الأربعاء، مارس 04، 2009

مصالحة النوم

ماريو بينيديتي ( الأورجواي) ( ولد في أورجواي سنة 1920 ، ونشر أول مجموعة قصصية له سنة 1949 ، ويعد أكبر قصاص في بلده وأحد أهم القصاصين في أمريكا اللاتينية ) قصة : مصالحة النوم أنا حالة خاصة جدا يا دكتور ، فكل فترة عندي لها أحلامها المرتبطة بنفس الموضوع . ففي فترة ما كنت احلم بالفيضانات ، وحينها كانت الأنهار تفيض فجأة وتغمر الحقول ، الشوارع ، البيوت ، حتي تصل لسريري ، وهكذا تعلمت في أحلامي السباحة ، وبفضل هذا بقيت علي وجه الحياة أقاوم النكبات الطبيعية . لكن للأسف كانت هذه الميزة تعمل فقط داخل إطار الحلم ، حيث أنني حاولت أن أطبقها وأنا مستيقظ تماما في حمام السباحة بأحد الفنادق وكنت علي وشك أن أغرق . بعد ذلك جاءت فترة كنت أحلم فيها بالطائرات ، أو بمعني أدق ، بطائرة واحدة بعينها ، لأنها كانت دوما نفس الطائرة . وكانت المضيفة قبيحة ، وتعاملني بشكل سيئ . كانت تقدم للجميع زجاجة شامبانيا ، إلا أنا ، وعندما سألتها عن السبب نظرت لي نظرة طويلة مليئة بالكراهية وقالت لي " أنت تعرف السبب جيداً " ، فأذهلني كثيرا حديثها معي بصيغة أنت ، لدرجة أنني أوشكت أن أستيقظ . بالإضافة إلي أنني لم أكن اتخيل إلي ما تشير . وظللت في حيرتي هذه حتي سقطت الطائرة في بئر من الهواء وتبعثرت المضيفة القبيحة في الممر بشكل أدي لرفع جونلتها الميني جيب فاستطعت أن ألاحظ أنها لا ترتدي شيئا تحتها . حينئذ استيقظت ، وأرعبتني المفاجأة ، حيث لم أكن في سريري المعتاد ، بل في طائرة ، في الصف السابع ، كرسي D ، تقدم لي مضيفة جميلة بلغة انجليزية بسيطة كوبا من الشامبانيا . كما تري ، يا دكتور ، أحيانا تكون الأحلام أفضل من الواقع ، وأحيانا العكس . أتتذكر ما قاله كانط ؟ " ما الحلم إلا فن شعري غير ارادي " . في مرحلة أخري حلمت بشكل متكرر بأطفال ، كانوا هم أطفالي ، مع أنني أعزب وليس لي أولاد ولا حتي أبناء حرام . فكيف أنجب اولادا في عالم كهذا ! ، فإنجاب مخلوقات جديدة يبدو لي فعلة غير محسوبة . ألدي حضرتك أولاد؟ ، خمسة ؟ ، معذرة ، فأنا أقول كل مرة شيئا فظيعا . أبنائي في الحلم كانوا صغارا جدا . بعضهم كان يحبو والبعض الآخر كان يقضي حياته في الحمام . أعتقد أنهم كانوا يتماء الأم ، حيث أنها لم تظهر أبدا كما أن الأولاد لم يتعلموا نطق كلمة ماما . والحقيقة أنهم لم ينادوني ب بابا أبدا ، بل كانوا ينادوني بلغتهم المكسورة ب " عربي " ، وأنا من اجداد من لا كورونيا وآباء أجداد من لوجو . " تعال عربي " " عربي ، مم " " عربي ، عملت كخ " . في أحد هذه الأحلام ، بينما كنت أهبط درجات سلم بعضها مكسور ، سقطت . حينها نظر لي أكبر أبنائي بلا شفقة وقال " عربي ، عليك اللعنة " . وكان هذا فوق طاقتي ، فاستيقظت هاربا إلي واقعي الخالي من الملائكة . في مرحلة لاحقة حلمت بكرة القدم ، وكنت دائما حارس مرمي ، جول ، جول كيبر . أسماء كثيرة لعمل واحد . وعادة ما كانت السماء تمطر قبل بدء المباراة ، وبالتالي كان الحشيش مبلولا ، وكان مستحيلا عدم وجود بحيرة أمام المرمي . حينئذ كان يظهر أحد المهاجمين الذي يسدد صوبي بعزم ، فأصد الأولي ، أما الثانية فكانت تنزلق من الجوانتي ، وتعبر خط المرمي . عند هذا الحد من المباراة كنت أحاول الاستيقاظ ، لكن الحلم لم يكتمل بعد ، فمازلت لم أسمع صيحات المدرجات الخلفية التي تصرخ بشكل جماعي : يا خائن ، يا من اشتروك ، كم دفعوا لك ، وشتائم أخري . في الفترات الأخيرة اقتحمت مغامراتي الليلية منطقة جديدة ، السينما . لكنها ليست سينمات اليوم ، الأقل جودة ، بل سينما الأمس ، التي كانت تحرك مشاعرنا ، وتستوطن حياتنا بملامحها وسلوكياتها المثالية . وأنا اكرس أحلامي للممثلات . وأي ممثلات ! ، مارلين مونرو ، كلاوديا كردينال ، هاريت أندرسون ، سونيا براجا ، كاترين دينوف ، أنوك ايمي ، ليف أولمان ، جليندا جاكسون ، ونجمات أخريات ( أما النجوم ، فلم يكن مورفيو ، إله الأحلام ، يسمح لهم بالدخول ) . وكما تري ، يا دكتور ، فإن أغلبهن خبيرات ، وغير الخبيرات غير موجودات ، وأنا احلم بهن كما كن يظهرن في أفلام تلك الفترة . فمثلا ، عندما أتكلم عن كلاوديا كردينال ، لا اتحدث عن كلادويا اليوم ( وهي مازالت جميلة ) وإنما عن هذه الفتاة الجميلة ابنة الواحد وعشرين ربيعا . كانت مارلين مونرو تقترب مني ، وتقول لي بصوتها العذب I DON T LOVE KENNEDY . I LOVE YOU. ONLY YOU. ولتعلم حضرتك أن الممثلات كن يكلمنني أحيانا بأصواتهن مصحوبة بترجمة مكتوبة ، وأحيانا اخري بصوت مدبلج بالاسبانية . وأنا كنت افضل سماع أصواتهن بترجمة مكتوبة ، فأصوات مثل كاترين دينيف أو جليندا جاكسون لا يضاهيها صوت . حسنا ، في الحقيقة أنا جئتك لأستشرك في أمر ، حيث انني حلمت بالأمس ب أنوك ايمي ، لكنها ليست انوك اليوم ( التي مازالت جميلة ) وإنما أنوك في فيلم19 MONTPARNASSE ، عندما كان لديها ستة وعشرون ربيعا . لا تسيء الظن بي . فأنا لم ألمسها ولم تلمسني . هي فقط أطلت من نافذة الاستوديو خاصتي وقالت ( في النسخة المدبلجة ) " سأتيك غدا لأراك ، لكن ليس في الإستوديو خاصتك ، وإنما في سريرك ، لا تنس ذلك ) . كيف لي أن أنسي ذلك ! . وما اريد أن أعرفه الآن ، يا دكتور ، هل العوازل الطبية التي أشتريها من الصيدلية تصلح لي أيضا في الأحلام ؟ ، لأنني لا أريد أن أتركها حاملا .
ترجمة : أ حمد عبد اللطيف
نشرت بباب شرفات ، بمجلة نزوة العمانية .

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...