الأربعاء، ديسمبر 08، 2010

حكاية رجل عجوز: شخصيات بلا ماض في عوالم ضبابية





      أهدتني جارتي،‮ ‬وأنا في سن العاشرة،‮ ‬كابوساً‮ ‬ظل يلازمني إلي الآن،‮ ‬كان رواية‮ "‬دكتور جيكل ومستر هايد‮". ‬قالت إنها لم تستطع حفظ اسم المؤلف مطلقاً‮ ‬ولأن اسمي البطلين لم يروقا لها،‮ ‬أسمتهما‮ "‬دكتور س ومستر ص‮". ‬رواية رعب مسلية،‮ ‬قالتْ‮ ‬بأسى‮. ‬وقبل أن أحكي لها في اليوم التالي ما فعلته بي،‮ ‬كانت عربة نقل تضم أثاثات بيتهم وأمتعتهم تستعد للرحيل بهم إلى مدينة أخرى‮. ‬رحلتْ‮ ‬هي،‮ ‬لكن الكابوس بقى كتعويذة مثلثة مكتوبة بخطوط حمراء‮. ‬في يوم واحد قرأت الرواية،‮ ‬وظللتُ‮ ‬بعدها مهجوساً‮ ‬تماماً‮ ‬بفكرة الشخصيتين،‮ ‬حتي أنني كنتُ‮ ‬أقف أمام مرآة الدولاب عدداً‮ ‬لا متناهٍ‮ ‬من المرات في اليوم لأتأكد في كل مرة أنني نفس الشخص‮. ‬مع الوقت،‮ ‬ورويداً‮ ‬رويداً،‮ ‬هجرني الهاجس،‮ ‬ليس تماماً،‮ ‬وبقتْ‮ ‬الصورة محفورة في ذاكرتي‮.‬

                                         ***

‮ ‬‮  ‬لم تستطع كل الشخصيات الروائية أو القصصية التي جاءت بعد ذلك أن تُنسيني‮  ‬جيكل وهايد،‮ ‬رغم أن بعضها تملّكني بشكل مذهل سواء أثناء القراءة أو بعد الانتهاء‮. ‬أتذكر الآن شخصيات تركتْ‮ ‬أثراً‮ ‬لكن في مرتبة أقل،‮ ‬ليس لأنهم أبطال أو‮ ‬غير أبطال،‮ ‬منهم‮ "‬المصور‮" ‬في‮ "‬الحب في زمن الكوليرا‮" ‬و"ريميديوس الجميلة‮" ‬في‮ "‬مئة عام من العزلة‮" ‬و"زوجة الطبيب‮" ‬في‮ "‬العمي"و"البصيرة‮". ‬أعتقد أن سر إعجابي بهم يرتبط أكثر بمثاليتهم،‮ ‬بتجسدهم الملائكي الموصوم بالجمال الشكلي أو الروحي،‮ ‬لذلك لم يرقوا أبداً‮ ‬لمرتبة جيكل رغم تأثيرهم القوي‮. ‬

‮  ‬كثيرة هي الشخصيات التي مرت بي ورُسمت جيداً‮ ‬وخدمت النص تماماً،‮ ‬لكنني لم أتوقف أمامها،‮ ‬ربما بسبب أنها شخصيات مخلوقة سلفاً‮ ‬وليس للراوي فضل سوى في إعادة خلقها،‮ ‬ووضعها في إطار ليسلط عليها الضوء بكثافة،‮ ‬فنرى فيها حينئذ طابع الحسن والنمش والندبات‮. ‬هذا جيد بالطبع،‮ ‬وأدب رفيع جدير بالقراءة،‮ ‬لكن كتابة الأدب-أدب لا يقبل الشخصيات ذات البعد الواحد،‮ ‬ويتطلب خيالاً‮ ‬لصنع ثلاثة أبعاد للشخصية،‮ ‬الطول والعرض والعمق،‮ ‬وهو ما يعني ببساطة الكائن،‮ ‬ليس بوصفه جسداً،‮ ‬بل تركيبة نفسية وعقلية وروحية معقدة تماماً،‮ ‬تسع كل المتناقضات‮.  ‬ففي"دكتور جيكل ومستر هايد‮" ‬قدّم لي ستيفنسون شخصية ثنائية،‮ ‬رجلاً‮ ‬مصاباً‮ ‬بالشيزوفرينيا،‮ ‬نعم لم يخلقه من العدم،‮ ‬لكنه أعاد تشكيله بحرفية جعلتني أعتقد به،‮ ‬وأخافه،‮ ‬وأتعاطف معه‮.‬

‮     ‬وكتابة الأدب-أدب أيضاً‮ ‬تتطلب أن يلعب الراوي،‮ ‬قصاصاًَ‮ ‬كان أم روائياً،‮ ‬دور الخالق،‮ ‬وعدم الاكتفاء بإعادة الخلق‮. ‬وهذا ما يفعله طارق إمام في أدبه‮.‬
‮                            
                                             ***
‮   ‬في مجموعته القصصية الجديدة،‮"‬حكاية رجل عجوز كلما حلم بمدينة مات فيها‮"‬،‮ ‬لا يتوقف إبداع إمام عند انتصار الحكاية،‮ ‬التي هي أساس التراث العربي الذي ألهم الأدب العالمي،‮ ‬ولا عند انتصار المجاز،‮ ‬الذي هو المرادف الحقيقي لكلمة أدب،‮ ‬ولا عند اللغة،‮ ‬الرصينة والشعرية التي تتناسب تماماً‮ ‬مع عوالم سيريالية،‮ ‬بل امتد إبداعه لشخصيات عجنها بيديه،‮ ‬ونفخ فيها من روحه القلقة،‮ ‬المهجوسة،‮ ‬المشغولة بالميتافيزيقي،‮ ‬المليئة بالشكوك أكثر من اليقين،‮ ‬شخصيات لم تأتِ‮ ‬لتقدم أجوبة لأسئلته،‮ ‬بل تطرحها فقط بطرق متوارية،‮ ‬عبر التأمل حيناً،‮ ‬والأحداث المتراكمة أحياناً‮ ‬أخرى.‬

‮  ‬فالرجل العجوز الذي يتحسس جيب جلبابه بحثاً‮ ‬عن علبة سجائر تركها آخر مرة قبل سنوات،‮ ‬منذ نام آخر مرة،‮ ‬يتجول في المدن التي يحلم بها،‮ ‬ويموت في كل المدن التي عاش فيها،‮ ‬ويدفن‮. ‬تضطر زوجته لإطعامه وهو نائم كي لا يموت في سنوات أحلامه،‮ ‬وتضاجعه وهو نائم حتي تشبع رغبته التي لم يبح بها،‮ ‬وتنجب منه ثمانية أبناء،‮ ‬ولد خمسة منهم وماتوا دون أن يراهم،‮ ‬لأنه كان نائماً‮. ‬هنا،‮ ‬في هذه‮ القصة تحديداً،‮ ‬يلعب إمام لعبة خطيرة،‮ ‬فالشخصية الشبحية التي خلقها لم تكن لتُصدَق لولا أنه أعطاها أبعاداً‮ ‬إنسانية‮: ‬إنه يصنع شخصية أسطورية ويؤنسنها،‮ ‬رجل يقضي حياته نائماً،‮ ‬إلا أن زوجته تعتني به فتأكله وتضاجعه‮. ‬ولمزيد من منطَقَة الأسطورة،‮ ‬واللعب بالحكاية،‮ ‬يتكيء على التراث الشعبي في ميلاد البطل‮ " ‬فتخبره أمه‮ "‬أنه مات بالفعل ذات يوم بعد مولده مباشرة‮...‬أغلقوا عينيه الجاحظتين ولفوه جيداً‮ "‬،‮ ‬ويومها يقول لها الحكيم إن‮" ‬الأطفال وحدهم يستطيعون ملاعبة الموت وخداعه‮ .. ‬ولكن عقابهم أنهم حين يشيخون يخاصمهم الموت‮...". ‬الرجل العجوز،‮ ‬بعد وفاة زوجته،‮ ‬يفكر أن مدينة حلمه القادم يجب أن تشهد ميتته،‮ ‬حينها،‮ ‬وحينها فقط،‮ ‬يحلم بمدينته‮. ‬هنا تكتمل الحكاية،‮ ‬التي لا تقف عند المنطق القصصي في السرد بقدر المنطق الروائي،‮ ‬حيث يعتبر كل براجراف تقريباً‮ ‬بداية فصل يتناول فيه جزءً‮ ‬من حياة العجوز الطويلة‮. ‬دون أن يهتم بالمظهر الفسيولوجي،‮ ‬وهو ما قوّي فكرة الشخصية الضبابية،‮ ‬وأعطى بعداً‮ ‬أسطورياً‮ ‬آخر لها‮. ‬

‮  ‬وصبي الخطاط في"الحياة المكتوبة مرتين‮" ‬يطرح فكرة الحياة المكتوبة سلفاً،‮ ‬حيث يجد نفسه مضطراً‮ ‬لكتابة حياته،‮ ‬التي تتطابق في النهاية مع الكتاب الأصلي،‮ ‬المُعد لكل إنسان طبقاً‮ ‬للمنظور الديني‮. ‬هنا تغلب فكرة الحكاية،‮ ‬في عودة جديدة للتراث العربي،‮ ‬ويشيع جو من الواقعية السحرية مع ظهور العرافة خاصة منذ الجملة الأولي‮" ‬تنبأت لي عرافة‮...". ‬الصبي أيضاً‮ ‬شخصية‮ "‬إمامية‮" ‬ببصمته وهمه الوجودي،‮ ‬استغلها ووضع لها مهنة تناسبها تماماً‮ ‬لتعبر عن فكرته،‮ ‬أو ربما شكه‮.‬

‮   ‬إذن،‮ ‬فالشخصية‮ "‬الإمامية‮" ‬شخصية مميزة،‮ ‬منفردة،‮ ‬تكونتْ‮ ‬من صلصال نادر،‮ ‬لا لتزاحم البشر العاديين في عاديتهم،‮ ‬ولكن لتراهم من بعيد،‮ ‬وربما من أبعد نقطة‮. ‬شخصيات لن تجدها حتماً‮ ‬علي أرض الواقع،‮ ‬رغم أنها تمثله‮.‬

