الجمعة، يونيو 26، 2009

حوار مع يوسا

ماريو بارجاس يوسا : الآخر الذي لا نعرفه.
" دائما ما نستكين أمام المرأة " ترجمة : أحمد عبداللطيف
يوسا ، اكبر كُتّاب بيرو ، وأحد أهم كُتّاب أمريكا اللاتينية ، وكُتّاب العالم علي الإطلاق . هو المرشح الدائم لجائزة نوبل ، والصديق اللدود لماركيز . أهم أعمال " شيطنات الطفلة الخبيثة " " حفلة التيس " " حوار في الكاتدرائية " الخ . هذه المقابلة التي تمت منذ اكثر من عشرين عاما ، تبين مدي الفكاهة التي يتمتع بها يوسا وتكشف لنا حقيقة النوع الذي يثير خياله : الانثي . بالإضافة لحديثه عن اريكيتيبا ، مسقط رأسه ، وعن زوجته و اولاده و عن اللكمة الشهيرة التي سددها لجارثيا ماركيز. س: اي بيرواني يقرأ اي عمل لك سريعا ما يدرك اهميتك ، و حول الشخصيات المهمة تثار الاقاويل، فهم يقولون عنك مثلا انك في شبابك عندما كنت تعيش في باريس كنت تعمل كالنملة وكنت ترتدي البدلة والكرافت ، علي عكس الشباب البيرواني الذي كان يتمتع بحياة بوهيمية غير منظمة. هل كنت دائما شخصا رسميا ؟
ج : حسنا ، دائما ما كان اصدقائي يسخرون مني لارتدائي البدلة و الكرافت ايام السبت .اتذكر انني في معسكر لينو برادو كنت اخرج في نهاية الاسبوع بملابس مدنية و كنت أهوي الكرافت ، فدائما ما كنت رسميا في هذا الجانب . و من ناحية اخري كنت أعمل بجد ، هذه حقيقة ، و السبب بسيط جدا وهو أنني لا أستطيع أن أكتب بشكل أخر.فأنا لست من هذا النوع من الكتاب الذين يتمتعون بومضة إلهام تسمح لهم بالكتابة ساعات قليلة يوميا تحت وطأة هذا الضوء.أنا اعتقد أن الإلهام ، إذا وجد شيء بهذا الإسم ، فهو شيء ناتج فقط عن مجهود مبذول ، فكتبي التي نشرتها هي نتاج نظام صارم فرضته علي نفسي . س : من المعروف أن العمل الفني هو نتاج مشاعر جياشة ، لكنك ربما تكتب لأن "الدجاحة التي لا تبيض لا فائدة منها " ؟
ج : (يضحك ) إن هذا المثل يعبر جيدا عما يعني بالنسبة لي "الميول " فالميول كالإدمان . فالكتابة بالنسبة لي ليست وظيفة ، حسنا هي وظيفة من حيث اني أتكسب منها ، لكن حتي ولو لم يكن الأمر كذلك ، سأظل أكتب ايضا صباحا و ظهرا و مساءا، فأنا في حاجة إلي الكتابة لأتفاعل مع الحياة ، فالكتابة تعطيني التوازن ، وهي بالنسبة لي إحتياج ، ليس فقط فسيولوجي ، و إنما نفسي ايضا . س : إذن يمكن القول أن الكتابة هي رياضتك المفضلة ، أم ان لك رياضة اخري ؟
ج: نعم ، أحب رياضة الجري ، و دائما ما أحببت الرياضة لكنني لم أتفوق فيها ، ربما حققت شيئا في السباحة.
س : وعندما تجري ، هل يتعرف عليك الناس ؟
ج : نعم هذا ما يحدث لي هنا في بيرو : افقد حقوق المؤلف !. عندما كنت شابا ، كنت مجاملا بشكل ما ، لكن هذا تحول اليوم الي عقوبة . إن الشهرة شيء فظيع ، فأنت هدف للمراقبة ، و تفقد كلية خصوصياتك ، وهذا شيء غاية في الخطورة ، خاصة بالنسبة لي حيث اقضي وقتا كبيرا في الشارع ، فأنا يستهويني الخروج و الفرجة و الانصات ،و لأقوم بكل هذا لابد ان اكون مجهولا. س : بالنسبة لأعمالك ، لماذا لم تكتب ابدا عن اريكيبا ، قريتك ، اللهم إلا اشياء طفيفة في رواية "حوار داخل الكاتدرائية " و مع ذلك كنت كثير الكتابة عن بيورا و الغابة و حتي عن حي ميرافلوريس ؟
ج: لأنني و برغم حبي العميق لقريتي حيث ولدت عائلتي الا انني لم اعش بها تقريبا وكنت اذهب اليها زائرا ولي فيها بعض الذكريات العائلية فهي مكان تخيلته اكثر مما عشت فيه ، حيث انهم اخرجوني منه و انا صغير. س :اذن يكذب من يقول انك من داخلك ترفض ان يقولوا عنك انك قروي ؟
ج:انا فخور جدا باصولي سواء كانت قروية ام لا ، كما انني اقضي حياتي اكتب عن القرية . ولقد وجدت انت عملا عن بيورا و انا الان اكتب رواية تجري في ماتشيجينجاس وهي قرية اصغر من بيورا و اريكيبا. س: ماذا تفعل لو وجدت امرأة جميلة و جذابة و حاولت غوايتك ؟ اعتقد ان الفرصة قد اتيحت لك كثيرا ، أم انك تتجنب ذلك ؟
ج :اتجنبها قدر المستطاع ، فانت تعرف ان الرجل ضعيف ودائما ما يستكين امام المرأة. لكنني الاحظ انك تاخذني لطريق محفوف بالمخاطر، فانت تعرف زوجتي وتعرف أنها إمرأة قوية الشخصية وصارمة و انت بهذا تسبب لي مشكلة ، و أنا حقيقة اخاف منها . س : أتمني ان تجيبني علي هذا السؤال :ألا تشعر بالرضا عندما تسمع المرشحات في مسابقات ملكة جمال العالم يقولن أنهن يعرفن إعداد التورطة بالشكولاته ويردن أن يكن مضيفات بارعات و انهن يقرأن لماريو بارجاس يوسا ؟
ج : ( يضحك ) أنظر ،إذا كان هذا الأمر صدقا و لا يقولن ذلك لان يوسا هو الإسم الأقرب لأذهانهن ،لتواجده بالجرائد، إذن فأنا لا أشعر فقط بالرضا و إنما ايضا بغاية السعادة . فكون الفتاة جميلة لا يعفيها من التمتع بشيء من رهافة الحس ، و لو كانت جميلة وقارئة فهذا افضل بكثير . س : انت ادري بهذه الأشياء مني ،فأنا أعرف انك كنت أحد المحلفين في إحدي مسابقات الجمال !
