب، في حالة إلياس، هو نفسه السارد.
تبقى المغامرة في "إلياس"، فادحة بقوة التخييل الذي يقودها باتجاه عالم مشيد على غير مثال، تنتفي فيه المسافة بين الإله والنبي والفرد، بقدر ما تذوب بين الأزمنة التي ظنناها غير قابلة للتجاور.

موقع الكتابة
http://alketaba.com/index.php/2013-10-30-09-53-50/item/4110-2015-05-03-19-31-33.html

السبت، مارس 28، 2015

إلياس.. مغامرة البناء ومراوغة العالم


إبراهيم عادل – التقرير
كلما وقع بين بيديّ عمل روائي يعتمد على “التجريب” ويسعى إلى الاختلاف شعرت أن هذا العمل موجه لقارئ غير عادي، لكني أفكر أن “القارئ” نفسه ربما يكون قد مل بالفعل من الكتابة التقليدية، التي لا تعبر عن ذلك الواقع المضطرب دومًا، وبالتالي؛ فهو يميل أكثر ويحب تلك الأعمال التجريبية، ليس بمعناها العام وإنما ذلك التجريب القائم على أسس ورؤى فنية واضحة تتجلى بوضوح في روايات عديدة، قد تكون روايات “أحمد عبد اللطيف” نموذجًا لها، وربما تبلغ ذروتها عنده بالفعل في الرواية التي بين أيدينا “إلياس” الصادرة مؤخرًا عن دار العين.
إن ما يقدمه “أحمد” في هذه الرواية يتجاوز مجرد محاولة “التجريب” إلى تأسيس نمط جديد من الكتابة السردية يعتمد بشكل أساسي على “أسطرة” الشخصية/ البطل وجعلها نمطًا عامًا يمكن سحبه وتطبيقه على كل زمان ومكان ليظل قابلًا للتحقق، ممثلًا لهذا النمط من الناس أو الشخصيات الذي اصطلح مع قارئه هنا على تسميته “إلياس” وأفاض في شرح وعرض وصفه وتعميمه على “إلياسات” و”إلياسيون” موجودين في العالم كأشباه ونظائر يتفقون في الصفات العامة وفي طريقة تلقيهم وتعاملهم مع هذا العالم ويشتركون في كونهم أفرادًا مهمشين (ربما بأعضاء ناقصة أيضًا) فشلة مع ذلك يكررون محاولاتهم بدأب.
منذ البداية نحن إزاء حالة من “القلق” و”التردد”، ليس في بناء الشخصية فحسب بل ما تقدمه من معلومات وأفكار عن نفسها، ليس هناك يقين أبدًا ولا معلومات مؤكدة، بل هناك تذبذب دائم في كل جملة وكل فقرة:
أنا إلياس، اسمي إلياس، أو هكذا سموني بإلياس، أو هكذا يدعون أنهم أسموني بإلياس، أو هكذا يظنون أن اسمي إلياس، إلياس هو الاسم وأنا أردد الاسم بيني وبين نفسي. أقول مثلًا اقرأ يا إلياس، البس يا إلياس، افعل الخير يا إلياس. وهكذا طوال الوقت وبلا انقطاع. بلا قطيعة. بلا توقف. وهكذا طوال الوقت بشكل مستمر ومتكرر ومتواصل. وعادةً ما أستخدم الأمر مع نفسي. وعادةً لا أستجيب للأمر لمّا يكون نابعًا من نفسي. وعادةً لأني إلياس لا أعرف نفسي. لا أتعرف على نفسي. لا أقابل نفسي. وإذا قابلت نفسي بالصدفة أقول: يا إلياس أمسك باللحظة. افرض شروط إلياس على اللحظة. لكن اللحظة لاتدوم. اللحظة تهرب. اللحظة تذوب. ولايبقى إلا إلياس. فأبقى أنا وهو للأبد…”.
بعد أن تغوص بين أسطر الرواية وصفحاتها تكتشف أنك بإزاء تلك الحالة الخاصة لخلق بطل (لا بطل) يبدو عاديًا وهامشيًا ولكنه في الوقت نفسه يمثل أو يصلح لأن يكون نمطًا للكثيرين، وعليه؛ يقدم “أحمد” من خلال إلياس “عددًا من الصفات التي ربما تجدها منطبقة عليك أو على آخرين في العالم: (عمره غير محدد، وحيد جدًا، لايعرف إن كان حيًا أو ميتًا ولكنه جثة متحركة، لايمتلك أشياء ذات قيمة، كاتب قصة، ممثل فاشل “كومبارس”، يعتبر العالم من حوله “أرشيف”، أعرج (فقد أحد ساقيه)، لايحب النظام، يبحث عن أمه الحقيقية، …) وغيرها من الصفات التي تشير بعد قليل بتلك الشخصية الهامشية غير المؤثرة التي تحاول أن تبحث لها عن دورٍ عن مكانٍ حتى عن حكاية، ولكنها تتوه دومًا وتتورط بدلًا من ذلك في أدوار أخرى ومشكلات لاتتمكن من الخلاص منها!
