هلاوس أحمد عبد اللطيف

مدونة أدبية

الجمعة، يناير 29، 2010

صانع المفاتيح ف معرض الكتاب


روايتي "صانع المفاتيح" عن دار العين للنشر ... بمعرض الكتاب ، سرايا ألمانيا ب

الأربعاء، يناير 06، 2010

ساراماجو المثير للجدل







أحمد عبد اللطيف
أخبار الأدب


" ‬هناك من ينكر عليّ حق الحديث عن الرب، لأنني لا أؤمن . وأنا أري أن لديّ كل الحق . أريد أن أتحدث عن الرب لأنه مشكلة تؤثر علي البشر أجمعين ". هكذا عاد الكاتب البرتغالي خوزيه ساراماجو لكتابة موضوع آخر من الموضوعات التي تؤرقه، وهذه المرة مع صورة توراتية غير مرغوبة . " قابيل " هي روايته الأخيرة، التي ستثير غضب بعض القطاعات الكاثوليكية، وهذا ليس بجديد علي الكاتب البرتغالي، ففي 1991 أثار مشكلة كبري بروايته " الإنجيل كما يراه المسيح " وحينها حشدت الحكومة البرتغالية حملتها ضد ساراماجو عند اقتراح اسمه للفوز بالجائزة الأدبية الأوروبية، وكان رئيس الحكومة حينئذ هو المحافظ أنيبال كافاكو سيلفا، الذي صار اليوم رئيس الجمهورية . والفيتو استفز الكاتب، الذي فرض علي نفسه نفيا في جزيرة لنثاروتي الأسبانية، حيث يقيم مع زوجته بيلار دل ريو منذ ذلك الحين .




هل من الممكن أن تعاد نفس القصة مع رواية قابيل ؟ " لا . لقد هاجموا مرة وانتهي الأمر، فلن يعيدوا نفس التجربة، إلا إذا أرادوا الظهور بمظهر البهلوان " قال ساراماجو باقتناع ظاهر . تمت هذه المقابلة في بيته بلنثاروتي، ملجأه الذي يزوره فيه كل أصدقاء من كل مكان . وبعد ساعات قليلة له موعد مع ماريو بارجاس يوسا . وفسر " رواية الإنجيل أثارت ردود الأفعال الأكثر عنفا في القطاعات الكاثوليكية في إيطاليا، وأطلقوا علي المثير للجدل " " وفي رأيي، لا أري سبباً لاثارة غضب الكاثوليكيين من رواية قابيل، فهو لا علاقة له بهم . الكتاب يتحدث عن العهد القديم، ويبدو لي أن الكاثوليكيين لا يقرؤون لا العهد القديم ولا الجديد، نعم لديهم العهد الجديد، وهو نص ظريف به حكايات جميلة . أعتقد أن قابيل ستضايق اليهود، لأن التوراة هو كتابهم . وسيطلقون علي من جديد عدو السامية . لا يهمني . لقد كتبت الرواية التي أريدها وأعتقد أنها عمل أدبي جيد ". هي عمل يعيد كتابة قصة، التوراة، التي يري المؤلف أنها لم تحدث . وهو بالتالي يستخدم عناصر من هذه الحكاية، بابل، سادوم وعمورا، وموسي في سيناء . إذن، ماذا كتبت ؟ عمل خيالي ؟ نعم، لكن خيالي به الكثير من المنطق، وهذا يحدث في كثير من كتبي . فأنا أقترح علي القاريء نقطة بداية قد تبدو عبثية . لكن بعد ذلك تطور الحبكة يأتي دوماً بمنطق خال من الخطأ ". وهل تطمح أن تناطح التوراة ؟ " إطلاقاً، فأنا لا أطمح أن يعتقد القاريء أنه رأي النور بعد قراءة الرواية . فقط أقترح أن يفكر في معتقداته الخاصة وماذا ينتظر منها، الحياة الأبدية ؟ الحكم بالجحيم ؟