‮  ‬وفي البحث عن شخصيات مخلوقة بصلصال المؤلف،‮ ‬نجد صانع الصور‮: "‬عينه اليمني المفتوحة حدقة عمياء‮...‬والعين اليسري المغلقة دائماً‮ ‬كي لا يهتز المشهد ربما ترى أفضل‮". ‬ورغم اختلاف شخصية المصور عن الرجل العجوز والصبي الخطاط،‮ ‬إلا أن العامل المشترك بينهم جميعاً‮ ‬أنهم بلا ماض أو لا يعرفون ماضيهم‮. ‬فالعجوز‮: "‬عجوز لدرجة أن ذكرياته نفسها شاخت‮ ‬وماتت في العمر الذي تموت فيه أشد الذكريات قدماً‮"‬؛ والصبي‮: "...‬وجِدتُ‮ ‬في خان مع رجل عجوز قال إن أهلي ائتمنوه عليّ‮ ‬قبل رحيلهم ولم يزد أبداً‮ ‬حرفاً‮ ‬علي هذه العبارة الغامضة التي صارت تاريخي الوحيد"؛ أما المصور‮ : "‬لا يذكر من أيامه سوي لحظة ولادته‮". ‬

‮  ‬هم في ذلك يتشابهون مع‮ "‬سالم‮" ‬القاتل المتسلسل في‮ "‬هدوء القتلة‮" ‬الذي كُتبت عنه رواية كاملة لم يقترب فيها الراوي من ذكرياته،‮ ‬إلا فيما يخص الناسك صاحب المخطوط المقدس،‮ ‬الذي هو حتماً‮ ‬جد القاتل؛ ومع‮ "‬ملك‮" ‬في‮ "‬الأرملة‮" ‬التي لا نعرف عن ماضيها سوي قصة حب عابرة وحكاية زواجها‮. .‬إذن،‮ ‬بالإضافة للضبابية التي تحيط شخصيات إمام،‮ ‬يمكن أن نضيف مزية أخرى: ‬أنها شخصيات بلا ذاكرة،‮ ‬وإن تركتْ‮ ‬الحياة على ملامحهم علامة،‮ ‬أو حفرتْ‮ ‬في عقولهم ذكرى،‮ ‬فليس ذلك إلا انعكاساً‮ ‬للحاضر،‮ ‬كأنها حلقة لا يمكن أن تُفقَد لتكتمل سلسلة شبحيتها وغرائبيتها‮.‬

من ناحية أخرى،‮ ‬هي شخصيات لها علاقة بالتوثيق‮. ‬فالصبي يخط مخطوط حياته،‮ ‬والقاتل المتسلسل شاعر،‮ ‬والأرملة تكتب خطابات‮ ‬غرامية،‮ ‬والمصوّر يسجل اللحظة بصورة أبدية‮. ‬حتي عندما يكتب إمام عن عجوز خربت ذاكرته،‮ ‬يبرر أنه لم يكتب لأن ذكرياته ستُحرف،‮ ‬وستختلف عن الواقع‮. ‬

‮  ‬هي أيضاً‮ ‬شخصيات مغتربة،‮ ‬تُقيم في مكان لا تنتمي له في الحقيقة،‮ ‬ف"سالم‮" ‬في‮ "‬هدوء القتلة‮" ‬يرى أن‮ : "‬النازحون من أمثالي ليس لهم هنا مقابر‮...‬سيعودون بجثماني إلى بلدتي‮: ‬مقبرتي الأصلية‮...‬في مدينتي الشمالية سأطل من مقبرتي على القاهرة القديمة"؛ و"ملك‮" ‬في‮ "‬الأرملة‮" ‬تعيش‮ ‬غريبة في مدينة زوجها الراحل و‮: "‬لم تعد تعرف شيئاً‮ ‬عن المدينة إلا من خلال هؤلاء البنات‮". ‬وفي قصة"الحياة المكتوبة مرتين‮" ‬لا يعرف الصبي الخطاط من أي بلدة هو،‮ ‬وبالتالي‮:" ‬كان‮ ‬غموض قصة حياتي قد منحني الفرصة في حرية الكذب بخصوص نشأتي حين أتحدث للبنات الجميلات‮". ‬و"الرجل العجوز‮" ‬يقضي حياته متجولاً‮ ‬في مدن لا يعرفها،‮ ‬أثناء نومه،‮ ‬وبالتالي لا ينتسب إليها‮.‬
‮                               
                                      ***

‮ ‬هناك عنصر آخر يجمع شخصيات طارق إمام‮: ‬الازدواجية‮. ‬ف"ملك‮" ‬مدرسة لغة عربية وتكتب خطابات‮ ‬غرامية،‮ ‬و"سالم‮" ‬معاون تعداد ويكتب الشعر،‮ ‬و"صبي الخطاط‮" ‬يعمل خطاطاً‮ ‬ويكلف بنسخ كتاب،‮ ‬أما الرجل العجوز فيعمل،‮ ‬نائماً،‮ ‬في كل المهن‮.‬

‮ ‬وفسيولوجياً،‮ ‬لا يهتم إمام برسم شخصياته،‮ ‬فلا نعرف هل كان الصبي نحيفاً‮ ‬أم سميناً،‮ ‬طويلاًُ‮ ‬أم قصيراً،‮ ‬وكذلك الرجل العجوز والقاتل والمصور،‮ ‬وإن كنا نعرف أن الأرملة نحيفة،‮ ‬لا لأنه وصفها بذلك،‮ ‬بل لأنه سرده في أحد المشاهد،‮ ‬عندما جلست على أريكة رخامية‮" ‬وبقي جزء من مؤخرتها خارج حافتها حتى خافت أن تقع فانزاحت سنتيمترات للداخل‮". ‬إنه يترك للقاريء حرية اختيار شكل البطل بما يتناسب مع ثقافته،‮ ‬في حين يهتم هو بالرسم النفسي والعقلي والروحي،‮ ‬عاكساً‮ ‬بذلك خيالات شخصيته وهواجسها‮. ‬وإن كان يتدخل أحياناً‮ ‬بوصف يعمق الصورة النفسية‮.‬

ويبرز هاجس العمي عند إمام في قصتين،‮ ‬أولهما‮ "‬صانع الصور‮"‬،‮ ‬وثانيهما‮ "‬عينا رجل أعمي‮"‬،‮ ‬وينعكس عشقه للشعر في قصة عن بورخس وأخرى عن كفافيس‮. ‬كل ذلك يحيلني إلى فكرة ربما أكون مخطئاً‮ ‬في تصورها‮: ‬أن كل شخصيات إمام صور مختلفة له هو نفسه‮. ‬هو الساكن في مدينة لا ينتمي إليها،‮ ‬يتجول في شوارعها ليلاً،‮ ‬يصور بعدسة ذاكرته موتى يتصورون أنهم أحياء،‮ ‬ويعلم في قرارة نفسه أن الصباح لعنة من يستيقظون مبكراً‮. ‬هو من يكتب لأن الكتابة تضمن الخلود،‮ ‬وتطارده الهواجس واللعنات التي كلما قتلها نمت وتضاعفت،‮ ‬فكتب عنها حكاية جديدة‮. ‬حتى عندما يتبني الصوت الأنثوي،‮ ‬يعكس جانباً‮ ‬خافتاً‮ ‬فيه،‮ ‬جانب الإيمان بالحب حد كتابة خطابات‮ ‬غرامية‮. ‬هو أيضاً‮ ‬الصحفي الذي يكتب القصة والرواية‮.    ‬