والكاتب إذ يضع صفات “إلياس” المشتركة بينه وبين غيره، يحرص من خلال تلك اللعبة/ الحيلة الروائية أن يعمم الشخصية قدر استطاعته فيجعلها متجاوزة للزمان والمكان. وهو إن كان قد ربط بعض “اعترافات إلياس” أو خطاباته (إن شئنا أن نسميها كذلك) بتواريخ معينة (سنكتشف بعد قليل ارتباطها كلها بأحداث تاريخية وسياسية هامة) فإن ذلك كله يتسق بشكل أو بآخر مع كون هذا البطل الـ “إلياس” مأزومًا أو مهزومًا بشكل أو بآخر، ربما يتجلى ذلك مثلًا في كون خطابات حبيبته مرتبطة بتاريخ الهزيمة 1967 والنصر 1973 معًا، كما قد يتجلى أكثر في تقمصه لدور قاتل “لوركا” الذي يتغير فيه (إلياس) زمانيًا ومكانيًا (غرناطة 1936) ويجيد التعبير عن ذلك القاتل: “قالوا اقتل يا إلياس من أجل القومية، وقتل إلياس من أجل القومية، قالوا “لوركا” يهدد القوميين وقتل إلياس لوركا من أجل القوميين، ثم قالوا لماذا قتلت يا إلياس؟ ماذا فعل لك لوركا حتى تقتل لوركا يا إلياس؟ قلت كنت أحافظ على القومية، قلت كنت أناهض الجمهورية الديمقراطية، قالوا أخطأت يا إلياس. القتل جريمة يا إلياس …”.
يتبدى لنا من خلال انتقالنا بين فصول الرواية القصيرة المرقمة بشكل عشوائي، تنقل السارد إلى حكايات مختلفة متصلة ومنفصلة في آنٍ واحد ولكنها تكمل صورة “إلياس” أو تحكي طرفًا من حكايته، نشعر طوال الوقت أن هذه الرواية تكاد تكون لا نهائية، تمتد إلى الأبد وقابلة لأن تحتمل مواضيع شتى وأفكارًا مهما تباعدت متقاربة، لذا؛ لا نمل، إنما نواصل التعرف على جوانب تلك الشخصية الأسطورية، ربما نجد أنفسنا في لحظة ما نشبهها تمامًا.
إلياس يكتب وتشغله فكرة الكتابة:
سأكتب الحدث لأني كاتب قصة، كاتب قصة فاشل لكن كاتب قصة. أكتب للمجلات مقابل مكافأة وبالمكافأة أعيش. بالمكافأة أواجه الجوع. بالمكافأة أواجه الموت من الجوع. لكن لا أكتب من أجل المكافأة، أكتب لأني أقول ما أريد بالكتابة. لا أقول ما أريد بالكلام. الكلام لا يعبّر عني. لساني لا يعبِّر عني، كتابتي تعبّر عني. قصصي تعبّر عني. كتابة القصص تمنح بعدًا آخر، بعدًا وأنا أتحرك في البعد. كتابة القصة تمثل الواقع من وجهة نظر أخرى. الواقع ليس في حاجة إلى الكتابة. الواقع موجود. الواقع مرئي. الواقع في حاجة إلى القراءة. القراءة بتأمل…”.
على هذا النحو الفلسفي يبدو “إلياس” أيضًا، وإن كان غير متيقن إلا أن تأملاته تصل به إلى تلك الأفكار الكبيرة التي يطرحها بشكلها البدائي البسيط، الذي يخرج مكتوبًا وكأنه في لحظة تفكيره فيه، بدون نظام أو ترتيب محكم! تستمر هذه الملاحظات والتأملات وتأخذ حيزًا كبيرًا في الرواية يشكِّل شخصية “إلياس” بأبعادها المختلفة؛ فهو يراقب العالم من حوله ويعتبر الناس فيه كأنما يتحركون في “ثلاجات” يتبادلون من خلالها النظر والشكوى وربما يتبادلون الوحدة أيضًا، ذلك التعبير الرمزي الدال على برود المشاعر مثلًا واللامبالاة، بل وتجمد العلاقات بالآخر.
عندما يعاني من الوحدة؛ يبحث عن الأصدقاء الذين يأتي بهم من عالم افتراضي، هذه المرة من عالم “فيس بوك” مثلًا، رغم وعيه وإدراكه أن “الإلياسات” لايمكن أن تصادق أحدًا لأن “شرط الإلياسية ألا تنتمي إلى أحد، ألا تنتمي إلى جماعة، شرط الإلياسية ألا تفتح الشات. ألا تكتب بوستًا ألا تضيف تعليقًا. أن تشاهد، تشاهد فحسب. تشاهد في صمت”، وهو بتلك الشروط وتلك الصفات يحدد ذلك النمط من الشخصية التي تتجلى “سلبية” تمامًا منسحقة أمام الآخر الذي يأتي غريبًا مرة وشبحًا مرة أخرى، رغم أنها (وأنهم بالتالي) جزء كبير ومجموع هائل قد يشكل تهديدًا لهذا الآخر!
هكذا تظل الرواية تدور حول الشخصية ويدور “إلياس” حول تهويماته وأفكاره واستنتاجاته وأحلامه، ويظل القارئ مأخوذًا بهذا النمط الغريب من الشخصية، وتلك الطريقة الفريدة من السرد الذي لا يقوم على حدثٍ أو أحداثٍ محددة بل يدور فقط حول تلك الشخصية وطريقة مواجهتها لنفسها وللعالم من خلال كتابة تبدو مضطربة لأنها تريد أن تنقل ذلك الواقع المضطرب وتلك الشخصية الهامشية!
وفي ظني، فإن “إلياس” كرواية وحالة ومحاولة في السرد والتجريب لا يمكن عزلها عن تجارب “أحمد عبد اللطيف” السابقة التي استطاع بل وبرع فيها أن يقدم تلك النماذج التي تمزج بين الواقعي والفانتازي لتقدم شخصيات تكاد تكون “أسطورية” في كل مرة لعالم خاص به جدًا قادر من خلاله على جذب قارئه (الذي لازلت أفترض أنه خاص أيضًا)، تلك التجارب التي بدأت بـ “صانع المفاتيح” مرورًا بـ “عالم المندل” و”كتاب النحات”، انتهاءً بالرواية التي بين أيدينا “إلياس”، وهي كلها تجارب تؤكد حرص الكاتب على خلق نمطٍ سردي خاص به ينمو تدريجيًا ويظل قادرًا في كل مرة أن يقدم من خلاله الجديد والمختلف!