في رواية الإنجيل المثيرة للجدل، أنسن ساراماجو صورة المسيح . يشير بعض قراء كتابك الأخير أنك الآن تؤنسن صورة قابيل . يضع صورة لاعب البوكر، يتأمل لحظة ويقول هذه الخلاصة :" الحكاية هي أن المسيح يؤنسن صورة الرب . فالمسيح أضفي صورة رقيقة ومصبوغة لرب العهد القديم . لكنني لم أكن أنوي أن أأنسن صورة قابيل، لكنه بالطبع قاتل أخيه هابيل . وفي الأسبانية هناك كلمة قابيلي، وهي تشرح نفسها . لقد اعتقدت دائماً أن قصة قابيل مسرودة بشكل سيء في التوراة، مثل قصة داوود وجوليات، فجوليات لم يتمكن أبدا من الاقتراب من داوود، فالأخير انتصر لأنه كان يمتلك موجة، وهي مسدس العصر ".




أسأله من أين تأتي الفكرة المتسلطة بالكتابة عن الرب ؟ " لأن الكتابة عن الرب عميقة، حتي ولو كانت الآن من خلال قابيل . قد يبدو ذلك غريباً لأن نشأتي لم تكن دينية، لا في المدرسة ولا في البيت . وأنا صراحة أعتقد أن الموت هو من خلق الإله . فلو كنا خالدين ما صار لدينا سبب لاختراع إله . من أجل ماذا . قد لا نعرف ذلك أبداً ." لإلحاد المؤلف صبغاته . " كلمة ملحد مجرد كلمة، فأنا من داخلي مشبع بالقيم المسيحية، التي يتفق بعضها مع القيم الإنسانية . وأنا أقبلها . حسن، فكل ما يرتبط بإله خالد وأعلي، سيدينني ذات يوم، يبدو لي حماقة . "




وهل صفحات قابيل غير متسامحة مع الرب ؟ " لا، هي غير متسامحة مع النوع البشري، الذي اخترع إلهاً ". حسن، لكن الرواية تقول، من بين أشياء أخري، إن الرب ليس محل ثقة، وإنه قادر علي عقد معاهدة إبليس، وأنه مجنون بشكل لا يمكن شفاؤه . ويصفه بالحاقد والشرير والفاسد … ويتهمه باحتقار العدل . وهكذا حتي النهاية، حتي يؤكد أن الرب في النهاية يندم لأنه قد خلق الإنسان . " نعم، ولهذا، طبقا للتوراة، أمر بالطوفان وأغرق البشر، باستثناء نوح وأهله . الرواية هي صراع بين الإنسان والرب . فقابيل، الذي لم يكن بالتحديد قديساً بل علي العكس تماماً، كان في العمق أكثر طهارة في العقل وأكثر شفافية "




واجه ساراماجو أثناء الكتابة مشكلة سردية كان يبدو أن لا حل لها : تطور الزمن . ماذا فعلت ؟ " أبدعت، فلم أكتب عن ماضيه ولا عن مستقبله، بل عما أسميته حاضراً آخر . لقد وجد قابيل نفسه فجأة في حاضر آخر، لا يهم أن يكون ماضياً أم مستقبلاً . أعتقد أنني حافظت علي الفكاهة في تيمة معقدة . فالكتاب طريف مع أنه جاد في عمقه ". وأكّد أنها ليست سخرية متعمدة . فهو لا يتعمد شيئاً إطلاقاً . فالحكاية ترسم كيف يجب أن تُروي . " أنا يد مطيعة تحاول ألا تفعل شيئاً ضد المنطق وضد ما أكتبه . تقبل بما تريده الحكاية . والسخرية احدي ثوابت كتبي . بينما الفكاهة لم تظهر سوي في مسيرة الفيل، وتتكرر في قابيل . ولم يكن ذلك قراراً مسبقاً، وهذا ما حدث ببساطة ".




تختم الرواية بنقاش يشوبه العتاب المتبادل، علي عتبة باب سفينة نوح الكبيرة، بين الرب وقابيل : " أنت شرير يا قابيل، أنت قاتل حقير لأخيك . لست شريراً وحقيراً مثلك، ولتتذكر أطفال سادوم ". يؤكد المؤلف إنه النقاش الأبدي بين الإنسان والرب . نقاش لا نهاية له . " فلا هو يفهمنا ولا نحن نفهمه . كيانان لم يتفاهما، ولا يتفاهمان، ولن يتفاهما ".