نُشر بجريدة أخبار الأدب

الأحد، نوفمبر 28، 2010

قصة\ لعنة الشبه


جلستُ على السرير أنتظر حدوث ما أعرفه مسبقاً، بذراعين يحيطان ساقيّ وعينين جاحظتين تراقبان دقات الساعة. في السابعة صباحاً، بالضبط، فتحتْ أمي الباب دون أن تبدي دهشتها من يقظتي مبكراً ولا من جلستي. فقط أخبرتني أن الإفطار جاهز ويجب أن أنهض وأوقظ أخي التوءم. نظرتُ إليها بشفقة لم تفهمها أبداً، وقبل أن تخرج، سألتها بسذاجة إن كانت الساعة الآن السابعة صباحاً في كل العالم، فنظرتْ لي من فوق كتفها ولم ترد. حتماً قالت إنني أهلوّس كعادتها. فكّرتُ حينها أن أضع بجانب ساعة الحائط هذه ساعات أخرى تخبرني بالوقت في العالم كله عندما تكون في بيتي السابعة صباحاً. أنا أحتاج ذلك باستمرار خاصة في يوم الأحد الأول من كل شهر. لا لكي أحقد على هؤلاء النائمين بعمق في بلدان بعيدة، ولا هو فضول أحمق، بل لأسجّل في أجندتي الكبيرة كم كانت الساعة في كل بلد عندما رحل عن العالم من انتظرتُ رحيله منذ أيام مضتْ.
وضعتُ قدميّ على الأرضية ونظرتُ نحو الباب الموارب، كانت أمي تهمهم بكلمات تصل لي غامضة. فكّرتُ في سؤال جدتي الملّح في الأيام الثلاثة الأخيرة، كيف أبدو لك؟ جميلة يا جدتي. لا لا، لا أسأل عن هذا، أسأل هل أشبه أمك؟ لا يا جدتي. هل أشبه جارنا المسن؟ لا يا جدتي. هل أشبه زوجته؟ لا يا جدتي، أنتِ لا تشبهين أحداً. جدتي تصمت قليلاً لتعود وتخبرني أنني أشبهها، وأمي كذلك، وكذلك الجيران والناس في الشارع والمدينة والتليفزيون، وأنها كادت تُجَن لأن الكون كله يشبهها. حينها اقتربتُ من مائدة السفرة. نظرتُ في التقويم. وعلمتُ ما أعلمه دوماً قبل الآخرين.
خرجتُ ووقفتُ عند الباب. نظرتُ نحو غرفة جدتي فلم أجدها جالسة بجانب بابها كعادتها. حتى الأمس كانت تستيقظ مع شقشقة الفجر الأولى، تصل إلى الحمّام مجهدة، وتعود لتجلس بجانب باب غرفتها، مستندة بظهرها إلى الحائط الذي يفصلها عن أمي. لا أدري ماذا كانت تفعل أو كيف تقضي وقتها هذا حتى نستيقظ نحن ونُجلسها معنا على المائدة لتفطر. علمتُ حينها يقيناً ما كنت أعرفه منذ ثلاثة أيام. جدتي ماتت، وهي الآن بروح منفصلة عن الجسد، روح كانت تحاول الخروج بينما كانت هي تحاول اليقظة عند الفجر.
دمعتْ عيناي، دون أن تُذهل أمي. تقدّمتُ نحو الحمّام، فأوقفتني بجفاء. أخوك في الحمّام، قالتْ. نظرتُ إليها بشفقة، وجلستُ على أقرب كرسي بالسفرة. ساعد جدتك، قالت أيضاً. فأومأتُ لها برأسي موافقاً، ونهضتُ متكاسلاً، متوجهاً لركن جدتي، وانحنيتُ، وتصنعتُ أنني أساعدها على النهوض، وعُدتُ لنفس الكرسي لأجلس، فصاحتْ في، أخوك قاعد! فانتفضتُ قبل أن أجلس، وسحبتُ كرسياً آخر، فأشارتْ لي بيدها أن أذهب للحمّام قبل أن يستيقظ أبي.
جلستُ في الحمّام وتذكّرتُ أخى التوءم، الذي لم يكن يشبهني أبداً في شيء. كنا نلعب معاً، نتقافز معاً، يصارع كل منا الآخر، نتوه في شوارع المدينة الكبيرة ونعود للبيت دون أن ندري كيف قادتنا أقدامنا الصغيرة. كتفاً إلى كتف، خطونا نحو العالم، عانقناه، لعناه، امتزجتْ حكاياتنا حتى صرنا لا ندري من صاحبها. ويوم الأحد الأول من الشهر الماضي، دخلتْ أمي في السابعة صباحاً لتيقظنا، فوجدتني جالساً بجانبه أقرأ خطابه الأخير الذي أوصاني أن أحمله لحبيبته الصغيرة. كتب فيه بخط منمق يتفق مع نظامه:” لم أعد أحتمل أن أرى وجهي في كل الوجوه. لم أعد أحتمل أن أرى وجهي كلما رأيتك، وأقبّلني كلما قبلتك، وأعانق نفسي كلما عانقتك. لم أعد أحتمل أن أرى نفسي في وجه أخي، في وجه أمي، في وجه جدتي. لم أعد أحتمل كل هذه النسخ التي تشبهني حد التطابق.لذا، سامحيني، فضّلتُ الموت على الجنون”.
عدتُ إلى الصالة واقتربتُ من السفرة بينما أمي تلاحقني بالنظرات. وقبل أن أجلس نهرتني، فتّح عينك! نظرتُ لها بذهول، أخويا قاعد هنا برضو؟سألتُ مستنكراً. لأ، أبوك ال قاعد، وللا مش شايفو؟ أومأت لها أنها محقة، وجلستُ في كرسي آخر. كان طبقا أبي وأخي ممتلئين بالسندوتشات دون أن يلمسهما أحد، وأمام كرسي جدتي كوب لبن ممتليء لمنتصفه. همهمتْ أمي أنه لم يعد أحد يتناول إفطاره في هذا البيت. لم أعرها انتباهاً وأكلتُ بشراهة، وعندما نهضتْ لتغسل أسنانها كنت قد انتهيتُ أنا من أكل طبق أخي. عندما عادتْ لتحمل الأطباق، ظلتْ تُثني على أخي وأدبه الذي لا مثيل له، حد أنه يخجل من الأكل أمام أحد، وظلت تردد تلك العبارات حتى اختفتْ في المطبخ.
قبل أن أخرج من البيت أمرتني أمي أن أحمل جدتي لسريرها. نظرتُ إلى ركنها الخالي وهاجمني الحزن. دخلتُ غرفتها فوجدتها ممددة في براءة. وكما تعودتُ، هاتفتُ الحانوتي ليأتي. أثناء الغُسل فقدتْ أمي وعيها ولم تفق إلا عقب عودتي للبيت مجدداً بعد الدفن.
جلستُ على كرسي السفرة منهكاً. نظرتُ أمامي فوجدتني أتجول بالشقة، أدخل الحمّام، أتجه للمطبخ، أعد العشاء. أجلس أمامي وأقول لنفسي بنبرة جافة: ساعد جدتك. أنهض من مكاني، أتجه لركن جدتي، أتصنع أنني أساعدها، وأجلسها على كرسيها. ناديت أبوك وأخوك؟ يأتيني السؤال من أمامي، بنبرة صوتي لكنها جافة. أنادي بصوت عال: بابا! بوجي! العشا. أرص الأطباق على السفرة، وأنا أنظر لنفسي، بذهول. أنهض من مكاني مسرعاً. أشعل التليفزيون. يظهر أمامي مذيع هو أنا. أقلب القناة، أجدني ممثلاً. أهرول إلى النافذة، بينما يناديني صوتي الجالس على السفرة دون أن أعيره انتباهاً. ومن النافذة رأيتني أملأ الشارع ذهاباً وإياباً.

نُشرت بجريدة البديل يوم 13 نوفمبر 2010
http://elbadil.net/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%B7%D9%8A%D9%81-%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D9%87/

الجمعة، أكتوبر 15، 2010

تغطية ندوة صانع المفاتيح

http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=86225


تغطية ندوة رواية"صانع المفاتيح" بصالون دار العين الثقافي، 
جريدة روزاليوسف

ماريو بارجس يوسا..نوبل 2010


مجتزأ من أحدث روايات يوسا
‮"‬حلم السلتيكي"

 ترجمة \ أحمد عبد اللطيف






 الكونغو


عندما 
فتحوا باب الزنزانة،‮ ‬دخلت ومضات ضوء‮ ‬وضربة هواء 
ضوضاء الشارع التي كانت تحجبها الأسوار الحجرية، استيقظ روجير مرعوباً‮. ‬رمش بعينيه مرتبكاً،‮ ‬وانتبه وهو يحاول الجلوس إلي طيف الشريف،‮ ‬المعكوس علي الباب‮. ‬نظر إليه بوجهه الناعم وشاربه الأبيض وعينيه التي تتحدث بسوء،‮ ‬وبسماجة لم يحاول أبداً‮ ‬مداراتها‮. ‬هذا الرجل سيعاني ألماً‮ ‬إذا منحته الحكومة الإنجليزية طلب العفو‮. 