ج : نعم ، في إحدي مسابقات ملكة جمال العالم كنت محلفا ،حيث وضعني خينارو ديلجا في هذه المغامرة . لقد أخذت الموضوع علي محمل الهزل، إعتقادا مني أنها تجربة مسلية ، لكن الحقيقة أنه عمل شاق . س : ستتم في هذا العام عامك الخمسين ، أليس كذلك ؟
ج : ( مقاطعا ) نعم ، لكنني لا أعتبر نفسي عجوزا، فكما يقول بيدرو كاماتشو في " خالتي خوليا و الكاتب التافه " : لقد وصلت لزهرة حياتي .لكنني الاحظ حركة السنين في شيء يضايقني كثيرا ، هو كم الأشياء التي اريد إنجازها ، و أنتبه الأن أنني لن لأستطيع الإنتهاء منها ، فمثلا أعرف أنني لن أستطيع أن اكتب كل الروايات التي أود كتابتها، فلديي مشاريع كثيرة و موضوعات غزيرة ، اكثر بكثير من السنوات القادمة التي اعيشها .لقد تحول هذا الأمر إلي ينبوع للضيق ، فالكاتب يحتاج لوقت ، لأن الكتابة عملية لا تتم سريعا، ربما لهذا السبب أصبحت ضيق الصدر وغير متسامح في بعض الاشياء ، فعلي سبيل المثال عندما أقرأ كتابا لا يعجبني أتوقف عن قراءته فورا قبل أن أنهيه، و لم أكن أفعل ذلك أبدا من قبل . س : لكن أن يعرف الكاتب ان قراءه لا ينتهون من قراءة كتبه، هذا شيء فظيع. لو حدث هذا معك ، هل سينتابك بعض الشعور بالفشل؟
ج : بعض الإحساس لا ، و إنما الإحساس التام بالفشل، فأنا اعتقد أن من واجبات الرواية أن تجذب القاريء وتمنعه أن يغلق الكتاب، و أنا عندما اكتب رواياتي أحاول تحقيق هذا المبدأ ، لكني علي يقين انني لا انجح دائما في ذلك. س : عندما تقول انك لن تستطيع الإنتهاء من كل مشاريعك الإبداعية وكتابة كل الموضوعات التي تدور في ذهنك، ربما يسليك بعض الشيء أن أحد أولادك سيمسك بعدك باللجام ، أم انه ليس لأحدهم ميولا ادبية؟
ج: ابني الاكبر كان له هذه الميول ، لكنه انشغل أكثر بالأمور السياسية و الإجتماعية والإقتصادية ،و الأن يهتم بالتاريخ و السياسة أكثر من إهتمامه بالأدب أما ابني الثاني فسيلتحق بالجامعة ليدرس العلوم الإنسانية ويتخصص في اللغة الفرنسية و الإسبانية ، وهو نوع من الدراسة المرتبط بالأدب.. أما ابنتي مرجانة، فلا اعرف لها شيئا حتي الأن ، فمازالت صغيرة ولا المح فيها أي ميول . كما أنني لا اعرف إن كنت احب أن يمتد العرق الأدبي لأبنائي أم لا ، لكن لو إمتد لهم سأساعدهم قدر المستطاع ، لكنني ربما أفضل أن تكون لهم قبلة أخري أكثر إستقرارا وأقل إخفاقا من الإبداع الفني ،لكنني مع أبنائي احاول دائما ألا اكون ابا متسلطا ، أحاول ان اساعدهم بطريقة ما ليتمكنوا من إختيار مصائرهم بانفسهم ويحققوا ما يريدوه هم لأنفسهم ، بدون اي تأثير قاطع مني، ففي إختيار الوظيفة و الميول لا أتدخل، ظنا مني أن أسوا ما يفعله الأباء بابناءهم هو تدخلهم هذا . انا رجل احترم جدا الأخرين و احاول الا افرض عليهم طريقة تفكيري وكينونتي . س : أنا لا استطيع ان أحجب سؤالا يدور في ذهني و اعتقد انك ستفهمني ، سؤالي يتعلق بالمنافسة الظاهرة بينك و بين ماركيز ، هل هي منافسة ناتجة عن الخلاف الإيديولوجي أم هي ناتجة عن اللكمة الشهيرة التي سددتها له قبل سنوات ؟
ج :بيننا لا توجد أية منافسة ،فانا لا أحترم فقط اعمال ماركيز وإنما ايضا أعجب بها، ولقد كتبت كتابا عن كتابه ذات الستمائة صفحة وظللت اعمل به لمدة سنتين ، و اعتقد أن إعجابي به و إحترامي له غير قابل للنقاش.أما الخلا ف فهو موجود ، ومنبعه مواقفه السياسية التي أرفضها ، لكن هذا لا يؤثر علي رؤيتي له ككاتب ومفكر و إعجابي بإنتاجه.وإذا كان بيننا خلاف عميق علي المستوي السياسي فمن التحضر مواجهته ، أليس كذلك ؟ إنه نوع من الحوار سيفيد أيضا قراءنا . اما بالنسبة للمنافسة فلا مجال للكلام في هذا الشأن ، فالمتحدثون فيه يتمتعون بعقول متأخرة أو هم كمن يبحث في القطه عن ثلاثة ارجل و هو يعلم أنها من ذوي الاربع س : إذن اليس موضوع اللكمة حقيقة ؟ ج: كان خلافا شخصيا ، ولا اود فتحه لكيلا أفتح مجالا للنميمة س : هل قرأت عمله الأخير " الحب في زمن الكوليرا " ج : لم أقرأه بعد ، فالكتاب يتنقل بين افراد أسرتي من يد إلي يد ،وقرأته زوجتي و أولادي ، وأنا في إنتظار دوري س: و ما رأي أسرتك فيه ؟ ج : هناك الكثير من التعليقات ، بعضهم شديد الحماس له ، وبعضهم أقل حماسا ، لكنني لن اقول من قال ماذا حتي لا اوشي بهم! س: هل انت راض عن كل كتبت حتي الان؟ ج : اعتقد ان الكاتب الذي يشعر بالرضا عن كل ما كتب كاتب مغرور جدا .لقد فعلت اشياءا كثيرة اردت فعلها ، لكني علي يقين أنني كان من الممكن ان افعل خيرا مما فعلت .لا ، لا اشعر بالرضا كلية ن وإلا سأكون ساذجا. .