كتب ساراماجو هذا العمل في أربعة اشهر، وهو نصف الوقت الذي قضاه في كتابة مسيرة الفيل . وفي كلتا الحالتين، يعترف ساراماجو أنه كان متعجلاً في الكتابة، مسابقاً الزمن، فلم يستطع أن يوقف الإيقاع . " الآن بوسعي أن أقلل السرعة . قريباً سأتم السابعة والثمانين، والحياة مثل شمعة تحترق، عندما تصل لنهايتها يزداد لهبها قبل أن تنطفئ . وأعتقد أنني في مرحلة اللهب الأخير، ولا أقول ذلك بدراماتيكية، فأنا علي يقين أنني لن أعيش أكثر من ذلك . أنا الآن في مرحلة إن اعتقدت أنني أستطيع أن أعمل عملاً جيداً، أريد أن أعمله . فبعد ذلك سينتهي كل شيء ولن تبقي سوي كتبي، التي اعتقد أنها ستظل مقروءة . أتمني، لو احتملت صحتي، أن أنهي الرواية التي بين يدي ". ولن يعلن شيئاً عن عمله الجديد . فقط مجرد تفصيل : أعرف الجملة الأخيرة تحديداً . لن يحتوي علي مفاجآت أو تغييرات في مسيرتي، عادة لا تضمن أعمالي هذه الأشياء . " أعتقد أنني كاتب منطقي ".




عن جريدة الباييس الأسبانية




الأحد، ديسمبر 20، 2009

مدينة العشق الوهمية

أتعلمين كيف يشيدون مدن العشق الوهمية ؟


    أول ما يفعلونه، يا حبيبتي ، هو إقامة أسوار . ظناً منهم أن هذه أولي سبل الأمان لساكنيها ...أسوار عالية قدر المستطاع ، بسبائك من الذهب والفضة ،ولا مانع من إضافة بعض النحاس والحديد ليكتمل الجمال مع طلوع الشمس المشرق . بعدها يتم التشييد الداخلي ، حيث قصور من الذهب الخالص ، وأرضيات الرخام ،ولوحات لبيكاسو وسلفادور دالي ، وسجاجيد عجمية تريح السائر ، وعدد لا بأس به من حمامات السباحة ..ربما يحلمون أيضاً أن يصنعوا لهم شمساً خاصة ، تعمل وقت الليل يجانب القمر ، ليزداد المنظر ألقاً ...أما السكان ، وهم عشاق بالضرورة ، فلابد أن يرتدوا أبهى ما لديهم من ملابس ،وزينات ، وأساور ، ولا مانع من الوصول لارتداء الاستبرق الأخضر تشبهاً بأهل الجنة المزعومة ... يجب أن يكون العشاق ، رجالاً ونساءً ، أجمل ما يكون ، ومن الضروري بالتالي استخدام كريمات لتفتيح البشرة ، ولإخفاء الهالات السوداء ، ووضع ماسكرا تليق بحورية . لابد أيضاً من شفاه حمراء ، وعيون مرسومة كامرأة فرعونية ، وشعر ينعم به من يلمسه ، ولابد من اختراع وسائل اغواء ، عمليات سيليكون مثلا ، ملابس تبرز المفاتن... العشاق ايضاً لا يكفون عن استخدام الحقن والعقاقير ، بعضها لخلق عضلات ، وبعضها لحسن المجامعة . ومنهم من يستخدم مساحيق النساء ...