‮- ‬زيارة‮- ‬همس الشريف،‮ ‬دون أن يرفع عنه عينيه‮. ‬
نهض،‮ ‬نفّض ذراعيه‮. ‬كم من الوقت نام؟ كانت إحدي مزايا سجن بينتوفيل أنه لا يُعرَف الوقت‮. ‬في سجن بريكستون وفي برج لندن كان يُسمع صوت الأجراس التي تدق كل نصف ساعة،‮ ‬هنا،‮ ‬الحوائط السميكة لا تسمح بمرور صوت أجراس كنائس كاليدونيان رود ولا ضجيج سوق ايزلينتون كما أن حراس الأبواب ينفذون الأوامر بصرامة فلا يوجّهون له كلمة‮. ‬وضع الشريف الكلابشات في يديه وأشار إليه بالخروج أمامه‮. ‬هل جاءه محاميه بخبر سعيد؟ هل اجتمعت اللجنة وتوصلت لقرار؟ كانت نظرات الشريف،‮ ‬المحمّلة أكثر من أي وقت مضي بالنقمة التي تسكنه،‮ ‬توحي بأنهم خففوا العقوبة‮. ‬سار في الممر الطويل ذي الأحجار الحمراء المغطاة بالقذارة،‮ ‬أبواب زنازين معدنية وجدران مقشرة الطلاء‮  ‬فيها نافذة عالية كل عشرين أو خمسة وعشرين خطوة وبها فتحة يمكن من خلالها رؤية جزء من السماء الرمادية‮. ‬لماذا كان يشعر بالبرد الشديد؟ كان شهر يوليو،‮ ‬قلب الصيف،‮ ‬ولم يكن هناك سبب لهذا البرد الذي يجعل جلده مقنفداً‮.‬
عند دخوله لقاعة الزيارات الضيقة،‮ ‬تصبب عرقاً‮. ‬من كان ينتظره لم يكن محاميه جورج كافان ديفي،‮ ‬وإنما أحد مساعديه،‮ ‬شاب أشقر وهزيل،‮ ‬بوجنتين بارزتين،‮ ‬يرتدي ثوباً‮ ‬أنيقاً،‮ ‬كان قد شاهده خلال أربعة أيام المحاكمة يحضر أوراقاً‮ ‬لمحاميي الدفاع‮. ‬لماذا يرسل ديفي أحد مساعديه ولم يأت بنفسه؟
‮ ‬نظر إليه الشاب نظرة باردة‮. ‬بين حدقتيه كان يقفز الغضب والاشمئزاز‮. ‬ماذا حدث لهذا المعتوه؟‮ "‬ينظر لي كما لو كنت حيواناً‮" ‬فكّر روجير‮.‬
هل من جديد؟
نفي الشاب بهزة من رأسه،‮ ‬وأخذ نَفَسَه قبل أن يتكلم‮. ‬
‮- ‬عن طلب العفو لا جديد إلي الآن‮- ‬همهم،‮ ‬بجفاء،‮ ‬مؤدياً‮ ‬إيماءة جعلته أكثر تفككاً‮- ‬يجب أن ننتظر حتي يجتمع مجلس الوزراء‮.‬
كان وجود الشريف والحارس الآخر في القاعة الصغيرة يضايق روجير‮. ‬فرغم أنهما بقيا صامتين وساكنين،‮ ‬كان يعلم أنهما ينصتان لكل ما يُقال‮. ‬وكانت هذه الفكرة تطبق علي صدره فتجعله يتنفس بصعوبة‮. ‬
‮- ‬لكن لو وضعنا في اعتبارنا الأحداث الأخيرة فكل شيء صار أصعب‮- ‬أضاف الشاب الأشقر وهو يرمش بعينيه للمرة الأولي وفاتحاً‮ ‬ومغلقاً‮ ‬فمه بشكل مبالغ‮ ‬فيه‮.  ‬
‮- ‬الأخبار لا تصل إلي سجن بينتونفيل،‮ ‬ماذا حدث بريطانيا العظمي من سواحل آيرلندا؟ وهل الغزو الذين يحلمون به حدث؟ وهل مدافع كايسير تنتقم حالياً‮ ‬من المواطنين الآيرلنديين الذين رفّعهم الإنجليز عند الاحتفال بأسبوع الآلام؟ فلو اتخذت الحرب هذا الطريق،‮ ‬ستتحقق خططها رغم كل شيء‮.‬
‮- ‬كل شيء أصبح صعباً،‮ ‬وتحقيق النصر شبه مستحيل‮- ‬كرر المساعد‮. ‬كان شاحباً‮ ‬ويكبح استفزازه،‮ ‬وكان روجير يستشف جمجمته تحت جلد وجهه الأبيض‮. ‬وكان يشعر أن الشريف يبتسم من وراء ظهره‮. ‬
‮  ‬ماذا تقول؟
‮ ‬السيد جابان ديفي كان متفائلاً‮ ‬جداً‮ ‬بالعفو‮. ‬ماذا حدث كي يغير رأيه؟
‮-‬يومياتك‮ ‬‭_‬‮ ‬قال الشاب بإيماءة ضيق‮. ‬خفض صوته حتي أن روجير كان يسمعه بالكاد‮- ‬اكتشفها سكوتلاند يارد في بيتك بإبيري ستريت‮.‬
صمت صمتاً‮ ‬طويلاً،‮ ‬منتظراً‮ ‬أن يقول روجير شيئاً‮. ‬لكن بما أن الأخير أصابه الخرس،‮ ‬أطلق الزمام لضيقه وعوج فمه‮.‬
‮- ‬كيف كنت رجلاً‮ ‬غير رصين،‮ ‬يا ابن الرب‮- ‬كان يتحدث ببطء يعكس‮ ‬غضبه‮- ‬كيف كتبت بقلم وورقك مثل هذه الأشياء،‮ ‬يا ابن الرب‮. ‬وإن كنت فعلت ذلك،‮ ‬كيف لم تتخذ الاحتياطات اللازمة لتمزيق هذه الأوراق قبل أن تتآمر ضد الامبراطوية البريطانية‮.‬
‮" ‬إنها سبة أن يناديني هذا المعتوه بكلمة ابن الرب‮"‬،‮ ‬فكر روجير‮. ‬كان‮ ‬غير مؤدب،‮ ‬لأن عمره ضعف عمر هذا الولد علي الأقل‮.‬
‮- ‬أجزاء من هذه اليوميات تلف الآن في كل مكان بالإمبراطورية،‮ ‬قال المساعد بشكل أكثر هدوءً،‮ ‬رغم أنه متضايق علي الدوام،‮ ‬ودون أن ينظر إليه‮. ‬سلّم متحدث الوزير،‮ ‬قبطان سفينة ريجينالد هول شخصياً،‮ ‬نسخاً‮ ‬لعشرات من الصحفيين‮. ‬يومياتك في كل أنحاء بريطانيا،‮ ‬في الأندية الليبرالية والمحافظة،‮ ‬في قاعات الدرس،‮ ‬في صالات التحرير والكنائس‮. ‬في المدينة لا يتحدثون عن شيء آخر سواك‮.‬
ريجير لم يتفوه بكلمة‮. ‬لم يتحرك‮. ‬كان يشعر،‮ ‬من جديد،‮ ‬بهذا الإحساس الغريب الذي استحوذ عليه في مرات كثيرة في الأشهر الماضية،‮ ‬منذ هذا الصباح الأسود والماطر من أبريل سنة‮ ‬1916،‮ ‬والذي فيه كان منكمشاً‮ ‬من البرد،‮ ‬سحبوه من بين أطلال مي كانا فورت،‮ ‬بجنوب آيرلندا‮: ‬لم يكن هو،‮ ‬لابد أنه كان آخر من يحدثونه هكذا،‮ ‬من تحدث له هذه الأشياء‮.‬
‮- ‬أعلم أن حياتك الشخصية ليست من شأني،‮ ‬ولا من شأن السيد ديفي ولا أي أحد آخر‮- ‬أضاف الشاب المساعد،‮ ‬مجتهداً‮ ‬أن يخفض‮ ‬غضبه المعكوس في صوته‮- ‬لكنني أتحدث عن شيء مهني بالدرجة الأولي‮. ‬السيد جابان ديفي أراد ان يطلعك علي ما يحدث‮. ‬ويحذرك‮. ‬ربما يتم رفض طلب العفو‮. ‬هذا الصباح،‮ ‬كانت هناك اعتراضات في بعض الجرائد،‮ ‬خيانات،‮ ‬شائعات حول ما تحويه يومياتك‮. ‬حتي الرأي العام الذي كان يؤيّدك تأثّر بكل هذا‮. ‬هذا افتراض صرف‮. ‬أتريد أن أنقل له أي رسالة؟
__________________
نشر بجريدة أخبار الأدب


http://www.akhbarelyom.org.eg/adab/detailze.asp?field=news&id=1534&num=%C7%E1%C8%D3%CA%C7%E4

الاثنين، سبتمبر 27، 2010

يوسا يكتب عن حرق القرآن

البهلوانات



ماريو بارجس يوسا

ترجمة\ أحمد عبد اللطيف





يعلن تيري جونز، وهو راعي بروتستانتي متعصب من جينسفيل بفلوريدا وتضم كنيسته بالكاد خمسين زائراً، أنه يستعد في الذكرى السنوية لاعتداء القاعدة الموافق 11 سبتمبر لإحراق نسخ من القرآن، وفي أيام قليلة يحصل الرجل على شهرة عالمية. لا أعتقد أن هناك رمزاً أبلغ من ذلك لحضارة الاستعراض، التي هي حضارة الزمن الذي نعيشه الآن.



كان الصمت أو التجاهل أو على أقصى تقدير كتابة سطرين في صفحة النكات أو الغرائب بالصحف، هو الأمر الطبيعي أمام هذا الاستفزاز وهذه الحماقة والبهلوانية التي يؤديها الراعي جونز، والمطبوعة بالتعصب والجنون أو شهوة الشهرة الملحة. لكن، في سياق العنف السياسي والأصولية الدينية لعالم اليوم، وصل الخبر سريعاً للصفحات الأولى، وصورة المنادي للحرق بوجهه المعتم وثوبه المشدود وأصابعه المجعدة أدارتْ الكرة الأرضية. مئات الآلاف من المسلمين الغاضبين خرجوا إلى الشارع في أفغانستان والهند وإندونيسيا وباكستان وغيرها، يهددون بالانتقام من الولايات المتحدة وحلفائها إن تم حرق كتاب دينهم المقدس. دقتْ الأجراس في وزرات الخارجية والهيئات السياسية والعسكرية والروحية العليا في الغرب. الفاتيكان، سكرتير الدفاع روبيرت جيتس، البيت الأبيض وحتى الجنرال ديفيد بيتروس، القائد القائم بدور رئيس الحلف الأطلنطي بأفغانستان، كلهم نصحوا الراعي جونز بالتخلي عن خطته شبيهة محاكم التفتيش. وفي النهاية تنازل، وفوراً عاد إلى الظلام الذي ما كان يجب أن يخرج منه. تنهد الكوكب براحة، وطاف على السطح شعور بأن العالم قد نجا من لعنة جديدة.



هل كان من الممكن أن يحدث ذلك؟ نعم بالطبع. فأحد ملامح التعصب المحددة هو عدم قدرة المتعصب على تملك خطة بالأولويات الرصينة والمنطقية؛ والتي فيها، الأولوية الأولى هي دائماً فكرة أو إله يمكن أو يجب أن يُضَحى بالآخرين من أجله. وبالتالي، محرقة كتب مقدسة في حديقة بجينسفيل أمام مئات من كاميرات التليفزيون والمصورين تبرر الحرب العالمية الثالثة بل واختفاء الحياة في وادي الدموع هذا. عندما طلب الجنرال بيتروس من الراعي جونز ألا يحرق القرآن لأنه لو فعل ذلك سيتعرض الجنود الأمريكان في أفغانستان لخطر كبير، كان يعرف جيداً جداً ما يقوله.



كيف أمكن أن نصل إلى هذا الوضع الذي فيه تستطيع مبادرة هوجاء من مسكين تعيس، بلا مصداقية من أي نوع، أن تضع العالم بأسره على الحافة، مبادرة بشكل ملموس كان من الممكن أن تطلق عنفاً إرهابياً في عدة قارات؟ يرى البعض أن المسئولية تقع على عاتق وسائل الإعلام، التي لو كانت قد تصرفت بشكل عاقل ما كانت وضعت الراعي جونز في مركز الحدث، ناشرة تهديده كأنه سيلقي قنبلة ذرية شديدة المفعول. حقيقة أن الجرائد والراديو والقنوات التليفزيونية تتصرف بلا أي مسئولية، لكن ليس ذلك هو سبب الكارثة الأول، لأنه في هذه الحالة، مثل حالات أخرى كثيرة نعاني منها يومياً، لا يمكن لوسائل الإعلام أن تتصرف بطريقة أخرى. إنهم مضطرون لفعل ما يفعلون لأن هذا هو ما ينتظره منهم – أو يطلبونه- القراء أو المستمعون أو المشاهدون في العالم أجمع: أخباراً تخرج عن المعتاد، تدمر الروتين اليومي، تدهش، تربك، تفضح، ترعب، وفوق كل شيئ تسلي وتلهي. أليس من المسلي أن يعلن واعظ من دعاة العنصرة من جينسفيل بفلوريدا، بمفرده، مثل أماديس دي جاولا في العصور الوسطى، الحرب الكاملة على مئات من الملايين المسلمين الموجودين اليوم في العالم؟



لا يمكن أن تكون المعلومة في أيامنا جادة، لأنهم لو اجتهدوا لتكون كذلك ستختفي، أو في أحسن الأحوال سيؤل مصيرها للقبر. والقاعدة العريضة من تلك الأقلية التي لا زالت تهتم بمعرفة ماذا يحدث يومياً في الأوساط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العالم، لا تريد أن تشعر بالملل وهي تقرأ أو تسمع أو تشهد تحليلات فطنة ولا اعتبارات معقدة، مليئة بالصبغات، وإنما تريد أن تتسلى، تقضي وقتاً هادئاً، يخلصهم من ضيق وإخفاقات وتوترات اليوم. وليس محض صدفة أن تجد جريدة مثل لي موند الفرنسية، وهي واحدة من أكثر الجرائد جدية واحتراماً في أوروبا، على أبواب الإفلاس عدة مرات في السنوات الأخيرة. وأنقذت نفسها حديثاً مرة أخرى، لكن من يدري إلى متي، إلا إذا خضعت لإفساح مساحة للخبر- التسلية، الخبر- النكتة، الخبر- التفاهة، الخبر- الفضيحة، الذي احتل بطريقة منهجية كل وسائل الإعلام الكبرى، سواء في العالم الأول أو الثالث، دون استثناءات. ولكي تمتلك وسائل الإعلام الآن الحق في الوجود والازدهار لا يجب أن تعطي أخباراً وإنما تقدم استعراضاً، معلوماتٍ تشبه، في لونها وفكاهتها وطابعها المثير وعلو نبرتها، الاستعراضات الواقعية، حيث يلتبس الحق بالباطل كما يحدث في العمل الخيالي.