الأحد، مايو 03، 2009

لعبة الوقت

لعبة الوقت قصة : خوستو نابارّو تنبأتْ لي عرافة أنني سأقتل أمي ، وعرفتْ أنني كنتُ ممثلاً سينمائياً ، كما تكهنتْ بسلاح الجريمة التي سأرتكبها ، ووصفته بأنه سلاح همجي ، فهو ليس سماً ولا حقنةً ، وهي أشياء تكشف خبرتي الطبية . صدقتْ العرافة فيما قالت ، فأنا كنتُ ممثلاً سينمائياً منذ سنوات طوال ، رغم أن أمي كانت تكره السينما ولم تشاهد في حياتها سوي فيلمين ، شاركت أنا في بطولة أحدهما وظهر أبي في الآخر . كنت ، منذ سنوات بعيدة ، الطفل الأسطوري الذي قام ببطولة فيلم " الطفل يسوع " ، الذي حقق نجاحاً منقطع النظير في اسبانيا وأمريكا الجنوبية وإيطاليا . حينها ، كانت أمي تصطحبني في التصوير ، كذلك في ليلة افتتاح العرض ، كما كانت تساعد عاملات المكياج . كانت تفعل كل ذلك مع أنها تكره التصوير والمكياج والسينما ، وإن شاهدتْ فيلمي فليس ذلك إلا من باب تأدية الواجب ليس اكثر ؛ لقد فرضت عليها الظروف أن ترافق جدي ، الذي كان يقيم معنا حينذاك ، ليري حفيده علي الشاشة . كانت أمي تعلم أنني لستُ وجهاً سينمائياً ، وكانت تقول لي دوماً إن المشاهدين لا يدفعون من أجل مشاهدة وجه مثل وجهي علي الشاشة ، بل يدفعون ليروا من لا يرونه في بيوتهم ، بينما وجهي القبيح السوقي يملأ كل البيوت . كان هذا هو رأي أم في ابنها الوحيد. ولم تكتف بذلك ، فوصفتْ صوتي بالخشن وتخيلتني بشارب ورأت قصبة ساقي معوّجة ، وحوّلت أفلام الأطفال المقدسة إلي أفلام شيطانية لا طائل من ورائها ، وتصورتْ " الطفل يسوع " رجلاً صارماً له شارب ووجه مثقوب بحب الشباب . وعندما قدم لي المنتجون عرضاً للقيام ببطولة فيلم ثان بعد نجاح الفيلم الأول ، رفضتْ أمي بشكل قاطع . "إنه من الخطأ والوهن قبول دعوة هؤلاء الرجال الذين يلتقطون صورا لأطفال المدارس اليسوعية دون إذن آبائهم" ، كما أنهم قد أخطأوا حينما اختاروني وجعلوا مني نجما سينمائيا ، فهم لم يركزوا النظر في أنفي ، التي كانت تصفها بالقبح والسوقية ، مثل بقية وجهي تماماً . وبررت موافقتها علي توقيع العقد الأول بأن المنتج سولانا كانت تربطه بأبي زمالة قديمة . كان أبي أيضا يعمل بالسينما ، لكن بلا إرادة منه ، وقد شاهدتْ له أمي فيلمه الأخير الذي ظهر فيه عدة دقائق ، بعدها وافته المنية . نعم ، تحملتْ الجلوس أمام الفيديو عدة دقائق لتشاهد فيلماً . أحضرت لنا شريط الفيديو من روما صديقة قديمة وبعيدة لأمي ، تسمي اسبيرانثا . وبالمناسبة فإن كل صديقات أمي بعيدات ، فعندما تشتد الصداقة بين امرأتين تتباعدان بطريقة تلقائية . كانت اسبيرانثا تزورنا باستمرار وتجلب لنا الأخبار المحزنة ، عن المرضي وحديثي الوفاة ، وتحكي لنا زيارتها للفاتيكان لتصيبها بركة البابا ، وأنها عادت بعد ذلك لتحضر الفيديو لتشاهد فيلماً عرض منذ خمسين عاما مضت . كان فيلما وثائقيا يدور حول التدخل الإيطالي في الحرب الأهلية الاسبانية ، التي حققتْ فيها مدينة مالقة بطولة التحرر بعد أن كانت سجينة الرعب الأحمر . كان الفاشيون بجيشهم الهزيل والمتحير ميتين في جلودهم من الخوف في وسط الميدان ، قبل بدء اطلاق النار . وقبل غزوهم للمدينة بشهور ، كان أبي جنديا في هذا الجيش ، أو هكذا كانت تعتقد صديقة أمي البعيدة . كان أبي مسلحاً في موقف الدفاع ، في ليلة من ليالي اغسطس سنة 1936 ، بعد أن قصف الطيران الفاشي مخازن البنزين القريبة من الميناء . يجب أن أعترف أن أبي لم يكن بطلاً ، بل كان مدعياً ، وهذا رأي أمي ، وانضم لقوافل الساسة اليمينيين لأنه يحب الاحتفالات . والخطب السياسية والمواكب الإنتخابية ، التي تدور في المحافظة ، هي خير مناسبة للعب القمار والغناء والتعرف علي النساء وشرب الخمور . بعد ذلك ، عندما كانت زوجتي التي تصغرني بخمسة عشر عاما والمصابة بحمي الثورة ، تهاجم الجنرال فرانكو وأتباعه والمتواطئين معه وعائلتي وخاصة ابي في المقام الأول ، كنتُ أحاول أن أشرح لها أن ابي لم يكن مجنداً فاشياً ، ولا هو بطل ، وأنني لا أحبه بطلاً ، بل هو رجل سكير يبحث عن رزقه بالحلال والحرام . كنتُ أكرر لها كلمات أمي المحببة لقلبها بالحرف الواحد ، أبي رجل مسرور ومحب للحياة ، عاشق للعربدة الدائمة . كنت أشرح لها أن أبي مات بسبب نقصان في شخصيته لم يمكن اكتماله ، وهذا النقصان هو ما دفعه ليترك أمي وحدها ويتنقل من مكان لآخر بحثا عن اصدقاء العربدة ، أياً كانت وظيفتهم ، ساسة فاشيين ، مؤسسي نقابات أو أحزاب زراعية ، حاملي بنادق ، أبطال . ـ أبوك لم يحمل بندقية في حياته ، لأنه كان يفتقر للافكار السيئة والعظيمة . كان مشهورا فقط في صالات الرقص . لقد فاض الكيل بزوجتي من عائلتي ، حتي من أبي الراحل . وأمي مثل زوجتي ، محقة دائماً ولا تخطيء . وتحققتُ مع مرور الوقت أن زوجتي ليست جديرة بثقتي ، فانفصلنا منذ أربع سنوات . كانت نظرات أمي لزوجتي كثيرة وجارحة ، نظرات تبحث عن العيوب وتخبيء الفضائل ، وتخرج دائمًا بنفس النتيجة الثابتة ، أن زوجتي لا تساوي شيئاً . كانت زوجتي لا تنبس بكلمة في وجود أمي ، لا تعرف سوي الصمت ، فتقول امي : ـ لا أعرف أصامتة لأنها لا تفكر فليس عندها ما تقوله أم أنها تفكر في شيء سيء لا تستطيع قوله ؟ لا أعرف فأحلي الأمرين مر . بالإضافة لذلك ، كانت توجد مشكلة الرائحة ، حيث تشم أمي رائحة غريبة في زوجتي ، ربما نوع من العطور أو الطيب . رائحة زوجتك كالعاهرات - كانت أمي تقول - مشاكلي معها لا عد لها ولا حصر ، فرائحتها منفرة . أعترف انني لم اشم قبل ذلك هذه الرائحة ، ولا أعرف احدا قد شم رائحة غريبة في زوجتي . لكنني كنت أري في مرات كثيرة كيف تعقد أمي حاجبيها وتسد أنفها بيدها بمجرد أن تمر زوجتي بجانبها ، بل وتجبرني أن أتشمم هذه الرائحة . - لكنك لم تشمي من قبل رائحة عاهرات! - بل شممتها في أبيك مرات كثيرات . استلمت أمي شريط الفيديو القادم لها من إيطاليا ورفضت أن تشاهده . في هذا الشريط اعتقدت اسبرانثا ، صديقة أمي البعيدة ، أنها قد تعرفت علي هوية أبي ، فهي قد رأته في عجالة ما بين سنة 35 و 1936 ، ثم وجدت صورته بعد ذلك معلقة علي الأبواب وحوائط بيت العائلة . لم ترغب أمي في مشاهدة الفيلم ، لأنه بدا لها مستحيلاً أن يصور أحد أبي قبل موته بساعات ، فالمغتالون أنفسهم ، الذين قتلوا أبي ، كما قالت أمي ، كسروا الكاميرات ليمسحوا آثار الجريمة . كان من الصعب اقناع أمي بالجلوس أمام شاشة التليفزيون ، لكن الواجب فرض نفسه . اعتقد أنها وافقت علي مشاهدة الفيلم كما وافقت علي التعرف علي الجثة داخل النعش . أخيرا جلست أمام التليفزيون كأداء واجب . كانت تحمل نفس الوجه بنفس الانفعالات التي ترسمها عندما كانت تقدم لي الفواتير أو الخطابات التي تأتي باسمي أو باسمها : وجه واع بكم القوة التي يستهلكها ، واع لنظرات الآخرين . ورغم أن أمي كانت ترد علي خطاباتها بنفسها ، إلا أنها كانت تطلب مني أن أراجع لها الفواتير والحسابات . أنا أخصائي في الطب الإشعاعي ، وصلتُ لذلك بفضل أمي التي سهرت عليّ بعد ممات أبي ، فدفعتْ لي المصاريف الدراسية ، ثم تخلت عني بعد ذلك ، فحملتني مصاريف البيت ووضعتني في مشكلات لا نهاية لها مع البقال والسباك وزملائي الأطباء والخادمات ومأموري الضرائب والكوافيرة ، بل حتي مع المسئولين عن إنشاء مدفن خاص لها ومحصلي أموال هذا المدفن والمشاركين معها ، ومع الجيران وأصدقائي القدامي وأقاربنا . كانت الحياة