  في صباح كل يوم ، تجد العاشقات والعشاق يتجولون في مدينة العشق الوهمية بأنف تقارب السحابات ، منتفشي الريش كطواويس حقيقية ...وفي الظهيرة يمسكون الشوكة والسكين بعجرفة ، يتظاهر كل منهم بأنه الأفضل علي الدوام .حديثهم لا يكون في العشق قدر التفاخر بما يملك ...في مدن العشق الوهمية ، التجمل ، وليس الجمال ، هي الوسيلة الوحيدة للاستمرار ...
ولأنها وهمية سريعا ما تسقط ، تتهاوى ، تنهار أمام ريح قوية ، أو عاصفة رقيقة ...لم يعلم سكان مدينة العشق الوهمية أن الكذب حل مؤقت يحل جميع العقد . وأن الصدق هو النجاة حتى ولو كان مؤلماً ، لذلك ، عندما شيدوا قصر مدينتهم شيدوه بالذهب ،رغم أن البناء لا يكون إلا بالطوب المحروق أو الحجارة الجيرية . وأن الطوب في حاجة لمادة لاصقة ، لكنهم استكبروا علي استخدام الأسمنت . نسوا ، أو تجاهلوا ، أثناء تشييدهم مدينتهم ، أن يبنوا أنفسهم أولاً ، بلبنات من الصدق والوضوح والصراحة ، فصاروا يبنون حولهم ، لا داخلهم ، قصورا ذهبية . لم يعلموا ، أو علموا وتناسوا ، أن الأسوار تبنى بمفردها لو صدقوا . وأن العشق وحده أقوى من كل الأسوار .
 مدينة العشق الوهمية كان يجب أن تختفي ولا يذكرها أحد ، وإن بكى ساكنوها على أطلالها ، فلن يعيد لهم ذلك شيئاً .لأن أحدهما رأى عورات الآخر أثناء تبوله ، ودون إرادة منه ...لأن أحدهما اشتم في الآخر الرائحة الكريهة التي حاول طول الوقت أن يداريها عنه . الثقة ضاعت مع العاصفة ...لأن مدينة العشق الوهمية مثل جنة آدم ...






الأحد، ديسمبر 13، 2009

وداعاً أبي

قال : أنت تؤمن بالمستحيل . قال : الناظرون إلى السماء يتعرقلون في الأرض . قال : لن تغير العالم . قال : لا تصدق إلا عقلك . قال : لن تهنأ بجوار امرأة ملتوية .قال : لا تطلب أكثر مما تعطي . قال : لا تترك الأبواب مواربة والنهايات مفتوحة . قال : لآخرون يصفقون عندما تنجح ، لكنهم لا يصنعون نجاحك . قال : افعل ما تريد مهما كلفك الأمر . قال : لا تبك إلا أمام امرأة تعشقك . قال : لا تقل إلا ما تعتقد ، ولا تعتقد قبل أن تفكر . قال : لا تصدق كل ما يُقال . ________________________________ أبي ، وداعاً ( 4 ديسمبر 2009)

