الجمعة، مارس 02، 2012

اللحظات الابدية في مديح الظل


اللحظات الأبدية في مديح الظل


أحمد عبد اللطيف

       ما من ديوان عبّر عن بورخس "الأعمى" مثل ديوان قصائده تطرح فكرة "اللحظة"، ليست اللحظة العابرة التي تليها لحظات أخرى منفصلة عنها، بل "اللحظة البورخسية" التي يتمثل فيها العالم منذ بدء الخليقة إلى الآن. هكذا يمثّل ديوان "مديح الظل" الصادر عام 1969 متوافقاً مع بلوغ كاتبه سن السبعين، قمة نضج التجربة الشعرية عند شاعر المتاهات والمرايا، حيث اللحظة تتسم بصفة الدائرية، اللاتناهي، الأبدية التي تحمل الموت والحياة، والضوء والظلام، و ال "ما كان" و"ما سيكون". "في يوم من أيام الإنسان تحيا أيام الزمن\ منذ اليوم الأول غير المدرك\ من زمن كتب فيه إله رهيب\ الأيام والآجال\ إلى اليوم الآخر الذي يعود فيه\ الزمن الأرضي دائب الحركة إلى منبعه...\ بين الفجر والليل يجري تاريخ الكون". يطرح بورخس، بتكرار في قصائد متعددة، سؤالاً حول استمرارية اللحظة في ذاكرتنا فقط، عن زمنها المحدد، عن إمكانية عدها أو تلقيها باعتبارها زمناً بلا زمن. هل صار الزمن بلغزه السؤال الأكبر عند الشاعر الأرجنتيني عندما تشابه لديه الليل والنهار؟ عندما توقفت أمامه لحظات بعينها فصارت في حكم المتكررة؟ يُشكّل الديوان، عبر قصائد متفرقة، مفهوماً للحظة البورخسية، حيث يتوقف الزمن عند "لحظة البدء" ليصير لحظة واحدة يدور فيها البشر. هي إذن ليست اللحظة المتفق عليها، بل الأكثر عمقاً، حيث تُمثل نقطة في الأبدية، أو ربما، الأبدية في نقطة، حيث اللحظة صورة تشبه كياناً يجمع كل شيء ولا شيء، كياناً يموت ليحيا ويحيا ليموت. وهكذا "قرن من الزمن لا يعادل\ إلا لحظة"، ولأنها ممتدة، أبدية، يتحول فيها الإنسان من حي لميت والعكس، وتحوي "على صفحتها المائية\ صوراً قليلة خالدة". ولأن العالم يدور في لحظة ف:" اليوم هو الأمس. أنت هم الآخرون\ محياهم هو التراب. أنت هم الموتى". لا يمكن، إذن، أن نفصل "سعادة الأشياء القديمة الحميمة" عن لحظتها، فالشاعر الأعمى يدور حولها، هي الذكرى التي تأتيه بعيدة عن ترتيبها الزمني فيراها خاطفة ومتباطئة في آن واحد، ويعي كرجل ضرير "أنه لن يتمكن من حل شفرة \ ما بين يديه من مجلدات" و"لا أيام في ناظريّ".
     تأتي اللحظة متفرقة عبر قصائد الديوان، وتأتي، في المقابل، سلسلة من اللحظات في قصيدة "بوينوس آيرس"، مدينته التي تركت فيه علاماتها، والتي يشرع في وصفها من الذاكرة. مدينة أخرى غير ما صارت عليه. "ميدان مايو الذي عاد إليه\ الرجال المتعبون سعداء....\ متاهة الأنوار المطردة من الطائرة...\ حائط الإعدام في لاريكوليتا...\ باب يحمل رقماً قضيت خلفه ساكناً، في الظلمة\ عشرة أيام وعشر ليال"، كل ذلك ليس إلا "لحظة في الذاكرة". والذاكرة عند بورخس لا تنفصل عن النسيان "لأن النسيان من أشكال الذاكرة\ قبوها الغائم\ وجه العملة الآخر، السري".
    في القصيدة التي يحمل العنوان اسمها، يراجع بورخس لحظات حياته، يقارن أوجهها المختلفة، هكذا يبدأ باللحظة المتقدمة:"قد تكون الشيخوخة(كما يسميها الآخرون\ زمنَ سعادتنا\ فالحيوان بداخلنا قد مات أو شبه مات\ وتبقّى الإنسان والروح"، ليمسح بذاكرة عجوز الأمكنة والوجوه، المنازل القديمة المتهالكة. ومن مكانه كرجل أعمى يسجّل:"أصدقائي بلا وجوه\ والنساء كما كن منذ أعوام كثيرة\ ونواصي الشوارع قد تكون أخرى\ ولا حروف بصفحات الكتب". لكن العمى بالنسبة له ليس ظلمة، بل أشكال مبهمة، لذلك فلا شيء "يثير جزعي" لأنه يراه "عذوبة وعودة". ولأنه يعلم أنه يحيا في جزء اللحظة المظلم، حيث المتاهة، وأن هناك جزءاً آخر، يقول:"قريباً سأعرف من أنا".
      لا يحتفي الديوان (الذي صدر مؤخراً عن المركز القومي للترجمة بتوقيع محمد أبو العطا) باللحظة الأبدية فقط، فتيمات الحلم والرؤية والمتاهة والمرآة تطل أيضاً برأسها، لكن مفردة"السعادة" تتكرر بشكل ملفت:"الجليد والصبح والأسوار الحمراء\ قد تكون أشكالاً للسعادة"، لكنها ليست السعادة المتحققة، بل السعادات المفقودة، التي يدرك مؤخراً جداً أنها فاتته:"ارتكبت أكبر إثم اقترفه إنسان\لم أكن سعيداً". الديوان إذن في مجمله يعبّر عن منظور بورخس للعالم، منظور شاعر أعمي يرى اللحظات والذكريات كظلال متنقلة في دائرة زمنية مغلقة، بلا أمل في إضافة لحظات أخرى. 

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...