رواية "إلياس" لأحمد عبد اللطيف نص تجريبى يتحدى القارئ


 الأربعاء، 24 ديسمبر 2014 - 03:01 م

 كتب أحمد إبراهيم الشريف


 أنا لا أحب ولا أكره إذن أنت "إلياس" بكل رؤيتك وخيالاتك بوضوحك وعتمتك ويأسك وأملك.. فقط عليك أن تملك القدرة على الكتابة وأن تصوغ إحساسك سواء بالضياع أو التحقق فى شكل كتابى يليق بك. رواية إلياس للروائى والمترجم أحمد عبد اللطيف الصادرة عن دار العين تجعلك تتساءل، ما الذى يكمن خلف شخصية إلياس وما الرمز الذى يسعى إلى أن يثبته وما التحدى الذى قصد إليه أحمد عبد اللطيف بهذه الشخصية الممتدة عبر الزمن؟. لا يمكن القول بأن إلياس شخص واحد ولا حتى مجموعة من الشخصيات تكتب معا حكاية طويلة وحكايات متفرقة، إنما المقصود هو الإنسان "المجرد"، الشاهد على كل كوارث الزمن والذى يفقد أجزاء جسده لإحساسه المسبق بالعجز الذى يسيطر على عالمه، ولأنه يدفع ضريبة وجوده فى هذا العالم، كما أنه ممتلئ بالذكريات التى تبدو فى هيئة أرشيف له، وربما "الأرشيف" فكرة تقريبية لما يريد أن يحكيه من وعن الألم، هو يراه أرشيفا لكنه فى الحقيقة سجل معرفى لتاريخه الذى هو تاريخ الوجود البشرى، يحكى ثم يعيد إنتاج حكاياته فى شكل صوت ثان وثالث ورابع غير محددين لكنك تشعر بهم، ربما يشك فيما سيقوله فيعيد صياغة الجملة، لكنها فى شكل قصص قصيرة، وذلك لأن إلياس كاتب قصص قصيرة، لكنه ليس فاشلا كما ادعى، ويعيد تمثيل العالم، لأنه ممثل بارع وليس فاشلا كما ظن، كلما أدى دورا فى فيلم اكتشف أنه يؤدى جزءا من حياته الحقيقية، فالحياة هى الفيلم الذى قام فيه بدور "إلياس". فى لحظة ما فى الرواية ستشعر بأنك أنت إلياس، بأن جزءا منك هو إلياس، أنك أنت هو فى أحد الوجوه التى قدمها، وفى أى زمن يناسبك من الأزمنة التى خاضها مكرها، المهم أنه زمن صالح لارتكاب الآثام وقتل كل الشعراء اللوركيين وقتل كل الغرباء الذين يظهرون فى الحياة وهجر كل الرفيقات شريطة ألا تحب ضمير المفعول، وحسب استعدادك لفقد جزء منك حتى تطهر روحك دائما بهذا الفقد وتستطيع أن تواصل الحياة. أحمد عبد اللطيف كتب نصا "تجريبيا" بامتياز لم يسبقه فى كتابته أحد، نص جديد على الرواية العربية، رفع سقف التجريب فى صالح النص وأسقط تقريبا القارئ من المعادلة، لكن ذلك يطرح قضية كبرى ما المقصود بالقارئ، هل هو الذى يتصفح رواية فى وسائل المواصلات من باب التسلية، وهذا يذهب بنا إلى بيان التحدى الذى قصده أحمد عبد اللطيف فى الرواية، فكثير من الكتاب فى سبيل "البست سيلر" ومغازلة طبقة ما من القراء المحدثين، سعوا إلى التنازل عن سمات مميزة كانت تحيط بنصوصهم منها اللغة المشبعة بالدلالات والصورة المركبة بعض الشيء واختاروا مغازلة قارئ النت والمواصلات العامة بالتبسط فى الكتابة فى اللغة والتراكيب والتقنيات والتكنيك وبالتالى تراجع التجريب تماما وأفسح مكانا للحكاية اللطيفة الممتلئة بالمغريات الحسية واللغوية السهلة والتركيبات الجاهزة القادمة من مواقع التواصل الاجتماعى، فى ظل هذا الطوفان، فعل أحمد عبد اللطيف عكس هذا الاتجاه، فقد كتب رواية فى اتجاه القارئ النخبوى الذى يملك رؤية للعالم عادة ما تكون مأزومة ويبحث عن دليل فيما يكتبه الآخرون، لذا ستقدم الرواية له وجهة نظر فى هذا العالم الذى يأكل نفسه، فالقارئ الجاد مع إلياس يفكران فى خطة بديلة للمشاركة فى فهم تفسير ظواهر العالم المغلقة التى ربما تعود بهما للعلة الأولى للأشياء، إذن إلياس ليس مجرد شخصية روائية، إنما هو أنت، فقط راجع تصرفاته وأفكاره وخوفه وأمله ورعبه ومحنته وأفراحه القليلة ستجد أنه أنت بصورة ما، ولو لم تجد نفسك فى الرواية لن تستطيع أن تكمل هذه الرواية التى تمتحنك وتعكس مدى قدرتك على القراءة، هى ليست رواية صعبة لكنها حقيقية وهذا هو الفارق، وليست رواية "متاهة" لا تعرف لها أول من آخر لكنها تقيس مفاهيمك عن الكتابة والإبداع. فى الرواية لا يهم الزمن، إنها تنويعات على وجيعة واحدة بأشكال مختلفة، ربما تفاجأ بتحديد الزمن فى نهاية الفصول المسلسلة وهو ترتيب لا يملك منطقا يقفز للمستقبل أو يعود للماضى، ليست هذه عشوائية أو عملية إرباكية للقارئ، هى فقط ما تتذكره الذات الإلياسية التى توهمنا أنها تقرأ ما يتراءى لها من الأرشيف، الذى يملأ عليها حياتها، حتى وفاته يتخيلها أمامه لكنها تأتى بلا تاريخ محدد على شاهد قبره. إلياس هو سيزيف يحمل أفكاره ومخاوفه طوال الوقت كى ينتحر تقريبا فى نهاية كل فكرة ثم يعود مرة أخرى للحياة كى يعذب بالأفكار والتواريخ. وحال قراءتى للرواية كان لدى إحساس بأن الكاتب يعرف أكثر من اللازم لكنه لم يشأ أن يؤلمنا أكثر، هو فقط طلب منا نحن الإلياسات أن نضع صورنا على صفحاتنا على الفيس بوك، حتى لو اكتشفنا أنها صورة واحدة لنا جميعا، وطلب منا أيضا أن ننهى القطيعة مع ذواتنا وأن نضع مرآه صغيرة فى غرفنا المغلقة. إذن يكمن جمال هذه الرواية فى أن أحمد عبد اللطيف لا يكتب وحده هذه الرواية فهناك إلياس، إلياسان، إلياسات كثيرون يكتبون هذا النص، هناك "نحن" العالم الممتلئ بالإلياسات الذين يعيشون جميعا فى ثلاجات طوال الوقت، وهم مستعدون لقراءة سيرتهم الذاتية التى كتبها أحمد عبد اللطيف فى هذا النص المبدع.