إن التسلية كلما أتيحت الفرصة، رغم ما تحمله من تجاوز للمباديء الأساسية للتعايش، والأخلاق، والجمال، والذوق الحسن الصرف، هو الوصية الأولى في ثقافة عصرنا. والحرية، تلك المزية التي تتمتع بها الدول الغربية واليوم لحسن الحظ يتمتع بها عدد كبير من بقية دول العالم، تسمح بضمان التعايش والحق في النقد والتنافس وتبادل السلطة، لكنها في نفس الوقت تسمح أيضاً بتجاوزات تقوض أسس الشرعية، وتضغط حجمها حتى تصبح منكرة. وأسوأ شيئ أن هذا الشر لا بد منه، فمحاولة تقليل أو قمع الحرية سيكون له عواقب أوخم على المعلومات من هذه التفاهات.



هناك عواقب متعددة لتتويج ثقافة الاستعراض- وأعراض جانبية- أولها وأساسها البطولية التي حققها في زمننا البهلوانات. كانت هذه مهنة نبيلة جداً في الماضي: التسلية، الفارْس أو الكوميديا المتجولة، التحول لشخصية خيالية تشوه الحياة، الحقيقة، التجربة، ليُضحك الجمهور أو يجعلهم يحلمون، إنه فن قديم وصعب وجدير بالاحترام، تمخض عنه المسرح والأوبرا والتراجيديات وربما الرواية. لكن الأشياء تتغير بتكافؤ عندما يمارس مجتمع ما، وهو مسحور بالتمثيل والحاجة للتسلية كهدف أول، ضغط أن يقولب ويحول خطوة خطوة ساسته ومثقفيه وفنانيه وصحفييه ورعاته أو كهنته وحتى علماءه وعسكرييه إلى بهلوانات. وخلف استعراض مشابه، تنكشف أشياء كثيرة، مثل الحدود بين الحقيقة والكذب، القيم الأخلاقية، الأشكال الفنية، طبيعة الهيئات، والحياة السياسية بالطبع.



لذلك ليس من المدهش في عالم معروف عنه شهوة الاستعراض أن يعتبروا دامين هيرست، هذا السيد الذي حبس سمكة قرش في جرة زجاجية ممتلئة بالفورمالين، فناناً عظيماً ويبيع كل ما يصنعه من فن مزيف بأسعار أسطورية، أو أن تكون أكثر المجلات انتشاراً في العالم أجمع، والبرامج الأكثر شعبية، هي التي يعرون فيها أمام جمهور كبير أسرار المشاهير الحميمية، وليس تلك الأسرار بالطبع بطولات علمية أو اجتماعية، بل فضائحهم وانحرافاتهم الشوارعية، فيحصل هؤلاء على 15 دقيقة من الشعبية التي تنبأ بها أندي وارهل – أيقونة أخرى من أيقونات ثقافة الاستعراض- لكل سكان مجتمع عصرنا.



من المستحيل أن تتحقق بطولته بكمال، لكن لأن هناك أناساً كثيرين في العالم ووسائل الإعلام لن تعطي كثيراً وستمنح للجميع هذا الخلود المؤقت. لكنها نعم تتحقق، بمعني منفصل وحميم، فطموح ينمو يدفع عدداً أكبر، من مختلف المدارات، للتصرف بطريقة تسمح لهم بالهروب من الظلام والدخول في محيط الشهرة التي يتمتع بها البهلوانات الذين يُصفق لهم إن أجادوا فن التسلية ويتلقون البقشيش وينسون إلى الأبد. من الصعب حتى على الطيبين الهروب من ريموت من يدفع نحو أحضان مبدعي الدعاية- الاستعراض- حتى ولو كان ما يفعلونه جاداً ويبدو خارج متناول التفاهة. ألم نر حديثاً أحداً سطحياً قليلاً مثل العالم ستيفن هاوكينج يجعل دعاية كتابه القادم أنه يبرهن على أن خلق العالم يمكن أن يحدث دون حاجة إلى الله؟



هذا هو المناخ الذي يفسر ما حدث لتيري جونز، الراعي الداعي للعنصرة والذي نفض العالم ومن الممكن أن يجرنا لكارثة توراتية أخرى(ليس هناك تعبير آفضل) ربما يكون متعصباً أو مجنوناً أو مهرجاً صرفاً. لكنه في كل الأحوال يجب أن يبقى واضحاً أنه لم يفعل ذلك بمفرده. فكلنا شركاء له.



الجمعة، أغسطس 13، 2010

دبلتي .....نص بالعامية

02 de agosto de 2010 a las 13:01

خطيبتي كانت مصمما نجيب دبلا إيطالي. آلت الدبلا الإيطالي أشيك وبعدين ع الموضا ، شكلها هتبئا تحفا علا صباعك ، عارف السايغ ال بنتعامل معاه؟لأ معرفهوش ، رديت . دا عندو ديزاينات تجنن. .

صممتْ ننزل وئت المغربيا، مع إني ف العادي بحب أنام ف الوئت دا . عادة مبحبش أشوف دخول الليل ، بس فكرت إنها مش مشكلا وأهو يوم ويعدي. آبلتها ، أعدنا ف مكان ، شربنا حاجا، حكينا . كانت هيه بس ال بتحكي ، وبتخطط، وبتدبر، وأنا كنت بسمع وأهز راسي. جايز ما كنتش مركز أوي، وجايز كل ال بتئولو ما كانش فارء معايا. نص كلامها كان علا طئم شافتو وعجبها، دهب سويسري إنما حكايا. ال يعجبك يا حبيبتي. بس لازم تجيب الدبلا الإيطالي، بطّل تئول أي حاجا . حاضر .



وصلنا عند السايغ. شفنا الطئم السويسري، أستو. شيك أوي ، يا ريت بئا تشوف لنا دبلا إيطالي ، آلت هيه للسايغ.طلع كام دبلا وبص لي وابتسم ، الدبلا دي هتيجي علا أدك. جيت أأيسها كانت ديئا. جابلي دبلا غيرها ، كانت واسعا ، غيرها برضو كانت واسعا، غيرها كانت دايئا . طب ما تجبلي دبلا مصري وخلاص. طلع الراجل دبلا مصري، كانت ديئا ، طلع غيرها فجت مظبوطا . اي رأيك؟ خطيبتي بصت لي ، شكلها أديم أوي، شبه دبلة بابا. طب وهيه دبلة بابا وحشا؟ مش أصدي بس أديما .وريني الدبلا الإيطالي دي كدا ، أولت للسايغ.

كانت واسعا. خطيبتي صممت ناخدها وخلاص، والسايغ آل علا فكرا بعد الجواز الرجالا بتتخن ، واهو توفر لك تمن دبلا تانيا . خطيبتي آلت صح، هي دبلا واحدا بتاريخ الخطوبا. بكام لو سمحت؟ سألت خطيبتي. طب ما انا هدفع كلو. لأ يا حبيبي، دبلة خطوبتك دي هديتي ليك.

مشيت وانا مش فاهم ازاي هلبس دبلا واسعا عليا ، كنت ماشي ف الشارع بأيسها كل شويا وبستغرب. لما خطيبتي خدت بالها آلتلي ممكن تلف عليها خيط من جوا ..لما شافت استغرابي آلت أو نجب لك محبس، وانفجرت ف الدحك. او أنفخ صباعي سيليكون ، أولتلها وانا مخنوء.



ف يوم الخطوبا مشيت آفل ايدي اليمين ، ف الكووافير اضطرت اسلم برفع ايدي الشمال ، ووانا داخل قاعة الفرح كان نفس الحكايا. كنت بدعي ربنا ماحدش يجي يسلم عليا أحسن الدبلا توئع. بس طبعا كل الناس جت سلمت وباست، وانا كل شويا أزوء الدبلا لجوا.



كان ما بين الخطوبا والفرح تلت شهور، كل يوم كنت بحس ان الدبلا بتديء علا صباعي رغم اني ما كنتش بتخن.

ويوم الفرح كانت الدبلا دائت لدرجة اني مش آدر استحملها .



عدا الشهر الأولاني وانا حاسس ان مشكلتي ف الحياة بئت الدبلا، كل يوم بتديء من غير حل. لدرجة اني صباعي كان عندو احتقان.



لما أولت لمراتي، بصتلي ودحكت : مش أولتلك، اديها اتظبطت.

بعد كام شهر ومن كتر ما اشتكيت، آلتلي طب حاول تخلعها بصابونا وهات لك واحدا أوسع، ولو عايز تجيب الدبلا المصري براحتك.



حاولت بكل الطرء اخلعها ما اتخلعتش ، بالصابون ، بالكريم ، بالجن الأزرء..وف الاخر رحت للسايغ وأولتلو ابوس ايدك اخلعلي الدبلا، بعد محاولات كان هيئطع فيها صباعي، آل لي يا بني دي لازم تتكسر. أولت لو اكسر يا عم. بصلي واستغرب، المدام هتزعل منك، دي عليها تاريخ الخطوبا .اكسر يا با ، صباعي خلاص مش آدر .



كسر الدبلا ..كان صباعي خلاص اتهرا ومش نافع.