مع أمي تشبه الشارع الممتليء بحوار متعرجة ، بالمتاهة التي لا نهاية لها ، فكلها حسابات مجهدة ومتكدسة بالديون المؤجلة من يوم لآخر خلال ثلاثين أو أربعين عاماً . كانت حياتنا مجموعة مشاكل تقطع علينا الحلم . كانت كما الحجر الثقيل الذي أتحمله وحدي فوق رأسي ، وداخل هذه الرأس حجر آخر أكبر وأكثر ازعاجا . - مشاكلي لا عد لها ولا حصر . تركتني زوجتي لأنها لم تحتمل نظراتي إليها ، رغم أني لا أعرف كيف كنت أنظر إليها . ربما السهر والضيق شوها وجهي ونظراتي . ضيق جعلني ألتفت إلي رائحتها التي اكتشفتها أمي ولم أشمها أنا بنفسي . تنبأت لي العرافة أنني سأقتل أمي ، وهذه النظرة إلي المستقبل أدهشتني وأرهبتني . كانت العرافة تبدو متخصصة وصادقة ، وحكت لي كثيرا عما حدث في سنوات عمري الماضية ، وصدقت . أعترف أنني لا أؤمن بالعرافات ، فأنا أفكر بطريقة علمية . صعدتُُ لبيت العرافة فقط لأن اللافتة المعلقة علي بابها لفتت انتباهي ، فدخلت لأتسلي ولأنسي نفسي قليلا فأخرج بذلك من مشاكلي بكلامها عن مستقبلي ، عن نفسي . فتح لي الباب رجل أعمي قادني لصالة الانتظار ، حيث وجدت امرأة ورجلا تعيسين ، شعرت معهما بالخجل . كان أحدهما ينظر لي . كانت المرأة تحمل كيس نقود قديم باحدي يديها ، بينما لا يملك الرجل شيئا . كانا حزينين ، يحركان شفاههما ويتحدثان بصوت خفيض لئلا يسمعهما أحد . بعد ساعة دخلت للعرافة. كانت صوتًا وظلاً من ضمن الظلال الكثيرة الموجودة في غرفة سفرة عائلة محترمة . كان الضوء منطفئا ، والنوافذ مغلقة ، والستائر مسدلة . الضوء الوحيد كان يأتي من شمعة كبيرة حمراء كائنة فوق المائدة ، بين العرافة وبيني . لم يكن للعرافة عمر ، كانت عبارة عن تمثال من الحجارة . فوق المائدة كانت توجد جريدة لاحظتُ فيها تاريخ اليوم ، لكن منذ ثلاثين عاما مضت أو ثلاثين قادمة . مدتْ العرفة الجريدة للرجل الأعمي ، الذي فتح لي باب البيت ، والآن يجلس علي مقعد من البلاستك ، علي حافة بار يقع علي يمين العرافة ، علي بعد متر منها ، مرتديا نظارة سوداء في ظل الشمعة الحمراء . ضربته العرافة بالجريدة في ذراعه، فمد يده وأخذ الجريدة وتركها علي الأرض ، ثم سكن ، ربما نام ، ربما مات ، دون أن يخلع نظارته . نظرت لي العرافة بتركيز ، أغمضت عينيها قليلاً كما لو تبحث عني في ذاكرتها وتريد أن تستحضرني بدقة . صار وجه الصنم أكثر رقة . رأت فيّ شيئاً استطاع أن يحرك مشاعرها ، شربنا فنجاني شاي . لم يكن هناك شاي من أجل الأعمي الذي لا يتحدث ، بل ولا حتي يهتم بوجودنا في الغرفة معه . لم يهتم أيضا أن يسمع تنبؤات العرافة الجريئة . حينئذ تنبأت لي العرافة انني سأقتل أمي ، فأدهشتني . كانت غير قادرة علي الخطأ ، فحكت لي أنني كنت ممثلاً سينمائياً وأنا طفل صغير ، وحكت لي عن يوم زفافي وزواجي من نائبة بالمجلس المحلي ، كما حكت لي عن طلاقي وعن وظيفتي في الطب الاشعاعي . وهكذا أرعبني مستقبلي المستحيل الذي لا يصدق ، والذي تكهنت به . حاولتُ أن أشعل سيجارة ، لكن يدي كانت ترتعش بشدة . ظللت أسبوعاً كاملاً أنام بشكل مضطرب ، أنتقل من مكان لاخر بلا طعام ، كما الصائم ، وأصبحتُ أسمع باستمرار صوت النبوءة يرن في أذني حتي تدمرت أعصابي ، وقد ساعدت أمي في هذا التدمير ذات ليلة عندما اجتمعنا في غرفة السفرة وبصحبتنا صديقتها الايطالية البعيدة ، لنشاهد صور أبي الأخيرة في شريط فيديو . قالت أمي : - من المستحيل أن يكون اميليو في هذا الفيلم ، فهو رجل تافه ، فلو خرج أنوخوسا أو لافارجا لن أندهش ، فهما بطلان لهما شخصيتهما وأفكارهما ، لذلك اغتيلا بسبب، لكن أن يطل علينا اميليو فهذا مستحيل . لم أر أبي قبل ذلك ، فقد ولدتُ بعد موته ، لكنني شاهدتُ صوره الفوتوغرافية والمرسومة ، كما رأيت صوري لسنوات طوال ، ورأيت وجهي في المرآة وفي عيني أمي وعيني زوجتي . وعندما شاهدت الفيلم ، رأيت شبحا رماديا وأصفر ، رأيت روحا بلا جسد . شبحا شاحبا ، مهتزا ، محروق الوجه ، مرسوما بالتجاعيد . رأيت شبحا لشبح قد مات منذ سنوات كثيرة ، رأيت نفسي بكل ما فيها من تفاصيل . صرخت صديقة أمي : - إنه اميليو ، انظري! كان رجلا مشعا بالشباب ، أكثر شبابا مني الآن . كان سعيدا يوم وفاته بشكل لا يمكن تفسيره . كان يضع معطفا علي كتفه رغم حرارة الجو المرتفعة . كان أحد كمي قميصه مشمرا حتي الكوع ، بينما كان الآخر مفرودا حتي رسغه . كان أشعث الشعر ، طويل اللحية . كان وجهه متجاسرا بين وجوه أخري متجاسرة مثله ، وكانت يداه تغطي احيانا هذا الوجه ، الذي فوجيء بما هو فيه ، فوجيء بأنهم أخذوه بالقوة من بار أو صالة رقص ليدفع حياته ثمنا . كان ينظر للأرض كما لو أنه يقرأ مستقبله فيها ، مستقبلا كان ينتظره ، لكنه استعاد نفسه سريعا ونظر للكاميرا ، بحاجبين مقطبين ، وفتح عينيه بافراط وتظاهر بابتسامة أظهرت أسنانه ، وكان منظره يوحي بالسب لا بالفرح . - هذا ليس زوجي ، ليس اميليو ، زوجي لا يعطي هذا الانطباع الأبله ، زوجي له وجه قبيح وسوقي ، كما أن أنفه تختلف عن هذه الأنف . تحدثت أمي ، نهضت بمجهود كبير ، خرجت من غرفة السفرة وهي تجر قدميها ذات السبعين عاما . تبادلنا النظر أنا وصديقتها ، التي قالت بعينين مليئتين بالدموع : - إنه أبوك ، أنا أتذكره جيدا ، كان جميلا . كنت أفكر حينها في وجهي القبيح السوقي وفي أنفي ، بينما كانت الطائرات في الفيلم تقصف المدينة . حاولت أن أشعل سيجارة لكن نبضي كان يرتجف ، وانطفأت الولاعة كما انطفأت في بيت العرافة . نهض الرجل الجالس عن يمين عرافتي ، ابتعد عن الجريدة لكيلا لا يطأها . اقترب مني ، أشعل سيجارتي ، لم يكن الأعمي أعمي ، واستمرت العرافة في سرد نبوءتها الغريبة . - تبدو لك نبوءتي أكذوبة ، لكنك ستقتل أمك ، ولن تصدق أنك قتلتها . لن تعرف الراحة بعدها ، ستسلم نفسك للشرطة ، بعدها ستشعر أنك في سلام . خرجتُ للشارع أشعر بقشعريرة في جسدي ، كان صباح يوم من أيام يونيه . دخلت مقهي يسمي اليفانتي ، طلبتُ زجاجة بيرة . أمسكت الجريدة بيد مرتعشة . فكرت في هراء العرافة التي تتنبأ بجرائم مستقبلية مستحيلة الوقوع ، وتسهب في الكلام عن حقائق ماضية . معها ، كنت أعيش بين الماضي والمستقبل ، كما لو كنا نحيا بين دقيقتين . للعرافة مقدرة غريبة علي سبق الزمن أو التأخر عنه عدة ساعات ، أيام أو شهور ، ومقدرة أن تعرف المستقبل وتتكهن بالماضي ، دون أن تهتم بما يشغلني ، دون أن تهتم بتقديم ساعتي أو تأخيرها عدة ثوان ، لقد التبس عليّ الأمر . فالعرافة لم تخلط المستقبل بالماضي كمن يخلط الحادية عشر بالحادية عشر وخمس دقائق . فتحتُ الجريدة ، نفس الجريدة التي كنت قد رأيتها علي مائدة العرافة بالقرب من قدمي الأعمي الذي لم يكن أعمي . في الصفحة السابعة والعشرين كانت صورتي في إنتظاري ، برفقة قصتي ، وفيلمي المشهور ، الذي قمت فيه بدور الطفل يسوع . قصة زواجي الفاشل بنائبة المجلس المحلي ، وظيفتي . كانوا يبحثون عني بعد أن وجدوا جثة أمي منذ ثمان وأربعين ساعة ، وربما منذ خمسة أيام . كانت رأسها مهشمة بالشاكوش . أدهشتني فكرة ان العرافة والأعمي قد نعرّفا علي صورتي رغم أن الصورة المعروضة في الجريدة كانت قديمة ورسمية ، عندما كنت اعمل نائبا لأمين صندوق جمعية الأطباء الاشعاعيين ، عندما كنت رجلا محترما ، لا أقضي أربعة أيام بلا نوم ، وبلا حلق لحية ، وبلا طعام . عندما كانت امي تعتني بي .
ت/ احمد عبد اللطيف