جريدة اليوم السابع

الأحد، ديسمبر 28، 2014

غادة نبيل تكتب عن رواية "إلياس"

الطاقة الشعربة في "إلياس"


قد يحب الشعراء – أكثر من الروائيين – رواية أحمد عبد اللطيف الأخيرة "إلياس" ( دار العين ) . 
فى أعمال أخرى أقل تجريبية له ( النحات ) تجلت لى لغته ذات طاقة شعرية وفلسفية مخزونة وهى فى " إلياس" أكثر تحدياً ومعابثة لكنها ليست مانيفستو لغوياً : "أنا والفعل يصنعنا الزمن الطويل . العلاقة هكذا رغم أن العلاقة لا تبدو كذلك:الزمن يصنعنى ويصنع الفعل. وأنا والفعل نصنع الزمن . وأنا أصنع الفعل . والفعل يصنعنى. الزمن يلومنى لأنى لا أنقذ الزمن من العَجَز . وأنا أدعى أن الزمن من يهبنى العَجَز . والفعل مظلوم بيننا لأن العَجَز يمنع الفعل من التحقيق". هذه عندى قصيدة نثر . وهاكم أخرى : " ولغتى سيئة جداً . مع ذلك يعتبرون ميزتى فى لغتى . لغتى التى تتجنب ضمائر المفعول ، لغتى التى تعادى ضمائر الملكية . لغتى التى تكافح التنوين ". 
والشعر عند عبد اللطيف مضفور بالفلسفة . مثلا : " وبعد كل انتصار أعرف أنى مهزوم . أعرف أنى مهزوم لأن المعركة هزيمة " ، كذلك حين يقول إلياس : " الواقع ليس فى حاجة إلى الكتابة . الواقع فى حاجة إلى القراءة ." أو حين يشعر ويكتب : " الشقة حدقة وأنا عينٌ بارزة . العالم حدقة وأنا عينٌ بارزة " . وها أنا أضيف التنوين ( بالضم ) الذى يمقته إلياس بكل أنواعه . وها هو المؤلف المضمَر عبر بطله المتكلم يطبق فلسفته فى اللغة وموقفه من الفاصلات الخ عبر طريقة كتابة رواية " إلياس ". هى اللغة التى يدعونا للتمرد عليها بتقبل أسلوب إلياس فى اجتياحها ، فى تقبل تناقضات روح بطله الذى يؤكد " أحب اللغة .أحب اللعب مع اللغة " ، " لكنى لا أحب الأخطاء النحوية .. لا أحب الأخطاء اللغوية " ورغم توكيد إلياس لعدم حبه للأخطاء اللغوية إلا أن هناك أخطاء – ربما بعضها اختيارى وبعضها قد لا يكون . الأمثلة عديدة من أبرزها " اترعبوا " التى تتكرر بدلاً من " ارتعبوا " و" خيطت " حين يقصد " خاطت " وهكذا .