تحب اجبلك دبلا غيرها؟

لأ شكرا خليهالك ، هو بعد ال حصل ف صباعي ألبسو دبلا تانيا

الأربعاء، يوليو 14، 2010

أسما عواد تكتب عن رواية صانع المفاتيح


مفاتيح القديم والجديد في رواية صانع المفاتيح


أسما عواد



ليس من السهل أن يتملك شخص في يده مفاتيح صنعته. وصانع المفاتيح الذي أعنيه هنا ليس بطل رواية "صانع المفاتيح"، وإنما صانعها الروائي أحمد عبد اللطيف الذي صنع مفاتيح روايته من محور واحد تتفرع منه جميع الأحداث




في ثراء سردي يصنع الكاتب لكل شخصية مفتاحا خاصا بها ويثريها بوصف وسرد خالي من الحوار حيث تمتلك كل شخصية مفاتيحها الخاصة التي تجعلك تتصورها أمامك وتتخيلها وكأن صانع المفاتيح قد صنع لقارئه مفاتيحا للقراءة أيضا تسمح له باستخدام الخيال. يتخيل بها الأبطال حتى يجدهم ماثلين أمامه مثل أبطال الدراما وتجعله يتمنى لو أنه يراها في عمل سينمائي أو تلفزيوني يتألف ويتعاطف معهم فيحب طيبهم ويكره شريرهم . إنك كقارئ ربما تتمنى أن تشاهد الرواية في عمل سينمائي او تلفزيوني. وربما تسأل نفسك هل من مخرج جريء يحول هذه الرواية إلى فلم سينمائي ؟ لماذا لا يقبل كتاب السيناريو ومخرجو المسلسلات على هذا النوع من الروايات المكنة والممتنعة في نفس الوقت؟ لماذا لا يكون الاتجاه لصنع دراما جديدة قائمة على الخيال الواقعي أو الواقع الخيالي ؟.تجربة ممكنة ومتاحة وبالأخص لبعض الأعمال الخيالية التي يستطيع كاتبها أن يقنعك بأنه يكتب واقعا قابلا للتجسيد. وهذه ليست بالتجربة المستحيلة، وقد جسدت في أعمال كثيرة مثل الحب في زمن الكوليرا لماركيز، و العطر لباتريك زوسكند وغيرهم من الروايات الأدبية التي تحولت إلى أفلام غاية في الإبداع.




الذي يدفعنا لرؤية الرواية في ضوء الدراما ليست تقليدية القضية التي تتناولها (فساد المجتمع) مما يجعلها ممكنة للتمثيل، فقد صنع على الصعيد الآخر بطلا يأخذ بهذه التقليدية إلى مناطق جديدة تشفع للرواية وتنقلها إلى مساحة التجديد. ولكن ما يدفعنا لذلك السرد القائم على فلسفة خالية من المبالغة. وحكمة خالية أيضا من التعقيد.




لقد صنع الكاتب مفاتيحا لكتابته قبل أن يمنحها للبطل في الرواية ومن هذه المفاتيح مفتاح الكلام. فهو عندما جعل البطل صانعا لمفاتيح الكلام ، استخدم هو هذا المفتاح مسبقا من خلال خلو الرواية من الحوار.وهي منهجية عفوية، فالرواية التي تعتمد على السرد الخالي من الحوار هي نفسها القائمة على الحوار الداخلي مثل قول البطل لنفسه: " كم أنت قبيح هل انت من خلق الله؟" ومثل "نعيش في عالم فاسد لست افسد من فيه ". إنه حوار مع النفس يتخلل السرد بلا فاصل أو قاطع، مما يمكنه من الإمساك بحبل السرد فيكمل الوصف وكأنه حكاء يمارس الحكي كل يوم، حتى يخيل لك انه سيبدأ في التمثيل بصوته، وسيقلد أصوات الأبطال. ولو كان للكتابة صوتا مسموعا لسمعت أصوات الأبطال صادرة من فم واحد هو فم الراوي الذي استبدل الربابة بالقلم، وذلك من خلال حكاية من داخل حكاية، وكأن حاكيها يملك من الحياة حيوات أخرى لكنها كلها وان كانت ممكنة، إلا أنها غير عادية فلا أحد يصنع من فندق ومستشفى خيري بيئة رواية خيالية . دون أن يشعرك بأنك انتقلت لقراءة كتاب آخر بلغة جديدة.




بهذا الفاصل يكتب الرواية لتجد نفسك متورط في حكاية جديدة داخل الحكاية الكبيرة المتخمة بالحكاوي الصغيرة، مثل الصداع الذي يشبهه بطفل يتغلب عليه، هذا الطفل الذي يعبث معه حتى ينهيه لكنه طفلا فيبدأ من جديد ، ثم تخيله للصداع على انه نمله او رجل ينقر بإصبعه. ومثل عمل الطبيب في طفولته وتنوع الأعمال التي قام بها حتى الغريب منها مثل جامع العظام. كل هذه التفاصيل الصغيرة تعطي العمل إحساسا بالتجديد لوجود الخيال بها، ثم بجعلها ممكنه بحدث عادي مثل العصفور الذي اشتراه أحد الأبطال. إنها أحداث ممكنة تجعل من الأشخاص الذين يعيشون حكاية وهمية اشخاصا حقيقيين يعيشون ما نعيشه نحن.




لقد استخدم الكاتب مفتاح العوالم الصغيرة من داخل عوالم اكبر ويمثله في الرواية العوالم الصغيرة من داخل عالم القرية التي هي بدورها نموذج مصغر لعالم كبير يوجد بداخله الفندق والمستشفى، عالمان صغيران يمثلان الفساد في الحياة. ثم الجبل الذي يشرف عليهما والذي يمثل المناطق الجميلة والبكر التي لم تلوث بعد . وكل هذه العوالم الداخلية خيالية بالرغم من وصفها المحتمل وقرب وصفها من اماكن متواجدة على الحقيقة.




وبنفس المفتاح التداخلي جاءت لغة الكتابة التي تتضمن تداخلات بين لغة التدوين وهو العالم الأكثر تكلفا وتعقيدا، وبين لغة الراوي وهو العالم الأكثر بساطة. ربما لكي يخرج من مأزق تباين الموضوع بين التقليدية والتحديث، وذلك كي يتمكن من قيادة السرد أينما يشاء بتحييد الراوي، وتحديد البطل في نفس الوقت.




مفتاح آخر صنعه الكاتب وهو مفتاح الكتابة اللغز التي لا يمكن فك شفرتها إلا في لحظة تجلى قد تقضي حياتك كلها دون ان تمر بها، وقد تمر بها في لحظة لا قانون لها. وهي لحظة فجائية أو لحظة عشوائية لا واجد لها من الشخصية . تلك اللحظات التي تكتسب امكانيتها من إمكانية المرور بها لأي شخص، واستحالتها من استحالة استدعائها، تمثل نقطة مضيئة تضيء الروح او العقل برابط خفي لا يدركه الا خالقة. هي لحظة الوعي والاكتشاف العميق، مثل من يرى الحياة أو يرى الله من خلال ذيل القطة. إنها لحظة قد نمر بها جميعا تعيد ترتيب حياتنا من جديد، او تقلبها رأسا على عقب، وتكون مسبباتها أشياء لا علاقة لها بردة الفعل. كأن تغير مسار حياتك عندما ترى نملة تسير على جذع شجرة، أو علما يرفرف في الهواء، أو بقرة تلوك طعاما . إنها لحظة شفافة وثرية لمن يستطيع الإمساك بها. ويمكن لكاتب آخر أن يصنع منها رواية كاملة، مثلما فعل باتريك زوسكند في رواية الحمامة وقلب حياة البطل لمجرد رؤيته لحمامة، جعلته يقف أمام نفسه بقوتها وضعفها، ويعيد ترتيبها من جديد.




ثم يأتي مفتاح الفوضى داخل الرواية انها الحياة بكل تضاربها وبكل نماذجها المتضاربة . من فسد فيها ومن حافظ على نفسه دون فساد، من كان صالحا منها ومن كان طالحا. هي بكل تقلباتها فالصالح قد يفسد والطالح قد يصلح،. ما الجديد إذن؟ قد تسأل نفسك هذا السؤال ولكنك في كل مرة تخطو نحوه ستجد ما يأخذك بعيدا عنه مثل هوس الناس بالمفاتيح ( تجديد) ثم تنوع المفاتيح و تبدلها من مفاتيح الكلام ثم مفاتيح السمع ثم البصر( تجديد) وقبل أن تمل سيلعب بإرادة الأشخاص لحواسهم حتى أنه أصبحوا يعلقون في أعناقهم سلسلة للمفاتيح لاستخدامها وقتما يشاءون ( تجديد) ثم ينتقل إلى متى يكون التحكم وإدارتها أمر مستحب ومتى يكون لعنة قد لا تعيدهم لأصولهم فتجر عليهم الويل واللعنات( تقليدية). وقبل أن تنفلت منه لتسأل نفسك نفس السؤال سيشغلك بشئ جديد يمنعك من الإنفلات. بلغة شعرية تارة مثل وصفه للأمطار التي تهطل لكنها لا تنقي الجو ولا تغسل البيوت ولا تطهر الأجساد .أو بأحلام وكوابيس الأبطال تارة أخرى.




الرواية مكتظة بأحلام وكوابيس الأبطال مثل كوابيس الأب والابن وجميلة وهذا يمثل مفتاحا آخرا في الرواية لكنه مفتاح ماستر صالح لفتح جميع الأبواب ويستخدمه الكاتب كي يجعل الكتابة قابلة لاستيعاب كل ما يرغب في إثراء النص به ولا يجد له مكانا في السياق .




إنه عالم الأحلام الفضفاض القابل لاستيعاب جميع التناقضات عالم القبول الرفض، عالم الرمزية والواقعية، الكناية والتصريح. لكنه لم يوجده عبثا فهو يملك مفتاحا خاصا به ربما ليفتح به باب الضمير. فالكوابيس تشكل الضمير الحي للأبطال. لأجل ذلك لم تنتاب الكوابيس من غيب ضميره للأبد أو من كان خارج منطقة الضمير. هنا تشكل الكوابيس الوجه الحقيقي من البشر الذي يخشى القبح أو يرغب في التطهر منه. فالقضية بالفعل تشغل مساحة كبيرة في الكتابة التي تصف المطر غسيلا للذنوب وللروح، والطفل المشوه هو الحمل الذي قبل أن يتحمله تكفيرا لذنوبه السابقة. وكما جاء على صفحات الرواية " المسألة لديه بالفعل مسألة جوهر لذا " و"ليس كل ما تستقبحه العين تستقبحه الروح".




إنها رواية تحير القارئ فتجعله يتساءل في كل لحظة إلى أي نوع من الكتابة تنتمي هل هي رواية نفسية ام اجتماعية، هل هي تقليدية أم حديثة . مما يجعل شهادة الكاتب أمرا لازما لإشباع فضول القارئ.