الاثنين، أبريل 20، 2009

قصة : باقة ورود زرقاء

للكاتب المكسيكي الأشهر : أوكتابيو باث استيقظتُ وأنا أتصبب عرقاً . كانت الأبخرة الساخنة تتصاعد داخل غرفتي المشيدة من الطوب الأحمر ، التي قد رششتها بالماء قبل نومي . خطفت بصري هذه الفراشة بجناحيها الرماديين ، بحومها حول بؤرة صفراء . انتفضتُ من أريكتي ، سرتُ حافيا داخل غرفتي ، وكنت حريصا ألا أطأ عقرباً هجر جحره لينعم بنسمة هواء باردة .اقتربتُ للنافذة الصغيرة ، استنشقت ملء رئتي نسيم الريف ، سمعت تنفس الليل ، الهائل والرقيق . عدتُ بعدها لمنتصف الغرفة ، أفرغتُ ماء الدورق في الطشت المعدني ، بللتُ فوطتي ، ودعكتُ بالقطعة المبللة رقبتي وقدميّ . جففتُ أعضائي ، وارتديتُ ملابسي ، بعد أن تحققتُ أن ثناياها خالية من الحشرات ، ثم انتعلتُ حذائي . هبطتُ درجات السلم متخطياً الدرجة الخضراء ، ووجدتُ صاحب البنسيون جالساً عند مدخله . رجل أعور ومتحفظ ، يجلس علي مقعد صغير من التول ، يدخن بعينين شبه مغمضتين . سألني بصوت أجش : ـ رايح فين يا سيدي ؟ ـ أتمشي ، هنا الجو نار . ـ آه ، بس هنا مفيش حاجة فاتحة دلوقتي ، وكمان مفيش نور . خليك هنا أحسن . ربتُ علي كتفه وهمستُ في أذنه " مش هتأخر " . دخلت بعدها في ظلام دامس . في البداية لم أر شيئاً ، فسرتُ أتلمّس طريقي في الشارع المرصوف ، وأشعلتُ سيجارة . سطع القمر فجأة من خلف سحابة سوداء ، فأضاء جداراً أبيض وفتت بالتدريج قطع الظلمات . وقفتُ امام بياضه مشدوهاً ، فاقداً بصري . سمعتُ صفير الريح ، وتنفّستُ عطر التمر هندي . كان الليل يهتز بحشراته وورقات أشجاره ، وكانت الضفادع كامنة في معسكرها بين الحشائش الطويلة . رفعتُ وجهي للسماء : النجوم ايضا تكمن في معسكرها العلوي . فكّرتُ في الكون : ماهو إلا نظام رحب من الدلالات ، ما هو سوي حوار بين كائناته الهائلة . إن حركاتي ، ونقيق الضفادع ، الشبيه بصوت منشار ، ورمشة النجوم ، ما هي إلا وقفات ومقاطع وعبارات مبعثرة من هذا الحوار . ماهي هذه الكلمة التي أشكّل فيها مقطعاً ؟ من الذي يتفوه بها ومن الذي يتلقاّها ؟ رميتُ السيجارة علي الرصيف ، فشكّلتْ منحنياً مضيئاً بمجرد سقوطها ، وتناثر منها شرر ضئيل ذكّرني بطيارة ورق صغيرة . سرتُ الهوين لوقت طويل ، وشعرت بالحرية والأمان مع هاتين الشفتين اللتين نطقتا بسعادة بالغة : الليل حديقة مليئة بالعيون . عندما هممت بعبور الشارع ، شعرت أن أحدا ينطلق من داخل مدخل بيت . رجعتُ ، لكنني لم أتمكن من تمييز أحد . أسرعتُ الخطي ، وسمعتُ بعد لحظات ضجيجاً خامداً علي بعد خطوات ، ضجيج يخطو فوق الأحجار الساخنة . لم يرُق لي أن ألتفت ورائي رغم ادراكي لاقتراب الظل ، الذي يزداد التصاقا بي . حاولتُ أن أطلق ساقي للريح ، لكنني عجزتُ عن ذلك . تسمرتُ في مكاني فجأة ، وقبل أن أدافع عن نفسي ، شعرتُ بنصل سكين في ظهري وسمعت صوتاُ عذباً : ـ لو اتحركت هدفنك ف مكانك . وبدون أن ألتفت إليه سألته : ـ عايز إيه ؟ ـ عايز عينيك يا سيدي .ـ أجابني صوت ناعم وشبه حزين . ـ عيني! وهتفيدك في ايه عيني ؟ اسمع ، أنا معايا فلوس كتير ، مش كتير قوي يعني ، أديك كل اللي معايا ، بس تسيبني ، ما تقتلنيش . ـ ما تخافش يا سيدي ، مش هقتلك . أنا مش عايز أكتر من عينيك . سألته مرة أخري : ـ وهتفيدك بإيه ؟ وليه عيني بالذات ؟ ـ ده طلب خطيبتي ، عايزة بوكيه ورد متزين بعيون زرقا ، وهنا مفيش حد عينه زرقا . ـ بس أنا عيني مش هتنفعك ، لأنها مش زرقا ، دي صفرا . ـ وكمان عايز تضحك عليّا . أنا عارف العين الزرقا كويس قوي . ـ ماهو ما ينفعش حد ياخد عين حد كده . أنا هديك حاجة تانية . ـ ما تبقاش متزمت كده . قال لي هذه العبارة بقسوة شديدة . فالتفت إليه فوجدته نحيلاً هزيلاً ، يغطي نصف وجهه بقبعة ، ويمسك بيده اليمني سكيناً يلمع مع ضوء القمر . ـ ارفع وشك ! امتثلت لأمره ، وأشعلتُ عود كبريت وقرّبته من وجهي ، فأجبرني لهيبه أن أغمض عيني قليلاً . فتح جفوني بيد قوية . لم يسعه أن يري شيئا ، فوقف علي أطراف أصابعه وتأملني بدقة . كاد اللهيب أن يحرق أناملي ، فألقيت بعود الكبريت علي الأرض . التزم الصمت برهة . ـ صدقت بقي إن عيني مش زرقا ؟ ـ انت حدق قوي ! ـ أجابني ـ ولع عود غيره! . أشعلت عودا آخر وقربته لعيني ، فأمسكني من كم قميصي وأمرني : ـ اركع علي ركبتك ! ركعت ممتثلا لأمره ، فأمسك بشعري باحدي يديه وشد رأسي للخلف ومال فوق صدري . كان مدققاً ومتوتراً ، بينما كان نصل السكين يقترب ببطء ويلمس جفني . أغمضتُ عيني تلقائياً . ـ افتحهم كويس ـ أمرني . فتحتهما بطاعة ، فأحرق لهيب النار رموشي . فجأة أطلق سراحي . ـ عينك مش زرقا ، عفيت عنك . واختفي . ارتكزت علي جدار ما ، واضعاً رأسي بين كفي ومستويا في مجلسي . نهضتُ بصعوبة ، فوقعتُ ، ثم نهضتُ من جديد . شرعتُ في الركض ، وواصلت ركضي ساعة كاملة في هذه القرية المهجورة . وعندما وصلت للميدان ، رأيت صاحب البنسيون جالساً كما كان أمام المدخل . دلفت دون أن أنبس بكلمة . وفي اليوم التالي قررتُ أن أهرب من هذه القرية .
نشرت بترجمتي في مجلة نزوة العمانية.