الخميس، نوفمبر 12، 2009

إليكِ أنتِ

- القمر النهاردة أربعتاشر .
نظرتُ إليه وإليك وابتسمتُ ، وقلت داخل نفسي ما أجمل أن يكون القمر كاملاً في ليلة الرحيل . أخرجني من شرودي ضوضاء القطار ، فتبادلنا النظر في حزن ، وحملت الحقيبة لباب العربة لأسلمها لك . لا أبالغ إن قلت إنني شعرت بروحي تنسحب مني . اختفيتِ عن ناظري في دقائق ، فسرتُ في الشارع كما الصنم . أسمع أصوات تخترق أذني لتشوش على صوتك الذي لا يزال بداخلي ، كتميمة صنعها ساحر طيب لتقيني المرض ولتقف كحائط صد أمام الموت . لكن مفعول التميمة يبطل مع مرور الساعات لأجدني من جديد واهناً، تارة شارداً وتارة حزيناً . أظل أتجول في الشوارع لساعات ، مثل ناسك يطوف حول محراب ليعثر على السكينة المفقودة ، فأتذكر حينئذ كل ضحكاتنا العالية ، كلماتنا الخاصة بنا ، إيماءاتنا التي من كثرة اندماجها ما عدنا نعرف أهي في الأصل كانت لأحدنا أم للآخر ، حتى أننا صرنا نخاف أن نجلس مع أصدقاء مشتركين لكيلا يكتشفوا سرنا ، لأننا صرنا ، في حقيقة الأمر ، نستخدم نفس العبارات والكلمات والإيماءات . أعود إلى البيت بعد أن يتسرّب الألم لقدميّ فلا أقوى على السير ، حاملاً معي آخر صورة التقطتها عيناي أثناء وداعك ، هي في الحقيقة أجمل صورة أحتفظ بها لك في داخلي ، وهي بالمناسبة لا تتغير أبداً ، نفس النظرة الحزينة ، التي تهبني ، مع ذلك ، كل أمل في العودة واللقاء، نفس الحاجب المرتفع قليلاً والذي ألمحه من بروفايلك بوضوح ، نفس الشفاه التي تنطق كلمة الوداع بلا إرادة ، كما لو كانت نهراً لا يملك سوى نفس البحر ليصب فيه. أي شيء في الكون يشبهك حينها ؟ أي لوحة عالمية لفنان بارع تماثل وجهك وقت الرحيل ؟ أي عشق في العالم يتقارب من عشقي لك ؟ أسترخي على كنبة الأنتريه فتقع عيناي على ساعة الحائط المواجهة ، تشير للثانية عشرة مساءً ، بالأمس ، في نفس هذه الساعة ، كنتِ بجواري . أمد يدي لأشعل سيجارة فأنتبه ، مازلت أحمل رائحتك . ورغم أن التعب يتحرك في جسدي مثل جني يهوى التجوال ، وأشعر برغبة قوية في الاستحمام بماء دافئ يعيد لي بعضاً من قواي ، إلا أنني ، مثل كل يوم رحيل، أتراجع عن هذه الفكرة الحمقاء حتى أحتفظ برائحتك في جسدي وبين يدي أطول وقت ممكن . أخبرتك من قبل أنني أعيش معك في الأحلام أكثر من الواقع ، قد يبدو ذلك غريباً ، لكنه أكثر الحقائق التي أتيقن منها في حياتي . منذ تعرفت عليك ، فقط مجرد تعارف، بدأت سلسلة الأحلام . في البداية كانت مجرد زيارات ظرفية ، تأتينني في المنام لتحدثيني وتلمسيني ، وسريعاً ما ترحلين . لهذا سريعاً ما حدث العشق بيننا ، تسرّب إلى قلبينا دون أن ننتبه ، ليجد كل منا نفسه متورطاً في الآخر ، غارقاً فيه ، دون أن نهتم بتفاصيل لو توقفنا أمامها ساعة واحدة لانتهت الحكاية قبل البدء . ومع الوقت ، أصبحت زياراتك المنامية طقساً لا يتوقف ، فصرت أحلم بك كلما نمت ، وأستيقظ متذكراً الحلم فأراجعه مرات ومرات حتى لا أنساه . أتوقف الآن عند كينونة الأحلام فلا أجد لها تفسيراً منطقياً ، ربما هي العقل الباطن كما يقول فرويد ، وربما هي شيء أسمى من كل التفسيرات الأرضية العقيمة التي لا تؤمن بالروح . تعلمين أنني أؤمن بالميتافيزيقي ، وأرى أن الطبيعة تتكون أيضاً من روح وجسد ، كما الإنسان بالضبط، وأن الأشياء ليست ميتة وصماء كما يُعتقد ، وإلا ما سر ارتباطنا بأماكن دون أخرى ، وشعورنا بالراحة في مكان دون غيره . فالعالم ، كما أراه ، ليس مجرد مجموعة أشجار وأنهار وبحار وجبال وسهول ، العالم ، يا حبيبتي ، في حقيقته ، هي الأشياء الكامنة خلف كل هذا، هي الروح التي تحركه ، تمنحه الجاذبية ، تخلب عبره أرواحنا فيحدث التلاقي والعشق . هذا هو بالتحديد ما يحدث بيننا ، ولأن الطبيعة رحيمة بأبنائها ، تقوم هي بدور الوسيط أثناء البعد ، فتحمل روحك النائمة إليّ في منامي ، فتسامرني . لكنني ، أصدقك القول ، لا أحلم فقط بأحاديث ، بل أرى أيضاً علامات ورموزاً