لقد كتب الكاتب هذه الرواية بقلب طفل جريء... مندفع تجاه التجريب، لا يحمل خوفا من التجربة، فيمزج ما بين اتجاهين في الكتابة، دون أن يهتم بردة الفعل ودون خوف من العواقب. وهي شجاعة محسوبة له، حتى أنه ربما يهز كتفيه بعد قراءة مثل هذا المقال ويقول لنفسه:




ـ لا يهمني سأبدأ في رواية أخرى أجرب فيها شيئا جديدا .

 



تم نشر المقال في مجلة الثقافة الجديدة يوليو 2010




وموقع الكتابة الجديدة

الجمعة، يوليو 09، 2010

صانع المفاتيح

فانتازيا لا تفلت‮ ‬من وطأة الاجتماعي‮!‬


 



حاتم حافظ

 


‮"‬في طفولتنا يعلموننا أن الشجرة شجرة وأن الجبل جبل،‮ ‬وفي شبابنا نسأل أنفسنا هل حقا الشجرة شجرة والجبل جبل؟،‮ ‬وفي شيخوختنا نعلم علم اليقين أن الشجرة كانت شجرة وأن الجبل كان جبلا،‮ ‬وأننا أضعنا عمرنا في أسئلة نعرف مسبقا أجوبتها،‮ ‬فنسخر من أنفسنا،‮ ‬لكن في رحلة البحث نطّلع علي جانب من حكمة الخالق،‮ ‬جانب خفي لا يراه إلا من تأمل وبحث،‮ ‬فوهبه الله نفحة من علمه وأنار بصيرته‮".. ‬هكذا يكتب أحمد عبد اللطيف ببساطة تسم عمله الأول‮ "‬صانع المفاتيح‮" ‬الصادرة عن دار العين‮. ‬وهي بساطة تشي بموهبة روائية لا تصخب في الإعلان عن نفسها كما يفعل كثير من الكتاب في رواياتهم الأولي حين يتخلون عن البساطة خوفا من أن يقلل النقاد والقراء والمتابعين من أعمالهم‮. ‬فعلي العكس فإن بساطة عبد اللطيف تشفّ‮ ‬عن خبرة بالكتابة،‮ ‬وعن قدرة علي التصوير،‮ ‬وعن موهبة يمكن أن تفلت علامات أصالتها بين الحين والآخر،‮ ‬بداية من قرار نسج روايته في قالب أسطوري،‮ ‬وانتهاء بقرار صياغة رواية متعددة الأصوات،‮ ‬ما بين سرد الراوي العليم وتدوينات صانع المفاتيح‮.‬



صانع المفاتيح‮.. ‬الشخصية المحورية في الرواية،‮ ‬يقرر ذات يوم بعد أن ضاق بسماع حكايات أهل قريته عن الفساد الذي ضرب القلب منها أن يصنع مفتاحا لأذنيه،‮ ‬بهذا المفتاح يمكنه أن يفتحهما وقتما يشاء ويغلقهما وقتما يشاء‮. ‬مفتاح السمع هذا بات في أيام معدودة مطلبا شعبيا،‮ ‬فالجميع لا يرغب أن يمضوا في الاستماع لما يحدث في فندق الخواجة لاللي وما يحدث في مستشفي الرحمة التي يديرها‮ "‬الدكتور‮". ‬كما أن أهل القرية يمضون في تمنياتهم لأبعد من ذلك بعد أن جرّبوا هدوء ألا تستمع لما يمرّر أيامك،‮ ‬فيطلبون مفاتيح للبصر،‮ ‬ومفاتيح للكلام أيضا‮!‬



      ****



تسأل الرواية سؤالا حول المعرفة،‮ ‬هل يمكن الإفلات من عذاب المعرفة،‮ ‬أم أن هذا الإفلات لا يتحقق إلا بمزيد من المعرفة؟‮.. ‬عبد اللطيف يُصدّر للرواية بمقطع من الآية الكريمة‮ "‬صم بكم عمي‮" ‬والتي تستدعي نهايتها‮ "‬فهم لا يعقلون‮"‬،‮ ‬كما لو كانت‮ "‬صم بكم عمي‮" ‬هي مفتتح رواية تنتهي ب‮ "‬فهم لا يعقلون‮". ‬ذلك أن أهل القرية الممرورين بمعرفتهم بما يجري حولهم والذين يشاركون فيه بالطبع،‮ ‬فهم ليسوا أبرياء منه علي نحو ما،‮ ‬بدليل أن فتياتهم إما أنهم يستسلمون للزواج من أثرياء العرب،‮ ‬أو يعملون في فندق لاللي،‮ ‬أما رجالهم فإنهم إما يعملون مع الدكتور في مستشفاه‮ "‬مستشفي الرحمة‮" ‬والتي ظاهرها الرحمة وباطنها نقل قرنيات مجذوبي القرية السليمة لأعين الأثرياء الجدد‮. ‬فهل يمكن لهؤلاء تبرئة ذيولهم بفقدان طوعي عن الحواس‮ (‬أدوات المعرفة‮) ‬أم أن عليهم الكشف عن مواطن تقرحات ضمائرهم بدلا من إخفائها‮. ‬إن الرفض القاطع من صانع المفاتيح في الاستمرار في صنع مفاتيح السمع،‮ ‬فضلا عن رفضه التام لصنع مفاتيح لباقي الحواس دليل علي وعيه في النهاية بضرورة المعرفة،‮ ‬بضرورة أن يفتح أهل القرية عيونهم وآذانهم وأفواههم لتخليص قريتهم من الدنس‮. ‬فإما ذلك وإما فإنهم لا يعقلون‮!‬



هذه الفانتازيا الروائية لا يفلت بها عبد اللطيف من وطأة البعد الاجتماعي،‮ ‬فالتاريخ حاضر أيضا من البداية،‮ ‬فالقرية هي قرية عبود باشا الذي اشتري مصانع السكر التي أقامها رجل أعمال بلجيكي في بدايات القرن الماضي‮ (‬ولا أعرف لماذا‮ ‬غيّر الكاتب من هذه الواقعة التاريخية مفضلا أن يمنح عبود باشا شرف إنشاء المصنع من البداية‮). ‬أي أن القرية لها حضور اجتماعي،‮ ‬فضلا عن أنها كبعض قري مصر التي تنتشر بها ظاهرة تزويج القاصرات للأثرياء العرب،‮ ‬فضلا عن الإشارة لجدل نقل الأعضاء الذي كان مُثارا لفترة قريبة،‮ ‬فضلا عن الإشارة إلي العالم الإعلامي الذي أصبحنا نعيش فيه‮. ‬لهذا تتداخل الفانتازيا مع واقعية الأحداث التي لولا الفكرة الأصلية‮ (‬صناعة مفاتيح للحواس‮) ‬بتفصيلاتها،‮ ‬كلجوء يوسف للجبل للتأمل،‮ ‬كرغبته في التدوين،‮ ‬كسلسلة الأحلام التي ترواد كل الشخصيات نتيجة لضمائرهم المثقلة بالذنب،‮ ‬كالنبوءة التي تدشن الرواية وتصنعها،‮ ‬لولا هذه الفكرة وتفصيلاتها لكانت رواية واقعية للغاية‮.‬



‮  ****‬



الفانتازيا امتدت أيضا للطريقة التي ظهرت بها الشخصيات،‮ ‬صانع المفاتيح نفسه والذي لن نعرف له اسما إلا في نهاية الرواية،‮ ‬شخصية أسطورية للغاية لدرجة الإلحاح علي تشبيهها بالأنبياء‮ (‬هو نفسه يقول في نهاية الرواية إن القرية وصلت لدرجة لا تُحتمل،‮ ‬درجة تستدعي وصول نبي أو مُخلّص رغم أنه لن يكون هذا الشخص‮). ‬شخصية لاللي تبدو أيضا شخصية أسطورية،‮ ‬ورغم أن لها اسما فإنها نتيجة للإلحاح علي رمزيتها‮ (‬كشر مطلق‮) ‬تفقد أي ملامح بشرية‮.‬



وفي ظني أنه رغم الإطار الفانتازي فإن الشخصيات كانت في حاجة لعناية أكبر،‮ ‬ففي اللحظات القليلة التي نتلمس فيها‮ "‬بشرية‮" ‬شخصية كشخصية الدكتور‮ (‬كرفضه النوم مع زوجة البواب مثلا‮) ‬يصبح للقراءة متعة خاصة،‮ ‬متعة كانت لتمتد لو أن الشخصيات أكثر حميمية مما ظهرت عليه،‮ ‬حتي ولو فقدت الرمزية المتعمدة،‮ ‬ففي ظني أن هذه الرمزية حولت الشخصيات إلي كائنات شبه مصمتة،‮ ‬وكان أجدر بالكاتب أن يترك لها زمام الفعل خصوصا وأن شخصيتي الدكتور وجميلة كانا مؤهلين لقدر أكبر من الحيوية‮.‬



ومع هذا فإن الرواية من الروايات التي تشي بكاتب يعرف ماذا يفعل،‮ ‬لديه وعي شديد باللغة،‮ ‬وبطرق السرد،‮ ‬ولديه هم اجتماعي أيضا،‮ ‬ما يؤكد أنه قد بدأ الطريق لشغل مكان متميز بين جيله‮. ‬رواية تستحق أن تقرأ‮..‬





نشر بجريدة أخبار الأدب












الخميس، مايو 27، 2010

استفاد منها الغرب وهاجمها العرب

تأثيرات ألف ليلة وليلة في أدب ماركيز

أحمد عبد اللطيف






مع بداية الألفية الجديدة توقف النقاد الغربيون لدراسة أهم الأعمال الأدبية التي أثرت العالم علي مدي تاريخه الطويل،‮ ‬واتفقوا علي أن رواية‮ "‬مائة عام من العزلة‮ " ‬واحدة من أهم مائة عمل أضافت للإنسانية،‮ ‬ولم يكونوا في حاجة ليؤكدوا مجدداً‮ ‬أن حكايات‮ " ‬ألف ليلة وليلة‮ " ‬هي العمل رقم واحد،‮ ‬وأنها كانت النبع الذي نهل منه الأدب العالمي،‮ ‬حتي أن رواية‮ " ‬دوُن كيخوتيه‮" ‬التي تعد أول رواية في العالم،‮ ‬تأثرتْ‮ ‬بالحكايات العربية،‮ ‬سواء في سحريتها أو في استخدامها تقنية التكرار والسرد المستدير‮. ‬وليس أدل علي أهمية ألف ليلة وليلة من أن جارثيا ماركيز،‮ ‬أشهر الحائزين علي جائزة نوبل،‮ ‬اعترف في مرات عديدة أن تكوينه الأدبي تشكّل من هذه الحكايات،‮ ‬بالإضافة لحكايات جدته‮. ‬كما أن بارجاس يوسا،‮ ‬من فرط تأثره بها،‮ ‬كتب علي‮ ‬غرارها إحدي عشر حكاية جديدة وقام بتمثيلها علي إحدي المسارح الإسبانية العام الماضي‮.‬