الجمعة، أبريل 17، 2009

راكبة الدرجة الأولي

قصة : راكبة الدرجة الاولي للكاتب الارجنتيني : بيوي كاسارس
تمر الساعات برتابة في هذه المدينة الإستوائية ذات السوق المتواضع الذي يزوره زبائن عرضيون تبعثهم عادة شركات التبغ . ترسو السفينة في الميناء ، فيحتفل قنصلنا بها ، مقدما الموائد في الصالون العربي بفندق بالمز . ضيف الشرف دوما لا يتغير : القبطان ، المدعو من قبل رجل أسود من القنصلية يمكث عادة بجانب السفينة . يرجو الرجلُ القبطانَ أن تشمل الدعوة مجموعة يختارها بنفسه من الركاب وطاقم السفينة . تقدم الموائد أطعمة شهية ، إلا أنها تبدو فاسدة من الرطوبة . ومع أنها مطبوخة بمهارة ، إلا انها مشكوك في صلاحيتها . الفاكهة هي الشيئ الوحيد المحتفظ بطزاجته ، أو بقول أصدق : الفاكهة والنبيذ ، كما شهد بذلك الركاب الذين لم ينسوا أبداً طعم الخمر الأبيض الآسر ولا إنشراح صدورهم بالمرح الناتج عنه . في هذه المرة ، وأثناء تناول الغداء ، سمع القنصلُ سائحةً ، واسعة الثراء وطاعنة في السن وتتميز بالرصانة وطلاقة اللسان وترتدي ملابس انجليزية مريحة ، تقول هذا التعليق أو الحكاية : " دائما أسافر في الدرجة الأولي ، إلا أنني أعلم عن يقين أن كل المزايا تقدم لمسافر الدرجة الثانية ، بداية من سعر التذكرة التي تعد ميزة كبري ، ومرورا بالأطعمة التي نعرف جيدا أنها تخرج من نفس المطبخ ويعدها الطباخون أنفسهم لكلتا الدرجتين علي حد سواء ؛ بل أن الدرجة الثانية تتمتع بالأطعمة اللذيذة والطازجة والمتنوعة ؛ وليس إنتهاءاً بتفضيل طاقم السفينة للطبقة الشعبية . وهذا التفضيل الذي أتحدث عنه ، ولا أظنه هلاوس بصرية ، ليس مرتبطا بالطبيعة البشرية ، بل أنه انطبع في قلوب الناس بفضل الكتاب والصحفيين وكل هؤلاء الذين ننصت اليهم بكل شغف وريبة ، إلا أنهم يقنعونا بمثابرتهم وجلدهم . وأسوأ ما في الأمر أن تذكرة راكب الدرجة الثانية محددة بأكلات معينة ، بينما تذكرة الدرجة الأولي خالية من أي قيود ، ونتيجة ذلك بالطبع أننا لا نجد جرسونا واحدا يقترب منا ، وبالتالي فإن الاهتمام والرعاية تنصب علي الدرجة الثانية لا الأولي . قد تصدقني لو جزمت لك أنني لا أنتظر شيئا من الحياة ، لكنني أعشق الحركة والناس الجميلة والشباب . والآن سأفصح لك بسر : الجمال والشباب وجهان لعملة واحدة ، بالرغم من أننا نصّر علي عكس ذلك . فالعجائز أمثالي لا فائدة منهم في الدنيا ، ويكفي أن ننظر لصبي يرقص أمامنا لنشعر بالدوار . حسنا ، فلنرجع لموضوعنا ، قضية الدرجات ، الشباب يسافر عادة في الدرجة الثانية ، أما الدرجة الأولي فلا تعرف معني الرقص ، ولو وجدناه سنشعر أن الراقصين جثث هربت في التو من قبورها ، مرتدية أجمل ثيابها وكل حليها علي أمل أن تحتفل بليلة ليلاء ، تعود بعدها كل جثة ، نصف منسحقة ، إلي قبرها في الساعة الثانية عشرة بالضبط . يمكننا بالطبع أن نحضر حفلات الدرجة الثانية ، لكن علينا حينئذ أن نتخلي عن أية حساسية ، فهؤلاء القاطنون في الدرجة السفلي ينظرون لنا علي أننا نظن أنفسنا ملوكا يزورون أحياءً فقيرة . وعادة ما نجد الطبقة الشعبية يصعدون إلي درجتنا العليا عندما يحلو لهم ذلك ، بدون أن تمنعهم سلطة ولا يعترض طريقهم أحد بوضع حواجز بغيضة أكل عليها الزمن وشرب . وفي زيارتهم هذه، نستقبلهم بترحاب ، ونعتدل في مأكلنا ومشربنا ، ولا نسرف في عواطفنا مراعاة لمشاعرهم وحتي لا يكتشف هؤلاء الضيوف العرضيون أننا نضعهم في تصنيف آخر ـ وهو الدرجة الثانية التي تعد فخرا حقيقيا للرحلة طوال مدتها ـ كما أننا نخشي أن نجرح مشاعرهم . لكننا ، والحق أقول ، لا نسعد بزيارتهم ، لأنها تحدث عادة قبل الفجر ، حيث يأتون غازين ، مقتحمين ، هذا الاقتحام الحقيقي الذي يبحث فيه المقتحم بلا رحمة عن غرفة راكب لم تغلق جيدا ، أو راكب تأخر بالخارج سواء في الحانة أو المكتبة ، أو حتي في الصالون الموسيقي .يبحثون عن غرفة شخص منا . وأقسم لك يا سيدي أن هؤلاء الصبية يأخذون ما يجدونه ويخرجون من غرفنا ليلقوه من حافة السفينة في غياهب البحر العميق ، بلا مراعاة لمشاعرنا . في غياهب البحر العميق ، المضاء بقمر لا يتألم ، كما يقول الشاعر الكبير ، والمسكون بكائنات خرافية ، مرعبة ، خلقناها من نسيج خيالنا . وهكذا في كل الصباحات ، نتبادل ، نحن سكان الدرجة الأولي ، النظرات المعبرة بعيون لا تخفي شيئا ، ومعلقة ، " وأنت ، ألم يصبك مكروها بعد ؟" وبلباقة وحيطة ، لا نتحدث عن الأشياء المفقودة ، لأنه طبقا لبعض الروايات التي لا أساس لها من الصحة ، والرغبة المتوحشة في بث الخوف والاعتقاد بأن الطرف الثاني كاملا بلا نقيصة ، يقال إن أبناء الدرجة الثانية يزرعون بيننا عصافير جاسوسية . وكما قلت سلفا ، فقد فقدت درجتنا مزاياها وأصبحت كالذهب ، لا يحتفظ سوي بسمعته . لكنني ، وربما يرجع ذلك لنقيصة يصعب اكتمالها في مثل عمري ، لا أرضي أبدا أن أكون راكبة من الدرجة الثانية" .