 وربما يشى نفى إلياس السابق – أىعدم حبه للأخطاء اللغوية - إلى إحساس عالٍ بالذنب تجاه مغامرته اللغوية التى تتجاهل وتدعونا لإهمال بعض قواعد اللغة و" تمظهراتها " ( سيكره هذه الكلمة مثلى لكنى استخدمتها ! ) طلباً لحرية وخيال آخر. أو كما يقول إلياس : " فى الكتابة لا يجب أن أريد . لا يجب أن يجب ..... أكتب للمتعة . أكتب للألم . للألم الذى يشبه المتعة .أكتب لأعرف من أنا فى الحقيقة . من أنا فى الخيال. "
يرى الروائى الراحل هيرمان بروش أن الرواية التى لا تكشف عن شريحة فى الوجود لم يسبق كشفها هى " رواية غير أخلاقية " فكل سبب ومعنى الرواية عنده يتلخص فى المعرفة . بينما لا أصدق أن " أخلاقية  الرواية الوحيدة " مصدرها المعرفة بالمعنى الضيق . أصدق شيئاً آخر أو لنقل تأويلا مختلفاً لمقصدية بروش : ثمة جماليات سردية قادرة – لدى البعض فقط – على تحقيق ذلك الكشف عن شىء يبدو جديداً حد إمتاعنا ومفاجأة خيالنا وهذا الشىء بحد ذاته يقدم لـ " معرفة " مختلفة وفارقة . هكذا أختار أن أفهم جملته قاطعة الحكم . ثمة كتابة روائية بلا روح مهما استعانت بتقنيات وتجريب وترسانة معرفية موسوعية. وكتابة أحمد عبد اللطيف نجت من هذا لتقدم طزاجة وحيوية ضمن تجريبية مشروعه السردى حيث هنا فى " إلياس " استمددنا المتعة أكثر من حالة وصفها أمبرتو إيكو بـ " انعدام القصة / الحكاية " على الرغم من عدم غياب المحكى والوصف وربما حكايات صغيرة أو إشارات لآخرين بلا أسماء أو إسهاب – من منظور إلياس - داخل الرواية ، ولكى يبقى السرد شيقاً رغم ذلك هو تحدٍ ليس سهلاً. المهم عندى ابتعاد كتابته عما أحسه فى بعض الأعمال الروائية الأوروبية أو العربية والمصرية ولا أخجل من وصفه بـ " الصقيعية ". 
يسيطر علينا المؤلف بعدم وجود أسماء أخرى فى العمل عدا بطله ، ثم بفرض إيقاع الشخصية ورؤيتها للعالم ليُحدِث تحولاً فى علاقتنا باللغة التى بدأت – بمكر – مرحة playful  ثم بعد استدراجنا ، صارت وسيلة لتحقيق تراكم عصابى لاهث. لغة تلهث،أو لغة طفلة ومتقطعة . والطفل يلهث من اللعب باللغة لأن هذا العالم يجهده ويثيره أثناء استكشافه لكن اللغة قد تقف عائقاً والطفل بلا محاذير يهدم اللغة ليؤسس فهمه الذى يقاوم تعنتنا وأُطرنا .
 " إلياس " مغامرة ممتعة لا تقع فى الملل بسبب حجمها غير الطويل ولحساسية المؤلف الذى يلتقطك قبل الوقوع فى حفرة ملل أو تعب ( وينهيها ) قبل التشبُّع باللعبة. ذكرنى إلياس ببطل رواية " G " لكاتبها الناقد والرسام جون بيرجر التى حازت البوكر عام 1972 حيث وظف بيرجير الجرافيتى الجنسى البدائى ( من رسمه هو ) فى الرواية كوسيلة داعمة للسرد دون أن تكون رواية مُصوّرة ."ج"  يمكن أن يكون غاريبالدى أو دون جيوفانى، نموذج البطل الإيروسى العابر للأزمان والمكان ( إلياس بلا عمر محدد يمكن أن يكون30 أو 200 ) فنجد خلفيات سياسية وراء مغامراته التى ترى فى الجنس وسيلة لتحرير طاقات النفس مثال حرب البوير وثورة عمال ميلانو ( 1898 )وأولى رحلات الطيران فوق الألب لكن بينما " ج " تم نقدها كرواية تروج لفكر صاحبها اليسارى ( لم أشعر بهذا فنياً  لدى قراءتها ) يجد بطل " إلياس" متنفساً لتناقض شعوره الثورى/العدمى فى ضلعى الجنس والإيحاء بأهمية التاريخانى. لا أظن أن عبد اللطيف استهدف كتابة رواية تاريخية لكن أُرجّح أنه ربما تخوّف من عدم تدعيم مغامرته برموز زمنية ذات مغزى تمنح بطله عمقاً وفانتازيا أكبر وتمهد لنهاية خارقة . كلتا الشخصيتين " ج" و"إلياس" تثيران أسئلة داخلية للذات وما يرتبط بهذا من تعاطف . تلفتنا تسمية إلياس للعاهرات بـ " الرفيقات" ، فعاهرة تستمع رفيقة لكن التى لا تستمع ليست عاهرة، ليست شيئاً ويقابلها من لا يستطيع تقديم أكثر من جيبه ليخرج الطرفان بلا إدانة. هذا رديف الحنان الماركيزى والمحفوظى  وكذلك الإدريسى ( نسبة ليوسف إدريس )عليهن. 
إلياس يعود لينفى ما يدعيه فى إعلان مستمر عن الخيبة والفشل فى القص، فى التمثيل، فى العلاقة بالمجتمع. الهم الثورى كاشف فى التواريخ المنتخبة التى يختم بها أجزاء عدة : القاهرة 1967 و1973 و2011 و2013 أو النكسة وحرب أكتوبر وثورة يناير وحكم مرسى وأخرى يختمها باسم بطله متبوعاً بتواريخ دالة ( بلا إفصاح  لكى تبحث أنت فى التواريخ وما ارتبط بها من وقائع ) 711 تاريخ فتح الأندلس،1492 سقوط غرناطة، و1610 تاريخ طرد العرب من بلنسية ، و مقتل لوركا الذى يرتكبه إلياس ويتبرر شارحاً أن ساقه المبتورة هى بديل لحكم الإعدام. نحن أمام برئ مُنفّذ . فى كل هذا لا تبدو لى الرواية تاريخية. الأدق أن المعنى الذى تقدمه لنا اللغة في " إلياس" هو لعنة التكرارالمرتبط  بمنظومة السأم التى هى الحياة. الأحداث التاريخية كمتلازمة تتكرر، الاحتلال وشهوة الحكم والتملك . والتاريخ المُرتَكَب مفتت مثل روح إلياس الذى لا يبدو صاحب وعى فاسد Bad faith( مثل "ج" فى البداية ) قدر ما يُسلِم إلى شعور بالهدر العظيم للحياة.

" ربما لهذا شاهدتُ جنازاتى ، ربما لهذا رأيتُ سرادقى " . 
نقرأ هذا مبكراً جداً فى الرواية ووظيفته تمهيدنا لغرائبية خارقة تتوازى مع غرائبية شعور إلياس تجاه كل أشياء الكون العادية وتجاه نفسه ، ذلك الشعور الذى تعب من الحياة من كثرة البحث عنها . نجد اللغة يشتد لهاثها وتقصر كلماتها أكثر فى مواضع بالرواية ( ليميز إلياس لهجة امرأة ما دون اسم ) وتبرز الفواصل حين تكتب تلك الرفيقة له خطاباً حتى نكاد نلهث فى فعل القراءة ( وهو هدف كما يبدو ) فى جزء يُختَتَم فقط بـ " القاهرة 1967 . 
يلوح دائماً الماوراء وإلياس لا يعنيه تغيير أى شىء ، لن يبذل جهداً فى سبيل أى شىء لكننا تدريجياً نكتشف أن كل " اللقطات " التى يقوم الكاتب بلضمها ثم جردها ما بين ذكريات واستشرافات ووصف أحاسيس هى مناطق قاتمة متشابهة لروح ترى المستقبل والماضى سواسية من فرط التعب – من- الوجود . إلياس هو نحن فى حالة التعب والاختباء فى عزلة بعيداً عن الناس ، هو الضجر من الإدعاء والتظاهر بالقوة ، وهو الذهول أمام القسوة التى يدعى التعود عليها أو يتراءى أن يبدو جزءًا منها . لهذا يصف كل شىء كما لو كان طفلاً لا يفهم الصلات بين الأشياء أو بين المقدمات والنتائج ما أملى أسلوباً متواصل التلغرافية والاندهاش قد يبدو تقريرياً ظاهرياً لكنه أبداً ليس كذلك بل هو مشحون ومفعم بالانفعال حد الشلل : " المرأة التى تأتى بمواجهتى بلا قلب. انتزعت القلب ذات صباح . انتزعت القلب لأن القلب دق ذات صباح . قررت المرأة أن تقص القلب بمقص صغير . بمقص يشبه مقص الوزراء . مقص الوزراء لما يقصون الشريط الأحمر . هى تقص القلب وأنا أقص القصص . القص يعنى إحداث قطيعة................................................ خيطت الصدر كجلباب مُرتق . المرأة خرجت للعمل بابتسامة . خرجت وعادت . عادت لتحمّر القلب . عادت وتغدت . تغدت على القلب " . 
ألا يبدو هذا – ومقاطع شتى من الرواية – كأنما ينتمى لقصص وحكايات الفلكلور الشعبى ، كما قصص الطفولة المرعبة التى تُروى فظائعها ورعبها بأبسط الكلمات؟ ألا يعزز الوصف البرئ لشىء كبير أو كارثى من كارثيته ؟