‮ ‬غير أن تأثيرات ألف ليلة وليلة تبدو واضحة بجلاء في مائة عام من العزلة علي وجه الخصوص،‮ ‬حتي أن الناقد نيكاسيو أوربينا قَدّمَ‮ ‬دراسة لجامعة تولان،‮ ‬مبرهناً‮ ‬فيها أن ماركيز تعامل مع ألف ليلة علي أنها مادة خام استخرج منها نصاً‮ ‬روائياً‮ ‬سحرياً‮. ‬هكذا يبدو الكتاب العربي وبقوة في النصف الأول من الرواية،‮ ‬ففي الفصل العاشر يحكي الراوي مشهداً‮ ‬حصل فيه أوريليانو الثاني علي إذن أورسولا لفتح‮ ‬غرفة ميلكيادس‮. ‬كانت الغرفة نظيفة ومهجورة منذ وفاة الرجل الغجري،‮ ‬لذلك لم تشعر السيدة بأي تعب في تنظيفها‮. ‬حينها كان أوريليانو الثاني منغمساً‮ ‬في قراءة كتاب بلا‮ ‬غلاف،‮ ‬بلا عنوان،‮ ‬مستمتعاً‮ ‬بحكاية امرأة جالسة علي منضدة تأكل حبات الأرز التي تصطادها بالدبابيس،‮ ‬كذلك بحكاية الصياد الذي طلب من جاره رصاصاً‮ ‬لشبكته،‮ ‬والسمكة التي اصطادها بعد ذلك ووجد في بطنها ألماظة،‮ ‬وحكاية المصباح الذي يحقق الأمنيات‮. ‬والسجاجيد التي تطير‮.‬

‮ ‬سيكون أوريليانو بابيلونيا،‮ ‬الولد قبل الأخير في السلالة،‮ ‬قارئاً‮ ‬شرهاً‮ ‬لهذا الكتاب،‮ ‬حتي أن الراوي يحكي في الفصل الثامن عشر عن أنه لم يهجر‮ ‬غرفة ميلكيادس لوقت طويل،‮ ‬وسيظل محتفظاً‮ ‬في ذاكرته بحكايا هذا الكتاب،‮ ‬وبمفهوماته عن العلوم الشيطانية وأسرار أحجار الفلسفة،‮ ‬ونبوءات نوسترداموس وأبحاثه حول الوباء،‮ ‬وبالتالي سيصل لسن المراهقة دون أن يعلم شيئاً‮ ‬عن زمنه،‮ ‬لكنه مزود بالمعرفة الأساسية لرجل عاش في العصور الوسطي‮. ‬من السهل أن نربط هذه الأحداث في الحال بألف ليلة وليلة،‮ ‬فالكتاب‮ ‬غير المغلف وغير المعنون هو بلا شك الحكايات العربية،‮ ‬ورغم أن ألف ليلة لا تحتوي علي هذه الحكايات علي وجه الدقة،‮ ‬إلا أنها كانت النموذج الذي اشتغل عليه ماركيز،‮ ‬هكذا ألّف حكاية صياد جديدة وخلق امرأة خرافية تصطاد حبات الأرز بالدبابيس،‮ ‬وكرر السجاجيد الطائرة ومصباح علاء الدين‮. ‬هنا يقول بارجس يوسا‮ " ‬إن حكايات ماركيز بدأت من حيث انتهت حكايات جدته،‮ ‬ومن حيث توقف هو عن قراءة ألف ليلة وليلة‮ " ‬وربما حدث له ما حدث لشخصية روايته أوريليانو الثاني‮. ‬ومن ضمن المرات التي ذكر فيها ماركيز ألف ليلة وليلة،‮ ‬كان في خطاب أرسله لصديقه جيرمان بارجس ف الثاني والعشرين من أبريل سنة‮ ‬1967،‮ ‬كتب فيه‮: "‬هذه هي أهم التأثيرات في رواياتي‮: ‬فيرجينيا وولف وويليام فوكنر وفرانتس كافكا،‮ ‬من وجهة نظر فنية‮. ‬أما من وجهة النظر الأدبية‮: ‬ألف ليلة وليلة،‮ ‬وهو أول كتاب قرأته وأنا في السابعة،‮ ‬وسوفوكليس،‮ ‬وحكايات جدتي‮ ".‬

‮> > > ‬

في‮ " ‬مائة عام من العزلة‮" ‬يلعب العرب دوراً‮ ‬بارزاً‮ (‬في أمريكا اللاتينية يستخدمون كلمة أتراك للإشارة إلي العرب،‮ ‬هكذا شارع الأتراك يشير إلي العرب‮ ) ‬وأوضح دليل علي ذلك‮ ‬أن شارع الأتراك هو المكان الرئيسي في العمل،‮ ‬حيث تحدث التغيرات والتحولات التي تؤثر في بقية القرية‮. ‬وبقدومهم مع أورسولا تصير القرية أكثر نشاطاً‮ ‬وتضج بالنشاط التجاري والمحال والورش الحرفية،‮ ‬إنهم يمثلون في العمل عالم التجارة والتنظيم الإجتماعي والرأسمالية،‮ ‬ومعهم أبضاً‮ ‬اكتسبت الأشياء قيمتها‮. ‬



‮> > > ‬

تتأثر مائة عام من العزلة بألف ليلة وليلة أيضاً‮ ‬في مفهوم المصير الإنساني‮. ‬فالثقافة العربية تؤمن بالمصائر المحددة سلفاً،‮ ‬فالله هو الأعلي والأعلم والأقدر والأقوي،‮ ‬وكل شيء مكتوب في لوح محفوظ،‮ ‬واللغة العربية وأدبها تذكرنا في كل وقت بهذا الإيمان‮. ‬هذه الصورة نجدها بارزة في مائة عام بل وتشكّل بنيتها الداخلية،‮ ‬فكل شيء مكتوب سلفاً،‮ ‬وكل شيء يحدث لأنه يجب أن يحدث‮. ‬هنا كل مصير سابق علي الأحداث وبالتالي سابق علي سرد الأحداث‮. ‬كل المصائر مسجلة في مخطوطات ميلكيادس،‮ ‬وبالتالي يستخدم السارد الزمن الاستباقي بنفس الحرية التي يستخدم بها السرد المستدير،‮ ‬وهكذا‮ "‬بعد ذلك بسنوات طوال،‮ ‬وأمام فصيلة الإعدام،‮ ‬سيتذكر أوريليانو بوينديا هذه الظهيرة البعيدة التي اصطحبه فيها أبوه لمشاهدة الثلج‮". ‬دوماً‮ ‬كانت قضية الإرادة الحرة والمصائر المكتوبة سلفاً‮ ‬قضية دينية وفلسفية،‮ ‬اليهود والمسيحيون لا زالوا في جدال حول الحتمية والاختيار،‮ ‬بينما البوذيون يؤمنون بأننا ندفع ثمن حيوات أخري سابقة‮. ‬لكن الواضح أن ماركيز في مائة عام من العزلة تبني وجهة النظر الإسلامية‮.‬

‮> > > ‬



‮ ‬يبدو ماركيز متأثراً‮ ‬بألف ليلة في تقديسه للأعداد،‮ ‬والدقة في استخدامها،‮ ‬ليس فقط ليسرب إلينا فكرة الراوي العليم،‮ ‬وإنما أيضاً‮ ‬لعوامل جمالية وأسلوبية‮. ‬يلاحظ ذلك بداية من العنوان‮. ‬فرواية ماركيز تتعدي فترتها الزمنية مائة عام،‮ ‬وألف ليلة مرتبطة بالمفهوم السحري أكثر منها بالبنية الخطابية في حد ذاتها‮.‬



‮> > > ‬



أما عن القدرة الجنسية في ألف ليلة وليلة،‮ ‬والواضحة في عمل ماركيز،‮ ‬فهي تتفق تماماً‮ ‬مع الأدب الهندي القديم واليوناني الكلاسيكي،‮ ‬كذلك نراه في كل آداب العالم‮. ‬وقد تم إستخدامه في الغرب في العصور الوسطي في مواجهة القمع والتابوهات التي حرمتها الكنيسة الكاثوليكية‮. ‬وتعود من جديد في أدب أمريكا اللاتينية المعاصر ليتلقاها جمهور واع في وسط خطاب سردي‮ ‬غزير ومتقن،‮ ‬دون أي شعور بالذنب،‮ ‬مدركين تماماً‮ ‬أن الجنس جزء لا يتجزأ من الطبيعة‮. ‬

جدير بالذكر هنا أن نشير إلي أن الجنس الذي جاء في إطار شرعي في ألف ليلة وليلة كان يتفق مع الثقافة الإسلامية،‮ ‬فالزواج من بنات العم مشروع‮. ‬بينما جاء في مائة عام من العزلة مواجهاً‮ ‬للقيم الغربية التي تحرم الزواج من الأقارب،‮ ‬وتعتبره زنا محارم،‮ ‬وما قد يتبع ذلك من ويلات‮. ‬لابد أن ماركيز كان واعياً‮ ‬لذلك تماماً،‮ ‬لكن‮ ‬غواية الحكاية كانت أقوي من ناحية،‮ ‬وتأثره بألف ليلة كان مسيطراً‮ ‬من ناحية أخري‮.‬

‮> > > ‬

أخيراً‮ ‬،‮ ‬كل حكايات ماركيز التي تولدت من حكايات أخري،‮ ‬هي تقنية ألف ليلة وليلة‮.



مقال نشر في أخبار الأدب‬











جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...