السبت، أبريل 11، 2009

قصة : ساقي اليمني / خوان مياس

كان ابي واقفاً علي حافة الرصيف بجانب سيارته ، ممسكاً بيده علبة من البلاستك ، ومنتظراً أن يعبر أحد . عبرتُ أنا بالموتوسيكل ، واضعاً فوق رأسي خوذة تخبئ وجهي تماماً ، فوقفتُ أمامه ، دون أنا أعرّفه بنفسي . ـ هل نفد البنزين ؟ سألته . ـ نعم ـ أجابني . ـ اركب . ركب أبي دون أن يتعرّف عليّ . لم نتقابل أو نتحدث منذ خمسة أعوام مضت ، وآخر مرة عانقته فيها كان يوم دفن أمي . بعدها ، دون أن يحدث خلاف بيننا ، بدأت تنقطع مكالماتنا التليفونية حتي اختفت تماماً . لاحظتُ أنه كان يحني رأسه ليتفادي الهواء ، ولابد أنه لاحظ إرتفاع كعب فردة حذائي الأيمن ، فساق هذه الفردة أكثر قصراً من الساق اليسري . لقد حدثني كثيراً عن الغضب الذي تملكه عندما أخبره الطبيب بعد مولدي بهذا الأمر . ورغم أنني لم أشعر أبداً بالأسي ، إلا أنهما كانا يشعران بالذنب أمام هذه الستيمترات الناقصة في ساق ، أو الزائدة في أخري ، فالأمر يتوقف علي رؤية كل منا ، وأنا لم أعرف أبداً أيهما المعيبة ، القصيرة أم الطويلة . أقود الموتوسيكل بمهارة فائقة ، وأدخل بين السيارات بحركات تبدو بعيدة عن الحيطة في رأي البعض . خلال ذلك ، لاحظت أن أبي ، رغم تحفظه في لمس الرجال ، كان يمسك بكتفي بيده اليسري بينما يحاول أن يلصق بفخذه العلبة البلاستكية التي يسندها بيده اليمني . أدركتُ أنه لم يتوقف عن النظر لفردة حذائي المرتفعة ، ولابد أنه قد سأل نفسه عن إحتمالية أن أكون ابنه ، وربما تذكر الأطباء الذين زارهم وسلسلة الأشعات التي قمتُ بها ومجموعة الحلول المقدمة ، ليصل في النهاية لهذا الحل البسيط والعملي بإضافة قطعة صغيرة لحذاء الساق الأقصر . حينها ، ضغط علي كتفي ضغطة يمكن تفسيرها بأنها نتيجة لتحريك عاطفته ، لكنني لم أتجاوب معه . وصلنا بعد قليل إلي محطة البنزين ، فنزل من الموتوسيكل وبيده العلبة البلاستكية . أخبرته أنني ليس بوسعي أن أصطحبه في العودة لسيارته ، فأجابني بألا أشغل بالي ، فلابد أنه سيجد من يصطحبه . لاحظتُ أنه يحاول أن يكشف وجهي بعينيه ، عبر مقدمة الخوذة المشبرة . في هذه الليلة ، دق الهاتف عدة مرات في بيتي ، لكن الاتصال كان ينقطع قبل أن أرفع السماعة .

الأربعاء، مارس 25، 2009

قصة : كتابة ضد الرغبة

خوان مياس عندما أسأل نفسي هل كان لنا مدرسون أفاضل ، أتخيلهم ، واحداً واحداً ، فيطاردني سؤال آخر ، هل كان لهؤلاء المدرسين تلامذة نجباء . بشكل عام ، كنا تلامذة أشقياء ، لا ينعم في وجودنا لا المُربي الطيب ولا الشرير . من بين هؤلاء كان مدرّس الأدب، الذي كان يأمرنا بكتابة موضوعات مختلفة . فيطلب منا ، مثلاً ، إذا شاهدنا فيلماً قد أعجبنا ، أن نكتب عكس إرادتنا ، شريطة أن نكتب بطريقة يعجز أمامها القاريء عن كشف الكذب من الحقيقة . بعد كتابة العديد من هذه الموضوعات ، انتبهتُ أن كثيراً من الأفلام ، التي اعتقدتُ أنها أعجبتني سابقاً ، ليست إلا أفلاماً لا قيمة لها . تعلّمتُ أيضاً أنه بقليل من الموهبة والممارسة يمكنني الدفاع عن أوضاع لا يمكن الدفاع عنها . إلي الآن مازلتُ أستخدم منهج هذا المُعلم ، حيث أن كثيراً من موضوعاتي أكتبها مباشرة ضد رغبتي ، لأنني لا أثق كثيراً أن أفكاري الناتجة عن إنطباع ما أفكار صائبة . ذات يوم ، أمرنا المُعلّم أن نكتب موضوعاً عن أبائنا . طلب منا أن نتخيل أحدهما علي وشك الموت ، وعلينا أن نقرر أيهما في هذا الوضع . لم نتكلم في الفسحة عن شيئ آخر . ـ أنا أختار أبي ـ قال أحدنا ـ لكنه من ينفق علي البيت! ـ لا تشغل بالك ـ رد آخر ـ فأمك ستعيش من المعاش . ـ وما هو المعاش ؟ سأل ثالث من بعيد . أنا لم أكن أدري أيهما أختار ، فتخيلتُ كلتا الفرضيتين ، واخترت هكذا من سيسبب لي وفاته ألماً أشد ، فلقد صرتُ خبيراً ، أو هكذا كنتُ أعتقد ، في الكتابة ضد رغبتي . قتلتُ أبي إذن ، وحصلتُ علي تسعة من عشرة ، وهي اعلي درجة حصلتُ عليها في حياتي بأكملها ، وبفضلها لم أرسب ، لأول مرة ، في مادة الأدب في امتحان الشهر . هنأني أبي وأعطاني قبلة ، فشعرتُ أنهما تهنئة وقبلة من رجل حُكم عليه بالموت . احتملتُ هذا الشعور بالذنب مدة عام ، حتي ساقتني الصدفة وبعض الأعراض إلي غرفة المحلل النفسي ، وهناك تحققتُ أن كل الأطفال يرغبون قتل آبائهم ليستحوذوا كلية علي أمهاتهم . إذن فقد فعلتَ الصواب ، أخبرني محللي النفسي ، ناصحاً إياي ألا ألوم نفسي بهذه الطريقة . ما يؤلمني حقاً ، الآن ، أنني فعلتُ ما كان متوقعاً . وفي هذه اللحظة أسأل نفسي هل لو كنتُ قد اخترتُ أمي للموت كنت سأحصل علي عشرة من عشرة ، وأعطوني مرتبة الشرف!