عند فك شفرتها تخبرني بأشياء عنك . روحك تتجسس عليك لصالحي ، تخيلي! كنتُ دوماً أحتفظ بهذا السر لنفسي ، من ناحية حتى لا تتوقف روحك عن عملها من ورائك ، ومن ناحية أخرى حتى لا تظني أنني عرّاف، كما يقول أبي ، أو مؤمن بالخرافات، كما يرى أصدقائي ، أو أعطي للمحسوس أكثر من الملموس ، كما همستِ لي ذات يوم . أتذكر أنني أخبرتك ذات مرة أن الحلم بالنسبة إلي هو العالم الموازي ، وأنني أؤمن بالأحلام قدر إيماني بالواقع ، وربما أكثر . وهذا هو السر في أن يومي يتوقف عادة على حلمي ، ولأن حلمي لم يعد له زبائن غيرك ، صارت أيامي برائحتك ، رائحة التفاح . يخطر الآن ببالي بيتاً لقيس لبنى ، يقول فيه : وإني لأهوى النوم في غير حينه / لعل لقاءً في المنام يكون . أرأيتِ ؟ العشاق في كل زمان ومكان يتفقون ، دون لقاء بينهم ولا مراسلات ، على الخطوط العريضة والتفاصيل الصغيرة في العشق . إذن ، لستُ وحدي من تقع له الوقائع في يقظته ، ويتمنى النوم من أجل اللقاء . أرى الآن ابتسامة رقيقة تلمع بها عيناكِ ، أعلم أنه عالم غريب بالنسبة إليكِ، عالم الحلم أقصد لا العشق ، كما أردد مقولتك الأثيرة بأنك تعشقينني أكثر، لن نلجأ إلى المقياس والمكيال والوزن ، ولن نقيس العشق حتى لا تقل بركته ، كما تقول أمي عند العد والوزن . لكنني على يقين بأن الطبيعة الأم ستكون رحيمة معك ذات يوم فتقوم لأجلك أيضاً بدور الوساطة ، وربما تفشي روحي لروحك من ورائي ببعض أسراري ، إن كان لي سر آخر غيرك . في الصباح التالي لم أفعل شيئاً سوى تذوق الحلم ، دنت يدي من فمي فشممت رائحتك، وقررت أن أكتفي بغسل وجهي بيد واحدة ، لتحتفظ الأخرى بأريجك . في لحظة ما من الصباح شردت ، ودون أن أنتبه تجولت في بيتي أبحث عنك ، وقبل أن يطول بحثي جاءتني مكالمتك لتعيدني قبل أن أخطو عتبة الجنون . لصوتك ذبذبات تخترق الأذن فتصل إلى القلب فترجفه . أي شيء في الكون الرحب يشبه صوتك ؟ أي ذبذبات في العالم تحدث في مخلوق ما تحدثه ذبذباته بداخلي ؟ استرسلتِ في الحديث وعندما انتبهتِ سألتِني عن صمتي ، لم أجد رداً أصدق من أني أعرف صوتي جيداً ولا أشتاق لسماعه ، سمعتُ ضحكتك فابتسمت ، وسكنتني سعادة . حدث لي بعد أسبوعين من غيابك حدثاً يمكن ضمه لقائمة أحداثي النادرة في عشقك. شممتُ رائحتك في يدي ، ولم يكن ذلك نتاج زهدي في النظافة الشخصية ولا سيري بكيس بلاستك يطوق يدي ، وإنما ، حسب تفسيري الميتافيزيقي أيضاً ، نتاج حنين فاض من بيتك في جسدي فأغرق بقية البيوت المجاورة . أعلم أنني قد تخطيت عتبات الجنون ، لكن الجنون أيضاً هو مذهبك في الحياة ، فلا تلوميني بعد أن توحدنا أن آخذ منك أحدى صفاتك ، فكما أن الكون قد خُلق بالنسبة إلينا في شهر مارس ، ما المانع إذن أن أشم رائحتك في يدي بعد غيابك بأسبوعين ؟ وإن كانت الموجة تجري وراء الأخرى ولا تتقابلا ، وتكون لحظة لقائهما هي لحظة النهاية ، فنشيد نحن قاعدة جديدة للطبيعة ، تلتقي الموجة بمقتضاها بالأخرى ، ويكون اللقاء هو البدء ، ما المانع إذن أن تتكاثر قائمة العجائب في عشقنا ؟ الآن يخطر ببالي سؤالاً عن الأقدمين ، لماذا ربطوا العشق بالقمر ولم يربطوه بالشمس مثلاً ؟ ولماذا يمثل اكتماله ذروة العشق أو لحظة الرحيل ؟ أي شيء في الكون يشبه الرحيل ؟ أتذكر حكاية شعبية برتغالية حكاها ساراماجو في ذكرياته الصغيرة ، تسمى رجل القمر ، هذا الذي ينقل حزمة حطب على ظهره معلقاً بالقمر ، ذلك لأنه عمل يوم أحد فكان هذا عقابه الأبدي ، ليكون بذلك عبرة للفاسقين الذين يوسوس إليهم بالسير في طريق الضلال ؛ أنحمل نحن أيضاً حزمة حطب أبدية في فترة الغياب ؟ أي ذنب ارتكبه العشاق لينالوا ما ينالوه من عقاب ؟ أيهم عمل يوم أحد فتحتم عليه السير منكفئاً على وجهه بحمل ربما يفوق طاقته على ظهره ؟ يهل القمر من جديد فأنظر إليه وانتظر بصبر جم ، بعد أيام سيكتمل مع مجيئك ، وحينها سأقول لك إنه قمر أربعتاشر . لكن يومها سيكون ذروة العشق ، لا الرحيل .

السبت، أكتوبر 17، 2009

نوبل الآداب /2009 / هرتا مولر

جذور هرتا مولر المقتلعة .

ترجمة : أحمد عبد اللطيف

( أخبار الأدب ، بتاريخ 17/10/2009)

في بيت متواضع يحمل رقم 353 بالشارع الرئيسي بقرية نيتشيدروف ، ولدت هرتا مولر . بيت أخضر ، مشيد بالطوب اللبن ، يبدو أنه يقاوم إرادة الزمن نفسها، وحوله تجد الكلاب والقطط المزدرية ، هذه الحيوانات التي كتبت عنها هيرتا أنه من الصعب التمييز بينها . كما كتبت في " الأراضي السفلية " أنه "خلف البيت يترقرق جدول مياه ، ويُقهر الحصى ، وتُقمع الحجارة " . وفي القرية الصغيرة المحتضرة ، ذات الألف نسمة والشوارع الضيقة ، حيث يسود البرد والريح فيجمدان الدم حتي في الأيام المشمسة ، مثل يوم أمس ، نشأت نوبل الآداب لعام 2009 . هنا تربت كحفيدة لمزارعين وتجار فقدوا ممتلكاتهم مع وصول النظام الشيوعي ، وكابنة لعضو في WAFFEN SS ، ولأم منفية في حقل عمل بأوكرانيا . هنا مازال بيتها القديم قائماً ، ضد إرادة مواد البناء . من هنا هربت من مخالب الشمولية ، التي صارت موضوعها الرئيسي في أعمالها، سنة 1987 ، رحلت نحو حلم حرية ألمانيا الغربية لتنتسب لأقلية جيرمانية من السوافيين . الأقلية الألمانية وصلت هنا منذ أكثر بقليل من ثلاثة قرون للعمل في الحقل خلال احتلال الإمبراطورية النمساوية- المجرية لرومانيا ، ووجد مولر وعائلته أنفسهم متروكين لحظهم المرتبط بتاريخ أوروبا الوسطي في رومانيا تشاوشيسكو . وصرح عمدة نيتشيدروف أمس خلال نزهتي معه بالقرية ، التي تقع علي بعد 30 كيلومتر من تيميسورا ، غرب رومانيا ، أنه" تبقي سبعون بيتاً ألمانياً كأطلال في هذه القرية ، لم يهتم بها المجلس المحلي. لا يمكن بيعها وليس لدينا ميزانية لترميمها . وهذا البيت بالتحديد تم تأمينه عندما انتقلت هرتا إلي ألمانيا ، وبعدها بيع لألمان آخرين قرروا الرحيل وصار الآن قسماً في مدرسة" . سائراً في شوارعها ، ومنتبهاً للحنو الطفيف في العيون الجافة ، يفكر الغريب في حكم وينديش ، أحد أبطال " الإنسان تدرج العالم الكبير" هنا كانت النهاية ، منذ قرر الهجرة يري النهاية في كل شيء . السكان القدماء قليلا ما يتكلمون عن الماضي المؤلم ، والأمر ينطبق علي التصوير . أكثر ما يصيبونه قولهم إن تشاوشسيكو باع نوبل لألمانيا بمبلغ 8.000 مارك . هي صيحة تنتشر هذه الأيام في كل رومانيا ، وإضافة غير متوقعة إلي قائمة جرائم الديكتاتور . النظام التالف للإرادة كان يبدل تأشيرات سفر المهاجرين الساكسونيين مقابل أموال ألمانية . وكانت هذه صورة أخري لطرد "الأجانب" أما السعر فيحدده تصنيف كل فرد ، حسب مصادر تقصت في أرشيفات الفترة الشيوعية . وكانت هذه حالة مولر ، وهكذا تركت نيتشيدروف حتي لا تنظر للوراء . تقول هرتا في " كل ما أملكه سأحمله معي " وهي روايتها الأخيرة ، " أريد أن أرحل من غطاء هذه القرية التي لأحجارها أعين " " لم يكن خوفي الشديد ، بل ضيق صدري الخفي ، فقط أود أن أرحل لمكان حيث لا يعرفني أحد ". وبشكل ما حققت ذلك . قليلون هنا من يتذكرونها ، أما من كان بإمكانهم التذكر فماتوا أو عادوا لألمانيا . بالاضافة لذلك ، فهي ليست قرية من القري التي يحترمها القرن الواحد والعشرون ، فهي قرية زراعية لا زالت جيادها تجر عرباتها وآبارها تحتفظ بمياه (بها عشرون بئراً ). حفنة من الناس الذين شاركوها طفولتها لا زالوا يقيمون في نيتشيدروف . تقول أوجينيا دراجان ، زميلة دراسة قديمة ، " بعد حصة الألعاب تعودنا علي مذاكرة الرومانية . وكانت هرتا تشعر أنها لا تجيدها ، فكنت أساعدها " . لا أحد كذلك يذكر زيارتها الأخيرة لقريتها سنة 2005 ، حين اقترحت عليها السلطات المحلية تبديل اسم مدرستها لتحمل اسم مولر ، فرفضت بشدة ، كانت حينها في تيميسورا لتوقع روايتها . قالت وقتها " لا أريد أن يرتبط اسمي بشيء غير الكتابة " ، طبقا لما ذكرته أنيليس إيفان ، المدرسة بمدرسة نيتشيدروف . وأخيراً صرحت مولر لجريدة رومانية أن " المخابرات الرومانية سرقت مني حياتي خلال شبابي ، ومازالت تسرقها حاليا باحتكار الوقت المفروض للكتابة ". لقد عانت التعذيب والرعب والضيق بالتحكم . وعندما هاجرت اكتشفت أن أعز صديقاتها أيام الطفولة صارت تتعاون مع المخابرات ، مثل آلاف الأطفال والمراهقين الآخرين . تقول " علي الأقل وجدت جواباً لإحدى أسئلتي المؤلمة " . وكتبت حينذاك أن جيني ، زميلة المدرسة ، كانت تشكل جزءً من الحب والخيانة المرتبطين بالجهاز السياسي ". كانت مهمتها التحقق من أنشطتها اليومية ، منذ اليقظة للمنام ، من أين وماذا تشتري . وقالت مترجمتها للرومانية ، نورا لوجا ، "الشرطة في أعمال هرتا ليست مجرد جهاز ، وإنما تلبسها كل صفات الشر البشري ، بداية من الذل والتحرش ، ونهاية بالخوف والتعذيب والموت" . والآن تأتي الأكاديمية السويدية لتقدر أعمالها ، لتصفها بالتذكار الحقيقي للإرادة الإنسانية ، وهذا يكتسب في حارات نيتشيدروف معني عظيماً . منطق يسحق التعسف الديكتاتوري . فحتي لو كانت أصول مولر مقتلعة من رومانيا ، ومن ذاتها، إلا أنها تقول "رومانيا ما بعد الشيوعية لم تخلع قناع الرعب الشيوعي . مازالت الوشاية هي الخيانة الكبرى ، ومحاولة التلصص أقسي ما فيها " .

waffen ss : قوات العاصفة النازية

الخميس، أكتوبر 15، 2009

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...