ثم هناك قرب نهاية العمل تقنيات متعددة مثال الوصايا الثلاث عشرة لإلياس ( دون تسميتها هكذا ) وأيضاً ما يبدو استلهاماً لكتابة الطالع وكشف الأبراج الخ وكلها حيل لدعم القارئ فى تحمله لتجريب المؤلف.
 بدفع اللغة إلى إمكانات جديدة نافرة يغامر بالقارئ .. هذا ما أمتع المؤلف. يقول السارد إنه لا يحب الأخطاء فى النحو ويستمر فى موقفه العدائى من الفاصلة، وأضيف أنا: الفاصلات هدنة، استئناف يتمهل، حق للآخر ، والبطل ممتلئ بأناه  يتماس أوقاتاً عبر شرائط فانتازيا مع بطل " الغريب" لألبير كامو. ويحدث أن نصل إلى نقطة يصبح فيها إلياس غير مرئى يدخل محلاً للورود ليشترى باقة يضعها على قبره هو !. هذا فادح الجمال حين يخترق البطل المتكلم فى نموذج رواية " الشخصية الوحيدة " عبر " ما يوصف بـ " Ist Person narrative view ' حاجز الإيهام ليكسر استنامتنا للأمان الوهمى الذى كان يحيط أبطال روايات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر التى يشبه كثير منها أبطال أفلام الأبيض والأسود الذين ليس مسموحاً – على غرار أفلام الكرتون - أن يموتوا أو ينهزموا طالما يمثلون الخير . أن تُميت بطلك أو تُميع مصيره طمعاً فى "رجّة" عميقة لقارئ لم يرحمه عبد اللطيف من " رجّات أو هزات" صغيرة متتالية ، يستلزم شجاعة ومهارة سردية لولا أن إلياس يبقى ربما فى وضعٍ معلّق أو يتجاوز شعوره بالموت ( يصف نفسه كجثة متحركة مثل البشر الذين فى ثلاجات وبعد ذلك بكونه غير مرئى فنفهم شيئاً يتجاوز تخيله لموته أى أنه مات ) . هدف هذه التقنية خلخلة علاقتنا بكل شىء وليس باللغة أو الزمان والمكان فحسب . ومثلاً هو يختم أحد أجزاء الرواية باسم البطل إلياس متبوعاً باسم القاهرة ثم تاريخ مستقبلى هو 2052 ما يمنحنا شعوراً بموتنا وزوالنا فالمستقبل – عكس الماضى – لا يعد بالأمان أو استمرار حياتنا... الزوال النهائى هو زوالنا نحن، انمحاء وجودنا وانتهاء حياتنا نحن شخصياً. هذا هو الموت الكامل، الحقيقى بعد موت الأحبة (مثلاً الأم ) الموصوف فى الرواية بأسلوب يحاول التخلص من ألفة الموت وعاديته المريرة . 
البطل فى إلياس يحمل ميراث مصداقيته من كونه لا يريد إقناع أى أحد بأى شىء. من لا يحاول دفعك لتصديقه ولا يبذل جهداً لكسبك لموقفه .. هذا من تصدقه . 

قيل إن أحدهم سأل الروائى كارل كابيك ذات يوم " لماذا لا تكتب الشعر؟" فأجاب : " لأنى أمقت الحديث عن نفسى " . فكيف يمكن أن أصدق كتابة هذا الروائى ؟ .. هل الروائيون لا يتحدثون عن أنفسهم فى رواياتهم ؟!! . طبعا لا نجادل فى كينونة الذاتى الأعمق بل والمهيمن فى الشعر أو أغلبه خاصة حديثه لكن عبارة الروائى المذكور توحى " بإزدراء " وفوقية محزنة وغير حقيقية فى آن .


 إن فكرة اللعب مع اللغة أصلاً – لا أخشى من قول هذا – تبدو لى فكرة شعرية أكثر منها روائية . ( ترى هل هذا تفكير كلاسيكى من جانبى ؟ ). أيضاً الرغبة فى الاستحواذ على كل طاقة مشاعرنا لصالح شخصية واحدة على نحو شبه مطلق، ليست هدفاً كلاسيكياً بل يكاد – أقول يكاد - يكون شعرياً ، وفى " إلياس " نجدالأمرين حيث ينتصر التخييلى والسردى عبر اهتمام بأصوات الكلمات وعدد مرات تكرارها وطريقة صياغتها لصالح طموح التحرر العظيم الذى نريده جميعاً فى حياتنا وبالأحرى من الفن .. الطموح فى قول الحكاية بطريقة أفضل وأصدق وأكثر اكتمالاً وليس فقط بطريقة أخرى. والأفضل فى الفن لا وصفة له ، قد يكون الأعنف أو الذى يتظاهر بكونه الأقل اهتماماً ليتكشف عن اكتراث حقيقى وعميق ورغبة فى نسف الثوابت المرهِقة فى استقبالنا الجمالى طالما الفن العظيم هو معنى الاعتراض " المثالى " ( وأستخدم الكلمة بحذر هائل هنا دون أية دلالات فلسفية ) على ثوابت الحياة والمصائر والأقدار . 
 لتوكيد معاناة بطله الذى يختنق بأشياء كثيرة من بينها اللغة حدد إلياس – مثلى – معاركه ضد أشياء محددة فيها ... كمثال " ضد النون الثانية فى أننى " وفى " لكننى " . هنا هذا النوع من القلق يشبه غضب الشاعر وتمرداته واصطدامه المستمر وعراكه مع قواعد اللغة خاصة وأن ثمة أمثلة يمكن إيرادها من أعمال أخرى لعبد اللطيف للتدليل على الشعرى منذ الرواية الأولى " صانع المفاتيح "التى كانت قد حصلت على جائزة الدولة التشجيعية . مثلاً نجد فى صيحات لشخوصها النبر الملحمى الذى أراه وثيق الصلة بكل ما هو شعرى فى الأصل . يكفى أن نسمع الصيحة التى يجعلها المؤلف بلونٍ أكثر دكنة فى " صانع المفاتيح " : ماذا كان يجب أن أفعل أكثر مما فعلت ؟ لماذا لا تعطى الدنيا من يستحق ؟ ".  تبدو لى كصرخة أحد أبطال الملاحم الإغريقية أو - حتى – صيحة أحد أبطال رواية " الإخوة كارمازوف " .. لكن انتبهت لأمثلة أعمق دلالة ووضوحاً بعدما قادنى حدسى لطرح فكرة " الشعرية الكامنة فى سرد أحمد عبد اللطيف " .. الأمثلة من رواية " صانع المفاتيح " كانت كثيرة " ورأيتها دون عناء " بعد " كتابتى " لهذا المقال . انظروا هذا المقطع من الرواية الأولى للكاتب: 
" جميلة سقطت فى بئر الصمت ، تكتفى بالنظر لخطوتها كطفلة تعلمت المشى حديثاً بدون أن تصدق ، بينما كان هو يحمل هدية السماء ، أو عقابها، بين يديه . يغوص فى نوم أعمق من صمت أمه . ربما ظن من رآهم من بعيد أن هذا الثالوث رمز للسعادة ، وربما يُخدع فنان ويرسم بريشته لوحة لعائلة ، يظنها مترابطة، تسير فى خطوات رتيبة ولا تنظر عيونها للأمام ، وبعد أن ينتهى من رسمها ، وعندما يتأمل ما فعلته ريشته ، سيعلم مدى الحزن الناضح من خباياها ، وسيلاحظ أن يده قد رسمت صورة عائلة مفككة لا العكس . أما الشاعر فهو وحده من كان يستطيع أن يصف ما يجول فى هذه اللحظة بقلبيهما ، ولو كان مقتدراً سيركز وصفه فى هذا الطفل الهارب من حياته بالنوم بين يدين مرتجفتين ، وسيكتب قصيدة حزينة تدمع العيون عند نهايتها ".


عبد اللطيف يقدم عملاً - " إلياس "- الشكل فيه هو المضمون ولم يكن ممكناً ولا كنا سنصدق أطروحاته حول اللغة فى متن روايته لو كان كتب " إلياس " بطريقة تختلف عما كُتِبت بها. ورغم هذا ليس من تناقض حين أؤكد وأُذكّر أن هذه الرواية ليست كُتيباً فى فلسفتهِ للُغة وأقانيمها. أما التاريخ والتواريخ كلها فيها فقد تم رشها كذرات على المتن الذى صُلْبه ألم إلياس وحيرته التى تشبه ألمنا وحيرتنا. يقول إلياس: "أحب التاريخ . تاريخ الأفراد. لا أحب التاريخ الرسمى ".
 أكثر جملة يرددها بطل الرواية هى " لا أعرف " أو " لا أظن أنى أعرف " ( يصف نفسه بكونه شيوعياً وعدمياً وقومياً) مثلما كررها المراهق جو برينسون فى رواية " Wild Life" لصاحبها ريتشارد فورد مع اختلاف عوالم سرد ومخيال الروايتين.
فى بداية العمل أحسست بالخفة الجميلة ، ورغبة الكاتب فى رفع أثقال من على كتفى لكن تلك الروح التى اقتربت بى من عالم المرح تراجعت تحت وطأة المعانى والمشاعر الثقيلة المُكبِلة والمحزنة التى بدأ البطل فى إيرادها أو وصفها، فهل كان الكاتب أكثر خجلاً من قدرة الفكاهة على الحفر ضمن طبقات السرد كما يطالعنا ذلك العنصر فى كتابات ما بعد حداثية شتى ؟ هل حرمنا عبد اللطيف من " مرح" محتمل بامتداد الرواية .. لأن نبرة بطله فعلاً تتغير ؟. 
إن كان فلا سبيل لمعرفة هذا الآن بعدما انتهت " إلياس " ومثل بطله لا أعرف لأن المؤكد أنه تحت غواية التجريب هناك طبقة ضجرعميق وشعورعارم بالوحدة يرقد تحتهما حق الغضب المقدس من العالم.
_____________________________________________

الاثنين، ديسمبر 01، 2014

التجريب هاجس أحمد عبداللطيف في الكتابة السردية


لا يتمكن الكاتب من اللعب بالسرد ومعه من دون أن يكون قد امتلك أدواته وتمكن منها، عندها فقط يمكن أن يكسر القواعد، يخرج عن المألوف - حتى كتابة اللامألوف تتضمن مساحة من المألوف - يصول ويجول من غير الأخذ في الاعتبار الحدود والمخاوف التي تحكم العلاقة بين النص وقارئه. وهي مخاوف مشروعة لا تتعلق بفعل الكتابة والانتشار فقط، بل تمتد لتشمل أطراف العملية الكتابية كافة: هناك نقاد وقراء ومترجمون، وهناك تاريخ أدبي يسعي الكاتب إلى حفر مكان لسرده فيه.
بعد أن نجح أحمد عبداللطيف - الروائي المصري - أن يوجد لسرده مكاناً في هذا التاريخ الذي بدأ فصلاً جديداً معتمداً على الغرائبية والفانتازيا اللتين تقاومان واقعاً لم يعد يهمه ارتداء أي قناع تجميل، أقول بعد هذه الخطوة قرر عبداللطيف أن يطيح كل قواعد اللعبة السردية في أحدث عمل صدر له هذا العام في عنوان «إلياس» (دار العين، 2014). وهو العمل الذي سبقه «صانع المفاتيح» (2010)، «عالم المندل» (2012)، «كتاب النحات» (2014). قرار كهذا ليس إلا أحد أشكال ممارسة الجنون في منتهى الوعي. وإذا كانت الكتابة تغرز قدماً في التخييل السردي، فإن القدم الأخرى تنغرز بالتأكيد في التجريب الذي يتحول إلى هاجس يسيطر على عالم الكاتب - الكتابة عبر خوض مناطق غير مأهولة، ودروب لم يسر فيها أحد من قبل، من دون أن تتعلق أنظار الكاتب أو آماله بأي مردود مباشر. وهذه النقطة الأخيرة في ذاتها مثيرة للجدل: ألا يقدم الكاتب نصه لقارئ ما في مكان ما، أم إنه يمارس حيلة الاستغناء الزائف؟ وما هو النص بلا قارئ إذاً؟ لكننا نعود ونتذكر ما قاله إدوارد سعيد عن كون الكتابة فعلاً يقع في العالم.
هكذا، قرر أحمد عبداللطيف أن يخوض المغامرة وينشر كتاباً في عنوان «إلياس». وأثناء فعل القراءة يختلط الأمر عليك، فلا تعرف أيهما أكثر جنوناً: الكاتب أم إلياس؟ وبعد أن تختلف التواريخ التي تنتهي بها الكثير من فصول النص (641، 711، 1610، 1936، 1954، 1967، 1973، 1991، 2011، 2013، 2052) وهي تواريخ تستدعي لا شعورياً صورة ما وإحساساً مصاحباً في مزاج القارئ، من دون أن تتغير نبرة هذا الـ «إلياس» المتشككة، المستسلمة أحياناً، اللامبالية، العدوانية، الرافضة، العدمية، المباشرة، الغرائبية، تدرك (أو لا تدرك) مقصد الكاتب وتتأكد من قدرته اللامحدودة على المغامرة حتى النهاية.

مكونات حياة
«كأن حروف اسم إلياس مكونات لحياتي. مكونات لتاريخي. مكونات لهويتي. هويتي التائهة. هويتي وأنا لا أعرف هويتي. كأن الاسم في نهاية المطاف هو أنا. أنا وأنا لا أعرف من أنا. ربما أكون كل «إلياسات» العالم من دون أن أدري. وربما أكون جزءاً من «إلياسية» كبيرة ولا يمكن السيطرة على الإلياسية» (11). أسهل الحلول لتأطير النص عند قراءة هذا المقطع هو القول إن إلياس يسعي إلى حل أزمة الهوية، وهكذا حتى نصل إلى هوية الإنسان العربي وواقعه المأزوم دائماً. لكنّ استنتاجاً كهذا يعيد النص فوراً إلى رؤية نمطية للرواية العربية، تلك الرؤية التي تنكر على النص قدرته على استكشاف مناطق أخرى مغايرة لمسألة الهوية وأزماتها في فهمها لذاتها وتفاعلها مع الآخر. ولكن، في كل الأحوال لا ينكر النص وجود قارئ من حقه أن يقرأ أزمة الهوية، إلا أن هناك قارئاً آخر لا بد من أن يدرك طبقات أعمق للنص. فإلياس يكتب عن إلياس المتكرر عبر التاريخ بزمكانيته بالمقدار نفسه الذي يكتب به فرديته.
يتكرر إلياس منذ عام 641، وهو زمن الفتح الإسلامي لمصر، ثم يتكرر عند سقوط الأندلس، ويعاود الظهور كنموذج لقاتل الشاعر لوركا، ويتكرر في تاريخ مصر الحديث عند تلك النقاط المفصلية. يتكرر إلياس في اللغات والأزمنة وهو دائماً الغريب، المهمش، المتفرج، الكتوم، اللئيم، الساذج. يسير مع القطيع ويحب الجماعة لكنه على وعي دائم بغيريته ويرفض الجماعة، لا يجادل حتي عندما منح لساناً غريباً عام 1954 في مصر: «لسان الغريب التزم الصمت. لسان الغريب يقول كلاماً ولا أفهم معنى الكلام» (51).

نموذج أولي
يتكرر إلياس ويراقب نفسه بعين ويكتب الآخر الإلياسي بالعين الأخرى. بهذا التكرار الذي يؤشــر إلى الكل ويحتفظ بالأنا الفردية في الجملة الواحدة يدرك إلياس في النهاية (وإن كان إدراك القارئ يأتي مبكراً عن ذلك) أنه خالد: «أنا إلياس. وأنا خالد. أعرف أني خالد. لا أقول خالد لكني أعرف أني خالد (189).
إذا كان إلياس متكرراً وكائناً منذ لحظة ما غير محددة، وكأنه يتوالد من ذاته، يتكاثر بلا مجهود، ليتحول إلى نموذج أولي، لا يتلاشى، وموته لا يعني اختفاءه، فما الذي يحفظ له فرديته، ومن أين تنبع خصوصية الشخصية والروائية والإلياسية التي تتوالد داخل النص كدوائر صنعتها حصاة صغيرة ألقيت في البركة؟ من اللغة، تلك اللغة التي تم تجريدها من علامات الترقيم وضمائر الملكية وضمائر المفعول وعلامات التنوين والفضلات. جرد إلياس الجملة من كل ما هو متعارف عليه من أدوات تحول الكلام إلى لغة. فجاءت الجملة تتوالد من الجملة، أو من الكلمة الأخيرة في الجملة التي تسبقها. في تركيب الجملة بهذا الشكل يحاكي إلياس العجز عن الفعل. في الاضطرار وعدم الإمكان تتبلور شخصية إلياس لتعلن عن نفسها باللغة.
لكن العجز عن الفعل الذي يتخذ من اللغة مرآة له داخل النص ليس العجز المباشر، وإن كان إلياس قد تهيأ له في لحظة أن لديه ساقاً عرجاء، بل هو العجز الفلسفي. بمعنى آخر يعود إلياس باللغة إلى شكلها المجرد من كل ما اعتراها من محسنات وعلامات ترقيم ليحاكي قوة العالم في عزوفه عن التغير من ناحية، ويحاكي واقعاً تجرد من كل محسناته من ناحية أخرى. تتحول اللغة في نص «إلياس» إلى التقنية الرئيسية الحاملة للرؤية. فيصبح النص مستقلاً كمعمل فني لكنه متخذ من الواقع الإمبريقي المادة الخام التي يعيد إليها الصفات الني أنكرناها عليها في الواقع، وهي فلسفة تيودور أدورنو عن ماهية العمل الفني. فالعمل مستقل من ناحية منحه لما يصوره هوية جمالية تختلف عن هوية المادة نفسها خارج العمل، وبهذا ينهل نص أحمد عبداللطيف من الواقع لكنه يستقل عنه عبر الهوية اللغوية. كأن سمات نص «إلياس» تطل على العالم فتمنحه بعض المعنى الضائع. أي مغامرة هذه؟

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...