الأربعاء، مارس 18، 2009

دقة مواعيد

دقة مواعيد

قصة ل خوان مياس

كان لي خطيبة تكره الدقة في المواعيد ، وكان ذلك يبدو لها أحد عيوب البورجوازية . في تلك الفترة كنتُ أصل دائما قبل موعدي بنصف ساعة ، ليس كرد فعل معاكس ، وإنما لمشاكل عقلية ، فقد كنت أعتقد أنني لو تأخرتُ في مواعيدي ستحدث كارثة . بالأضافة لذلك ، فإن ميزة الوصول إلي المطار ، مثلا ، قبل موعدك بساعتين أو ثلاث يتيح لك الفرصة ، إن كنت قد نسيت جواز سفرك ، أن تعود للبيت لتحضره دون أن تفقد رحلتك . لم تكن خطيبتي تفهم هذه التفسيرات ، بل وكانت تلومني بمرارة علي بورجوازيتي التقدمية في سنوات كانت فيها الطبقة الوسطي تنظر للطبقة الوسطي باحتقار . شرحتُ لها حينئذ أنني أصل قبل موعدي لألقي نظرة من بعيد علي الناصية التي تواعدنا عندها ، لأتحقق أنه لا توجد حركات مريبة في المنطقة . فقد قرأتُ روايات كثيرة لجون لي كاريه ، وعلمتُ أن الجواسيس دوما ما يتخذون هذه الاجراءات الاحتياطية . ـ أتريدين أن يتحروا أين نتقابل ويعتقلوني ؟ ـ لكنك لست جاسوسا لتفعل ذلك ـ أجابت هي . ـ لا أحد يعرف هذه الأمور ـ أجبتها أنا بشكل غامض . يتميز الجواسيس بأنهم يستطيعون الإحساس بكل نوع من الوساوس ، بدون أن يلفتوا الإنتباه . فالعميل ، كما يقول الكتاب ، يجد نفسه مضطراً ، مثلا ، لترك فرشاة أسنان علي باب بيته عند خروجه ، ليتحقق إن دخل أحد إلي بيته في غيابه أم لا . وغير الفرشاة ، يمكنه أيضا أن يترك قليلا من الصمغ في ركن ما من الباب . ورغم كل احتياطاته ، يجب أن يحترس من حديثه في غرفة معيشته لأنهم ربما يضعون له ميكروفونات في حجم رأس الدبوس في أي مكان . وقبل أن يشرع في حديث حساس ، من المناسب أن يطل من نافذته ليتأكد أنه لا توجد سيارة في الشارع لها اريل هوائي في سقفها . وكل هذه الاحتياطات تعد قليلة . ذات مرة ذهبت لطبيب نفسي ليعالجني من هذه العلل ، التي أخسر معها وقتي وأفقد فيها طاقتي . وحين رويت له كل شيئ ، أكّد لي أنني فعلا في حاجة إلي علاج ، لكنه عبّر عن ذلك بطريقة لم ترق لي . وبالتالي ، عندما شرع في عمل ملفي وسألني عن مهنتي ، أجبته أنني جاسوس . ـ إذن فحضرتك تقوم بما يجب عليك . قد تحتاج علاجا لو لم تفعل واجبك . ـ هذا ما أقوله لخطيبتي ! ـ وهل تعلم خطيبتك أنك جاسوس ؟ ـ بالطبع لا . أتظن انني عميل مجنون لأحكي لكل الناس أنني أعمل في خدمة الاتحاد السوفيتي ؟ . كان الإتحاد السوفيتي حينها موجودا ، وكانت مدريد تكتظ بالأحزاب الشيوعية وأحزاب العمال والأعلام الحمراء والصينيين والكوبيين وغيرهم ، بالاضافة للفاشيين التقليديين ومن علي شاكلتهم . وكانت الحياة غاية في الصعوبة ، ولم يكن في متناول يد أحد أن يتخلي عن هذه الطقوس الوسواسية حتي لا يبدو ضد الثورة ، أو بورجوازي صغير . لقد كان وصولي مبكرا عن موعدي وعشق خطيبتي للوصول متأخرة ، أمرا يعكر العلاقة بيننا . حينئذ ، بلمحة كرم مني ، وحتي أرضيها ، أقسمتُ لها أن أصل متأخرا عن كل مواعيدي ، أو علي الأقل عن مواعيدي معها . وبهذه الطريقة عادت المياه لمجاريها ، أقصد إلي مجاريها هي ، لأنها تركت مجراي حتي صار جافاً . أوفيت بوعدي خلال الأسابيع التالية في موعدين أو ثلاثة ، لكنني كنت اعاني من أفكاري الخرافية التي تصور لي أن العالم سينتهي كنتيجة لتأخيري . وسريعا عادت ريمة لعادتها القديمة ، فأصبحت أصل من جديد مبكرا ، وأختبيء في مكان قريب لأتظاهر بأنني وصلت في التو بعد أن أراها قد وصلت وانتظرت عدة دقائق . وذات يوم كنت مختبئاً في مدخل بناية ، مراقبا منطقة اللقاء ، ورأيتها قد وصلت قبل موعدها بعشر دقائق ، حينها خرجتُ من مخبأي ، وعندما ناديتها " يا بورجوازية " ، أكدت لي أنها جاءت مبكرا لتتأكد إن كنت أصل متأخرا أم لا . وفي ذلك اليوم فسخنا خطبتنا ، لأسباب ايديولوجية ، في رأيها ، رغم أنني اعتقدت دوما أن إنفصالنا كان لأسباب نفسية . بالأمس رأيتها في الشارع ، تصطحب طفلا في يدها ، وشعرت بوسواس يدفعني لأقترب منها وأطلب منها ان تغفر لي دقة مواعيدي في سنوات شبابي ، لكنني أدركت في الحال أن الوقت ، علي الأقل في رأيي ، قد تأخر جدا ، رغم أنه بالنسبة لها مازال ، ربما ، مبكرا جدا .

جديد

«حصن التراب»: من ضيق الميلودراما إلى رحابة التاريخ

إبراهبيم عادل زيد   يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث ...